Arabic source text

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

📘 المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (محمد علي الحسن)

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ثم تفرغ قوم للقراءات يضبطونها ويعنون بها، فكان بالمدينة أبو جعفر يزيد بن القعقاع ثم شيبة بن نصاح ثم نافع بن أبي نعيم.
وكان بمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن محيصن.
وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش ثم حمزة ثم الكسائي.
وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي.
وكان بالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله ابن مهاجر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، ثم شريح بن يزيد الحضرمي، وقد لمع في
سماء هؤلاء القراء نجوم عدة مهروا في القراءة والضبط حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم.

‌‌القراءة السبعة وغيرهم:
لا يفوتنا أن نذكر لك‌‌ القراء السبعة الذين عناهم ابن مجاهد، الذي هو أول من سبّعهم، كما نذكر القرّاء العشرة الذين عناهم ابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر، ثم نذكر الأربعة المتممين للأربعة عشر.

القراء السبعة:
‌‌1 - نافع:
هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني. أخذ القراءة عن أبي جعفر القاري وعن سبعين من التابعين الذين أخذوا عن عبد الله بن عباس، وأبي هريرة، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المنورة، توفي سنة 169 هـ.
وأشهر رواته قالون وورش.

‌‌2 - ابن كثير:
هو أبو محمد أو أبو عبد الله بن كثير الداري، كان إمام الناس في القراءة بمكة. لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري وأنس بن مالك. وروى عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

على عبد الله بن السائب المخزومي، وقرأ عبد الله هذا على أبيّ بن كعب وعمر ابن الخطاب وكلاهما قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي سنة 120 هـ.
وأشهر رواته البزي وقنبل.

‌‌3 - أبو عمرو البصري:
هو أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار البصري. روى عن مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأ على جماعة منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع والحسن البصري، وقرأ الحسن على حطان وأبي العالية. وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب، توفّي أبو عمرو سنة 154 هـ.
وأشهر رواته حفص الدوري والسوسي.

‌‌4 - ابن عامر الشامي:
هو عبد الله اليحصبي يكنى أبا نعيم وأبا عمران، وهو تابعي لقي واثلة بن الأسقع والنعمان بن بشير. وقد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه قرأ على عثمان نفسه، توفي بدمشق سنة 118 هـ.
وأشهر رواته هشام بن عمار وابن ذكوان.

‌‌5 - عاصم الكوفي:
هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي، قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي معلم الحسن والحسين، وقرأ عبد الرحمن على الإمام علي وأخذ الإمام علي رضي الله عنه قراءته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي عاصم بالكوفة سنة 127 هـ.
وأشهر رواته شعبة وحفص

‌‌6 - حمزة الكوفي:
هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي مولى عكرمة بن ربيع التيمي، قرأ على أبي محمد سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم، توفي بحلوان سنة 156 هـ.
وأشهر رواته خلف بن هشام وخلاد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

‌‌7 - الكسائي الكوفي:
هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي لقب بالكسائي لأنه كان على الدوام لابسا «كساء»، قال أبو بكر الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم بالغريب، وكان أعلم الناس بالقرآن، فكانوا يكثرون عليه حتى يضطر أن يجلس على الكرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون منه ويضبطون عنه، توفي سنة 189 هـ.
وأشهر رواته أبو الحارث الليث بن خالد، والدوري حفص بن عمر.

‌‌تمام القراء العشرة:
‌‌8 - أبو جعفر المدني:
يزيد بن القعقاع القاري نسبة إلى موضع بالمدينة يسمى «قارا». أخذ عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة
130 هـ.
وأشهر رواته عيسى بن وردان وابن جماز.

‌‌9 - يعقوب البصري:
هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي قرأ على أبي المنذر سلّام بن سليمان الطويل، وقرأ سلّام على عاصم وعلى أبي عمرو، توفي بالبصرة سنة 205 هـ.
وأشهر رواته رويس وروح بن عبد المؤمن.

‌‌10 - خلف البزار:
أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي، قرأ على سليم عن حمزة، وعلى يعقوب بن خليفة الأعشى وعلى أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري صاحب المفضل الضبي، وعلى أبان العطار، وهم عن عاصم، توفي سنة 229 هـ ببغداد.
وأشهر رواته إسحاق الوراق وإدريس الحداد.

‌‌تمام القراء الأربعة عشر:
‌‌11 - الحسن البصري:
هو السيد الإمام الحسن بن يسار أبو سعيد البصري الغني بشهرته عن تعريفه توفي سنة 110 هـ. من رواية شجاع عن عيسى الثقفي عنه، ورواية الدوري عن شجاع عن عيسى الثقفي عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

‌‌12 - ابن محيصن:
هو محمد بن عبد الرحمن السهمي المكي مقرئ أهل مكة مع ابن كثير توفي سنة 123 هـ. من روايتي البزي وابن شنبوذ بسندها إلى شبل عنه.

‌‌13 - يحيى اليزيدي:
هو يحيى بن المبارك بن المغيرة، الإمام أبو محمد العدوي البصري المعروف باليزيدي توفي سنة 202 هـ. من رواية سليمان بن الحكم عنه، ورواية أحمد بن فرح عن الدوري عنه.

‌‌14 - الأعمش:
سليمان بن مهران الأسدي الكوفي الإمام الجليل كان عالما بالقرآن والحديث توفي سنة 148. من روايتي الشنبوذي والمطوعي بسندها إلى ابن قدامة عنه.
هؤلاء الأئمة العظام هم الذين خدموا الأمة والملة، وحافظوا على الكتاب ونسأل الله تعالى أن يغمر الجميع بواسع رحمته وأن يجزيهم أحسن الجزاء على خدماتهم لدين الله وكتابه.

‌‌حكم ما رواء العشرة:
وقع الخلاف في القراءات الأربع بعد العشر، فقيل: إن المسألة ليست مسألة أشخاص ولا أعداد، بل هي قواعد ومبادئ، فأيما قراءة تواترت سندا فهي مقبولة، وإلّا فهي مردودة، لا فرق بين قراءات القراء السبعة والقراء العشرة والقراء الأربعة عشر وغيرهم (1).--------------------------------------------
(1) انظر ترجمة القراء في المهذب والنشر وغيرهما.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

‌‌المبحث الخامس أسباب نزول
‌‌لمحة تاريخية سريعة عن هذا العلم
يعتبر شيخ البخاري علي ابن المديني (1) رحمه الله أول من دون كتابا في هذا العلم، وتلاه علماء (2) آخرون لم يصلنا شيء من كتبهم، إلّا ما ذكره الواحدي والسيوطي عنهم، وبقي هذا العلم غير مدون ولا مجموع، حتى طالعنا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (3) - المتوفى سنة 468 - بكتابه المشهور أسباب النزول، وهو خير الكتب المصنفة في هذا الفن، رغم ما فيه من إعواز وأخطاء تاريخية، وروايات ضعيفة ورد أغلبها عن طريق الكلبي، التي هي من أوهى الطرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهي طريق سلسلة الكذب كما يطلق عليها علماء الحديث، كما اشتمل كتابه على روايات لا تمت إلى أسباب نزول الآية بصلة. وكان المأمول من العلماء من بعده أن يجردوا كتابه من تلك الأخطاء، وأن يسدوا ما فيه من إعواز، بيد أن الذين أتوا من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك، فإبراهيم الجعبري (4) لم يفعل شيئا إلّا تجريد كتابه من الأسانيد التي ذكرها الواحدي، ولم يضف إلى ذلك شيئا يذكر، وقد تحدث في مقدمته قائلا:
نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، ثم أخذ يسرد كتاب الواحدي سردا لم نحظ منه بتعليق يسير عليه.--------------------------------------------
(1) علي ابن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة 234 هـ.
(2) وممن ألف في ذلك أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد القرطبي المتوفى سنة 402 هـ.
(3) هو أبو الحسن علي بن أحمد النحوي المفسر، توفي سنة 427 هـ.
(4) هو برهان الدين إبراهيم بن عمر المتوفى سنة 732 هـ، وقد ألف في علوم القرآن «روضة الطرائف في رسم المصاحف»، وشرح الشاطبية في القراءات في كتابه كنز المعاني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

وممن ألف في هذا العلم أبو الفرج- ابن الجوزي- المتوفى سنة 597 هـ.
وكتابه «أسباب نزول القرآن»، ثم جاء ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ وكتب كتابه «العجاب في بيان الأسباب» (1).
ذكر السيوطي أنه مات عنه مسوّدة، وكان يذكرها كثير من العلماء في عداد المفقودات، ولكنها ظهرت أخيرا إلّا أن هذه المسوّدة ليست كاملة، فقد كتب ما يزيد على أربعمائة صفحة من القطع الكبير، ووصل في ذكر أسباب النزول إلى الآية الثامنة والسبعين من سورة النساء، أي حتى قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78].
ومن خلال اطلاعي على المسوّدة وجدتها ليست مثل كتابه فتح الباري، بل سوّد صفحات كثيرة في أشياء لا تمت إلى سبب النزول بصلة، مثل ذكره عن كوكب الزهرة، بأن الزهرة هي امرأة جميلة، ثم حدث ما حدث إلى أن رفعت إلى السماء ..
وقد أطال في هجومه على من ضعفوا وردّوا هذه الرواية، والكلام في ذلك يطول ولا مجال لذكره.
ثم جاء السيوطي واعدا بأن يكون كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» من خير الكتب المصنفة في هذا الشأن، وقال مادحا كتابه: «إنني ألفت فيه- أي في أسباب النزول- كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله في هذا النوع، سميته «لباب النقول»، لقد أثنى على نفسه بشيء من المبالغة، في حين أن كتاب الواحدي بقي خيرا منه، وكان الأولى به أن يجمع مزاياه. ويكمل ما رآه ناقصا، ويسد ما فيه من إعواز كما قال، وهذا ما جعل محقق الكتاب- الأستاذ سيد صقر- يقول: (اللباب مصنوع من الأسباب).
وأخيرا فإن آخر كتب المتقدمين كتاب إرشاد الرحمن في أسباب النزول والمتشابه والتجويد (2) لمؤلفه عطية الله بن برهان الأجهوري المتوفى سنة 1170، وهو كتاب ما زال مخطوطا، وقد صنع مثلما صنع السيوطي، ووعد بإخراج كتاب فذّ في هذا المجال، ولكنه لم يصنع شيئا، إلا أنه جمع بين كتابي الواحدي والسيوطي وجرد أسانيدهما.--------------------------------------------
(1) مخطوط بالمدينة المنورة- جامعة الإمام محمد بن سعود- والنسخة مصورة عن نسخة مراكش.
(2) المخطوطة موجودة في المكتبة الأزهرية وهي بحالة متوسطة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

‌‌أولا- تعريف أسباب النزول:
من المسلمات والبدهيات أن من القرآن ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل عقب حادثة أو جوابا عن سؤال، وأكثر القرآن نزل ابتداء ليعالج الأوضاع والعادات الفاسدة القائمة آنذاك، فليس لكل آية سبب، وليس كل ما ذكر من الأسباب سببا في الحقيقة، فسبب النزول: (هو الحادثة التي وقعت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل بشأنها قرآن، أو الأسئلة والاستفسارات الموجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الآيات مجيبة عنها) وأحسن تعريف لذلك ما ذكره السيوطي قائلا:
(والذي يتحرر في أسباب النزول أنه ما نزلت الآية أو الآيات مبينة لحكمه أيام وقوعه) ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره سورة الفيل، من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت الحرام، ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله تعالى: .. وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: 125] سبب اتخاذه خليلا فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى (1).
فعند النظر في الرواية التي ذكرت أنها سبب النزول يجب أن يتحقق من مزامنة نزول الآية مع حدوث القصة أو الحادثة أو السؤال فإن تزامنت جاز أن تكون سبب نزول وإلّا فلا.

‌‌ثانيا: الألفاظ الدالة على سبب النزول:
جدير بالذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطريق الوحيد لمعرفة أسباب النزول، لأنهم هم الذين عاينوا نزول القرآن، فلا خلاف أنه إذا قال الصحابي سبب نزول الآية كذا، فإن هذا يدل صراحة على السبب دون حاجة إلى بيان، ومثل ذلك إذا أخبر الصحابي عن حادثة أو سؤال وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر بعد ذلك الآيات عقيب الحادثة، أو إجابة للسؤال فإنه ذلك يعتبر نصا في سبب النزول.--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن 1/ 42، ولباب النقول في أسباب النزول، ص 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

ومثالا له ما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) فنزل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 33 وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الأنفال: 33 - 34] (1).
وهناك ألفاظ وقرائن تدل على سبيل الرجحان على سبب النزول، كأن ترد الفاء التعقيبية داخلة على مادة نزول الآية بعد سرد حادثة ما، أو بذكر سؤال طرح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا فنزلت.
فهذا يدل على الرجحان، لا على سبيل الجزم، كما رأى ذلك بعض الباحثين لأنني وجدت آثارا كذلك ولم تدل على السبب، ويستوي في ذلك أن يكون السؤال الذي نزلت الآيات بسببه متصلا بأمر مضى كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: 83].
أو بأمر حاضر كقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ..
[النساء: 153].
فنزلت في اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى موسى.
أو بأمر مستقبل نحو قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها .. [الأعراف: 187].
كما لا ينبغي أن يفهم كل سؤال ورد في القرآن وأجيب عنه، يدل على سبب النزول، فقد ورد لفظ يسألونك في اثني عشر موضعا، ولم يثبت لأكثرها سبب للنزول، وإن حاول بعض المفسرين أن يتمحل لها سببا وأتى بما لا طائل تحته.
بقي تحقيق القول فيما إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يدل ذلك على سبب؟.
نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يردا به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما--------------------------------------------
(1) والحديث رواه البخاري في صحيحه (4648) و (4649).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

نقول: عنى بهذه الآية كذا (1)، فهي تحمل على التفسير إن ذكر فيها معنى تدل عليه الآية، وتحمل على بيان سبب النزول إن ذكر فيها ما دعا إلى نزولها.
مثال ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ..
[النساء: 94].
فإنه إذا قيل: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مر بهم رجل من سليم، وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم … الحديث (2). فكان ذلك بيانا لسبب نزولها، وإذا قيل: نزلت في معاملة الناس بمقتضى ظواهرهم، كان تفسيرا لها وبيانا لمضمونها، ولغلبة استعمال هذه العبارة في التفسير، قال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها.
وما أكثر الآيات القرآنية المتضمنة للأحكام، وجعلت هذه الأحكام أسبابا، ومن أراد معرفة ذلك فلينظر إلى تفسير الآيات: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195].
وقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122].

‌‌ثالثا: طريق معرفة أسباب النزول:
يقول الواحدي في مقدمة كتابه: (كل آية لها سبب مقول مروي منقول) (3).
وعلى هذا فلا يحل القول في أسباب النزول إلّا بالرواية والسماع. ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار، لما رواه ابن عباس قال: قال رسول--------------------------------------------
(1) مقدمة في أصول التفسير ص 48، تحقيق د. عدنان زرزور، والإتقان 1/ 89.
(2) ذكره السيوطي في اللباب وقال رواه البخاري ح (4591) والترمذي ح (3030) والحاكم وغيرهم.
(3) أسباب النزول ص 17.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الحديث إلّا ما علمتم، فإنه من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (1).
والسلف رحمهم الله كانوا أبعد الغاية احترازا عن القول في نزول الآية، فلا يقبلون إلّا ممن شاهدوا التنزيل، كالصحابة رضوان الله عليهم، فإن قولهم في سبب النزول هو مما لا مجال للرأي فيه، فهو بمثابة المرفوع، فإن صح النقل عنه وجب الأخذ به، وهو كالحديث المسند، أما إذا لم يجزم الصحابي، كأن قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا فلا يعد هذا سببا.
أما قول التابعي في سبب النزول إذا نقل أو سمع الصحابي، فيجري فيه من المذاهب ما يجري في الأحاديث المرسلة عند علماء مصطلح الحديث والأصول، أما قولهم بالاجتهاد فلا يصح، قال ابن سيرين: (سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال:
اتق الله وقل سدادا ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن) (2).
وليس لأحد بعد عصر التابعين أن يخترع سببا للنزول.
قال الواحدي (3): «أما اليوم، فكل أحد يخترع شيئا ويختلق إفكا وكذبا ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية».

‌‌فوائد أسباب النزول:
لا شك أن لمعرفة سبب النزول فوائد لا يستغني عنها أي مفسر لكتاب الله، كما قال الواحدي: ولا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها، أو كما قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن (4).--------------------------------------------
(1) أسباب النزول ص 17. والحديث أخرجه الترمذي (2951).
(2) أسباب النزول ص 17.
(3) أسباب النزول ص 17، والإتقان 1/ 31.
(4) مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية ص 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

‌‌من هذه الفوائد:
1 - تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
2 - ومن الفوائد دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر، وقد مثلوا على ذلك بمثال وهو قول الشافعي كما أورده الزركشي في معنى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ … [الأنعام: 145].
قال: إن الحصر في الآية ليس مرادا، ذلك أن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادّة والمحادّة، جاءت الآية بهذا الحصر الصوري مشادة لهم ومحادة من الله ورسوله، لا قصدا إلى حقيقة الحصر، نازلة منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلّا الحلاوة، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة (1).
3 - معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية، إلّا إذا ورد نص مخصّص لها.
وهي من القضايا الأصولية التي ذكرها الآمدي والشاطبي وغيرهم، ودللوا عليها كقاعدة أصولية تتعلق بأسباب النزول، وهذه الفائدة من الأمور المجمع عليها عند من يعتد بقولهم في علم الأصول، وهي صحيحة ولا كلام، بل بدهية أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية.
4 - أن السبب يفيد وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
5 - ومجمل القول: إن فوائد معرفة أسباب النزول كثيرة ولا غنى عنها، فهي تفيد في فهم النص القرآني بكل أبعاده، فتزيل المشكل، وتوضح المبهم، وتدفع الغموض، وتطرد الشّبه، وترفع الخلاف، فهي أوضح سبيل وأقصره لفهم معاني الآيات التي ورد لها سبب.--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 31 - 32.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

وإضافة إلى ما ذكر تفيد الزمان والمكان الذي نزلت فيه الآية، فتميز المكي من المدني، وتفصل الدعوى في الناسخ والمنسوخ حين يعرف المتقدم من المتأخر، وإلى جانب هذا كله، فإنها تعطي صورة واضحة عن مراحل الدعوة الإسلامية، في سيرها ومعالجتها للأحداث بوسائل مكافئة في كل حالة من الحالات، وهذه فائدة لا تعدلها فائدة لمن تأمل فيها في رسم السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية، عبر مراحلها الزمنية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
نعم إن علم الأسباب في النزول يبين الفهم الصحيح للآية، ولا يزول الإشكال إلّا بذكره، وقد توافقت كتب علوم القرآن قديما وحديثا على ذكر هذه الأمثلة لتبين أن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ويضبطنا من الوقوع في الزلل.
من ذلك ما ورد في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 115].
فإننا لو تركنا لظاهر الآية لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة لا سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع، ولكن بمعرفة سبب نزولها يتبين لنا أن هذا المفهوم خاطئ، فقد روي في سبب نزولها أن القبلة عميت على قوم فصلّوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبين خطؤهم، فعذرهم الله بها، فالآية ترفع الحرج عمن صلّى باجتهاده إلى جهة ما يظنها القبلة، فبان له الخطأ بعد ذلك، وكأن الله سبحانه يقول: لا حرج فالجهات كلها لله، وحيثما توجهتم فثم وجه الله (1).
ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما .. [البقرة: 158].
فقد فهم عروة بن الزبير رضي الله عنه، أن الآية نزلت لبيان عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة، فإن عبارة «لا جناح في كذا» لا يستعمل في الدلالة على وجوب الصلاة والزكاة. مثلا «لا جناح في أداء الصلوات الخمس أو في إخراج الزكاة، وإنما تصلح هذه العبارة للتعبير عن الإباحة لأن هذا المعنى هو مدلولها اللغوي»:--------------------------------------------
(1) الترمذي 4/ 273، ونيل الأوطار 2/ 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ .. [البقرة: 198].
.. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ … [البقرة: 229] .. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ .. [البقرة: 230].
ومن هنا فهم عروة أن السعي بين الصفا والمروة ليس بفرض، لأن عبارة الآية تدل بمقتضى الاستعمال اللغوي على الإباحة، والإباحة تنافي الوجوب، لأن الإباحة لا إلزام فيها، بخلاف الوجوب. ولولا قوله تعالى: .. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ .. [البقرة: 158].
لما فهم من الآية أن السعي عمل مرغّب فيه شرعا، فتدل الآية بمجموعها على الترغيب فيه وامتناع وجوبه، ولكن من يقف على سبب نزول الآية يعرف أنها لا تنافي وجوب السعي بين الصفا والمروة، فقد روي أن فريقا من الصحابة تحرجوا من الطواف بهما، لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه، وكانوا في ترددهم بين الصفا والمروة يتمسحون بصنمين كانا عليهما، فتأثموا من عمل هو من أعمال الجاهلية، وكان يقترن به عمل من أعمال الوثنية فنزلت.
وروي أن الأنصار كانوا في الجاهلية يحجون إلى الصنم الذي يقال له مناة، ولا يتحللون من الطواف بهما، لأنه لم يكن ذكر في القرآن في ذلك الوقت. وكان الذي ذكر هو الطواف بالبيت العتيق فنزلت (1).
ويجمع بين هذه الروايات كلها بأنها نزلت عقب تأثم الجميع، والمعقول أن هذا التأثم إنما وقع منهم قبل أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا في طلب السعي، وإلّا فحينئذ لا يعقل أن يتأثموا، فجاءت عبارة الآية على ما كان في نفوسهم من التأثم، تبين لهم أن هذا الأمر لا إثم فيه ولا جناح، فالمقصود منه إزالة ما كان في نفوسهم من التأثم لا نفي الوجوب، ولكن عروة لم يعرف سبب النزول ففهم أن الآية تنافي الوجوب.
وقد دلت السنّة على وجوبه، وقد عرف عروة من خالته عائشة سبب نزولها، ولمّا عرف اهتدى إلى المقصود منها.--------------------------------------------
(1) انظر هذه الروايات في فتح الباري 3/ 315.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

وكذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: 4].
فقد أشكل على بعض الأئمة معنى هذا الشرط، حتى قال الظاهرية: إن اليائسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد بين سبب النزول المراد من هذا الشرط، فقد أخرج الحاكم عن أبيّ بن كعب أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقيت عدد لم تذكر، وهي عدد الصغار والكبار فنزلت (1). فبين سبب النزول أن المعنى إن ارتبتم في حكمهن فعدتهن ثلاثة أشهر، والذين لم يقفوا على سبب نزول الآية، فهموا أن المعنى إن ارتبتم في حيضهن، فأشكل عليهم معناها، حتى قال بعضهم: بأن اليائسة لا عدة عليها.
والأمثلة التي تبين فائدة أسباب النزول كثيرة اكتفينا بالمذكور واقتصرنا على الصحيح منها.
وتجدر الإشارة إلى أن معرفة بعض أسباب النزول قد لا يقدم ولا يؤخر في قليل أو كثير كأن تنزل آية في زيد أو عمرو من الناس فالأمر سواء.

‌‌حالات تعدد روايات أسباب النزول
هذا بحث يشتمل على صور كثيرة نبدأ بالصور المتفق عليها ثم نثني بالمختلف فيها.
1 - لا خلاف بين العلماء أنه إذا تعددت أسباب النزول، وكانت رواية صحيحة وأخرى ضعيفة، فإنه يقدم الصحيح على الضعيف. من ذلك ما روي في أسباب نزول سورة: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: 1 - 3].
فقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلّا قد تركك، فأنزل الله سورة الضحى .. (2).--------------------------------------------
(1) نقل ذلك السيوطي عن الحاكم.
(2) رواه البخاري في صحيحه. كتاب تفسير القرآن. سورة (والضحى)، ح (4950).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

أما الطبراني فقد روى في سبب نزول السورة، عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وهي خادمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى وَاللَّيْلِ .. السورة.
قال ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة ولكن كونها سبب نزول الآية غريب وفي إسناده من لا يعرف فالمعتمد ما في الصحيح (1).
2 - ولا خلاف أيضا إذا كانت الروايات في أسباب النزول صحيحة، وإحداها أرجح من الأخرى بوجه من وجوه الترجيح أخذ بالأرجح وترك المرجوح، مثال ذلك:
ما رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال: بعضهم لو سألتموه، فقالوا: حدّثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي، ثم قال: .. قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] (2).
أما الترمذي فقد صحح عن ابن عباس قوله: إن قريشا قالت لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية (3).
فالروايتان صحيحتان، ولكن رواية البخاري أصح سندا ودراية، لأن البخاري رواها عمن شاهد القصة وعاينها وهو ابن مسعود، أما الترمذي فروايته لا ترجح على رواية البخاري سندا، وابن عباس الذي رويت عنه الرواية لم يشاهد مثلما شاهد ابن مسعود الذي كان حاضر القصة (4). وليست رواية من شاهد كرواية من سمع بها.--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 22. وانظر فتح الباري، كتاب التفسير، سورة الضحى ح (4950).
(2) انظر صحيح البخاري. كتاب تفسير القرآن. باب (ويسألونك عن الروح) ح (4721).
(3) سنن الترمذي. كتاب تفسير القرآن 5/ 304 ح (3140).
(4) انظر البرهان 1/ 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

3 - يذكر العلماء حالة تساوي روايات النزول في الصحة، ولست أرى لهذا النوع وجودا ولا دليلا، ووجدت في حديثهم اضطرابا، إذ يلجئون في هذه الحالة إلى القول بتداخل هذه الروايات، ويجعلونها سببا واحدا إذا كان زمانها متقاربا، أو يقولون بتعدد نزول الآية مرات متعددة، إذا كان الزمان متباعدا، حتى زعموا أن بعض الآيات قد نزلت ثلاث مرات.
أما حالة تداخل الروايتين وجعلهما سببا واحدا، فيمثلون لهذه الحالة بما روي في سبب نزول آيات اللعان، فقد أخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء. فقال النبي: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال يا رسول الله: (إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فأنزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: 6 - 9] (1).
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال:
اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله، أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنّه فأتاه فقال: «إنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآنا» الحديث.
جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا (2).
هذا الرأي فيه نظر، إذ المتأمل لنصوص الحديثين يجد القول الحق في أن سبب النزول هو ما روي بشأن هلال بن أمية لوجود قرائن في متن الحديث، فهذان--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري ح (4747).
(2) صحيح البخاري ح (5259) صحيح مسلم 10/ 120 ح (1492)، والإتقان 1/ 95، ومناهل العرفان ص 112.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

الحديثان وإن تساويا صحة في السند إلّا أن متن كل منهما يختلف عن الآخر مما جعل بعض العلماء يعتمد أن سبب النزول الوحيد للآية هو ما روي بشأن هلال لوجود قرائن تدل على ذلك.
ومن هذه القرائن أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه هلال بن أمية- بنفسه- قاذفا زوجته، قال له: «البينة أو حد في ظهرك» لأن الوحي لم ينزل بعد في حكم اللعان، لذا لم يبق إلّا أن يطبق عليه النبي صلى الله عليه وسلم حد القذف، كما ورد في الآية السابقة نزولا لهذه الآية (1)، وهذا يلزمه بتطبيق حد القذف عليه، ولم يعفه من ذلك آيات اللعان في حقه.
أما في قصة عويمر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عويمر لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم له: «البينة أو حد في ظهرك» بل قال له: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا». فلم يتوقف الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان حكمه.
يقول صاحب معاني القرآن: وقد يذكرون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة، واستنبط النبي صلى الله عليه وسلم حكمها من آية في ذلك الباب، فتراهم يقولون بعد ذلك: إن الآية نزلت في كذا، وربما قالوا: فأنزل الله قوله كذا، فكأنه إشارة إلى أنه من استنباطه عليه الصلاة والسلام. ولعل هذا ما جعل بعض العلماء يجزم أن قصة هلال بن أمية هي السبب الوحيد لوجود قرينة تدل على ذلك، وينفي أن تكون قصة عويمر سببا.
وعلى أية حال، فهذا الخلاف لا يترتب عليه أثر مفيد، فسواء أتداخلت الروايتان وكانتا سببا للنزول، أم كانت قصة هلال بن أمية هي السبب الوحيد، فلا شيء يترتب على ذلك.
4 - أما حالة تعدد الروايات في أسباب النزول التي حكموا فيها بتكرار نزول الآية لتباعد أزمانهما، فيمثلون لهذه الحالة بما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به، فقال: «لأمثلنّ بسبعين--------------------------------------------
(1) والآية السابقة هي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: 4].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

منهم مكانك». فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ .. إلى آخر السورة [النحل: 126 - 128].
وبما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية، فظاهر تأخير نزولها إلى يوم فتح مكة، وفي الحديث المتقدم ما يفيد نزولها يوم أحد.
وهناك رواية ثالثة بأنها نزلت في مكة قبل الهجرة.
قال ابن الحصار: ويجمع بينهما أنها نزلت في مكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيا بأحد، ثم ثالثا يوم الفتح تذكيرا من الله لعباده.
كما أن الزركشي قد ذكر نحو قوله إذ يقول: (وقد ينزل الشيء مرّتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه) (1).
فهذه الأقوال لا يسندها دليل من الشرع أو العقل، وإذا ناقشنا المثال المذكور فإننا نقول: إن رواية البيهقي فيها مقال، ففي إسنادها «صالح بن بشير المري» وهو ضعيف عند الأئمة، قال البخاري عنه: إنه منكر الحديث، وعلى هذا فرواية الترمذي أصح منها (2).
قال القرطبي إن نزول هذه الآيات في أحد، مما أطبق عليه جمهور المفسرين ثم قال: إن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها في المكي اتصالا حسنا، لأنها تتدرج في الرتب من الذي يدعي ويعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازي على فعله. لكن ما روى الجمهور أثبت .. (3). اهـ.
القرطبي.--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 29.
(2) انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية وسنن الترمذي 4/ 362 ح (3129)، مباحث في علوم القرآن، للدكتور القصبي زلط ص 69.
(3) تفسير القرطبي لسورة النحل 10/ 201.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

‌‌الفصل الرابع جمع القرآن الكريم
المبحث الأول: الجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثاني: الجمع في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
المبحث الثالث: الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه.
المبحث الرابع: ترتيب الآيات والسور القرآنية.
المبحث الخامس: رسم المصحف «الرسم القرآني أو العثماني».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

جمع القرآن الكريم

‌‌تمهيد:
المراد بجمع القرآن الكريم حفظه في الصدور وكتابته في السطور، وقد تحقق جمع القرآن بنوعيه حفظا وكتابة في جميع العهود.
ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم تواتر حفظه في الصدور، كما تمت كتابته، كلما نزلت آية من الآيات دعا من يكتب.
وفي عهد أبي بكر جمع أوراق القرآن وما كتب في مكان واحد.
وقد تجوز العلماء في إطلاق جمع القرآن في عهد عثمان الذي أمر بكتابته ونسخه.
وما زال جمع القرآن- حفظا وكتابة- محققا وسيبقى كذلك إلى قيام الساعة وصدق الله العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)