فالأحرف السبعة كلها مسموعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل بها الوحي.
أما إنها لغات سبع، فلما روي عن عثمان، أنه أمر كتبة الوحي إن اختلفوا مع زيد بن ثابت في كتابة شيء من القرآن أن يكتبوه بلغة قريش، لأنها اللغة الشائعة، فهي أحق من غيرها إذا وقع الاختلاف، فلغة قريش إذن معها لغات أخرى.
إن تفسير الأحرف السبعة باللغات السبع يلمس فيه وجه التخفيف والتسهيل، فالقبيلة قد تعتاد لهجة معينة يسهل عليها النطق بها، ويصعب عليها النطق بغيرها، وفي نزول القرآن بهذه اللغات، يسهل على أصحاب كل لهجة القراءة القرآنية على نحو ما اعتادت عليه نطقه، ورفع الحرج عن من لم يعتد عليه نطقا، وعلى الأخص الشيوخ والنساء والأطفال، وهذا ما بين وجه الحكمة في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي فيها الشيخ الفاني والعجوز الكبير والغلام». ثم قوله صلى الله عليه وسلم: «إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ .. ».
وقد يعترض على هذا القول فأي اللغات السبع تريد والعرب قبائل شتى؟ هل هي قريش وثقيف وهذيل وهوازن وكنانة وتميم أو غيرها؟
وما هو الدليل على تعيين هذه اللغات أو اللهجات السبع التي نزل بها القرآن، علما بأن القبائل العربية كثيرة ولهجاتها لا تعد.
أقول: إن الأحرف السبعة هي لغات سبع اشتهرت شهرة بين العرب ولم يعينوا من هم، ولكنها سبعة على أية حال، قد عرفنا لغة قريش على وجه التأكيد، بل منهم من يرى
أنها سبع لغات من لغات قريش. أورده النيسابوري في تفسيره قائلا: أكثر العلماء على أنها سبع لغات من لغات قريش، لا تختلف ولا تتضاد، بل هي متفقة المعنى، ثم يقول: وغير جائز عندهم أن يكون في القرآن لغة لا تعرفها قريش. ذلك أن قريشا تجاور البيت، وكانت العرب تأتي إليهم للحج، ويستمعون لغاتهم، ويختارون من كل لغة أحسنها كلاما، واجتمع لهم ذلك العلم بلغة غيرهم (1).--------------------------------------------
(1) في مقدمة الغرائب للنيسابوري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أما الألسن فلا حاجة بنا إلى معرفتها، وقد قيل: إن خمسة منها لعجز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة، روي ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله، وذلك أن الذي روى عنه أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن، هو الكلبي عن أبي صالح، وأما الذي روى عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة فهو قتادة، وقتادة لم يلقه ولم يسمع منه (1)، فهذه روايات لم يصح سندها فلا يعول عليها، أما رواية الكلبي فهي من أوهى الطرق عن ابن عباس، وهي كما يقول علماء الحديث سلسلة الكذب.
أما الرواية عن قتادة فلا تقبل لأنها عنعنة المدلس، قال الطبري: إن قتادة لم يلق ابن عباس ولم يسمع منه (2).
وعلى كل حال فاللغات السبع لم ترد على سبيل التحديد ولكن لغة قريش واحدة على وجه التأكيد.
وقد يعترض على ذلك أيضا أن عمر بن الخطاب قد اختلف مع هشام بن حكيم في قراءة القرآن، وهما قرشيان، ولغتهما واحدة، ولهجتهما واحدة، فالخلاف وقع بينهما وهما من قبيلة واحدة، فلو كان الأمر كما زعمت أن الأحرف هي اللغات لم تصح دعواك.
ويجاب عن ذلك: أن قراءة القرآن على لغة قريش لا يعني الاقتصار عليها، فقد يكون هشام بن حكيم القرشي قد سمع القرآن بلغة أو بلهجة أخرى، فلما قرأها باللغة الأخرى استنكرها عمر، لأنه لم يسمعها كما سمعها هشام، بل الأمر كذلك حسب الرواية أن هشام كان يقرؤها على حروف كثيرة كما وردت، على أن هشام لم ينكر على عمر بل الذي وقع منه الإنكار عمر، لأنه لم يسمع القراءة التي قرأها هشام، والتي ربما كانت قراءة إضافية عما قرأها عمر.
وبعد: فقد آن لنا أن نتساءل حول إشكال وقضية في نهاية هذا البحث، أما الإشكال فناجم عن الأحرف السبعة والقراءات السبع.
وهل هما من المترادفات وإن كل واحد منهما يعني الآخر سواء بسواء، أو هما غير ذلك.--------------------------------------------
(1) المزهر، للسيوطي 1/ 210.
(2) جامع البيان 1/ 66.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
فالجواب: إنهما قطعا حقيقتان متغايرتان مختلفتان، وإن تداخلتا تداخلا طفيفا.
أما وجه التغاير والاختلاف فالحرف غير القراءة كما بينا، أما وصف الاثنين بالسبعة، فالسبعة الأولى أي الأحرف السبعة ربانية المصدر بعددها، فالقرآن نزل على سبعة أحرف ابتداء، أما السبعة التي هي وصف للقراءات فهي اصطلاح عند علماء القراءات، فابن مجاهد رأى أن أشهر القراء سبعة، وهذا ما أوقع في الإشكال.
أما وجه التداخل فهو أن الأحرف السبعة ربانية كما بينا، والقراءات السبع وإن كانت منسوبة إلى القراء السبعة، إلّا أنها ليست من وضعهم بل هم قرءوها كما نزل بها الوحي السماوي فليست القراءات سبع على وجه التحديد، إنما هي اختلاف ألفاظ الوحي كما نطقها النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخيرا فقد عقد القرطبي فصلا في مقدمة تفسيره وقال: هذه القراءات السبع التي تنسب للقراء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، فالقراءات هي اختيارات أولئك الأئمة السبعة (1).
قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن بعض الجهال (2). وبهذا الكلام رفع الإشكال.
أما القضية فهي: هل القرآن الكريم الذي بين أيدينا يحوي الأحرف السبعة؟
وهل أمر عثمان بن عفان بكتابة الأحرف السبعة أو أنه أمر بإهمال ستة منها والإبقاء على حرف واحد.
قبل الإجابة نبادر أولا بتقرير حقيقة لا مجال للشك فيها عند الفريقين المختلفين في وجود الأحرف السبعة، هذه الحقيقة مسلم بها عند كلا الفريقين، ألا وهي أن القرآن الكريم الذي بين أيدينا اليوم لا نقص فيه ولا زيادة على ما جمعه عثمان بن عفان، وبعث به إلى الأمصار، وإن ما صنعه عثمان كان بإجماع الصحابة رضوان الله--------------------------------------------
(1) الجامع لأحكام القرآن 1/ 48.
(2) اللئالئ الحسان، ص 183.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
عليهم، والزاعمون بالنقص لآيات أو سور هم مارقون في دين الله تعالى أينما كانوا وأينما وجدوا.
إنما الخلاف بين العلماء في وجود الأحرف السبعة أو عدم وجودها، وهل يشتمل عليها القرآن الكريم الذي بين أيدينا أو لا يشتمل.؟
أقول: إن مرد هذا الخلاف راجع إلى تحديد المراد بالأحرف السبعة. فالقائلون بأنها أوجه سبعة، كما سبق بيانها، والقائلون بأنها سبع لغات من لغات أو لهجات القبائل العربية. هؤلاء جميعا قالوا بوجود الأحرف السبعة في القرآن الكريم، فالأوجه السبعة المذكورة بأمثلتها موجود منها ما هو متواتر في المصاحف المتعددة التي نسخها عثمان وبعث بها إلى الأمصار.
وقد احتج هؤلاء بالإجماع من قبل الصحابة على ما فعله عثمان، الذي نسخ القرآن من المصحف عينه، الذي كان موجودا عند حفصة. وهو المصحف عينه الذي كان موجودا عند أبي بكر، وهو عين المصحف الذي كتب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، والتي عرضها النبي صلى الله عليه وسلم مرتين في رمضان على جبريل عليه السلام.
وأما القائلون بأنها سبع لغات، بمثل ما فسرها ابن جرير بأنها مترادفات سبع- اختلاف الألفاظ واتحاد المعنى- فإن هذا الفريق يرى أن الأحرف السبعة غير موجودة في القرآن، وأنقل إليك كلمة ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره معبرا عن وجهة نظره ونظرهم أوضح تعبير.
يقول ابن جرير: (والآثار الدالة على أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه، جمع المسلمين- نظرا منه لهم، وإشفاقا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حذار الردّة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم بمحضره، وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم أن المراء فيها كفر- فحملهم رحمة الله عليه، إذ رأى ذلك ظاهرا بينهم في عصره، ولحداثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن- على حرف واحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
وجمعهم على مصحف واحد وحرف واحد، وخرّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه، أن يخرقه. فاستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها) (1).
ثم يقول: (فلا قراءة اليوم للمسلمين إلّا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية)، وابن جرير بعد هذا الكلام يرد على اعتراض مفترض فيقول: (وكيف جاز لهم ترك قراءة أقر أهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بقراءتها؟) يجيب عن ذلك: (قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكلّ حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قرأة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين) (2).
وقد لاقى رأي الإمام الطبري معارضة قوية عند الأقدمين والمحدثين، وقد تكلم الزرقاني كلاما طويلا في الرد على من قالوا: إن الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل بها القرآن، أما الستة الأخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود البتة، ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم، ثم حاولوا أن يؤيدوا ذلك، فلم يستطيعوا أن يثبتوا للأحرف الستة التي يقولون بضياعها نسخا ولا رفعا، وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة أخرى، هي دعوى إجماع الأمة على أن تثبت على حرف واحد، وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه من الأحرف الستة، وأنى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه؟ هنالك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة، وهي القول بأن استنساخ المصاحف في زمن عثمان رضي الله عنه، كان إجماعا من الأمة على ترك الحروف الستة، والاقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان--------------------------------------------
(1) جامع البيان 1/ 21.
(2) جامع البيان 1/ 22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
المصاحف عليه، وقصارى ما استطاعوا أن يسوغوا به مذهبهم وتورطاتهم هذه، أن الأمة على عهد عثمان رضي الله عنه قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حد جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم للبعض الآخر، حتى خيفت الفتنة، فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان رضي الله عنه، أن يعالجوا المشكلة ويطفئوا الفتنة، وبهذه الطريقة جمع الناس على حرف واحد، ونسخ المصاحف على حرف واحد، وإهمال كلّ ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها.
وهذا- لعمرك- استناد مائل، واحتجاج باطل. فقد تنازع الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة، ومع ذلك أقرّهم الرسول على هذه الحروف المختلفة، وقرّرها فيهم، وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوعة، وجعل ذلك هو الحل الوحيد لمشكلتهم، والعلاج الناجع لنزاعهم، وأفهمهم أن تعدد وجوه القراءة إنما هو رحمة من الله بهم، وقرّر في صراحة، وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الأحرف، أن الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد، وقال: «وإن أمتي لا تطيق ذلك» إلى آخر ما عرفت، وأنت خبير بأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى يوم القيامة، وهي لا تطيق ذلك كما قرّر رسولها المعصوم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه، كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية، لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف، ولا ببعض اللهجات دون بعض، فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون، أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه الله لأمة الإسلام، مخالفين بذلك هدي الرسول عليه الصلاة والسلام في عمله للتخفيف بطلب تعدد الحروف، وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدد للحروف؟.
ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدّها، وثلمة يصعب جبرها، وإلّا فكيف يوافق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضياع ستة أحرف، نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع؟ وعلى حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرّر بقوله وفعله، أنه لا يجوز لأحد أيّا كان أن يمنع أحدا أيّا كان من القراءة بحرف من السبعة أيّا كان. فقد صوّب قراءة كلّ من المختلفين، وقال لكل: «هكذا أنزلت» وضرب في صدر أبي بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
وقصارى القول، أننا نربأ بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكونوا قد وافقوا أو فكروا، فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها.
وحاشا لعثمان رضي الله عنه، أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعمه، وكيف ينسب إليه هذا؟
والمعروف أنه نسخ المصاحف التي جمعت على عهد أبي بكر رضي الله عنه، قبل أن يدب النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن.
فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا، ضرورة أنه لم يحدث وقتئذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم، ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبي بكر حرفا واحدا، فضلا عن ستة أحرف، ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله.
ثم كيف يفعل عثمان ذلك، رضي الله عنه ذلك؟ وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا النوع الذي دبّ في زمانه، كان بجمع الناس وتقريرهم على الأحرف السبعة لا يمنعهم عنها، كلّا ولا بعضا.
ثم كيف يفعل عثمان ذلك، وتوافقه الأمة، ويتم الإجماع؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع؟
أي كيف تجمع الأمة على ترك ستة أحرف، وإبقاء حرف واحد، ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا، ويكادون يتفقون- رغم خلافهم هذا- على أن الأحرف السبعة باقية، مع أن الإجماع حجة عند المسلمين، وبه ينجلي ظلام الشك عن وجه اليقين.
ولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان رضي الله عنه، قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة، فلماذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة؟ مع أن الضرورة تقدر بقدرها، وهذه الستة أحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرة قلم كذلك، ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع، وأقدس كتاب، وهو القرآن الكريم (1).--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان ص 169 - 170.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
المبحث الرابع القراءات القرآنية
أولا: تعريف القراءات:
معناها اللغوي:
القراءات جمع قراءة، وهي مصدر من قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، واسم الفاعل منه قارئ وجمعه قرّاء.
ويطلق لفظ قرأ ويراد منه عدة معان: فإذا قلت: قرأت القرآن، معناه لفظت به مجموعا، وأقرأت حاجتك إذا دنت، وقرأت الشيء قرآنا إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض.
معناها الاصطلاحي:
قال الزركشي: القراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها (1).
أما ابن الجزري فعرفها: (بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله) (2).
وهذا التعريف اعتمده كثير من المؤلفين في علم القراءات.
وهناك من عرف القراءات (بأنها مذهب يذهب إليه المقرئ)، وهو وإن كان مقصوده ما ذهب إليه العلماء: أن مبنى ما ذهب إليه القارئ هو الوحي والسماع، إلّا أن المستشرقين قد جعلوا من مثل هذا التعريف مأربا خبيثا للصيد في الماء العكر، إذ رأوا أن اختلاف القراءات مبناه اختلاف القراء وفق هواهم ومعتقداتهم، وراحوا يقيسون اختلاف الأناجيل على اختلاف الروايات في القراءات (3).--------------------------------------------
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 318.
(2) ابن الجزري هو الحافظ أبو الخير الدمشقي توفي سنة 833 هـ. منجد المقرئين ص 3، وما ذكر في النسخة المطبوعة (بعزو الناقلة) تصحيف، والصواب ما أثبت.
(3) انظر المذاهب الإسلامية لجولد زيهر، ص 53.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
ومع كل الأسف فقد وجدنا ممن شايعهم قد ذهب إلى مثل أقوالهم. ولعلّ في تعريف الزركشي ما يجلي هذه الحقيقة وما يبعده هذه الشبهة، إذ قال عن القراءات واختلافها: إنها اختلاف ألفاظ الوحي … فهذا التعريف يلقي الضوء على أن مبنى القراءات الوحي النازل من السماء، وقد تبعه علماء القراءات- قديما وحديثا- في تجلية هذه الحقيقة، فجاءوا بتعريفات واضحة وناصعة، فعرّفوا القراءات (بأنها النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثل هذا التعريف (تلاوة ألفاظ القرآن الكريم كما تلاها المصطفى صلى الله عليه وسلم أو كما علمها أو سمعها منه أصحابه وأقرّهم عليها) (1)، وكلها تعريفات قريبة
مما ذكره الزركشي، فاختلاف ألفاظ الوحي هي مثل النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي صلى الله عليه وسلم ومثل تلاوة القرآن كما تلاها النبي صلى الله عليه وسلم وصدق الله العظيم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: 3].
نشأة القراءات:
هذا العنوان الذي يستعمله كثير من المؤلفين عن حسن قصد، ويؤكده المستشرقون لغرض في نفوسهم، فيه نظر: ذلك أن القراءات المتواترة قرآن لا شك فيه، فقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وملك يوم الدّين بالألف وبدونها، واهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ واهدنا السراط المستقيم، بسينها وصادها، وكل قراءة قرآنية متواترة، كل ذلك قرآن وهو قديم، فلا يقال لقراءة منه: نشأت، لأن ذلك يشعر بالحداثة لبعضها في وقت من الأوقات.
لذا أرى أنّ في استعمال المؤلفين المخلصين هذا العنوان تجاوزا- إن صحّ التعبير- وأرى أنّ في استعمال المستشرقين له مقصدا خبيثا، ونحن قد رأينا فيما أومأنا إليه سابقا من تعريف للقراءات بأنها اختلاف ألفاظ الوحي، مما يشير إلى أن القراءة قرآن لا تنفك قرآنيتها عنه ما دامت قد تواترت، فلا يقال لها: ناشئة إلّا إذا قيل للقرآن: ناشئا، وليس الأمر كذلك فقد نزل الوحي بالقراءة فيما ورد في بعض ألفاظه--------------------------------------------
(1) انظر القراءات القرآنية تاريخ وتعريف، د. عبد الهادي الفضلي، دار القلم، بيروت، ط 2، 1980، ص 56.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
أكثر من قراءة، بل حين بدأ نزول الوحي بدأها بأول كلمة في أول سورة نزلت هي (اقرأ) ففيها قراءتان متواتران:
الأولى: هي قراءة الجمهور بهمزة ساكنة.
والثانية: قراءة أبي جعفر بحذف الهمزة (اقرا يقرا كسعى يسعى)، وإنّه لأمر يسترعي الانتباه أن تكون أول كلمة في أول سورة نزلت كلمة اقرأ وأن يكون القرآن والقراءات مشتقا من مشتقاتها.
بعد هذا التمهيد، أرى أن الحديث عن مصدر القراءات هو الحاسم لكثير من الشبه والأضاليل، التي يتمسك بها المستشرقون، والتي كان لأقوال بعض المفسرين وبعض العلماء قدر غير يسير في الإسهام في مد أولئك الملحدين بشيء من أسباب الضلالة، من غير قصد منهم رحمهم الله لما لم يلزموا جانب الحيطة والحذر، وأقصى غايات الحذر في هذا الأمر الجلل، فقد أمدوا- من حيث لا يشعرون- من في قلبه مرض واستعداد طبيعي لاتخاذ كل شاردة وواردة من القول صيدا ثمينا، وفرصة ذهبية للنيل من مقدسات هذه الأمة وقرآنها.
أقول: إن المصدر الوحيد للقراءات، إنما هو الوحي النازل من السماء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، الذي بلّغه بكل دقة، وبكل حركة إلى أصحابه الكرام، فكان يقرئهم إياه كما أنزل، كما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فإذا ما علمهم القرآن، فأتقنوا تلاوته، أحبّ أن يسمعه منهم، توثيقا لما سمعوه عنه.
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود- رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ القرآن»، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النساء … حتى إذا جئت إلى هذه الآية:
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] (1).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري. كتاب تفسير القرآن. باب «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد. الآية» ح (4582)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظ للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر 1/ 551، ح (800) (247).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
قال: «حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتعهد أصحابه بتعليم القرآن وحفظه حتى أصبحت صدورهم سجلا لما نزل من الحق، وربما علّم النبي- عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه قراءة لم يسمعها أصحابه الآخرون، فيقرأ بعضهم القرآن على القراءة التي سمعها، ويقرأ آخر على قراءة غيرها سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، فيسمع أحدهما الآخر فينكر عليه عدم سماعه لها من الرسول صلى الله عليه وسلم.
ففي البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه قال: سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلّم. ثم لبّبته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت له: كذبت، فو الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ يا عمر» فقرأت، فقال: «هكذا أنزلت». ثم قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (1).
وروى مسلم عن أبيّ بن كعب قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا
جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرءا، فحسّن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما … (2)
الحديث.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري. كتاب فضائل القرآن. باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ح (4992) و (6936)، ومسلم في صحيحه. كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه 1/ 560 ح (818) (270).
(2) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف 1/ 561 ح (820) (273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
فمن حديث عمر وهشام رضي الله عنهما يتبين لنا أن تعدد القراءات سببه واحد هو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ كلّا منهما على قراءة، وكلتا القراءتين أنزلت من عند الله تعالى.
ومن حديث أبيّ بن كعب- رضي الله عنه أن عدد القراءات ثلاث، وكلها حسّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها متلوة من الوحي، جعلها الله من باب التهوين والتسهيل على أمته.
يقول الشيخ الزرقاني- رحمه الله: ثم إن الصحابة- رضوان الله عليهم- قد اختلف أخذهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذه عنه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرّقوا في البلاد وهم على هذه الحال، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين وهلم جرا، حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين، الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات، يضبطونها ويعنون بها وينشرونها (1).
إذن فالأمر في تعدد القراءات أمر أخذ ونقل من الوحي، فلا يجوز لمسلم أن يعزو أية قراءة لغير ذلك، كما صنع المستشرق (جولد زيهر) وغيره من المستشرقين الذي عزوا القراءات إلى القارئين الذين مارس كل واحد منهم القراءة القرآنية ليصحح القرآن، وأن القارئ يقرأ وفق ما يحتمله الرسم القرآني الخالي من النقط والشكل.
يقول جولد زيهر: (وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات- أي في القراءات- إلى خصوصية الخط العربي، الذي يقدم هيكله مقادير صوتية مختلفة، تبعا لاختلاف النقط الموضوعة فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حالة تساوي المقادير الصوتية يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصلية ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبالتالي إلى اختلاف دلالتها، وإذا فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحّد القالب من الحروف لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه) (2).--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان 1/ 406.
(2) مذهب التفسير ص 8.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وقد أرجع الدكتور عبد العال سالم أساس هذا الزعم إلى الزمخشري وقال: إن مصدر الوحي لهذا المستشرق جولد زيهر إنما هو الزمخشري الذي قال بخطإ ابن عامر في قراءته للآية القرآنية (1).
فقد زعم الزمخشري أن الذي حمل ابن عامر على قراءته أنه رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، والسبب هو الرسم. اهـ.
أقول: ونحن إذ نضع في الاحتمال أن يكون للزمخشري أثر في قول زيهر، إلّا أننا نجزم أن مراد كل منهم يختلف عن الآخر، إذ يهدف زيهر للوصول إلى قياس تعدد القراءات على تعدد الأناجيل، وهذه خطيئة ما نظن أن الزمخشري يقع في مثلها.
وفي ضوء دراسة هذه الردود يمكن إيجازها في الأمور التالية:
أولا: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب، فإن القراءات وجدت قبل مرحلة تدوين المصاحف وكتابتها، وبعد تدوينها كانت في البداية غير منقوطة ولا مضبوطة الشكل، ومع ذلك كانت القراءات معروفة ومنتشرة وكانوا يقرءون الآيات حسب السماع والرواية لا حسب الرسم والكتابة.
ثانيا: لو كانت القراءة تابعة للرسم لصحت كل قراءة يحتملها رسم المصحف، ولكن الأمر على غير ذلك، فإن بعض ما يحتمل الرسم صحيح مثل (فتثبتوا) في قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا .. [النساء: 94] الآية.
وبعضه مردود مثل قراءة حماد الرواية (أباه) في قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة: 114] الآية.
وكذلك قراءة: «تستكثرون» في قوله تعالى: قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف: 48].--------------------------------------------
(1) أثر القراءات القرآنية في الدراسات النحوية ص 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
وهذه وتلك قراءة منكرة بالاتفاق، فليست من السبع، ولا الأربع عشرة، ولو كان مجرد الخط والرسم كافيا لاعتمدت.
وعلى مثل هذه القراءات المنكرة اعتمد جولد زيهر في الاستدلال على قضيته الباطلة، ودعواه الخبيثة ضد القرآن الكريم.
ثالثا: لقد ثبت بالتاريخ الصحيح أننا لا نزال نرى الكثير من المقرئين حتى يومنا هذا، يعطون تلاميذهم بعد أن يتموا حفظه على أيديهم إجازة تتضمن سند التلقي المتصل عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كثيرا من الأسانيد الصحيحة المتصلة مدونة محفوظة في كتب القراءات، فما ينكر هذا إلّا جاهل أو مكابر.
كذلك إذا نظرنا إلى الأمصار الإسلامية وجدنا أن كل مصر التزم قراءة قارئ بعينه، مع احتمال رسم المصحف لهذه القراءة، وأن القرّاء انتشروا في هذه الأمصار ليعلموا الناس قراءة القرآن إيمانا منهم بأن رسم المصحف وحده لا يعني شيئا في مجال القراءة، وبخاصة أنه مجرد من النقط والشكل.
يقول الشيخ الزرقاني: «لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم، وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية، واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني، مبالغة في الأمر، وتوثيقا في القرآن، ولجمع كلمة المسلمين، فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه، مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، روي أن عثمان- رضي الله عنه أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن أبي شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري (1).
فلو كان الاعتماد على المصحف، لما كلف أمير المؤمنين نفسه بإرسال أولئك القراء إلى تلك الأمصار، وملاحظة أن اختيار القارئ كان موافقا لرسم المصحف المرسل إلى ذلك البلد، وهذا يؤكد أن دعامة القرآن هي التلقي والرواية.
وإذا كان للمستشرقين عذرهم في تعصبهم للباطل وحقدهم الدفين ضد الإسلام ومبادئه، فما عذر من جاراهم من المسلمين وقال: بأن القراءات القرآنية منشؤها--------------------------------------------
(1) المناهل 1/ 96.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
الخط العربي حسب رسمها في المصحف العثماني، ومن هؤلاء الدكتور علي عبد الواحد وافي (1)، وتبعه في ذلك الدكتور طه حسين في صورة أكثر بشاعة وأشد خطرا، إذ هو ينكر على المعتقد بشرعية القراءات، وأنها ليست من الوحي، وإنما مصدرها اللهجات واللغات.
يقول طه حسين: «والحق أنه ليست هذه القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير، وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ولا مغتمزا في دينه، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها» (2).
وقد نهج الدكتور محمد عبد السلام كفافي نهج طه حسين فقال: وهناك سبب قوي لظهور القراءات لأن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل (3).
والحق الذي لا يمارى فيه، أن القراءات سنة متبعة نقلت بالرواية والمشافهة من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قرآن لا تنفك عنه، وهي ليست مغايرة له، بل هي ألفاظ مختلفة نزل بها الروح الأمين بعرضات متعددة، ولم تكن القراءات وليدة خط أو رسم أو عدم شكل وضبط لكتاب الله تعالى، ومن يقول بهذا فهو ضال مضل، لسوء نيته وخبث قصده، سواء كان (جولد زيهر) أو من سار على دربه، والذي يمعن النظر في كلام زيهر مثلا يجد له أبعادا وأهدافا، وقد استوفيناه في بحث خاصّ بالقراءات، نشر في مجلة البحوث الإسلامية بالرياض، العدد (35).
أركان القراءات
يجدر التنويه لأمر، وهو أن ركن القراءة الوحيد، هو صحة السند لا غير، وأن إضافة الركنين الأخيرين لم تأت إلّا في وقت متأخر كما ذكر الأستاذ سعيد الأفغاني في تحقيقه لكتاب حجة القراءات لأبي زرعة، وقد وصف السفاقسي اشتراط غير صحة السند بأنه قول محدث لا يعول عليه.--------------------------------------------
(1) فقه اللغة ص 119.
(2) الأدب الجاهلي ص 96.
(3) في علوم القرآن ص 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
بعد هذا التنويه والتنبيه نقول: إن كان الحديث عن القراءات ومعناها قد كثر فيه الخلاف والاختلاف بين أئمة هذا العلم، فإن الحديث عن أركانها أكثر اختلافا، فبعضهم يشترط لقبول القراءة أركانا ثلاثة، ومنهم من يكتفي بركنين، ومنهم من يقتصر على ركن واحد. والقائلون بالأركان الثلاثة يتفاوتون في الأخذ بكل ركن منها، وسأضع بين يديك هذه الأركان كما نظمها أحد أئمة هذا الشأن شعرا فقال:
فكل ما وافق وجه النحو … وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن … فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه لو أنه في السبعة (1) تلك هي الأركان الثلاثة، وسأبدأ بأهمها، بل المجمع على اشتراطه إلا وهو:
1 - صحة السند:
هذا أول الأركان المعتبرة، بل هو الذي يستهل به العلماء حديثهم عن أركان القراءات.
فابن مجاهد شيخ هذه الصنعة إذ هو أول من سبع السبعة قد قال: (والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، هي القراءة التي تلقوها عن أوّليهم
تلقّيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه وتمسّكوا بمذهبه) (2)، فلا يمكن اعتبار القراءة القرآنية إلّا إذا كانت قد أخذت بطريق التلقي والمشافهة، وهذا ما يؤكده في موضع آخر حيث يقول: (فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كلّ مصر من هذه الأمصار) (3).--------------------------------------------
(1) من منظومة ابن الجزري طيبة النشر في القراءات العشر.
(2) كتاب السبعة، ص 49.
(3) كتاب السبعة، ص 87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
فابن مجاهد يشترط لقبول القراءة صحة السند، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء المحققين كابن شنبوذ والإمام أبو الحسن البغدادي وابن خالويه ومكي بن أبي طالب والإمام الكواشي والإمام أبو شامة (1).
ولم يشذ عن إجماع هؤلاء العلماء، إلّا محمد بن يعقوب المتوفّى سنة 354 هـ.
فإنه لم يشترط السند، واكتفى بقبول القراءة بشرطين: موافقة الرسم وموافقة اللغة العربية، وأسقط صحة السند، وفي ذلك يقول ابن الجزري: «وله «أي المذكور» اختيار في القراءة رويناه في الكامل وغيره، رواه عنه أبو الفرج الشنبوذي، ويذكر عنه أنه كان يقول: إن كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند) (2).
والحق أن هذه هفوة من الهفوات التي لا يرتضيها شرع ولا عقل، وهي من أفسد الأقوال، فالقراءات قد تزداد وتنقص وفق احتمال موافقتها للغة أو للرسم القرآني، وبالتالي فهي وفق هوى أئمة اللغة واجتهادهم وليس الأمر كذلك.
2 - موافقة القراءة للرسم العثماني:
ذهب كثير من العلماء المتأخرين إلى اعتبارهم هذا الشرط، وقد ذكره أبو الفرج الشنبوذي أول الشروط المعتبرة إذ يقول: «إن كل قراءة وافقت رسم المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة».
ويفهم مما ورد في «كتاب السبعة في القراءات» عدم اشتراطه إذ يقول: (فمن حملة القرآن المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعلم القراءات المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفّاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين) (3).--------------------------------------------
(1) المرشد الوجيز، ص 180.
(2) غاية النهاية، لابن الجوزي 2/ 124.
(3) كتاب السبعة، ص 45.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
فهذا الكلام يدلنا على شرطين لا ثالث لهما: وهما صحة السند وموافقة العربية، وأسقط موافقة الرسم، وذهب إلى ذلك الإمام أبو الحسن البغدادي شيخ القراء بالعراق فأسقط موافقة القراءة للرسم العثماني.
وقد توسع بعض العلماء في موافقة القراءة للرسم العثماني، فرأى احتمال الموافقة كافيا، بل توسع بعضهم فرأى موافقة القراءة للرسم وحده وإن لم تتواتر.
ونحن إذ نرد القراءة التي لم توافق الرسم، إلا أننا لا نقبلها لمجرد موافقتها الرسم.
3 - موافقة القراءة للغة:
ابتدأ بذكره صاحب النشر فجعله أول الأركان، وثنّى بذكره مكي بن أبي طالب والإمام الكواشي، وجعله ثاني الشروط بعد صحة السند، وقد قيد كل منهم هذا الشرط بقيد يختلف عن الآخر، فبينما يكتفى الكواشي بشرط موافقة القراءة للغة لأي وجه من الوجوه. نرى مكي بن أبي طالب يشترط أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا.
وذهب أبو الفرج الشنبوذي إلى تأييد رأي الكواشي في التساهل والاكتفاء بموافقة القراءة لأي وجه من الوجوه اللغوية، سواء أكان الوجه فصيحا مجمعا عليه أم كان مختلفا فيه اختلافا لا يضير مثله كما يقولون.
نظرة في الأركان:
لو تأملنا هذه الأركان لوجدناها أركانا تخضع لاستقراء العلماء واستنباطهم، فمنهم من جعلها ركنا واحدا، ومنهم من جعلها ركنين، مع اختلاف في تحديد الركنين، ومنهم من جعلها ثلاثة أركان وأضاف الموافقة للغة، وفي كل شرط خلاف، ففي السند: من العلماء من ذهب إلى اشتراط التواتر، ومنهم من اشتراط الشهرة، ومنهم من اكتفى بصحة السند ولو نقل آحادا.
وفي موافقة الرسم: منهم من اشتراط الموافقة تحقيقا، ومنهم من قبلها ولو تقديرا أو احتمالا، وفي موافقة اللغة كلام استوفيناه في موضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
والذي لا شك فيه بل المجمع عليه، هو صحة السند، بل أرى أنه الركن الوحيد الذي ينبغي أن يقتصر عليه، والذي أعنيه بصحة السند ليس مجرد الصحة، بل التواتر، ذلك لأن القرآن كله متواتر، لا يشك في ذلك مسلم من المسلمين، وقراءته يتعبد بتلاوتها المؤمنون، وقراءاته المختلفة لا ضير بالاكتفاء ببعضها، لأنها كلها قرآن، فأرجلكم من قوله تعالى: .. وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ .. [المائدة: 6] قرآن.
وأرجلكم بالكسر في الموضع نفسه قرآن، ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إن قرأت بهذه القراءة قرآن، وملك يوم الدّين قرآن، إن شئت قرأت بهذه أو بتلك. فالقراءة قرآن يتعبد بتلاوتها فلا بد من تواترها لإثبات قرآنيتها.
أما القراءة التي لم تتواتر سندا فلا تعتبر قرآنا مهما أضفت إليها من معايير وشروط، وقد أخطأ من حكم بقرآنيتها إذا وافقت الرسم ووافقت اللغة، وأنزلها منزلة المتواتر في السند.
إن التواتر لا يكون إلّا بالسند الذي يرويه جمع عن جمع … إلخ إذا وضح عندنا صحة اعتبار تواتر السند، فلا ضير علينا في الركنين الأخيرين، لأنه لم يثبت لدينا أن قراءة من القراءات المتواترة قد خالفت الرسم القرآني، أو خالفت العربية.
ودع عنك ما يقال إن بعض القراءات القرآنية المتواترة قد خالفت العربية، كما زعموا في قوله تعالى: .. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ .. [النساء: 1].
والأرحام بالكسر أو قراءة فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: 54] بالتسكين مخففة فإن كلام النحاة الذين خالفوا كلام القراء لا يستند إلى دليل.
أعود لأقول: إن شرط القراءة أو ركنها الوحيد هو صحة السند وتواتره، ولا ثاني له والله أعلم.
يقول الأستاذ سعيد الأفغاني: (والشرط الأساسي- كما يظهر للمتأمل- هو الأول، أي: صحة السند، أما الثاني والثالث فالغالب أنهما أضيفا ليتكون من الثلاثة ما ينطبق تمام المطابقة على القراءات العشر المعروفة) (1) ثم أضاف: «إن أول وأشهر--------------------------------------------
(1) حجة القراءات، ص 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
من عرف عنه اشتراط الشروط الثلاثة هو (مكي بن أبي طالب) الذي عاش في المائة الخامسة للهجرة حيث قال: (والقراءات الصحيحة ما صح سندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صح وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف) وشاع هذا القول بعده، حتى تبعه في ذلك بعض المتأخرين، ومشى عليه ابن الجزري في نشره وطيبته .. ،
واستنكر الجمهرة ذلك. حتى قال السفاقسي: (وهذا قول محدث لا يعول عليه» (1).
أشهر القراء من الصحابة:
المشهورون من الصحابة هم: عثمان، وعليّ، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وهؤلاء هم الذين أرسلهم عثمان بالمصاحف إلى الآفاق الإسلامية.
أشهر القراء التابعين:
بالمدينة المنورة: سعيد بن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وأخوه عطاء، وزيد بن أسلم، ومسلم بن جندب، وابن شهاب الزهري، وعبد الرحمن بن هرمز، ومعاذ بن الحارث المشهور بمعاذ القارئ.
بمكة المكرمة: عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وابن أبي مليكة، وعبيد ابن عمير، وغيرهم.
بالبصرة: عامر بن عبد القيس، وأبو العالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن زيد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة وغيرهم.
بالكوفة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة السّلماني، والربيع بن خثيم، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وعبيد بن نضلة، وأبو زرعة بن عمرو، وسعيد بن جبير، والنخعي والشعبي.
بالشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب مصحف عثمان، وخليد بن سعد صاحب أبي الدرداء وغيرهما.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، ص 12 - 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)