Arabic source text

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

📘 المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (محمد علي الحسن)

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يقول الحافظ ابن حجر في شرح الحديث- ورقمه (4555) -: كذا ترجم المصنف بقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ، ولعله أراد أن يجمع بين قولي ابن عباس، فإنه جاء عنه ذلك من هذا الوجه، وجاء عنه من وجه آخر: آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ أخرجه الطبري من طرق عنه، وكذا أخرجه من طرق جماعة من التابعين، وزاد ابن جريج قال: «يقولون: إنه مكث بعدها تسع ليال» ونحوه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وروي عن غيره أقل من ذلك وأكثر، فقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سبعا، وطريق الجمع بين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن.

‌‌شبهات في آخر ما نزل من القرآن:
وردت روايات عن الصحابة صحيحة، وأخرى ضعيفة في أواخر ما نزل من القرآن وليس في هذه الروايات ما رفع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فتحتمل أن تكون الرواية
قالها الصحابي بضرب من الاجتهاد، وتحتمل أن تكون آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يلزم أن يكون آخر ما سمعه هو آخر القرآن نزولا، لأن قول الصحابي في مثل هذا الأمر، يعطي حكم الموقوف، ولا يعطي حكم الرفع، لأن مضمونها لا يتوقف على التلقي والتوقيف، بل يمكن معرفته عن طريق ملازمة الرسول في أيامه الأخيرة.
فكلّ يرى أنه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن قبل وفاته لم ينزل عليه بعده شيء فيكون آخر ما نزل من القرآن بحسب ظنه واجتهاده، كما في حديث عثمان المشهور «براءة من آخر ما نزل». وكما ورد عن عائشة (أن آخر سورة نزلت المائدة) ومن هذه الآثار ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب، أن آخر سورة نزلت براءة، وأخرج مسلم عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1].
وفي هذه الروايات الصحيحة نظر في متنها، والكلام يطول في مناقشة كونها آخر ما نزل، وفي دعوى نزولها كاملة، أو نزول معظمها إذ من المحتم من خلال استقراء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

الآيات وأسباب نزولها أنها لم تنزل دفعة واحدة، لذا حملت هذه الروايات على أن كل واحد أجاب بما عنده حسب ظنه الذي لا يوافق ظن غيره فيما قاله، أو تحمل هذه الروايات على أن هذه السور القرآنية من أواخر ما نزل ولكنها ليست الآخرية المطلقة.
وهناك روايات كثيرة في آخر ما نزل، حمل الكثير منها على أنها آخر ما نزل في موضوع معين، كآية الكلالة حملت على أنها آخر ما ورد في الميراث، وآية: .. إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ .. [المائدة: 90]. حملت على أنها آخر ما نزل في الخمر وهكذا ..

‌‌خطأ شائع في ادعاء أن آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ هي آخر ما نزل:
أفردت (1) الحديث عن هذه الآية القرآنية للخطأ الشائع الذائع عنها، فإني قد وجدت هذا الخطأ مكررا ومرددا في جميع العالم الإسلامي، خلال تدريسي في الجامعات العربية، كنت أسأل هذا السؤال كمقدمة لمحاضرتي ما آخر ما نزل من القرآن؟ فيرد الجميع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .. [المائدة: 3].
إنني أعزو هذه الظاهرة إلى التأليف المتعجل في مادة التربية الإسلامية ونقل الكلام على علاته. وقد كان مصدر المؤلفين جميعا كتاب تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ محمد الخضري بك، الذي لم ينقح الأقوال في هذا الموضوع.
منشأ هذه الشبهة: أشهر الكتب القديمة في علوم القرآن كتابا البرهان في علوم القرآن للزركشي والإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
أما الزركشي فأورد الأقوال في آخر ما نزل والتي بلغ بها عشرا ولم يشر إلى آية:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أنها آخر ما نزل.
وأما السيوطي فقد عقب على الأقوال في آخر ما نزل، وقال: من المشكل على ما تقدم قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فإنها نزلت بعرفة، ثم أورد قول السدي وجماعة: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام.--------------------------------------------
(1) انفرد بهذا المطلب د/ محمد علي الحسن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

وهذا القول على الرغم مما قيل في سنده، إلّا أن ابن جرير قد استشكل عليه فهم السدي ومن وافقه من أن المقصود من إكمال الدين، في هذه الآية، أن جميع الفرائض والأحكام قد تمت قبل نزولها، مع أنه نزل بعدها آية الربا وآية الدين وهما من آيات الأحكام.
وقد دفع ابن جرير هذا الإشكال بقوله:
(والأولى أن نتأول آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً .. على أن الله أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حج المسلمون لا يخالطهم المشركون).
ثم أيده بما روي عن ابن عباس: (كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا، فلما نزلت «براءة» نفي المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين) فمعنى الآية أن المراد بإكمال الدين إكمال سلطانه وسطوته، وإعلاء كلمته وتقوية شوكته، حيث ذل المشركون أما المسلمين، وخضعوا لقول الله تعالى في السورة نفسها «براءة»: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: 9].
فلم يجترئ أحد منهم على مخالفة هذا الحكم. هذا التأويل الذي ذهب إليه السدي، ومن وافقه، لا ينفي أن ينزل بعدها آيات في الحلال والحرام. في الوعظ والتذكير والوعد والوعيد ونحو ذلك.
وأخيرا فإن الزعم بأن هذه الآية آخر ما نزل، لم يقل به أحد من السلف فيما أعلم (1).--------------------------------------------
(1) انظر جامع البيان في تفسير هذه الآيات من سورة المائدة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

‌‌المبحث الثاني المكي والمدني من القرآن المراد بالمكي والمدني:
لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان في ذلك، لأن المسلمين آنذاك لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان، فهم يشهدون الوحي ومكانه وزمانه، وأسباب نزوله بل ينتظرونه أحيانا لتوضيح مسألة أو للحكم في قضية.
إنما وقع الخلاف بين العلماء حين غابت هذه الظروف، وامتد الزمن حول بعض الآيات وبعض السور، وأظهر ما يكون الخلاف في السور المكية وآياتها، لأن حوادث مكة لم تعد واضحة بينة مثل حوادث المدينة.
وقد تعددت وجهات النظر حول الأسس والضوابط في تقسيم القرآن الكريم إلى مكي ومدني، فمن العلماء من اعتبر الزمان، ومنهم من اعتبر المكان، ومنهم من راعى توجيه الخطاب.
والأول هو المشهور عند أئمة التفسير، بل المجمع عليه، لأنه تقسيم ضابط وحاصر ومطرد، فما نزل من القرآن قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل خارج مكة، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وإن نزل خارج المدينة، بل لو نزل في مكة ذاتها. لذا فقد جعلوا سورة النصر مدنية، وقد نزلت في مكة، واعتبروا آية المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 5] مدنية كذلك، وقد نزلت على عرفات قرب مكة.
أما من جعل المكان مناطا للتقسيم فقال: ما نزل في مكة فهو مكي، وما نزل في المدينة فهو مدني، ولما كان من الآيات ما نزل خارج مكة وخارج المدينة، فقد وسع هؤلاء الدائرة المكانية فقالوا: ما نزل بمكة وضواحيها كمنى وعرفات والحديبية فهو مكي، وما نزل بالمدينة وضواحيها كبدر وأحد فهو مدني، وعلى الرغم من ذلك بقى هذا التقسيم غير شامل ولا حاصر لكثير من الحالات، إذ إن من الآيات ما نزل في غير مكة والمدينة وضواحيها، كالآيات التي نزلت في بيت المقدس وتبوك وغيرها، مما اضطر بعضهم إلى تقسيمه أربعة أقسام كما قال ابن النقيب في مقدمة تفسيره:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

(المنزل من القرآن أربعة أقسام، مكي ومدني وما بعضه مكي وبعضه مدني، وما ليس بمكي ولا مدني)، أي لم ينزل في مكة ولا في المدينة.
ولا يخفى عليك أن هذا التقسيم غير حاصر ولا ضابط ولا مطرد فهو مخل بالمقصود.
أما التقسيم الذي نظر فيه إلى توجيه الخطاب، فما وجّه فيه الخطاب لأهل مكة فهو مكي، وما وجّه فيه الخطاب لأهل المدينة فهو مدني، فهو أيضا غير شامل ولا حاصر لجميع الآيات القرآنية، إذ من الآيات ما لم يرد فيها خطاب لأهل مكة ولا لأهل المدينة، كالآيات التي خاطبت النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده، بل من الآيات لم يرد بها الخطاب لأحد من هؤلاء جميعا، كآيات القصص والأخبار، فماذا يمكن أن يقال عن مثل هذه الآيات؟! بل ماذا يقال عن الآيات التي نزلت بعد أن عمّ نور الإسلام المدينة ومكة معا، وأصبح الخطاب موجها للجميع دون استثناء، بل موجها لجميع الخلق بإنسها وجنّها.
ويبقى القول الأول هو الصحيح الذي لا محيص عنه لضبطه وحصره وشموله لجميع القرآن، وقد ورد النص الصريح عن الصحابة في اعتبار هذا الرأي، فقد قالوا عن سورة النصر: إنها مدنية، وقالوا عن آية المائدة السابقة الذكر: إنها مدنية كذلك، وهذا القول ينسجم والتقسيم الأول.
هذا هو الاصطلاح المعتمد عند جمهور المفسرين وبذلك وافقوا أقوال الصحابة أن سورة الفتح وآية المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ مدنية كذلك لنزولهما بعد الهجرة، وإن هما نزلتا في مكة، وقالوا: إن آيات فرض الصلاة مكية، وإن نزلت في السموات لنزولها قبل الهجرة.

‌‌الطريق لمعرفة المكي والمدني:
يقول الباقلاني: (إنما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين إذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول لأنه لم يؤمر به) (1).--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 23.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

فالصحابة رضوان الله عليهم قد شاهدوا الوحي ونزوله، وقد بلّغهم النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينزل عليه من الآيات، وقد بلغونا بما بلغهم، بل أخبرونا بالمكان والزمان الذي نزلت فيه الآيات، بل بلغت بهم الدقة أن أخبرونا بما نزل منه ليلا أو نهارا، وما نزل منه في سفر أو في حضر، في سهل أو في جبل، بالصيف أو بالشتاء، وما نزل بيت المقدس والجحفة والطائف والحديبية، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(والله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله، إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت) (1).
وروي مثل ذلك عن وهب بن عبد الله بن أبي الطفيل، قال: شهدت عليا رضي الله عنه يخطب ويقول:
(سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلّا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل).
فأمر معرفة المكي والمدني سماعي عن الصحابة رضوان الله عليهم لأنهم شاهدوا الوحي ونزوله، وعرفوا مكانه وزمانه، وقولهم في ذلك له حكم المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، فإذا صح القول عن الصحابي قبل ولا يعدل عنه إلّا بدليل أقوى يقتضي هذا العدول.
وقد ألحق الباقلاني قول التابعي فجعله كقول الصحابي، لأن كبار التابعين قد شاهدوا من شاهد نزول الوحي، ونقلوا إلينا أقوالهم، فإذا ما أخبرونا بأن هذه الآية مكية قبل قولهم، وقد قبل الإمام الشافعي مراسيل كبار التابعين في الحديث، أفلا يقبل إخبارهم بمكان نزول الآيات.
سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال: (نزلت في سفح ذلك الجبل)، وأشار إلى سلع، فإخبار عكرمة بذلك لا يكون إلّا إذا سمعه من الصحابة الذين عرفوا هذا المكان، فأخبروه بما رأوا وسمعوا، ولا أدل على ذلك من أن ابن مسعود رضي الله عنه على الرغم من القول الذي نقل عنه في معرفة زمان ومكان النزول، إلّا أن ما--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب فضائل القرآن. باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح (5002).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

روي عنه نزر يسير، وهو إذا لم يكتم علما في معرفته نفع للأمة، فإنه يكون قد علّمه إلى من سمع منه من التابعين رضوان الله عليهم.
يبقى القول في بعض الآيات التي اختلف في زمن وموطن نزولها، هذه الآيات قلائل، وقد أمكن معرفتها وفق معايير دقيقة، كالنظر في طابع الآيات المكية والمدنية، ومميزات كل منها ومدى انطباق الآيات عليها، أو بالتتبع التاريخي لسير الدعوة الإسلامية ومقتضيات كل مرحلة، أو قرائن أخرى يعرفها المتمرس في القرآن وعلومه، والله أعلم.

‌‌مميزات المكي والمدني:
تحدثنا عن الطريق الموصلة لمعرفة المكي والمدني، وعرفنا أن السبيل إلى ذلك هو السماع عن الصحابة- رضوان الله عليهم- أو عن كبار التابعين، بيد أن هناك بعض الآيات التي اختلف في مكيتها ومدنيتها مما اضطر العلماء إلى القول فيها بالاجتهاد والقياس، وذلك وفق ضوابط أو قرائن يمكن بوساطتها الحكم عليها، ولدى استقراء الآيات القرآنية وجد أن للمكي ضوابط ومميزات معينة تختلف نوعا ما عن الطابع المدني أبرزها:
1 - أن السور المكية يغلب على آياتها القصر، فسورة المدثر على سبيل المثال عدد آياتها ست وخمسون آية، وجلّ آياتها كلمتان أو ثلاث أو بضع كلمات على الأكثر ولا يستثنى من ذلك إلّا آية واحدة رقم (31): وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [المدثر: 31].
أما السور المدينة فنحن نلحظ طول آياتها (1)، وإذا قارنا حزبا من الأحزاب القرآنية المكية كالحزب الذي فيه سورة الشعراء، وحزبا مدنيا كالذي فيه سورة الأنفال، نجد فارقا عظيما في عدد آيات الحزب المكي والحزب المدني.--------------------------------------------
(1) اقرأ إن شئت أطول آية في القرآن على الإطلاق، وهي آية الدّين (282) في سورة البقرة والتي تبلغ حوالي صفحة من القرآن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

فعدد آيات سورة الشعراء المكية (227) آية، بينما سورة الأنفال (75) آية، وبالاستقراء فإن مجموع الآيات المدنية في القرآن لا يزيد على ربع مجموع الآيات المكية ومع ذلك فإننا نجد مساحتها في المصحف تزيد على الآيات المكية زيادة واضحة.
2 - يغلب على السور المكية معالجة قضايا العقيدة، وإقامة الدليل، والدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام، وخلع المعتقدات الفاسدة. نلحظ ذلك بوضوح في سورة الأنعام، ويونس والفرقان، والشعراء، والقصص ..
3 - كل سورة ذكرت فيها سجدة فهي مكية، وكذلك القصص إلّا قصة آدم وإبليس المذكورة في البقرة فهي مدنية.
4 - كل سورة ورد فيها لفظ (كلا) مكية وقد ذكر هذا اللفظ ثلاثا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة، وكلها في السور الأخيرة في القرآن كسورة اقرأ والمطففين وغيرهما.
5 - يغلب افتتاح النداء بالآيات المكية ب: يا أيها الناس ويا بني آدم.
6 - كل سورة مبدوءة بأحرف التهجي مكية إلّا البقرة وآل عمران فهما مدنيتان وسورة الرعد فيها خلاف.

‌‌أما السور المدنية فأهم مميزاتها:
1 - من المعلوم أن المجتمع الإسلامي قد ظهر في المدينة لأول مرة، وقد تعرضت الآيات القرآنية لبناء المجتمع وتأسيسه على أساس الأخوة، لذا نجد أن كل سورة تتحدث عن المهاجرين والأنصار فهي مدنية، كما عنيت الآيات المدنية بفضح المنافقين ومكائدهم، وكشف اليهود وتعريتهم على حقيقتهم، فكل سورة ذكر فيها النفاق فهي مدنية إلّا سورة العنكبوت، فإنها مكية عدا الآيات الإحدى عشر الأولى منها، فإنها مدنية وهي تتحدث عن المنافقين، وهكذا فإن كل سورة يذكر فيها أهل الكتاب من يهود ونصارى فهي مدنية أيضا.
2 - ولما كانت مرحلة ما بعد الهجرة قد تميزت بقيام الدولة الإسلامية، المكلفة بنشر الإسلام، لذا فكل سورة فيها حكم يعالج قضايا التشريع والأحكام، من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

عبادات ومعاملات ونظام للأسرة فهي مدنية، وكل سورة فيها ذكر للجهاد وما يترتب عليه من أحكام دولية كحكم الأسرى والغنائم والسلم والمعاهدة فهي مدنية، وقد جاء النفس في هذه الآيات طويلا ليوائم الموضوع الذي تعالجه.
3 - ولما تكوّن المجتمع المؤمن المتميز عن المجتمعات الكافرة ناسب أن يكون النداء الموجّه من الله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقلما نجد نداء موجها لأهل المدينة مصدرا بيا أيها الناس، إلّا إذا كان في موضوع عام يتناول الناس جميعا، وقد جاء ذلك في سبعة مواضع منها:
أ- ما جاء في سورة البقرة قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21].
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [البقرة: 168].
ب- ما جاء في سورة النساء:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [النساء: 1].
وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [النساء: 133].
ج- ما جاء في سورة الحجرات قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].
د- وأضاف العلماء إلى ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1].
فإنها نزلت ليلا عند السفر لغزوة بني المصطلق، وقد كان ذلك في السنة السادسة للهجرة.
وبعد:
فإن هذا القول منسوب لابن مسعود: «إن ما ورد فيه النداء القرآني ب يا أَيُّهَا النَّاسُ أنه مكي، وما ورد النداء في السور ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنه مدني (1).--------------------------------------------
(1) قاله الزركشي في البرهان في علوم القرآن 1/ 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

وقد وقع معه بعض من لا خبرة له في هذا الشأن في التناقض، وعدم الفهم لحقيقة مراد الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فردّ على هذا القول بأن متنه مجانب للصواب وأن سنده أشد ضعفا.
والواقع أنه رضي الله عنه يريد ما هو من سور القرآن مشتمل على النداء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ مع خلو تلك السورة من النداء ب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا … فهو مكي.
وما هو مشتمل على النداء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا … مع خلو السورة من النداء ب يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو مدني.
وحينئذ يكون قد سكت رضي الله عنه عما يكون مشتملا على النداءين مجتمعين كسورة البقرة وسورة النساء وسورة الحج مثلا.
وما تكلم عنه هذا الحبر (عبد الله بن مسعود) مضطرد لا كلام في متنه ولا سنده، وما سكت عنه يحتاج إلى بحث في جعل السورة مكية أو مدنية، وذلك بالدليل والقرينة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

‌‌المبحث الثالث نزول القرآن على سبعة أحرف
طالما شغل هذا الموضوع العلماء- قديما وحديثا- قال الطبري: إن الأقوال فيه فاقت الثلاثين قولا، وأوصلها بعضهم إلى أربعين ونيف، وكلها لم يخل من مقال، وقد أشبع العلماء الأوائل هذه الأقوال نقدا وتفنيدا، أذكر- على سبيل المثال لا الحصر-: الإمام الطبري في تفسيره جامع البيان، وابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز، والثعالبي في كتابه الجواهر، وابن كثير، والنيسابوري، والقرطبي، وخلائق لا يحصون، كما عني به علماء القراءات كابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر، وقد قال: إن هذا الموضوع قد شغله ما يزيد على ثلاثين عاما ونيف، ثم قال: إن الله هداه إلى ما يمكن أن يكون صوابا، ومع هذا التواضع العلمي لم يوفق للصواب.
وفي عصرنا انساق كثير من العلماء وراء أقوال لا تخلو من ضعف ووهن، وإن تابع بعضهم بعضا، وهم- على جلالة قدرهم- مقلدون لمن سبقهم، فقد استحسن الشيخ عبد العظيم الزرقاني رأي ابن قتيبة وابن الطيب أبي بكر الباقلاني والرازي، ودافع عنه كثيرا وجاء من بعده متأثرا بهذا الرأي.
ولكي نعطي هذا المبحث حقه من البيان يجدر بنا أن نسوق أولا الأحاديث الواردة في هذا الموضوع:
1 - عن عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساروه في الصلاة، فتصبّرت حتى سلّم، فلبّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت»، ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (1).
2 - عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرءا فحسّن
النبيّ صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقا، فقال لي: «يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إلي الثانية اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوّن على أمتي فردّ إليّ الثالثة اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردّة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهمّ اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي .. » (2).
3 - عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار، قال: فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمتي لا تطيق ذلك» ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته إنّ أمتي لا تطيق ذلك» ثم جاء الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (3).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري 6/ 100، 3/ 90، 8/ 53، ح (2419) و (4992) و (5041) و (6936) و (7550)، والإمام مسلم 1/ 560 ح (818) (270).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1/ 562، ح (820) (273).
(3) صحيح مسلم 1/ 260، ح (821) (274).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

4 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده. ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (1).
5 - عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (2).
6 - عن أبي بن كعب قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: «يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (3).

‌‌ما يستفاد من هذه الأحاديث:
1 - إن الخلاف الواقع بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، إنما هو ناجم عن نطق في هيئات الكلمة القرآنية، كما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما علّمها لأصحابه رضوان الله عليهم، تأمل قول عمر وهشام في رواية الحديث: قال عمر: إني سمعت هذا- يعني هشاما- يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فالخلاف هو في قراءة الكلمات، ومصدره النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي أقرأ عمر، وهو الذي أقرأ هشاما، وهذه القراءة التي علّمهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدرها الوحي، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مصوبا لكل واحد منهما ومخبرا أن قراءة الآيات من قبلهما بأنها هكذا أنزلت، وحكم بالصواب لكل قراءة بقوله:
«أصبت».
فالأحرف في نطق اللفظ، وليس في قراءة القرآن فيما معناه كما يقال، ولا تغيير اللفظ بمرادف.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري ح (3219)، وصحيح مسلم 1/ 561 ح (819) (272).
(2) رواه أحمد في مسنده 5/ 391، والبزار والطبراني وفيه عاصم بن بهدلة قال الهيثمي: وفيه كلام لا يضر، والحديث صحيح.
(3) أخرجه الترمذي في سننه 5/ 194 ح (2944)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

قال ابن الجزري: (وأما من يقول: إن بعض الصحابة كابن مسعود كان يجيز القراءة بالمعنى، فقد كذب عليه، إنما قال: نظرت القرّاء فوجدتهم متقاربين فاقرءوا كما علمتم» (1).
فلو كانت الأحرف هي القراءة بما معناه أو تبديل الكلمة بمرادف لما صح قوله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت».
2 - تدلنا هذه الأحاديث بصراحة ووضوح أن المراد بالعدد سبعة هو حقيقة العدد المحصورين بين الثمانية والستة وليس المراد به الكثرة.
وقد تاهت أقلام بعض الأقدمين والمحدثين في حقيقة هذا العدد، وقالوا: إن المراد به الكثرة لا تحديد العدد سبعة، وقد ذهب إلى ذلك الأستاذ سعيد الأفغاني عميد كلية الآداب في جامعة دمشق، وقرر ذلك في مقدمته لكتاب (حجة القراءات لأبي زرعة) وهو رأي قد سبق إليه من الأقدمين كالقاضي عياض ومن تبعه (2).
والذي نراه صوابا هو ما ذكرته الأحاديث السالفة الذكر، وهو أن المراد بالسبعة هو حقيقة العدد وليس المراد به الكثرة، وهذا ما ذهب إليه أكثر الأقدمين والمحدثين.
قال ابن الجزري بعد أن ساق كلام الذين يرون أن العدد سبعة يفيد الكثرة، قال:
«وهذا جيد لولا أن الحديث يأباه» (3)، فالروايات واضحة وصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد راجع جبريل وطلب المزيد حتى بلغ سبعا (4)، نعم إن الروايات لا تشير بمجموعها إلى أن المراجعة بلغت ستا، بصريح العبارة، ولكن لفظ الحديث يدل على أن النهاية قد انتهت وثبتت ووصلت إلى العدد سبعة، ومما يفيد هذا ما رواه أبو بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة» (5).
وهل هناك ما هو أوضح من القول: فلم أنزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (6).--------------------------------------------
(1) النشر في القراءات العشر تحقيق د. محمد سالم محيسن، الناشر مكتبة القاهرة، 1/ 86.
(2) حجة القراءات، لأبي زرعة، ص 8 - 9.
(3) القراءات عند المفسرين، ص 5. والنشر في القراءات العشر 1/ 77.
(4) سنن النسائي في جامع ما جاء في القرآن 2/ 154.
(5) النشر في القراءات العشر 1/ 77 وانظر سند أحمد 5/ 41، 51.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه ح (4991)، ومسلم ح (819).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

وهذا الرأي الذي رجحه الأستاذ محيي الدين خليل في بحث مستفيض [كلمتان بين المفسرين والمحدثين وأهل اللغة (سبعة) و (سبعين)]، فقد قرر بعد استعراض شامل وخلص إلى القول:
(إننا نجد أن المعاجم اللغوية على كلمة سواء فيما يختص بالسبعين والسبعمائة وهو أنهما تكررتا في القرآن الكريم والحديث الشريف، والعرب تضعهما موضع التضعيف ولا تريد معناهما اللغوي في كثير من الأحيان، ولكن هذه المعاجم لا تلتقي على كلمة سواء فيما يختص بالسبعة «والسبع» رغم تكرارهما في القرآن والحديث ولغة العرب) (1).
ونحن إذ ما أمعنا النظر في الأحاديث ونصوصها، فإننا نجد أن المراد بالسبعة هو العدد المحصور بين الستة والثمانية، وليس المراد فيها الكثرة في الآحاد.
3 - نلمس من هذه الأحاديث أن نزول القرآن على سبعة أحرف فيه تسهيل وتيسير على الأمة، ويدلنا على ذلك مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم جبريل بأن يسأل ربه التخفيف والمعافاة، حتى بلغ ما بلغ من الأحرف السبعة.
4 - هذه الأحاديث هي عمدة الكلام حول الأحرف السبعة، وقد اخترنا الصحيح منها بل المتواتر، وقد ضربنا صفحا عن ذكر الأحاديث التي لم تصح سندا، فالحديث عنها لا طائل تحته.
هذا ما أردنا التنويه إليه مما يستفاد من الأحاديث، حتى يكون عونا لنا في تحديد المراد فيما بعد.

‌‌معنى الأحرف السبعة
‌‌المعنى اللغوي:
الأحرف جمع حرف وقد ورد بمعنى كثيرة: حرف الشيء طرفه. والحرف هو أحد حروف التهجي، كالألف حرف، والباء حرف، والحرف يطلق على الوجه، ومنه--------------------------------------------
(1) البحث مطبوع ونشره مركز البحوث في جامعة الملك سعود.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الحج: 11] يعني أنهم عبدوه على وجه الشك لا على اليقين والتسليم لأمره، قال مجاهد: على شك، وهذا علامة على القلق وعدم الثبات كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، يكاد يسقط عنه.
وقال الحافظ أبو عمرو الداني إن من معاني الأحرف: اللغات، يعني أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات، وقيل: اللغات يعني اللهجات. وعلى هذا فالحرف لغة: (يعني الطرف، وأحد حروف التهجي، والوجه واللغة واللهجة).
أما كلمة السبعة، فكما سبق أن قلنا: إن المراد منها حقيقة العدد المحصور بين الستة والثمانية وليس المراد منها المعنى المجازي.

‌‌المعنى الاصطلاحي للأحرف السبعة:
على الرغم من كثرة الأقوال التي تحدد المعنى الاصطلاحي للأحرف السبعة، إلّا أنه يمكن رد كثير منها وفق قاعدة متفق عليها «أن كل قول لا يستند إلى أثر ثابت هو مردود أيضا» مثل قول ابن مسعود المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقائل: (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم ومتشابه وأمثال» (1).
فهذا القول لم يصح، فقد أخرجه الحاكم والبيهقي، وليس سنده يصح، ولو صح السند لكان حاسما للنزاع، على أنه قد روي عن ابن مسعود قول خلاف ذلك كما قال الطبري.
أو مثل القول: «محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص».
كل هذه الأقوال وأمثالها قد ضربنا عنها صفحا ولم نتكلف الرد عليها لعدم استنادها إلى الدليل.
وبعد: فنبدأ برأي الطبري الذي استهل به تفسيره الشهير، وقد أطال كثيرا في تحديد المعنى لها وقد وافقه الطحاوي، واستفتح به القرطبي سائر الأقوال- وإن لم
يوافقه.--------------------------------------------
(1) جامع البيان 1/ 23، قال السيوطي: حديث ابن مسعود أخرجه الحاكم والبيهقي، الإتقان 1/ 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

وقد تأثر بعض المحدثين بقول الطبري، كما ظهر في كتاب مباحث في علوم القرآن (1).
لقد فسر الطبري الأحرف السبعة بأنها سبعة أوجه، ولكنها ليست كالأوجه السبعة التي سيأتيك ذكرها بل أوجه سبعة من المعاني المتفقة والألفاظ المختلفة في الكلمة الواحدة نحو هلم وأقبل وأسرع وتعال وعجل وقصدي ونحوي وقربي (2).
فلك أن تختار أي لفظ من هذه الألفاظ، وهذا معنى التسهيل والتيسير على الأمة، وقد أورد الطبري الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكرة: «كلّها شاف كاف»، إلّا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعالى وأسرع وأقبل .. إلخ.
أو كما روي في حديث أبي بن كعب: (قلت: غفورا رحيما أو قلت: سميعا حكيما أو قلت: عليما حكيما أو قلت: عزيزا حكيما، أي ذلك قلت فإنه كذلك).
واستدلوا على هذا القول بقراءات مروية عن أعيان الصحابة، مثل أبي بن كعب، وهو أقرأ الصحابة كما ورد، «أقرؤكم أبي» فقد روي أنه قرأ قوله تعالى: .. مَشَوْا فِيهِ .. [البقرة: 20]، أبدلها بقوله: «مروا فيه، سعوا فيه». وقرأ قوله تعالى في سورة الحديد: .. لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا .. [الحديد: 13]. قال: (أمهلونا، أخرونا، ارقبونا).
أما أنس بن مالك فقرأ قوله تعالى في المزمل: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: 6]. قال: (وأصوب قيلا، فقيل له: أقوم فقال: وأصوب وأهيأ واحد) (3).
أما ابن مسعود فقد أقرّ رجلا قرأ قوله تعالى:
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ 43 طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان: 43 - 44] (4).--------------------------------------------
(1) انظر مباحث علوم القرآن، للشيخ مناع القطان.
(2) جامع البيان 1/ 20.
(3) جامع البيان 1/ 18، والحديث رواه أبو يعلى والبزار.
(4) انظر تفسير الآية للطبري والقرطبي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

حين قال طعام الأثيم فقال: (قل: طعام الفاجر) هذا قول الطبري وهو فاسد من وجوه كثيرة:
1 - أن الآثار التي استند إليها في الأحرف السبعة لم يصح منها إلّا ما أوردناه سابقا، أو ما هو قريب من لفظة ومعناه، أما هذه الروايات المروية عن الصحابة فلم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
2 - أن الآثار المروية عن الصحابة، رضوان الله عليهم، على فرض صحتها هي قراءات شاذة لا يعتد بها في الاستشهاد.
3 - لم يعتبر أحد أن هذه القراءات قرآنية، لأنها لم تتواتر وهي قراءات إن صحت على أبعد احتمال، فلا تعدو أن تكون قراءة آحاد مخالفة للسواد، فلا يعتد بها كما قال أبو حيان.
4 - على أن العلماء مع اتفاقهم جميعا دون استثناء، على أنها ليست قرآنا، قد اختلفوا في اعتبارها حديثا وهي على أحسن تقدير تفسير صحابي.
5 - أن القراءة بالمرادف يفتح باب التغيير والتبديل فليس للنبيّ ولا لصحابي أن يبدل اللفظة من بعض هذه الألفاظ من تلقاء نفسه، فإن هذا القرآن المعجز لو حذفت أو أبدلت كلمة منه ثم أدرت لسان العرب كله على أن تأتي بدلها ما استطعت.
إن كلمة هلم أو أقبل أو نحوي، لا يمكن أن تسد مسد كلمة تعال لا في اللفظ وتناسقه وسياقه، ولا في أداء المعنى الدقيق لهذه الكلمة.
فهل كلمة هلم وأقبل ونحوي وأسرع … تسد مسد كلمة تعال؟ أو كلمة أقوم مثل: أهيأ وأصوب، أو كلمة «طعام الفاجر» مثل طعام الأثيم ..
لقد خاض العلماء في ذلك وكتبوا في تشابه القرآن في آياته بزيادة حرف أو نقص أو بإبدال كلمة مكان كلمة، وقالوا في ذلك عجبا، وبينوا، وبينوا الإعجاز الرباني في الإبدال والنقص والزيادة، فكيف يكون قوله عزيزا حكيما، مثل عليما حكيما ما لم نخلط آية عذاب برحمة أو العكس كما زعموا.
قال أبو بكر الباقلاني: (فلا يجوز للناس أن يبدلوا أسماء الله تعالى في موضع بغيره مما يوافق معناه أو يخالف).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

إن هذا القول رغم إجلالنا لقائله وهو ابن جرير الطبري إلّا أنا نقول كما قال علماؤنا:
هذا الرجل كبير، ولكن الحق أكبر منه، لذا فقد خالفه جماهير العلماء فيما ذهب إليه. ولو أمعن بعض المحدثين فيما اعترض به على ابن جرير لما ذهبوا مذهبه، بل أوقعتهم ثقتهم بهذا المفسر العظيم حين افتتح كتابه بالحديث عن علوم القرآن، وبحث الأحرف السبعة، وأطال الاستدلال، فتوهم هؤلاء بأن رأيه الحق الذي لا بديل له.
أما القول الثاني فهو رأي ابن قتيبة وابن الجزري والقاضي الباقلاني ابن الطيب والرازي وابن كثير، وقد قال به كثير من المحدثين كالزرقاني الذي تابعه كثيرون.
لقد قال هؤلاء جميعا: إن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة، وهي لا تخرج عن سبعة أوجه في الاختلاف (1).
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث مثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: 8] لأمانتهم بالإفراد، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ لأماناتهم بالجمع.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض، ومضارع، وأمر مثاله قوله تعالى:
رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 19] «ربنا بعّد بين أسفارنا».
الثالث: اختلاف في وجوه الإعراب. مثاله: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: 3] ورسوله بالضم، ورسوله بالفتح.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة، مثاله: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل: 3] (والذكر والأنثى) بنقص لفظ وما خلق، ونحو «أوصى» «ووصى» بنقص حرف الهمزة.
الخامس: الاختلاف في التقديم والتأخير، مثاله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: 111] بمعنى قاتل ومقتول، أو «فيقتلون ويقتلون» بمعنى مقتول وقاتل، وكلاهما موعود بالحسنى وبالجنة، ومثاله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] «وجاءت سكرة الحق بالموت».--------------------------------------------
(1) النشر في القراءات العشر 1/ 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

السادس: الاختلاف بالإبدال وهو قسمان: إبدال حرف قريب المخرج بحرف قريب مثله وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الواقعة: 29] «وطلع منضود». والثاني: إبدال كلمة بكلمة وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: 5] كالصوف المنفوش بدل العهن.
السابع: اختلاف اللهجات كالفتح والإمالة والترقيق التفخيم وغير ذلك.
وإذا تأملت هذه الأوجه فإنها لا تخلو من نقد، وهي أوجه فيها نظر من نواح كثيرة. فالأمثلة القرآنية هي روايات آحادية لا تثبت قرآنيتها كما يقول أبو حيان:
«رواية آحاد مخالفة للسواد فلا يعتد بها» (1) فقوله: «وجاءت سكرة الحق بالموت» وقوله: «والذكر والأنثى» بدل «وما خلق الذكر والأنثى» وقوله: «كالصوف المنفوش» بدل «العهن المنفوش» كل ذلك لم يثبت رواية ولم يصح سندا.
ثم إن المتأمل لهذه الأوجه لا يلمس وجه الحكمة والتسهيل على الشيخ الكبير والطفل الصغير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

المعنى الثالث: الأحرف السبعة هي لغات سبع (2) متفرقة في القرآن،
وهي لغات أحياء من قبائل العرب مختلفة، نزل بها القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يأمر كتبة الوحي، وهم من قبائل شتى من قريش وغيرها، بكتابته، وقام عثمان بن عفان وأمر الكتبة حين كتابة القرآن إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ومعنى ذلك أن القرآن منه ما قرئ بلغة قريش، ومنه ما قرئ بغيرها كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سبب اختلاف الصحابة في قراءة القرآن، فمن سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على وجه، فإنه يقرأ على هذا الوجه، ومن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على وجه آخر، فإنه يقرأ على الوجه الذي سمعه كذلك، وربما سمع أحدهم ما لا يسمعه الآخر فينكر عليه، فحين قرأ هشام الفرقان أنكر عليه عمر ذلك لأنه لم يسمعها من النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي سمعه هشام.--------------------------------------------
(1) تفسير البحر المحيط 8/ 483.
(2) القرطبي 1/ 38 - 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)