Arabic source text

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

📘 المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (محمد علي الحسن)

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً .. [البقرة: 171]. ثم إنه يتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عند ما يتناول آية من آيات الأحكام، فيذكر الأقوال والخلافات والأدلة إلى درجة يخرج فيها عن مراد الآية، كتفسيره لقوله تعالى:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] تجده يفيض في الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة ونصيب كل وارث منهم، ثم يقول بعد هذا:
فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث في الجاهلية قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

‌‌موقفه من الإسرائيليات:
يمتاز هذا التفسير بالتوسع الكبير في ذكر الإسرائيليات دون تعقب من مؤلفه بشيء من ذلك، أو دون تنبيه إلى ما فيه من استبعاد وغرابة، وهذا يظهر أن الثعلبي كان مولعا بالأخبار والقصص إلى درجة كبيرة، وهو قد ألف كتابا في قصص الأنبياء كقصة أصحاب الكهف وروايته عن السدي ووهب وكعب الأحبار وإتيانه بما لا يعقل من قصتهم.
وجدير بالذكر أن الثعلبي لم يتحر الصحة في كل ما ينقل عن السلف، وقد لاحظ عليه السيوطي في الإتقان أنه يكثر الرواية عن السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (1).
والثعلبي يذكر في تفسيره الكثير من الأحاديث الموضوعة خصوصا في فضائل السور، فهو يذكر في نهاية كل سورة حديثا أو اثنين في فضائلها، وهذا يدل على أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.
وهذا كله (كثرة الإسرائيليات والإتيان بالأحاديث الموضوعة .. ) قد أتى على الثعلبي باللوم والنقد له ولكتابه. يقول ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير:
«والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب--------------------------------------------
(1) الإتقان في علوم القرآن 2/ 189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

التفسير من صحيح وضعيف وموضوع» (1) وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة عند الكلام عن الواحدي المفسر: «ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما- وخصوصا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة» (2).
والحق كذلك أنه قليل بضاعة في الحديث، بل لا يكاد الثعلبي يميز بين الحديث الموضوع من غير الموضوع، وإلا لما روى أحاديث الشيعة الموضوعة على علي وعلى أهل البيت، وغيرها مما اشتهر وضعه.
والعجيب من الثعلبي أنه يعيب كل كتب التفسير الأخرى حتى كتاب الطبري، وادعى في مقدمته أنه لم يعثر على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ولكنه لم يستطع أن ينتج هذا الجامع المهذب كما وصف كتابه في المقدمة.

‌‌5 - ابن كثير: (700 - 774 هـ):
هو الإمام الجليل الحافظ، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمرو بن كثير ابن ضوء بن كثير بن زرع البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، قدم دمشق وله سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه، سمع من ابن الشحنة، والآمدي، وابن عساكر، كما لازم المزي وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، واتبعه في كثير من آرائه.
كان مولده سنة 700 هـ أو بعدها بقليل وتوفي في شعبان سنة 774 هـ ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية، وكان قد كف بصره في آخر عمره.

‌‌مكانته العلمية:
كان ابن كثير على مبلغ كبير من العلم، وقد شهد له العلماء بسعة علمه، وغزارة مادته، خصوصا في التفسير والحديث والتاريخ، قال عنه ابن حجر: «اشتغل بالحديث--------------------------------------------
(1) ص 19.
(2) ص 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

مطالعة في متونه ورجاله، وجمع التفسير، وشرع في كتاب كبير في الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذي سماه البداية والنهاية، وعمل طبقات الشافعية، وشرع في شرح البخاري … وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، وسارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء، وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح وله فيه فوائد» وقال عنه الذهبي في المعجم المختص: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة» وقال ابن حبيب فيه: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير» وقال فيه أحد تلاميذه ابن حجر: «أحفظ من أدركناه لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي عليه إلا واستفدت منه».

‌‌التعريف بتفسيره (تفسير القرآن العظيم) وطريقته فيه:
تفسير ابن كثير من أشهر ما دوّن في التفسير بالمأثور، ويعتبر في هذه الناحية الكتاب الثاني بعد كتاب ابن جرير، اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف، ففسر فيه كلام الله تعالى بالأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما يحتاج إليه جرحا وتعديلا، وتفسيره مطبوع في أربعة أجزاء كبار، وصدرت أخيرا طبعة محققة في ثمانية أجزاء (1). وقد قدم له مؤلفه بمقدمة طويلة هامة، تعرض فيها لكثير من الأمور التي لها تعلق واتصال بالقرآن وتفسيره، ولكن أغلب هذه المقدمة مأخوذ بنصه من كلام شيخه ابن تيمية، الذي ذكره في مقدمته في أصول التفسير.--------------------------------------------
(1) صدرت الطبعة المحققة الطبعة الأولى 1418 هـ- 1997 م، عن دار طيبة للنشر والتوزيع، تحقيق سامي بن محمد السلامة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

أما طريقة مؤلفه في التفسير فإنه يذكر الآية، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة، وإن أمكن توضيح الآية بآية أخرى ذكرها، وقارن بين الآيتين، حتى يتبين المعنى ويظهر المراد، وهو شديد العناية بهذا النوع من التفسير الذي يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، وهذا الكتاب أكثر ما عرف من كتب التفسير سردا للآيات المتناسبة في المعنى الواحد. ثم بعد أن يفرغ من هذا كله، يشرع في سرد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية، ويبين ما يحتج به وما لا يحتج به منها، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف.
ونجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض، ويضعف بعض الروايات، ويصحح بعضا آخر منها، ويعدل بعض الرواة ويجرح بعضا آخر، وهذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بفنون الحديث وأحوال الرجال.
وكثيرا ما نجد ابن كثير ينقل من تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وتفسير ابن عطية، وغيرهم ممن تقدمه.

‌‌موقفه من الإسرائيليات:
ما يمتاز به ابن كثير في تفسيره أنه ينبه إلى ما فيه من الإسرائيليات، ويحذر منها على وجه الإجمال تارة، وعلى وجه التعيين والبيان لبعض منكراتها تارة أخرى.
ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً .. [البقرة: 67] إلى آخر الآيات نراه يقص لنا قصة طويلة وغريبة عن طلبهم للبقرة المخصوصة، وعن وجودهم لها عند رجل من بني إسرائيل كان من أبر الناس بأبيه … إلخ، ويروي كل ما قيل في ذلك عن بعض علماء السلف … ثم بعد أن يفرغ من هذا كله يقول ما نصه: «وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدق ولا تكذب، فلهذا
لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. والله أعلم» (1).--------------------------------------------
(1) ج 1 ص 108 - 110.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

أما المناقشات الفقهية فإن ابن كثير يذكر أقوال العلماء وأدلتهم عند ما يشرح آية من آيات الأحكام، وإن شئت أن ترى مثالا لذلك فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 185] فإنه ذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الآية، وذكر أقوال العلماء فيها، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه. وهكذا سائر الآيات كآيات الطلاق والمواريث … إلخ.
وبالجملة، فإن هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور وقد شهد له بعض العلماء، فقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ، والزرقاني في شرح المواهب: إنه لم يؤلف على نمطه مثله (1).

‌‌6 - الثعالبي: ( … - 876 هـ).
مؤلف الجواهر الحسان في تفسير القرآن، هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، الثعالبي، الجزائري، المغربي، المالكي، العالم العامل، الزاهد الورع، ولي الله الصالح العارف بالله، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين قال ابن سلامة البكري: كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا، زاهدا عالما، عارفا، وليا من أكابر الأولياء، وبالجملة فقد اتفق الناس على صلاحه وإمامته، وأثنى عليه جماعة من شيوخه بالعلم والدين والصلاح، كالإمام الأبيّ، والولي العراقي، وغيرهما. وقد عرّف هو بنفسه في مواضع من كتبه، وبيّن أنه رحل من الجزائر لطلب العلم في آخر القرن الثامن، فدخل بجاية ثم تونس، ثم رحل إلى مصر ثم رجع إلى تونس، ويقول هو: لم يكن بتونس يومئذ من يفوتني في علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا وقبلوا ما أرويه، تواضعا منهم وإنصافا، واعترافا بالحق، وكان بعض المغاربة يقول لي لما قدمت من المشرق: أنت آية في علم الحديث، وذكر كل شيوخه الذين سمع منهم في تلك البلاد.
وكان إماما علامة مصنفا، خلف للناس كتبا كثيرة نافعة، منها: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وكتاب الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز، وتحفة الإخوان في--------------------------------------------
(1) الرسالة المستطرفة، الكتاني ص 146.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

إعراب بعض آيات القرآن، وكتاب جامع الأمهات في أحكام العبادات، وغير ذلك من الكتب النافعة في نواح علمية مختلفة. وتوفي سنة 876 هـ أو في أواخر التي قبلها على نحو تسعين سنة، ودفن بمدينة الجزائر. رحمه الله ورضي عنه.

‌‌التعريف بتفسيره (الجواهر الحسان) وطريقته فيه:
لقد عرف الثعالبي تفسيره في مقدمته حيث قال: «فإني قد جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين، فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمة، من غيره من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، حسبما رأيته أو رويته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، وما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين، وكل ما نقلت فيه عن المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عولت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزلل، وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه، وما انفردت بنقله عن الطبري، فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد ابن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي لتفسير الطبري نقلت، لأنه اعتنى بتهذيبه». ثم يبين رموز الكتاب فيقول: «وكل ما في آخره انتهى، فليس هو من كلام ابن عطية، بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره، ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر فليراجع الأمهات المنقول عنها فليصلحه منها، ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزلل من حيث لا يشعر. وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من قلت، ومن شاء كتبها قلت، وأما العين فلابن عطية. وما نقلته من الإعراب من غير ابن عطية فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان غالبا، وجعلت الصاد علامة عليه، وربما نقلت عن غيره معزوا لمن عنه نقلت. وكل ما نقلته عن أبي حيان- وإنما نقلي له بواسطة الصفاقسي- أقول: قال الصفاقسي، وجعلت علامة ما زدته على أبي حيان (م) وما يتفق لي إن أمكن فعلامته (قلت)».
وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي حيان. ثم قال: «وما نقلته من الأحاديث الصحاح والحسان من غير البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في باب الأذكار والدعوات، فأكثره من النووي وسلاح المؤمن. وفي الترغيب والترهيب، وأحوال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

الآخرة، فمعظمه من التذكرة للقرطبي والعاقبة لعبد الحق. وربما زدت زيادة كثيرة من مصابيح البغوي وغيره، كما سنقف إن شاء الله تعالى على ذلك معزوا لمحاله.
وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم، وجواهر السنن الصحيحة والحسان، المأثورة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وسميته بالجواهر الحسان في تفسير القرآن .. » ثم نقل كثيرا مما جاء في مقدمة تفسير ابن عطية، فذكر بابا في فضل القرآن، وبابا في فضل تفسير القرآن وإعرابه، وفصلا فيما قيل في الكلام فيه، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين، وفصلا في اختلاف الناس في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وفصلا في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق، وبابا في تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية … ثم شرع في التفسير وفي كل ما تقدم يعتمد على ابن عطية وينقل عنه.
وفي خاتمة التفسير يقول: «وقد أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر، وقد استوعبت بحمد الله مهمات ابن عطية، وأسقطت كثيرا من التكرار وما كان من الشواذ في غاية الوهي، وزدت من غيره جواهر ونفائس لا يستغنى عنها، مميزة معزوة لمحالها، منقولة بألفاظها، وتوخيت في جميع ذلك الصدق والصواب».
يتضح من كلام الثعالبي أن تفسيره مختصر لتفسير ابن عطية، مع زيادة نقول نقلها الثعالبي عمن سبقه من المفسرين، أي ليس له بعد الجمع والترتيب إلا عمل قليل، وأثر فكري ضئيل.
والثعالبي يتعرض للقراءات أحيانا، ويدخل في الصناعة النحوية ناقلا عمن ذكره ومن عند نفسه، ويستشهد في بعض المواضع بالشعر العربي على المعنى الذي يذكره، وهو إذ يذكر الروايات المأثورة في التفسير يذكرها دون سنده إلى من يروي عنه، ويذكر الثعالبي بعض الروايات الإسرائيلية، ولكنه يتعقب ما يذكره بما يفيد عدم صحته أو على الأقل بما يفيد عدم القطع بصحته، مثال ذلك تفسيره لقوله تعالى:
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ [النمل: 20] نجده يذكر بعض الأخبار الإسرائيلية ثم يقول بعد الفراغ منها «والله أعلم بما صح من ذلك».
وجملة القول، فإن الكتاب مفيد، جامع لخلاصات كتب مفيدة، وليس فيه ما في غيره من الحشو المخل، والاستطراد الممل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

‌‌7 - السيوطي: (849 - 911 هـ):
هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، المسند المحقق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة. ولد في رجب سنة 849 هـ وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر ثمان سنين، وحفظ كثيرا من المتون، وأخذ عن شيوخ كثيرين، عدهم تلميذه الداودي فبلغ بهم واحدا وخمسين، كما عد مؤلفاته فبلغ بها ما يزيد على الخمس مائة مؤلف وشهرة مؤلفاته تغني عن ذكرها، فقد اشتهر شرقا وغربا ورزقت قبول الناس. وكان السيوطي آية في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودي:
عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا.
وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا، وغريبا، ومتنا، وسندا، واستنباطا للأحكام. ولقد أخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر لحفظت، ولما بلغ الأربعين سنة تجرد للعبادة، وانقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الدنيا وأهلها، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس، وأقام في روضة المقياس ولم يتحول عنها إلى أن مات، وله مناقب وكرامات كثيرة، وله شعر كثير جيد، أغلبه في الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية.
وتوفي في سحر ليلة الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى سنة 911 هـ في منزله بروضة المقياس، فرضي الله عنه وأرضاه (1).

‌‌التعريف بتفسيره (الدر المنثور في التفسير المأثور):
عرّف الجلال السيوطي نفسه هذا التفسير، وبيّن الحامل له على تأليفه، في آخر كتابه (الإتقان) ومقدمة (الدر المنثور) نفسه، فقال في آخر (الإتقان): «وقد جمعت كتابا مسندا فيه تفاسير النبي صلى الله عليه وسلم، فيه بضعة عشر الف حديث، ما بين مرفوع وموقوف، وقد تم ولله الحمد في أربعة مجلدات، وسميته (ترجمان القرآن)» (2).--------------------------------------------
(1) انظر ترجمته في شذرات الذهب ج 8 ص 51 - 55.
(2) ج 2 ص 183.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

وقال في مقدمة الدر المنثور: « … وبعد، فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن- وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتم بحمد الله في مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها واردات (1)، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فلخصت منه هذا المختصر، مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بالدر المنثور في التفسير المأثور .. » (2).

‌‌منهجه في التفسير:
يقول السيوطي في آخر الإتقان: «وقد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة، والأقوال المعقولة، والاستنباطات والإشارات، والأعاريب واللغات، ونكت البلاغة ومحاسن البدائع وغير ذلك، بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا، وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين، وهو الذي جعلت هذا الكتاب- أي الإتقان- مقدمة له» (3).
ومن هذه العبارة يتبين لنا أن كتاب (مجمع البحرين ومطلع البدرين) يشبه في منهجه وطريقته- إلى حد كبير- تفسير ابن جرير الطبري ولكن لا ندري إذا كان السيوطي قد أتم هذا التفسير أم لا، ويظهر لنا أنه لا صلة بينه وبين كتاب الدر المنثور، ذلك لأن الدر المنثور لا يتعرض فيه السيوطي مطلقا لما ذكره من منهجه في مجمع البحرين ومطلع البدرين، فلا استنباط ولا إعراب، ولا نكات بلاغية، ولا محسنات بديعية، ولا شيء مما ذكر أنه سيعرض له في مجمع البحرين ومطلع البدرين، وكل ما فيه هو سرد الروايات عن السلف دون تعقّب، فلا يعدّل ولا يجرّح، ولا يضعّف ولا يصحّح، فهو كتاب جامع فقط لما يروى عن السلف في التفسير، أخذه السيوطي من البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وأبي داود،--------------------------------------------
(1) أي طرقا كثيرة.
(2) ج 1 ص 2.
(3) ج 2 ص 190.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

وابن جرير، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وغيره ممن تقدمه ودوّن التفسير.
والسيوطي رجل مغرم بالجمع وكثرة الرواية، وهو مع جلالة قدره، ومعرفته بالحديث وعلله، لم يتحرّ الصحة فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل، فالكتاب يحتاج إلى تصفية حتى يتميز لنا غثه من سمينه، وهو مطبوع في ستة مجلدات، ومتداول بين أهل العلم.
ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى أن كتاب الدر المنثور، هو الكتاب الوحيد الذي اقتصر على التفسير المأثور بين هذه الكتب التي تكلمنا عنها فلم يخلط بالروايات التي نقلها شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره.
وإنما اعتبرنا كل هذه الكتب من كتب التفسير المأثور، نظرا لما امتازت به عما عداها من الإكثار في النقل، والاعتماد على الرواية، وما كان وراء ذلك من محاولات تفسيرية عقلية، أو استطرادات إلى نواح تتصل بالتفسير، فذلك أمر يكون ثانويا بالنسبة لما جاء فيها من روايات عن السلف في التفسير.

‌‌ثانيا- التفسير بالرأي والدراية
هو تفسير القرآن بحسب اجتهاد المفسرين ومعارفهم في اللغة والأصول غيرها.
وجلّ كتب التفسير من هذا النوع مثل الكشاف للزمخشري، وتفسير البيضاوي والنسفي والقرطبي.

‌‌أهم كتب التفسير بالرأي:
لئن اعتبر العلماء تفسير ابن جرير بأنه أمّا في التفسير بالمأثور، فإن تفسير الزمخشري أمّا في التفسير بالرأي، مع خلاف في الاتجاه المذهبي لكل منهما.
1 - أما الزمخشري فهو فارس اللغة والبلاغة، وقد وضع بذورا في التفسير بالرأي، كان لها الأثر الواضح والبصمات الظاهرة في كثير من المفسرين، الرازي، والبيضاوي، وأبي السعود، والنسفي، وأبي حيان الذي وصف الزمخشري بأنه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

أوتي من علوم القرآن بأوفر حظ، على الرغم من هجومه وهجوم المفسرين على اعتزالياته التي تعصب لها بشكل عجيب، متجاوزا كل قواعد اللغة والبلاغة، بل خلع الأدب وراء انحرافاته ونزعاته.

‌‌1 - الزمخشري (467 - 538 هـ):
هو أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي، الإمام الحنفي المعتزلي، الملقب بجار الله. ولد في رجب سنة 467 هـ بزمخشر، قرية من قرى خوارزم، وقدم بغداد، ولقي الكبار وأخذ عنهم، دخل خراسان مرارا عديدة. وما دخل بلدا إلا واجتمع عليه أهلها وتتلمذوا له، وما ناظر أحدا إلا وسلم له واعترف به، ولقد عظم صيته وطار ذكره حتى صار إمام عصره من غير مدافعة.
وليس عجيبا أن يحظى الزمخشري بكل هذا وهو الإمام الكبير في التفسير، والحديث، والنحو، واللغة والأدب، وصاحب التصانيف البديعة في شتى العلوم، ومن أجلّ مصنفاته: كتابه في تفسير القرآن العزيز الذي لم يصنف قبله مثله المسمى (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، والمحاجاة في المسائل النحوية، والمفرد والمركب في العربية، والفائق في تفسير الحديث، وأساس البلاغة في اللغة، والمفصل في النحو، ورءوس المسائل في الفقه …
وغيرها كثير.
قال صاحب وفيات الأعيان: «كان الزمخشري معتزلي الاعتقاد، متظاهرا باعتزاله، حتى نقل عنه: أنه إذا كان قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف كتاب الكشاف كتب استفتاح الخطبة «الحمد لله الذي خلق القرآن» فيقال: إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيره بقوله: «الحمد لله الذي جعل القرآن» وجعل عندهم بمعنى خلق، والبحث في ذلك يطول. وفي كثير من النسخ «الحمد لله الذي أنزل القرآن» وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف».
وكانت وفاة الزمخشري رحمه الله ليلة عرفة سنة 538 هـ بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة، ورثاه بعضهم بأبيات من جملتها:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

فأرض مكة ندّى الدمع مقلتها … حزنا لفرقة جار الله محمود

‌‌التعريف بتفسيره (الكشاف) وطريقته فيه:
الكشاف- بصرف النظر عما فيه من الاعتزال- تفسير لم يسبق مؤلفه إليه، لما أبان فيه من وجوه الإعجاز في غير ما آية من القرآن، ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآني وبلاغته، وليس كالزمخشري من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم. لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب، والمعرفة بأشعارهم. وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة والبيان والإعراب والأدب، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمي والأدبي على تفسير الكشاف ثوبا جميلا، لفت إليه أنظار العلماء وعلق به قلوب المفسرين.
هذا وقد أحسّ الزمخشري إحساسا قويا بضرورة الإلمام بعلمي المعاني والبيان قبل كل شيء، لمن يريد أن يفسر كتاب الله عز وجل، وجهر بذلك في مقدمة الكشاف فقال: « … ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سبكها، علم التفسير، الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم- كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن- فالفقيه وإن برّز على الأقران في علم الفتوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية (1) أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذا من سائر--------------------------------------------
(1) القرّية: بكسر القاف وتشديد الراء المسكورة، أحد فصحاء العرب، واسمه أيوب والقرية اسم أمه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

العلوم بحظ، جامعا بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماننا ورجع إليه، وردّ وردّ عليه، فارسا في علم الإعراب، مقدما في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس، دراكا للمحة وإن لطف شأنها، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها، لا كزا جاسيا، ولا غليظا جافيا، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضا غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة ووقع في مداحضه ومزالقه».
ولما علم الزمخشري أن كتابه قد تحلى بهذه الأوصاف قال متحدثا بنعمة الله:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد … وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته … فالجهل كالداء والكشاف كالشافي
وإذا كان الزمخشري قد اعتز بكشافه، وبلغ إعجابه به إلى حدّ يقول فيه ما قال من تقريظ له، وإطراء عليه، فإنا نعذره في ذلك ولا نلومه عليه، فالكتاب وحد في بابه، وعلم شامخ في نظر علماء التفسير وطلابه، ولقد اعترف له خصومه بالبراعة وحسن الصناعة، وإن أخذوا عليه بعض المآخذ التي يرجع أغلبها إلى ما فيه من ناحية الاعتزال.

‌‌اهتمام الزمخشري بالناحية البلاغية للقرآن:
عند ما يلقي الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيري الذي قام به العلامة الزمخشري في كشافه، يظهر لنا من أول وهلة أن المبدأ الغالب عليه في جهوده التفسيرية، كان في تبيين ما في القرآن من الثروة البلاغية التي كان لها كبير الأثر في عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله، والذي يقرأ ما أورده الزمخشري عند تفسيره لكثير من الآيات من ضروب الاستعارات والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، يرى أن الزمخشري كان يحرص كل الحرص على أن يبرز في حلة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه، وإنما لا نكاد نقطع- إذا استعرضنا كتب التفسير وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية في المعاني

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

والبيان- بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالا في جهوده في هذا الصدد من تفسير الزمخشري.
ولقد كانت لعناية الزمخشري بهذه الناحية في تفسيره من الأثر بين المفسرين، وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بيّن.
أما أثره بين المفسرين فإن كل من جاء بعده منهم- حتى من أهل السنة- استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة كانوا لا يلتفتوا إليها لولاه، فأوردوا في تفسيرهم ما ساقه الزمخشري في كشافه من ضروب الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، واعتمدوا ما نبّه عليه الزمخشري من نكات بلاغية، تكشف عما دقّ من براعة نظم القرآن وحسن أسلوبه.
ثم إنا نستعرض هذه الروح البلاغية التي تسود في تفسير الزمخشري فنشهدها واضحة من أول الأمر عند ما تكلم عن قوله تعالى من أول سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التي تجوز في محل هذه الجملة من الإعراب، نبّه على أن الواجب على مفسر كلام الله تعالى أن يلتفت للمعاني ويحافظ عليها، ويجعل الألفاظ تبعا لها، فقال ما نصه: « … والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال: إن قوله: الم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، ذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ، رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها … وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك، أنه نبّه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدا من أعضاده، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة … ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله … ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم السري، من نكتة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

ذات جزالة، ففي الأولى: الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة: ما في تقديم الريب على الظرف، وفي
الرابعة: الحذف، وضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد، وإيراده منكرا، والإيجاز في ذكر المتقين. زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه» (1).

‌‌مبدأ الزمخشري في التفسير عند ما يصادم النص القرآني مذهبه:
والمبدأ الذي يسير عليه الزمخشري في تفسيره ويعتمد عليه عند ما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة، وهذا المبدأ قد وجده الزمخشري في قوله تعالى من سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: 7] (فالمحكمات) هي التي أحكمت عباراتها، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه (والمتشابهات) هي المتشابهات المحتملات. (وأم الكتاب) هي أصله الذي يحمل عليه المتشابه، ويرد إليه، ويفسر به (2).
على هذا التفسير جرى الزمخشري في كشافه عند ما تعرض لهذه الآية، وهو تفسير لا غبار عليه، كما أن هذا المبدأ: أعني مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات، مبدأ سليم يقول به غير الزمخشري أيضا من علماء أهل السنة، ولكن الذي لا نسلمه للزمخشري هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التي تصادمه، فإذا مر بآية تعارض مذهبه، وآية أخرى في موضوعها تشهد له بظاهرها، نراه يدعي الاشتباه في الأولى والإحكام في الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية، وبهذا يرضي هواه المذهبي، وعقيدته الاعتزالية.
وقد مثّل الزمخشري لحمل المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله تعالى في الآية (103) من سورة الأنعام لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وقوله في الآيتين--------------------------------------------
(1) الكشاف ج 1 ص 92 - 94.
(2) الكشاف ج 1 ص 294.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

(22، 23) من سورة القيامة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ 22 إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فهو يرى أن الآية الأولى محكمة والآية الثانية متشابهة، وعليه فيجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها، وردها إليها.

‌‌انتصاره لعقائد المعتزلة:
إن الزمخشري لينتصر لمذهبه الاعتزالي، ويؤيده بكل ما يملك من قوة الحجة وسلطان الدليل، وإنا لنلمس هذا التعصب الظاهر في كثير من النصوص، وهو يحرص كل الحرص على أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه، وعلى أن يتأول ما كان منها معارضا له.

‌‌انتصاره لرأي المعتزلة في أصحاب الكبائر:
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء: 93] نجده يجعل لهذه الآية أهمية كبيرة في نصرة مذهبه، ويتيه بها على خصومه من أهل السنة، ويندد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، فيقول مستغلا هذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السنيين: «هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» وفيه «لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» وفيه «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» وفيه: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

توبة أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ، فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن لا حياة لمن تنادي، فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله:
وَمَنْ يَقْتُلْ أي قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله» (1).

‌‌انتصاره لمذهب المعتزلة في الحسن والقبح العقليين:
ولما كان الزمخشري يقول بمبدإ المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، كان لا بد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى:
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] وقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .. [الإسراء: 15] فنراه في الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ فيسأل هذا السؤال: «كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟ ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: (قلت):
الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين، وبيان أحوال التكليف، وتعليم الشرائع،
فكان إرسالهم إزاحة للعلة، وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له» (2). وقد تركنا الكلام على النص الثاني خوف التطويل.

‌‌حملة الزمخشري على أهل السنة:
هذا، وإن المتتبع لما في الكشاف من الجدل المذهبي، ليجد أن الزمخشري قد مزجه في الغالب بشيء من المبالغة في السخرية والاستهزاء بأهل السنة، فهو لا يكاد--------------------------------------------
(1) الكشاف ج 1 ص 381.
(2) الكشاف ج 1 ص 398.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

يدع فرصة تمر دون أن يحقرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحيانا يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السنة على منكري القدر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقدر، كما جعل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأمة منصبا عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى في الآية السابعة عشرة من سورة فصلت: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم وكفى به شاهدا- إلا هذه الآية لكفى بها حجة (1).

‌‌موقف الزمخشري من المسائل الفقهية:
هذا، وإن الزمخشري- رحمه الله يتعرض إلى حد ما، ودون توسع، إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات القرآنية وهو معتدل لا يتعصب لمذهبه الحنفي. فعند ما فسر قوله تعالى: .. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ .. [البقرة: 237] قال: والذي بيده عقدة النكاح الولي، يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة ما رآني، ولا خدمته، ولا استمتع بي، فكيف آخذ منه شيئا؟ أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي، وقيل: هو الزوج وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملا، وهو مذهب أبي حنيفة، والأول ظاهر الصحة (2).

‌‌موقف الزمخشري من الإسرائيليات:
ثم إن الزمخشري مقل من ذكر الروايات الإسرائيلية، وما يذكره من ذلك، إما أن يصوره بلفظ (روي) المشعر بضعف الرواية وبعدها عن الصحة، وإما أن يفوض--------------------------------------------
(1) الكشاف ج 2 ص 321.
(2) الكشاف ج 1 ص 272.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

علمه إلى الله سبحانه، وهذا في الغالب يكون عند ذكره للروايات التي لا يلزم التصديق بها مساس بالدين، وإما أن ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال، وهذا في الغالب يكون عند الروايات التي لها مساس بالدين وتعلق به. فعند قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً [القصص: 38] قال: روي أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله تعالى على جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فردت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث إليه جبريل عليه السلام لهدمه والله أعلم بصحته.
فهذه القصة صدرها الزمخشري لفظ (روي) المشعر بضعفها، وعقب عليها بقوله (والله أعلم بصحته) مما يدل على أنه متشكك في صحة هذه الرواية، مع أن القصة لا مطعن فيها ولا مغمز من ورائها يلحق بالدين، ولهذا اكتفى الزمخشري بما ذكر في حكمه عليها.

‌‌2 - الرازي وتفسيره مفاتيح الغيب (543 - 606 هـ):
هو فخر الدين محمد بن عمر بن الخطيب الرازي، عربي قرشي من سلالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
ولد في الري، ونشأ في البلاد الأعجمية وعاش فيها، استقرت أسرته في طبرستان، نسب إلى مدينة الري. وكما نسب إليها أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص، وكذلك أبو بكر بن زكريا الرازي عالم الطب والكيمياء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

تنقل الرازي- إمام التفسير- في الري وخراسان وخيوة وبخارى والعراق والشام، ثم سكن أخيرا في هراة في أفغانستان ومات فيها عام 606 هـ.
قال ابن خلكان: له اليد البيضاء باللسانين العربي والفارسي، برع في علوم كثيرة: علم التفسير والأصول والفقه والنحو والأدب، والفلسفة والطب والهندسة والفلك، ولكنه رأى أن أعظمها فائدة علوم القرآن والتفسير.
منهجه في التفسير: لقد أثّرت علومه المكتسبة في رسم منهجه في التفسير:
فعلمه في العلوم الرياضية والفلسفية والفلكية، قد جعلته يسهب في تفسير الآيات على ضوء هذه العلوم، فكثيرا ما نجده يرد على أقوال الفلاسفة والمتكلمين، وفي تفسير الآيات التي تتحدث عن النجوم تراه يتعرض لعلم الهيئة والفلك، وفي تفسير الآيات الكونية يتحدث عن العلوم الكونية بإسهاب لم تشهد له كتب التفسير مثيلا.
وفي العلوم الشرعية: هو بحر في الأصول، فقد سبق وألف المحصول في علم الأصول وهذا ما نلحظه أحيانا في شرح قاعدة أصولية، بل يؤيد مذهبه الفقهي بالقواعد الأصولية.
وهو عالم في الأدب والبلاغة، لذا نزع إلى إبراز هذا اللون تحت عنوان اللطائف القرآنية.
وبالجملة فهو عالم في كل شيء، وضمن كتابه كل شيء، مما جعل بعض العلماء يصف تفسيره: «أن فيه كل شيء إلّا التفسير»، وقد دفع أبو حيان هذا القول وأنصفه قائلا: «جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير». والحق: أن تفسير الفخر فيه التفسير وفيه كل شيء.
بقي أن نرد شبهة طالما أشكلت على العلماء قديما وحديثا:
قال القاضي ابن شهبة: إن الفخر الرازي لم يتم تفسيره كما قال ذلك ابن خلكان في وفيات الأعيان (1).--------------------------------------------
(1) شذرات الذهب 5/ 21، وفيات الأعيان 2/ 21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)