الحاكم النيسابورى وتفسيره
فى حوالى ثلاثمائة وعشرين صحيفة من القطع الكبير جدا جمع الحاكم فى كتابه النفيس المستدرك ما صح عنده من التفسير بالمأثور.
والحاكم هو أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد، وعرف بالحاكم لتوليه القضاء، ولد سنة (321 هـ) وقد عنى أبوه بتربيته عناية فائقة، فأخذ فى الدرس من زمن مبكر جدا من حياته، وواصل الليل بالنهار، وبلغ فى العلم مبلغا عظيما.
قال ابن قاضى شهبة:- «طلب العلم فى صغره، وأول سماعه سنة ثلاثين، ورحل فى طلب الحديث، وسمع على شيوخ يزيدون على ألفى شيخ، وتفقه على ابن أبى هريرة، وأبى سهل الصعلوكى وغيرهم».
أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقى فأكثر عنه، وبكتبه تفقه وتخرج، ومن بحره استمد، وعلى منواله مشى.
ويذكر صاحب الشذرات: أنه كتب عن نحو ألفى شخص، وحدث عن الاصم، وعثمان بن السماك، وطبقتهما، وقد درس القراءات وعنى بها عناية فائقة، ولم يدرسها نظريا فحسب وانما قراه بالفعل على جماعة كثيرة من مشاهير أئمة القراءات.
أما تصانيفه فانها كثيرة، بل هى من الكثرة بحيث يقول المؤرخون عنه:
«بلغت تصانيفه ألفا وخمسمائة جزء»، ويلاحظ أنهم لم يقولوا: ألفا وخمسمائة كتاب، وانما ألفا وخمسمائة جزء، ماذا كان حجم الجزء.؟
والذى لا شك فيه أنه كان من المكثرين فى التأليف المستفيضين فى الدراسة، ويقول عنه صاحب الشذرات:-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وصنف التصانيف الكثيرة، ويقول ابن ناصر الدين «له مصنفات كثيرة».
وكان للحاكم تلاميذ، وفتن به كثيرون، انظر الى صاحب الشذرات يقول:
وانتهت إليه رئاسة الفن بخراسان لا بل بالدنيا.
أما عبد الغافر فقد أطنب- كما يقول ابن شهبة- فى مدحه وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه الى أن قال:- مضى الى رحمة الله ولم يخلف بعده مثله.
ويقول عنه أحد مؤرخيه:
أحد أركان الاسلام، وسيد المحدثين وامامهم فى زمنه، والرجوع اليه فى هذا الشأن وقدمه الراسخة كانت فى فن الحديث وقد وثقه الكثيرون، ويقول الخطيب البغدادى عنه:- كان ثقة، ويقول ابن عماد: «وهو ثقة حجة».
وقال عنه ابن ناصر الدين:- «وهو صدوق من الاثبات» وهكذا يقولون عنه ويعبرون عن ثقتهم فيه، ولكنهم يعودون فيقولون مثلا:- وكان يميل الى التشيع، أو: «وكان فيه تشيع» «ابن عماد» هكذا.
كيف يكون ثقة ويتهم بالتشيع فى آن واحد مع آن واحد مع المحدثين ينأون عن كل ذى نزعة أو عصبية، إن الامام الذهبى يقف معتدلا فى وجه المفتونين بالحاكم ويقف موضحا الامر فى رمى الحاكم بالتشيع فيفسر الامر تفسيرا معقولا، ويضع كل شىء فى موضعه المستقيم، قال الذهبى:
هو معظم الشيخين بيقين ولذى النورين، وانما تكلم فى معاوية فاوذى،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
قال:- وفى المستدرك جملة وافرة على شرطهما، وجملة وافرة على شرط أحدهما لكن مجموع ذلك نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض الشيء معلل وما بقى وهو الربع مناكير وواهيات لا تصح، وفى ذلك بعض موضوعات قد علمت عليها لما اختصرته.
وهذا الرأى للذهبى يضع كتاب «المستدرك» فى وضعه الصحيح ويبين أن الحاكم لم يكن شيعيا، وإنما كان يحب عليا وكان حبه لعلى كرم الله وجهه ورضى الله عنه قد ملك عليه شعوره فتحدث عن معاوية باحاديث لا ترضى أنصاره فوصف لذلك بالتشيع أو بالميل الى التشيع، وليس ذلك من التشيع فى شىء فكثير من أهل السنة وكثير من المؤرخين منهم يقولون بما يقول به الحاكم وليسوا من التشيع من شىء، ولان الحاكم لم يكن شيعيا فانهم وصفوه بأنه حجة ثقة وقد توفى الحاكم فجأة عقب خروجه من الحمام فى صفر سنة 405 هجرية، توفى مستحما طاهرا رحمه الله رحمة واسعة.
والآن نورد بعض النماذج من تفسيره:
يقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قال:- حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد عن سماك بن حرب، وقرا:
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.
(سورة آل عمران الآية 5) فقال حدثنى عبد الله بن عميرة عن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه قال:- «كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البطحاء فمرت سحابة فقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم، فقال: السحاب، فقلنا: السحاب، فقال: والمزن، فقلنا والمزن فقال: والعنان، فقلنا: والعنان ثم قال أتدرون كم بين السماء والأرض فقلنا: الله ورسوله اعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء الى السماء التى تليها مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله، كما بين السماء والارض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهم وأظلافهم كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شىء.
ونموذج آخر:
يقول الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ سورة آل عمران الآية 96] قال: «عن خالد بن عرعرة قال سأل رجل عليا رضى الله تعالى عنه أول بيت وضع للناس للذى بمكة مباركا أهو أول بيت بنى فى الأرض قال:
لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت انباتك كيف بناه الله عز وجل، ان الله أوحى الى إبراهيم أن ابن لى بيتا فى الأرض فضاق به ذرعا فأرسل الله اليه السكينة وهى ريح حجوج لها رأس فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت الى موضع البيت تطوق اليه، فبنى إبراهيم فكان يبني هو سائقا كل يوم حتى اذا بلغ مكان الحجر قال لابنه ابغنى حجرا فالتمس تمة حجر ثم أتاه به فوجد الحجر الاسود قد ركب فقال: له ابنه من أين لك هذا قال: جاء به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل عليه السلام من السماء فاتمه ..
ونموذج ثالث:- يقول الله تعالى: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» (سورة الأعراف الآية 163) يقول:- حدثنا ابن جريح عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس رضى الله عنهما وهو يقرأ فى المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكى فقلت ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ فقال هل تعرف ايلة قلت وما ايلة قال قرية كان بها ناس من اليهود فحرم الله عليهم الحيتان. يوم السبت فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمانا كامثال المخاض بأفنائهم وابنياتهم فاذا كان فى غير يوم السبت لم يجدوها ولم يدركوها الا فى مشقة ومئونة شديدة فقال بعضهم لبعض أو قال ذلك منهم لعلنا لو اخذناها يوم السبت وأكلناها فى غير يوم السبت ففعل ذلك أهل بيت منهم فاخذوا فشووا فوجد جيرانهم ريح الشوى فقالوا والله ما نرى إلا اصاب بنى فلان شىء فاخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم وكثر فافترقوا فرقا ثلاثا فرقة أكلت وفرقة نهت وفرقة قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا فقالت الفرقة التى نهت انما نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب والله لا نبيت فى مكان أنتم فيه وخرجوا من السور فغدوا عليه من الغد فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد فاتوا بسبب فاسندوه إلى السور ثم رقى منهم راق على السور فقال يا عباد الله قردة والله لها أذناب تعاوى ثلاث مرات ثم نزل من السور ففتح السور فدخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولم يعرف الأنس أنسابهم من القردة قال: فيأتى القرد إلى نسيبه وقريبه من الأنس فيحتك به ويلصق ويقول الإنسان أنت فلان فيشير برأسه أى نعم ويبكى وتأتى القردة إلى نسيبها وقريبها من الأنس فيقول لها أنت فلانة فتشير برأسها أى نعم وتبكى فيقول لهم الأنس أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب قال ابن عباس فاسمع الله يقول فأنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فلا أدرى ما فعلت الفرقة الثالثة، قال ابن عباس فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه قال عكرمة فقلت ما ترى جعلنى الله فداك انهم قد انكروا وكرهوا حين قالوا:
«لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً» (سورة الاعراف الآية 144) فأعجبه قولى ذلك وأمر لى ببردين غليظين فكسانيهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
الامام السلمى وتفسيره
مؤلف هذا التفسير: محمد بن الحسين بن موسى الأزدى أبو عبد الرحمن السلمى جدا، النيسابورى بلدا. كان شيخ الصوفية، وعالمهم بخراسان، ذكره الحافظ عبد الغافر فى السياق فقال:
شيخ الطريقة فى وقته، الموفق فى جميع علوم الحقائق، ومعرفة طريق التصوف، وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة فى علم القوم، وقد ورث التصوف عن أبيه وجده، وجمع من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه، حتى بلغ فهرست تصانيفه المائة أو اكثر.
وكان من المشتغلين بعلم الحديث، سمع من أبى العباس الأصم، وابن فارس العمرى البلخى، والحافظ ابى على الحسين بن محمد النيسابورى وغيرهم من كبار المحدثين ..
وروى كثيرا من مسموعاته، وممن روى عنه من الأئمة:
الحاكم أبو عبد الله، وأبو القاسم القشيرى، وأبو صالح المؤذن، وكثيرون وقد وثقه فى الحديث علماء اجلاء منهم الخطيب البغدادى والتاج السبكى وغيرهما، يقول الخطيب:
قدر أبى عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك محمودا صاحب حديث …
ويقول التاج: أبو عبد الرحمن ثقة، ولا عبرة بالكلام فيه ..
وقد كان للسلمى بيت كتب جمع فيه من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه من ذخائر المحدثين والصوفية، وكان يخلو بهذا البيت ينقطع فيه للقراءة والتأليف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
وكان شيوخ نيسابور يستعيرون منه بعض ما يحتاجون إليه من هذه الذخائر، فيعيرهم إياه ..
وقد ابتدأ أبو عبد الرحمن التصنيف سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وهذا معناه أن أباه عبد الرحمن ظل يؤلف قريبا من بضعة وخمسين عاما ..
وقد اشتهر أبو عبد الرحمن بأنه نقّال الصوفية، وراوى كلامهم، وممن له العناية التامة بتوطئة مذهب المتصوفة وتهذيبه على ما بينه الأوائل.
ولقد كان مدققا فى تعبيره عن مذهب الصوفية، واختباره لمن سبقه.
بمثل هذا المذهب من الشيخ، فالإمام الكامل، الفقيه الأصولي المفسر الأسفرايني الذي اشتهر بالدفاع القوى عن مذهب أهل السنة والرد على البدع وعلى كل ما يخالف مذهب أهل السنة: يقول فى كتابه «التبصير فى الدين»:
سادس ما امتاز به أهل السنة هو:
علم «التصوف» والاشارات وما لهم فيها من الدقائق والحقائق، لم يكن قط لاحد من «أهل البدعة» فيه حظ، بل كانوا محرومين مما فيه من الراحة والحلاوة، والسكينة والطمأنينة، وقد ذكر ابو عبيد الرحمن السلمى من مشايخهم قريبا من ألف، وجمع اشاراتهم وأحاديثهم. ولم يوجد فى جملتهم قط من ينسب إلى بدع «القدرية» و «الروافض» و «الخوارج».
وكيف يتصور فيهم من هؤلاء، وكلامهم يدور على التسليم والتفويض من النفس، والتوحيد بالخلق والمشيئة.
وأهل البدع ينسبون الفعل والمشيئة، والخلق والتقدير، إلى انفسهم وذلك بمعزل عما عليه أهل الحقائق من التسليم والتوحيد.
ولد على المشهور- فى رمضان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقيل: سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ..
وكان والده شيخا، ورعا، زاهدا، دام المجاهدة، له القدم فى علوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
المعاملات، وحينما توفى قام جده لأمه وكان واسع الثراء- على رعايته، فما أن توفى حتى آل إليه من ثروته ما مكنه من التفرغ للكتابة والتأليف، وكانت تصانيفه مقبولة، حبيبة إلى الناس، تباع بأغلى الأثمان.
وفى أخريات أيامه ابتنى للصوفية خانقاه صغيره، كانت مشهورة فى نيسابور وفى ما جاورها أو بعد عنها من أقاليم مملكة الاسلام، حتى أن الخطيب البغدادي حين ذهب إلى نيسابور زار هذه الدويرة التي كان يسكنها الصوفية يومئذ ..
أما عن تفسيره فإن له طابعا خاصا هو طابع التفاسير الصوفية الخالصة، إن كل اتجاهه كان منحصرا فى جمع ما يتيسر من آراء الصوفية حول آيات من القرآن الكريم، وهو لذلك ليس تفسيرا مفصلا لكل آية من آيات القرآن الكريم، وليس تحليلا لفظيا أو بيانا لحكم شرعي.
وهو لذلك يمثل فهمّا خاصا لقوم مخصوصين فيما يتصل بتفسير القرآن الكريم، أو الحديث عن بعض الفهوم المستنبطة منه.
ومثل هذا المنهج فى التأليف قد لا يستسيغه من يقصر الفهم فى القرآن على ظاهر الآيات، ومن هنا كانت الحملة الشديدة العنيفة على هذا الكتاب، حتى لقد قال الذهبي ليته لم يصنفه.
وإذا ما تاملنا فى سر هذه الحملة فإننا نجد أن أساسها لا يرجع إلى فساد ما نقله فى نفسه، وإنما إلى ربطه بالآية كفهم لها أو تعبير عن بعض ما تشير إليه.
قال التاج السبكي: وكتاب حقائق التفسير المشار إليه قد كثر الكلام فيه، وقيل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات ومجال الصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ.
ولقد اطلعنا على الكتاب وهو مخطوط لم يطبع بعد ولكن توجد منه نسخ كثيرة ومنها فى مكتبة الأزهر وغيرها فوجدناها لا تخرج عن كلام الصوفية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
المعتبرين فى فهم الآيات وتنزيلها على إشارات تتعلق بإصلاح السلوك واخلاص العبودية فضلا عما يدور بين الناس من معانيها الظاهرة.
إن ما يقوله الصوفية حول آيات من القرآن الكريم إنما هو الهامات واشراقات بتوفيق الله رائعة، وهم فى هذا الميدان يسمون الهاماتهم: إشارات، يعنون بذلك أن الآيات القرآنية لها تفسير بحسب اللغة وأسباب النزول وحوادث التاريخ، وهو تفسير يتفاوت دقة وجمالا، ولكنه مع ذلك تفسير لا يستنفد كل ما تعطيه الآيات القرآنية من اشارات، وما يشع عنها من انوار، وما يتضوع عنها من عبير طيب، وينبغى علينا أن نلاحظ أن هذه الاشارات لا تهدف فى قليل ولا فى كثير إلى أن تحل محل التفسير المألوف كما أن هذه الاشارات لا تتعارض مع التفسير المالوف.
انها اشارات وليست تفسيرا، ومن أجل ذلك فإنه لا تعارض بين الصوفية والمفسرين.
ونستطيع أن نقول: ان نقد الكتاب إنما يتجه لو كان مؤلفه يرى أن ما يقوله هو وحده الذى تفيده الآية. أما إذا اعتقد أن ما ذكره جهد يضاف إلى جهود، وتسليط للضوء على جانب من الجوانب التى تفيدها الآية، فإن النقد حينئذ يصبح غير ذى موضوع.
وإليك نماذج من تفسيره لتتمكن من الحكم عليه على بصيرة:
قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (سورة الأنفال الآية 27) قال أبو عثمان: من خان الله تعالى فى السر هتك ستره فى العلانية، قال بعضهم: فى هذه الآية خيانة الله تعالى فى الاسرار وحب الرئاسة وإظهار خلاف الاضمار، وخيانة الرسول عليه السلام فى آداب الشريعة، وترك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
السنن، والتهاون بها، وخيانات الأمانات، فى المعاملات والأخلاق، ومعاشرة المؤمنين فى ترك النصيحة لهم.
وقال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (سورة يونس الآية 57) قال ابن عطاء: الموعظة للنفوس، والشفاء للقلوب، والهدى للأسرار، والرحمة لمن هذه صفته.
قال جعفر: شفاء لما فى الصدور، أى راجعة لما فى السرائر، قيل: شفاء المعرفة، والصفا، وقيل شفاء التوبة، وقيل: شفاء التسليم والرضا، ولبعضهم شفاء المشاهدة واللقاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى
للمعتزلة نزعة معروفة محددة، إنها النزعة التى تحكم العقل له القياد.
وهذا ظاهر فى كل ما يكتبون فى التفسير وفى التوحيد.
ومن أهم الشخصيات التى توضح مذهبهم- والتى وجدت تآليفها رواجا وانتشارا: القاضى عبد الجبار.
وقد كان لنشر كتابه: «المغنى» أثر كبير فى التعريف المستفيض بآراء المعتزلة وهو كتاب كبير اجتمع على تحقيق اجزائه الكثيرة طائفة من كبار المحققين فأخرجوه اخراجا متقنا.
ولقد لقى القاضى عناية الكثيرين ممن يهتمون به، فنشر له كتاب:
«الأصول الخمسة» وكتاب: «تنزيه القرآن عن المطاعن».
ولقد ولد القاضى بخراسان، ولا نكاد نعرف عن حياته الأولى شيئا، ولكنه من غير ما شك تعلم على الطريقة التقليدية: الفقه والتفسير والتوحيد والعربية، وغير ذلك مما كان تقليدا فى زمنه.
لقد خرج إلى البصرة، واختلف إلى مجالس العلماء.
ولقد نشأ فى أسرة متواضعة، فنشأ فى تقشف وشظف من العيش ولكن نفسه الطموحة تمردت على ظروفه، فأبى إلا ان يتابع الطريق العلمى فى غير فتور أو ملل.
وشاءت المقادير أن يتصل بالصاحب بن عباد، وكان الصاحب بن عباد ذا ميول شيعية وبين الشيعة والمعتزلة شبه كبير، وخاصة بين المعتزلة والشيعية الزيدية الذين تتلمذ أمامهم زيد على واصل بن عطاء رأس المعتزلة الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
كان تقدير الصاحب للمعتزلة كبيرا إلى درجة أنه ما كان يولى القضاء إلا من المعتزلة.
كان القاضى عبد الجبار حينئذ صاحب شهرة عريضة، بل إنه بدأ يحتل مكان الرئاسة للمعتزلة فاستدعاه الصاحب إلى «الرى» واصدر له امرا يتولى رئاسة القضاء فى (الرى) (وقزوين) وغيرهما ثم ولاه اضافة إلى ذلك جرجان وطبرستان.
وأتته الدنيا راغمة وكثر ماله وخدمه وحشمه، وما كان ذلك عن انحراف فى طريقه فقد كان مثلا كريما للعدالة والتحرى الدقيق فى الاحكام.
أما تقدير الصاحب وحبه له فقد فاق كان وصف:
لقد وصل به الأمر أن كان يقول عنه: افضل أهل الأرض.
ويقول عنه: أعلم أهل الأرض.
وما من شك أنه كان صاحب خلق فاضل، وصاحب علم عزيز.
وبيما القاضى فى اوج الشهرة: إذا بالصاحب ينتهى أجله، ويذهب للقاء ربه.
وهنا بدأت مشكلة فى غاية العمق تختلف فيها الأنظار فى كل زمن، وقد اختلفت فيها الأنظار اختلافا كبيرا إذا ذاك، ولعل الكثيرين يتفقون معنا فى انها تحتاج حقيقة إلى تامل.
لقد أحسن الصاحب إلى القاضى كل الإحسان واحبه وقدره وغمره بالمال والمناصب ثم مات الصاحب ودعى القاضى للصلاة عليه وهنا وقف القاضى بين أمرين كلاهما مر أحدهما مبدؤه- مبدأ القاضى- وهو مبدأ الاعتزال، وهذا المبدأ يقتضى التوبة الصادقة لأن مرتكب الكبيرة فاسق فإذا لم يتب فلا صلاة عليه، هل يصلى عليه ويخالف فى ذلك مبدأه ويصغر فى عين نفسه ويصبح بمخالفته مبدأه مهرجا أو مزيفا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
أما الأمر الثانى: فهو الوفاء الذى يقتضيه الصلاة على الصاحب والشكر وعدم التنكر له بعد انتقاله إلى ربه وعدم نكران الجميل.
المبدأ أو الوفاء.
وآثر القاضى: المبدأ.
ورفض الصلاة على الصاحب.
وهنا ثار الناس عليه ثورة عارمة ورموه ينكران الجميل، وبعدم الوفاء، ونقم عليه فخر الدولة وقبض عليه، وعزله من منصبه وصادر امواله.
أكان القاضى على حق، أكان مخطئا ذلك ما نتركه للقارئ.
ولقد طال عمر القاضى حتى ليقول ابن الأثير:
«وقد جاوز التسعين» ومات فى ذى القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة.
والكتاب الذى نتحدث عنه هو كتاب:
«متشابه القرآن» وعنوانه يدل على محتواه، فهو تفسير للآيات المتشابهة.
والمتشابه يختلف الناس فى معناه ولكنهم مهما اختلفوا فإن القاضى عرض للآراء المختلفة فى المتشابه، والمتشابه- فيما يرى- هو الذى على صفة تشتبه على السامع من حيث خرج ظاهره على أن يدل على المراد به لشىء يرجع إلى اللغة أو التعارف، ويضرب القاضى مثالا لذلك:
بقول تعالى:- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ (سورة الأحزاب الآية 57) فإن هذه الكلمة القرآنية وما شاكلها ظاهرها محال على الله تعالى، فالمراد مشتبهه ويحتاج فى معرفته إلى الرجوع إلى غيره من المحكم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
وتفسير القاضى للمتشابه بهذا النحو يجعل دائرة المتشابه واسعة تشمل كل الآراء التى قيلت فى المتشابه.
أما المحكم فهو الذى لا يحتمل إلا المعنى الظاهر فى أصل اللغة أو بالتعارف أو بشواهد العقل، وذلك نحو قوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (سورة الإخلاص) ونحو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً (سورة يونس الآية 44) والكتاب مسائل، يعرض المؤلف الآية فى صورة مسألة، ويفسرها بما يتناسب مع الجو الإسلامى وخصوصا مع جو الاعتزال، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
مسألة قالوا: ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على إنه خص المؤمن بالهدى دون غيره.
فقال:
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (سورة البقرة الآية 213) والجواب عن ذلك: قد تقدم انا قد بينا أن تخصيصه المؤمن بأن هداه لا يدل على إنه لم يهد غيره، وإنما خصه، لانه الذى انتفع بالهدى دون غيره.
«وبينا أنه قد يخص المؤمن بالهدى الذى هو بمعنى الثواب، أو طريقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
المؤدى إليه، إلا أن المراد فى هذا الموضع: الدلالة، ولذلك علق الهدى بالحق فما اختلفوا فيه.
وقوله تعالى من بعد:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (سورة النساء الآية 29 و 30) فدل تعالى على أن من يفعل أكل المال بالباطل وقتل النفس يدخله النار لا محالة وقد يوصف بذلك الفاسق من أهل الصلاة، كالكافر، فيجب حمل الآية على العموم، ومعقول من حال الكلام أنه يريد النهى عن أن يأكل بعضنا أموال بعض، والوعيد وارد عليه على الحد الذى وقع النهى.
عنه، فليس لاحد أن يتعلق بذلك فاما قتل النفس فالنهى يتناول فيه أن يقتل بعضنا بعضا أو أن يقتل نفسه وكلاهما سواء فى صحة النهى فيهما، فإن حمل على الامرين ورد الوعيد عليهما جميعا.
وإنما قال: العلماء إن المراد به: ولا يقتل بعضكم بعضا، من حيث ثبت أن الإنسان ملجأ إلى أن يقتل نفسه، فلا يصح وحاله هذه أن ينهى عن القتل، فيجب إذا صرف النهى إلى
الوجه الثانى، والوعيد إنما ورد على هذا الحد.
مسألة: قالوا: ثم ذكر بعده ما يدل على أنه هو الخالق لانصراف المؤمن عن اتباع الشيطان، فقال:
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (سورة النساء الآية 83)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
والجواب عن ذلك: ان ظاهره يقتضى انه لولا فضله لا قدمنا على المعصية، وليس فيه بيان ذلك الفضل، والمراد به الالطاف والتاييد وسائر ما يصرف المرء عن اتباع الشيطان والمعاصى، وبين تعالى أن ذلك الفضل لو لم يفعله لكان فيهم من لا يتبع الشيطان مبينا بذلك أن المعلوم من حال كثير منهم أنه يؤمن ويتصرف عن اتباع الشيطان وإن لم يلطف له، وهذا يصدق قولنا فى اللطف أنه قد يختص بمكلف دون مكلف.
وإن حملت الكلام على أنه لولا فضله على الكل لا تبعوا الشيطان إلا قليلا منهم فإنهم مع فضله عليهم يتبعونه، فإنه يدل على مثل ما قدمناه فى أن اللطف قد يختص، وقد يختص، وقد يفعل بمكلفين فيكون لطفا لاحدهما دون الآخر، كما أن رفق الوالد بأحد ولديه قد يكون لطفا له فى التعليم، ولا يكون لطفا فى الآخر.
وبعد: فإن هذا الكتاب فى غاية النفاسة إذا نظرنا إلى مذهب المعتزلة أما إذا نظرنا إلى مذهب أهل السنة، فإن فيه الكثير من التفانى، ولكن فيه أيضا، الكثير مما يمكن المناقشة فيه والجدل، وهو على كل حال كتاب للخاصة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
الإمام القشيرى وتفسيره لطائف الإشارات
يمثل الإمام القشيرى اتجاها خاصا فى العلوم الإسلامية، إنه الاتجاه الصوفى فى أدق مظاهره وأنقى صوره: اتباع للسنة، وكشف لدقائق الطريق، ورد لما نسب إلى التصوف من مظاهر، وما التصق به من رسوم ..
والإمام القشيرى هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك زين الإسلام القشيرى نسبة إلى قبيلة بنى قشير العربية الأصيلة.
ولد فى قرية من نواحى نيسابور ومات أبوه وهو صغير، فاتجهت اسرته نحو العلم، فسمع من كبار الشيوخ، وتلقى عن كثير من العلماء ومن أهم هؤلاء الذين أثروا فى تكوين شخصيته العلمية وحياته الفكرية ابن فروك وأبو إسحاق الأسفرائني وغيرهم.
ثم ارادت المقادير أن يحضر درس: الأستاذ ابن على الدقاق، ليرى اخلاصا، ويرى تقوى، ويرى نورا يرتسم على وجهه، ويشرق من كلماته فينير قلوب السامعين، وبجذبهم إلى الله، وكانت فطرة القشيرى النقية على استعداد تام لسلوك الطريق، ورأى الإمام أبو على الدقاق فيه النجابة، فقبله فى زمرة مريديه، ثم اصطفاه فى زمرة أخصائه، وزوجه ابنته، مع كثرة أقاربها ..
وتأثر القشيرى بالشيخ الدقاق، وكان ذا شخصية قوية فيما يتصل بالتصوف والصوفية، دقيق البحث عميق الفكرة، رائد السلوك، يقول المناوى عنه:
كان لسان وقته، وإمام عصره، فارها فى العلم، محمود السيرة، مجهود السريرة، جنيدى الطريقة سرى الحقيقة، أخذ مذهب الشافعى عن القفال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
والحصرى وغيرهما، وبرع فى الأصول وفى الفقه وفى العربية حتى شدت إليه الرحال فى ذلك، ثم أخذ فى العمل، وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النصرآباذي .. قال ابن شهبة: (وزاد عليه حالا ومقالا، وعنه أخذ القشيرى صاحب الرسالة، وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة …
وكما استفاد القشيرى من أساتذته تأثر بمن عاصره من العلماء، كما أثر فيهم، ومن أشهر هؤلاء: (السلمى وأبى المعالى الجويني إمام الحرمين).
وقد ألف الإمام القشيرى عددا من المؤلفات الهامة تدور فى مجملها حول التصوف، سواء أكان تحديدا لماهيته، أم فهما للقرآن على ضوئه، أو مناقشة للأمور التي تلازمه كالذكر ونحوه … ومن أهم هذه المؤلفات:
1 - الرسالة القشيرية، كتبها المؤلف فى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام.
كتبها تصحيحا لأوضاع كثيرة انحرفت، وبيانا لما ينبغى أن يكون عليه المريد الصادق.
لقد كانت هناك جوانب كثيرة فى الاجواء التي تزعم أنها صوفية قد دب إليها الفساد، وسلك بعض المدعين مسالك لا تمت إلى الدين ولا إلى التصوف بصلة، كما هو الشأن دائما فى المدعين المزيفين الذين يوجدون فى كل عصر وفى كل ميادين، فأشفق الإمام القشيرى على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر- أى أمر التصوف- على هذه الجملة قد بنى قواعده، وعلى هذا النحو سار سلفه …
وقاده هذا الاشفاق إلى أن يكتب هذه الرسالة مبينا فيها جانبين:
الجانب الأول: سيرة رجال التصوف وبعض أقوالهم، وذكر فى هذا الجانب كثيرا من أعلام الصوفية كنماذج يسير المريد على هديهم …
أما الجانب الثاني: فإنه مبادئ السلوك ومناهجه ..
2 - تفسيره المشهور: لطائف الاشارات «وسنتحدث عنه بالتفصيل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
3 - التيسير فى التفسير، مخطوط فى النهد ولندن.
4 - حياة الأرواح والدليل على طريق الصلاح والفلاح، مخطوط بالاسكوريال.
5 - المعراج وقد حققه الدكتور على حسن عبد القادر.
6 - شكابة أهل السنة، ذكرها السبكى فى طبقات الشافعية كاملة ..
7 - الفصول، وهو مخطوط بالقاهرة.
8 - الوحيد النبوى، مخطوط بالقاهرة.
9 - اللمع، مخطوط بالقاهرة.
10 - شرح أسماء الله الحسنى، وقد طبعه مجمع البحوث الإسلامية ..
وهذه المؤلفات انما تدل على تمكن صاحبها من علوم الشريعة والحقيقة، ورعايته فى الحديث لما يقتضيه كل من العلمين، فلم يكن فى حديثه عن التصوف إلا معبرا عن الشريعة، ولم يكن فى حديثه عن الشريعة إلا موضحا لها ببعض المفاهيم الصوفية ..
وانتهى الأمر بالقشيرى إلى أن أصبح كما يقول عنه الإمام عبد الغافر:
الإمام مطلقا، الفقيه، المتكلم، الاصولي، المفسر، الاديب، النحوى، الكاتب، الشاعر لسان عصره، وسيد وقته، وسر الله بين خلقه، مدار الحقيقة، وعين السعادة، وقطب السيادة، من جمع بين الشريعة والحقيقة، كان يعرف الأصول على مذهب الاشعرى، والفروع على مذهب الشافعى ..
ولقد ترجم له صاحب كتاب «دمية القصر» أبو الحسن الباخرزى فقال:
جامع لأنواع المحاسن، تنقاد له صعابها ذلل المراسين، فلو قرع الصخر بصوت تخديره لذاب، ولو ربط ابليس فى مجلس تذكيره لتاب، وله فصل الخطاب فى فصل المنطق المستطاب، ماهر فى التكلم على مذهب الاشعرى، خارج فى احاطته بالعلوم عن الحد البشرى كلماته للمستفيدين فوائد وفوائد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)