واعتاب منبره للعارفين وسائد ثم إذا عقد بين مشايخ الصوفية حبوته، ورأوا قربته من الحق وحظوته: تضاء لوا بين يديه، وتلاشوا بالإضافة إليه وطواهم بساطه فى حواشيه، وانقسموا بين النظر والتفكير فيه، وله شعر يتوج به رءوس معاليه، إذا ختمت به أذناب أماليه».
وتوفى يوم الاحد فى السادس عشر من شهر ربيع الأول عام 465 هـ خمس وستين وأربعمائة بمدينة (نيسابور) ودفن بجوار شيخه أبى على الدقاق رحمهما الله رحمة واسعة.
قدم الإمام القشيرى لتفسيره بمقدمة تشير إلى منهجه، وتبين طريقته فى تأليفه فقال:
الحمد الله الذى شرح قلوب أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق بلائح برهان لمن أراد طريقه، وأتاج البصيرة لمن ابتغى تحقيقه، وأنزل الفرقان هدى وتبيانا على صفيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله معجزة وبيانا، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم قصصه ونزوله، ورزقهم الإيمان بمحكمة ومتشابهه وناسخه، ووعده ووعيده، وأكرم الاصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف اسراره وأنواره، لاستبشار ما ضمنه من دقيق اشاراته، وخفى رموزه بما لوح لاسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم والحق سبحانه وتعالى يلهمهم بما به يكرمهم فهم به عنه ناطقون وعن لطائفه مخبرون وإليه يشيرون، وعنه يفصحون والحكم إليه فى جميع ما يأتون به ويذرون.
وقال الإمام أبو القاسم القشيرى رحمه الله:
وكتابنا هذا يأتى على ذكر طرف من اشارات القرآن على لسان أهل المعرفة اما من معانى مقولهم، أو قضايا أصولهم سلكنا فيه طريق الاقلال خشية الملال، مستجدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين من الحول والمنة، مستعصمين من الخطإ والخلل، مستوفقين لاصوب القول والعمل ملتمسين أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
يصلى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليختم لنا بالحسنى بمنته وافضاله، وتيسر الاخذ فى ابتداء هذا الكتاب فى شهور سنة اربع وثلاثين وأربعمائة، وعلى الله إتمامه إن شاء الله تعالى عز وجل.
لقد بين فى هذه المقدمة أن كتابه إنما هو ذكر لطرف من اشارات القرآن على لسان أهل المعرفة، وهذه الاشارات دقيقة محكمة مختصرة، وهى وإن كانت تعبر عن الحقيقة فإنها لا تخالف الشريعة، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول.
إن هذا التفسير يمثل مرحلة أخرى فوق مرحلة التفسير العادى الذى يعتمد على قواعد اللغة وألوان العلوم التى يحتاج إليها المفسر .. إنه كشف لذوق، وإبراز لا حساس تحصل من المجاهدة، وساعد عليه فضل الله تعالى الذى فجر ينابيع الفهوم ..
ومن هنا يعد مكملا لغيره من ألوان التفاسير لا مباينا لها، ويتعاون الجميع كل فى مجاله على فهم آيات القرآن الكريم.
ومن نماذج هذا التفسير:
قوله جل ذكره:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (سورة آل عمران الآية 146) «إن الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق، وجدوا محبة الحق سبحانه ميراث صبرهم، وكان الخلف عنهم الحق عند نهاية أمرهم، فما زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا فى حفظ العهد، وسلموا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
تسليما وخرجوا عن الدنيا وكان كل منهم للعهد مقيما مستديما، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيما .. »
قوله جل ذكره: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (سورة الانفطار الآية 6) أى ما خدعك وما سول لك حتى عملت بمعاصيه؟ ويقال: سأله وكأنما فى نفس السؤال لقنه الجواب، يقول: غرنى كرمك بى ولولا كرمك لما فعلت، لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت ..
لا استحلالا له ولكن طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله وكما قلت:
يقول مولاى: أما تستحى … مما أرى من سوء أفعالك
قلت: يا مولاى رفقا فقد … جرأنى كثرة أفضالك
قوله جل ذكره: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أى ركب أعضاءك على الوجوه الحكمية فى أى صورة ما شاء، من الحسن والقبح والطول والقصر، ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصفة وفى بمعنى على فيكون معناه: على أى صفة شاء ركبك: من السعادة أو الشقاوة، والإيمان أو المعصية» هذا وقد قام الدكتور إبراهيم بسيونى بجهد مشكور فى تحقيق هذا التفسير واخراجه على صورة طيبة حازت إعجاب الجميع، فشكر الله له جهده، ونفع بهذا التفسير ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
شيخ الشافعية ببغداد الكيا الهراس وتفسيره
الإمام شمس الإسلام عماد الدين أبو الحسن على بن محمد الطبرى المعروف بالكياالهراس الملقب: عماد الدين.
«والكيا» بهمزة مكسورة ولام ساكنة، ثم كاف مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت معناه الكبير بلغة الفرس.
«الهراس» براء مشددة وسين مهملة- قال ابن العماد فى الشذرات:
(لا نعلم تبعيته لأي شىء) ولد الهراس خامس ذى القعدة سنة خمسين وأربعمائة للهجرة ونشأ طالبا للعلم جادا فى تحصيله ورحل فى سبيله إلى نيسابور فى الثامنة عشرة من عمره قاصدا ساحة العالم الجليل والإمام المشهور إمام الحرمين الذى كان حسن الوجه مليح الكلام فحصل طريقته وتخرج وصار من ائمة اصحابه، وبرز فى الفقه والأصول وغيرهما من العلوم، وأصبح من رءوس المعيدين فى الدرس- وكان هو وأقرانه- الغزالي والخوافي- أبرز تلاميذ إمام الحرمين وأنبغ من تخرج به.
ومما يدل على جده فى تحصيل العلم وحفظه ما قاله عن نفسه:
وكان فى مدرسة «سرهنگ» قناة لها سبعون درجة وكنت إذا حفظت الدرس انزل القناة وأعيد الدرس كل درجة فى الصعود والنزول، وكذا كنت افعل فى كل درس حفظته .. ».
وقد واصل الهراس الرحلة إلى بيهق ودرس بها زمنا ثم تحول بعد ذلك إلى مدينة العلم وحاضرة العصر وموطن العلم والعلماء مدينة بغداد. وقد انتهى به الأمر فى هذه المدينة إلى ان تبوأ بها منزلة رفيعة فى العلم وشأنا عظيما بين العلماء حيث تولى التدريس بالمدرسة النظامية بها فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
وأربعمائة واستمر مدرسا بها إلى ان توفى فى أول شهر المحرم سنة أربع وخمسمائة للهجرة.
مكانته وثناء العلماء عليه:
لقد بلغ الهراس منزلة سامية ومحلا مرموقا فى العلم وبين العلماء وقد استفاض العلماء فى بيان مكانته والتعريف بمنزلته فقال عبد الغفار بن اسماعيل الفارس عنه:
«الإمام البالغ فى النظر مبلغ الفحول».
وقال السبكى عنه:
أحد فحول العلماء ورءوس الأئمة فقها وأصولا وجدلا وحفظا لمتون احاديث الاحكام.
وقال الاسنوى:
كان اماما نظارا، قوى البحث، دقيق الفكر، ذكيا فصيحا، جهورى الصوت حسن الوجه جدا وكان فى مناظرته قوى الحجة بين الدلالة واضح الرأى له لطافة وعذوبة.
يقول السبكى:
وكانت فيه لطافة عند مناظرته، ربما ناظر بعض علماء العراق فأنشد:
ارفق بعيدك ان فيه يبوسه … جبلية ولك العراق وماؤه
قيل: انشد هذا البيت فى مناظرته مع أبى الوفاء بن عقيل الحنبلى- وكان أبو الوفاء مشهورا بتمسكه بالاصول وشدته فى الرأى، وقد نقل عنه الجوزى فى كثير من كتبه عن كتبه محتجا بآرائه ولا سيما فى كتاب «تلبيس ابليس».
ومما يدل على هذه المكانة السامية ومنزلته بين علماء عصره، ما حكاه الاسنوى قائلا:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
«وكان ممن حضر جنازته الشريف أبو طالب الزيوبى. وقاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى مقدما أصحاب الحنفية، وكانت بينه وبينهما منافسة فوقف احدهما عند
رأس قبره والآخر عند رجليه، وأنشد ابن الدامغانى:
وما تغنى النوادب والبواكى وقد أصبحت مثل حديث أمس
وأنشد الشريف
:-
عقم النساء فلم يلدن شبيهه … ان النساء بمثله عقم
وقد رثاه خادمه أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان العزى الشاعر المشهور حيث قال:
بكى على شمسه الاسلام اذا فلت … بأدمع قل فى تشبيهها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسما … والبشر احسن ما يلقى به البشر
احيا ابن ادريس درسا كنت تورده … تحار فى نظمه الآذان والفكر
من فاز منه بتعليق فقد علقت … يمينه بشهاب ليس ينكدر
رحم الله الهراس الذى كان محبا لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنة قولا وعملا حتى قال عنه ابن خلكان: كان محدثا يستعمل الأحاديث فى مناظراته ومجالساته ونقل عنه قوله:
«إذا جالت الأحاديث فى ميادين الكفاح طارت رءوس المقاييس فى مهاب الرياح».
فتاويه
:- وللهراس كثير من الفتاوى المنثورة فى امهات المراجع ونقلها عنه تلاميذه المشهورون، ومنها ما نقله عنه الحافظ أبى طاهر السلفى إذ قال:
«استفتيت شيخنا الكيا الهراس: ما يقوله الإمام- وفقه الله تعالى- فى رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، أتدخل كتبه الحديث هذه الوصية أم لا؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم.
«من حفظ على أمتى أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما».
مؤلفاته
:- كثرت مؤلفات الهراس فى فنون مختلفة شملت القرآن والحديث وعلوم الشريعة الغراء، ومن اشهر هذه المؤلفات:
أحكام القرآن- وسنتناوله بالحديث بعد ذلك (لوامع الدلائل فى زوايا المسائل) و (شفاء المسترشدين فى مباحث المجتهدين).
و (نقد مفردات الإمام أحمد).
و (كتاب فى أصول الفقه).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
أحكام القرآن
يعتبر كتاب احكام القرآن الذى ألفه الهراس واحدا من اشهر التآليف التى تعنى بآيات الاحكام فهما واستنباطا واستخراجا للأصول منها حيث تظهر الثروة الكبيرة فى مجال الفقه والتشريع الاسلامى.
وقد راعى مؤلفه فيه الايجاز والاختصار والاقتصار على اللباب فجاء كتابه وافيا فى بابه نافعا لقارئه.
والكتاب يعد من أول الكتب المؤلفة فى أحكام القرآن على مذهب الإمام الشافعى حيث استخدم منهجه وسلك مسلكه وسار على طريقته فضم بذلك- إلى جانب ما ألفه غيره من أتباع أبى حنيفة ومالك رحمهما الله نظرة تكاد تكون متكاملة على الجانب التشريعى للقرآن الكريم.
يقول الهراس اثناء مقدمته لهذا الكتاب.
«وبعد: فإنى لما تأملت مذاهب القدماء المعتبرين، والعلماء المتقدمين والمتأخرين ومذاهبهم وآراءهم ولحظت مطالبهم وأبحاثهم، رأيت مذهب الشافعى رضى الله عنه وأرضاه اسدها وأقواها وأرشدها وأحكمها حتى كان نظره فى كبر آرائه ومعظم ابحاثه يترقى عند حد الظن والتخمين إلى درجة الحق واليقين.
ولم أجد لذلك سببا أقوى وأوضح وأو فى من تطبيقه مذهبه على كتاب الله تعالى:
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. (سورة فصلت الآية 42) وأنه اتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
ما فيه. وان الله فتح عليه من أبوابه ويسر عليه من اسبابه ورفع له من حجابه ما لم يسهل لمن سواه، ولم يأت لمن عداه فكان على ما اخبر الله تعالى عن ذى القرنين فى قوله: آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً.
(سورة الكهف الآية 84) ولما رأينا الأمر كذلك اردت أن اصنف فى احكام القرآن كتابا اشرح فيه ما انتزعه الشافعى رضى الله عنه من أخذ الدلائل فى غوامض المسائل
وضممت إليه ما نسجته على منواله، واحتذيت فيه على مثاله على قدر طاقتى وجهدى ومبلغ وسعى وجدى ..
ثم يقول:- ولن يعرف قدر هذا الكتاب وما فيه من العجب العجاب إلا من وفر حظه من علوم المعقول والمنقول. ومتبحر فى الفروع والأصول ثم اكب على مطالعة هذه الفصول بمسكة صحيحة وقريحة نقية غير قريحة ..
وأعوذ بالله من الاعجاب بالابداع والميل بالهوى إلى بعض الآراء فى مظان النزاع، وأسأله أن يجعل مجامع مساعينا وجل متابعنا فى طلب مرضاته إنه ولى قدير وبالاجابة جدير فأقول:
لما رأيت أقاويل المفسرين فى أحكام القرآن متجاوزة حد البيان آخذة بطرفى الزيادة والنقصان، جررت فى سرجها هذه الفصول المتضمنة من اللفظ والمعنى شفاء كل عليل مع انتخابى فيها قصد السبيل، وتوقى التعليل والتطويل …
وقد انتفع بهذا الكتاب الكثيرون من العلماء واثنوا عليه الثناء المستطاب واعتمدوا عليه فى تأليفهم بعده حتى قال عنه ابن العربى الذى جاء بعده فى مقدمة كتابه أحكام القرآن.
«إن مؤلفه أتى فيه بالعجب، ونثر فيه لباب الألباب وفتح فيه لكل من جاء بعده إلى معارفة الباب، فكل أحد غرف منه على قدر انائه ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
نموذج من «أحكام القرآن»
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها. (سورة البقرة الآية 114) قوله «منع» نزل فى شأن المشركين حين منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى فى المسجد الحرام وسعيهم فى خرابه بمنعهم من عمارته بذكر الله وطاعته وقوله «أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين».
يدل على ان المسلمين اخرجوهم منها إذ دخلوها.
ويدل على مثل ذلك قوله تعالى:
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ.
وعمارتها تكون ببنائها واصلاحها والثانى حضورها ولزومها، كما يقال:- فلان يعمر مسجد فلان؛ أى يحضره ويلزمه.
قوله عز وجل:
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. (سورة البقرة الآية 115) ويدل على جواز التوجه إلى الجهات فى النوافل، وللمجتهد جواز التعبد بالجميع ..
قوله تعالى:- وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
دلت على أن التنظف ونفى الأوساخ والاقذار عن الثياب والبدن مأمور به وقد قال سليمان بن فرج أبو واصل اتيت أبا أيوب فصافحته فرأى فى أظافرى طولا فقال: جاء إلى النبى عليه السلام رجل يسأل عن اخبار السماء فقال:
يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأنها اظفار الطير يجتمع فيها الوسخ والتفث؟
قوله تعالى:- إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
الامام: من يؤتم به فى امر الدين كالنبى عليه السلام والخليفة والعالم اخبر الله تعالى إبراهيم انه جاعله للناس اماما، وسأل إبراهيم ربه أن يكون ابناؤه أئمة فقال تعالى:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. (سورة البقرة الآية 124) ودل قوله تعالى:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
على ان الاجابة قد وقعت له فى ان من ذريته ائمة ولكن لا امامه لظالم حتى لا يقتدى به، ولا يجب على الناس قبول قوله فى امر الدين.
نعم: كان يجوز ان تظهر المعجزة على يد فاسق ظالم، ويجب قبول قوله لوجود الدليل، وان لم يجب قبول قول الفاسق لعدم ظهور الصدق وعدمه عقلا غير ان العصمة وجبت للانبياء سمعا.
ويجوز عقلا وجوب قبول قول الفاسق ولكن دلت هذه الآية على ان عهد الله تعالى لا ينال الظالمين.
فيحتمل أن يكون ذلك النبوة، ويحتمل أن يكون ما اراد لهم من امر دينه، وأجاز قولهم فيه، وأمر الناس بقبوله منهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
ويطلق العهد على الأمر قال الله تعالى.
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا. (سورة آل عمران الآية 183) يعنى امرنا وقال:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ. (سورة يس الآية 60) يعنى ألم اقدم إليكم الأمر به:
وإذا كان عهد الله هو اوامره، فقوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ لا يريد به انهم غير مأمورين لأن ذلك خلاف الاجماع، فدل على ان المراد به أن يكونوا بجملة من تقبل منهم أوامر الله، ولا يؤمنون عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
الواحدى النيسابورى وأسباب النزول
هو على بن أحمد بن محمد بن على الواحدى النيسابورى، الامام الكبير أبو الحسن كان أبوه من التجار فتهيأ له طلب العلم والأخذ منه، فأخذ العربية عن أبى الحسن القهندزى، واللغة عن أبى الفضل أحمد بن محمد بن يوسف العروضى صاحب أبى منصور الأزهرى، وسمع من أبى الطاهر الزيادى وأبى بكر أحمد بن الحسن الحيرى وأبى إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، وعبد الرحمن بن حمدان النصرونى، وأحمد إبراهيم النجار وخلق.
وداب الواحدى فى طلب العلم، وجد فيه حتى لقد قيل عنه: واحد عصره فى التفسير وكان له من المؤلفات الكثيرة فى التفسير وغيره، ومن مؤلفاته فى ذلك:
البسيط، والوسيط، والوجيز، وكلها تفسير للقرآن الكريم، فالبسيط فى نحو ستة عشر مجلدا، والوسيط فى اربعة مجلدات، والوجيز فى أقل من ذلك:
ومنها: اسباب النزول وهو موضوع حديثنا وهو مطبوع بمصر محقق.
ومنها: التحبير فى شرح الأسماء الحسنى.
ومنها: شرح ديوان المتنبى.
ومنها: الدعوات.
ومنها: المغازى.
ومنها: الاغراب فى علم الاعراب.
ومنها: كتاب تفسير النبى صلى الله عليه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ومنها: شرح ديوان المتنبى.
وكان له شعر مليح، واختيار طيب لما ينقل، فمن تفسيره فيما نقله التاج السبكى فى طبقاته ما قاله فى الوسيط فى تفسيره سورة القتال عند الكلام على قوله تعالى:
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.
أخبرنى أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفضل بن يحيى، عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال:
قدمت مكة، فلما وصلت إلى طيزناباذ ذكرت بيت أبى نواس:
كرم ما مررت به إلا … تعجبت ممن يشرب الماء
فهتف بى هاتف اسمع صوته ولا اراه:
وفى الجحيم حميم ما تجرعه … حلق فابقى له فى البطن امعاء
وفى تفسير «ألم نشرح» نقل بسنده عن ابن العتبى قال:
كنت ذات ليلة فى البادية بحالة من الغم، فألقى فى روعى بيت من الشعر، فقلت:
ارى الموت لمن أص … بح مغموما له اروح
فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف فى الهواء.
ألا ايها المرء ال … ذى الهم به برح
وقد انشد بيتا لم … يزل فى فكره يسبح
إذا اشتد بك، الأمر … ففكر فى ألم نشرح
فعسر بين يسرين … إذا ابصرته فافرح
وقد نقل الواحدى عن الشعبى قال:
فرق الله تنزيله فكان بين أوله وآخره عشرون أو نحو عشرين سنة انزله قرآنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
عظيما وذكرا حكيما، وحبلا ممدودا، وعهدا معهودا، وظلا عميما، وصراطا مستقيما، فيه معجزات باهرة وآيات ظاهرة، وحجج صادقة، ودلالات ناطقة، دحض به حجج المبطلين. ورد به كيد الكائدين، وايد به الاسلام والدين فلمع منهاجه، وثقب سراجه، وشملت بركته، ولمعت حكمته على خاتم الرسالة، والصادع بالدلالة، الهادى للأمة، الكاشف للغمة الناطق بالحكمة، المبعوث بالرحمة، فرفع اعلام الحق، واحيا معالم الصدق، ودفع الكذب ومحا آثاره، وقمع الشرك وهدم مناره، ولم يزل يعارض ببيناته المشركين، حتى مهد الدين، وابطل شبه الملحدين، صلى الله عليه وسلم صلاة لا ينتهى امدها، ولا ينقطع مددها وعلى آله وأصحابه الذين هداهم وطهرهم …
أما كتابه اسباب النزول فهو من احسن المؤلفات فى هذا الباب وقد جمع فيه تقريبا جميع المرويات من الحديث وأقوال الصحابة والتابعين فى سبب نزول الآيات، وقد رتبه سورة بعد سورة. على ترتيب المصحف ويذكر فى كل سورة منها ما ورد من سبب نزول الآيات بها فليس كل آية ورد بها سبب نزول عنده ولكنه عد ذلك فى كثير من الآيات مع ذكر السند الذى يوثقها.
وهاك نموذجا من أسباب النزول:- قوله تعالى:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. (سورة الصف الآية 1) أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن عبد الله بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولى، قال: حدثنا محمد بن بهيجى، حدثنا محمد بن كثير الصنعانى عن الأوزاعى عن يحيى بن كثير، عن ابن سلمة عن عبد الله بن سلام:
قال:
قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذكرنا وقلنا:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله تبارك وتعالى عملناه. فأنزل الله تعالى:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
إلى قوله:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. (سورة الصف الآية 1، 4) إلى آخر السورة فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفى سورة الفتح: قوله عز وجل:
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. إلى آخر الآية.
أخبرنا سعيد بن محمد المقرى قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المدينى، قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطى قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا همام عن قتادة عن أنس قال:
لما نزلت:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.
قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئا لك يا رسول الله ما أعطاك الله، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى:
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ .... (سورة الفتح الآية 1، 5)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل
مؤلفه هو: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى- الملقب ب «جار الله» وقد كان حنفى المذهب، معتزلى العقيدة.
ولقب بجار الله، لأنه ذهب إلى مكة وجاور بها زمنا.
أما مولده: فكان فى رجب سنة 467 هـ- فى قرية من قرى «خوارزم تسمى «زمخشر» ومن هنا كان انتسابه إليها فقيل له: الزمخشرى.
رحلته
: وقد دأب الزمخشرى على السفر والانتقال من مكان إلى مكان، فقد سافر إلى بغداد، وسافر إلى «خراسان» عدة مرات، وسافر إلى الأرض المقدسة، وأقام بها طويلا، وألف فيها كتابه «الكشاف» الذى يقول عنه: انه ألفه فى مدة مقدارها مدة خلافة أبى بكر رضى الله عنه أى سنتان وبضعة أشهر، انه يقول:
«ووفق الله وسدد ففرغ منه فى مقدار مدة خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وكان يقدر تمامه فى أكثر من ثلاثين سنة، وما هى إلا آية من آيات هذا البيت المحرم، وبركة أفيضت على من بركات هذا الحرم المعظم، اسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه سببا ينجينى ونورا لى على الصراط يسعى بين يدى ويمينى، ونعم المسئول … »
لقد ألفه الزمخشرى فى أواخر عمره، وألفه بعد أن أجرى تجربة فى التفسير كانت ناجحة، وذلك أنه طلب إليه املاء تفسير ويقول عن ذلك:
فأمليت عليهم مسألة فى الفواتح، وطائفة من الكلام فى حقائق سورة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
البقرة، وكان كلاما مبسوطا كثير السؤال والجواب، طوف بالذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم وأن يكون لهم منارا يحجونه، ومثالا يحتذونه … »
ونجحت هذه التجربة، فأخذ الناس يفدون إليه ليأخذوها عنه، ويسافرون إليه ليستفيدوا بها منه. ثم- لما حط رحاله بمكة- شرع فى تفسيره «الكشاف» ولم يؤلفه على نسق التجربة السابقة وإنما: «فى طريقة أخصر من الأولى- كما يقول- مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائر».
توفى الزمخشرى سنة 538 هـ- بجرجانية خوارزم.
أما كتابه فإن الناس يقولون عنه عادة: «الكشاف للزمخشرى» وهو كتاب أثار- وما زال يثير- الاستحسان الجم، والنقد اللاذع إذ أن صاحبه يوصف بوصفين ظاهرين يعلنهما على الملأ ويذكرهما دون خفاء.
أما أحد هذين الوصفين فهو: أنه يتمذهب بمذهب أهل الاعتزال ويعتز به إلى درجة أنه كان أحيانا إذا قصد صاحبا له، واستأذن عليه فى الدخول يقول لمن يأخذ له الاذن:
«قل له: أبو القاسم المعتزلى بالباب» ويركز على كلمة «المعتزلى … »
وقد بدأ تفسيره منذ الكلمات الأولى على مذهب الاعتزال وسار فيه من أوله إلى آخره واضعا نصب عينيه هذا المذهب، ففسر الآيات التى اختلف فيها بين أهل السنة وأهل الاعتزال على طريقة المعتزلة، وأسرف فى ذلك …
والقرآن الكريم ليس كتاب مذهب، فإذا وضعت الاساس عند التفسير على طريقة معنة، واتخذت ذلك شعارا فقد ملت عن شرعة الانصاف.
ومن هنا كان النقد المستفيض من قمم علماء أهل السنة.
أما الوصف الثانى- الذى ظهر فى وضوح فى التفسير وفى صاحب التفسير:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
فهو هذا النوع من بيان اعجاز القرآن فى بلاغته وفصاحته، وايضاح أنه حقيقة من كلام رب العالمين، وليس للبشر إلى مثله من سبيل ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
ولقد أعد الزمخشرى نفسه لهذا اعدادا كاملا:
لقد أعد له لغة، وأعد له بلاغا وبيانا، وأعد له اسلوبا وفصاحة وأعد له نحوا وصرفا …
ولكن الذى يركز عليه صاحب الكشاف ولا يرى من اتقانه مناصا للمفسر هو: علم المعانى، وعلم البيان وما من شك فى أن التفسير يحتاج إلى علوم جمة نترك للزمخشرى نفسه بيانها، أنه يقول عن التفسير:
«لا يتم لتعاطيه واجالة النظر فيه كل ذى علم- كما ذكر الجاحظ فى كتاب نظم القرآن- فالفقيه ان برز على الاقران فى علم الفتاوى والاحكام والمتكلم وان بز الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والاخبار وان كان من ابن القرية احفظ (أحد فصحاء العرب) والواعظ وان كان من الحسن البصرى أوعظ والنحوى وان كان انحى من سيبويه واللغوى وان علك اللغات بقوة لحييه: لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص عن شىء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعانى وعلم البيان، وتمهل فى ارتيادهما آونة، وتعب فى التنقير عنهما ازمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة فى معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله- بعد أن يكون أخذ من سائر العلوم بحظ جامعا بين أمرين: تحقيق- وحفظ- كثير المطالعات طويل المراجعات، قد رجع زمانا، ورجع إليه ورد عليه فارسا فى علم الاعراب مقدما فى حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها- يقظان النفس داركا للمحة وإن لطف شأنها، منبها على الرمزة وإن خفى مكانها لاكزا جاسيا ولا غليظا جافيا، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتضى غير ربض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة، ووقع فى مداحضه ومزالقه» ولقد أعجب الزمخشرى بتفسيره حتى أنه ليقول فيه شعرا، منه:
إن التفاسير فى الدنيا بلا عدد وليس فيها لعمرى مثل كشافى إن كنت تبغى الهدى فالزم قراءته فالجهل كالداء والكشاف كالشافى وربما كان اصدق ما قيل فيه هو كلام الشيخ حيدر الهروى، فانه وفاه حقه فيما هو عليه من البلاغة والبيان، وذلك حق لا يمارى فيه انسان، ثم بين ما أخذ عليه وهو حق أيضا لا ينكره منصف، أما ما الزمخشرى- فيما رأى الشيخ الهروى- فإنه يقول:
«إن كتاب الكشاف عالى القدر، رفيع الشأن لم ير مثله فى تصانيف الأولين، ولم يرد شبيهه فى تآليف الآخرين، اتفقت على متانة تراكيبه الرشيقة كلمة المهرة المتقنين، واجتمعت على محاسن اساليبه الأنيقة السنة الكلمة من المفلقين، ما قصر فى قوانين التفسير وتهذيب براهينه، وتمهيد قواعده، وتشييد معاقده.
وكل كتاب بعده فى التفسير- ولو فرض أنه لا يخلو عن النقير والقطمير إذا قيس به- لا تكون له تلك الطلاوة، ولا يوجد فيه شىء من تلك الحلاوة، على أن مؤلفه يقتفى أثره، ويسأل خبره وقلما غير تركيبا من تراكيبه إلا وقع فى الخطأ والخطل، وسقط من مزالق الخبط والزلل، ومع ذلك كله إذا فتشت عن حقيقة الخبر، فلا عين منه ولا أثر، ولذلك قد تداولته أيدى النظار فاشتهر فى الاقطار كالشمس فى وسط النهار …
أما ما يؤخذ عليه فهو أمور منها:
أنه كلما شرع فى تفسير آية من الآيات القرآنية مضمونها لا يساعد هواه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)