واختلف الناس فى المخاطب بها- يعنى بالآية- فقالت فرقة من المتأولين:
خوطب بهذا أهل الكتاب، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم:
«ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين.
رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه صلى الله عليه وسلم وآمن بى «الحديث» وقال آخرون: المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول لهم:- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ أى اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، وهذا هو معنى الأمر ابدا لمن هو متلبس بما يؤمر به.
وقوله: (يؤتكم كفلين) أى نصيبين بالإضافة إلى ما كان الامم قبل يعطونه قال أبو موسى الأشعرى: كفلين: ضعفين «بلسان الحبشة».
وروى أن عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) قال لبعض الأحبار: كم كان التضعيف للحسنات فيكم؟ .. قال: ثلاثمائة وخمسين، فقال: الحمد لله الذى أضاف لنا إلى سبعمائة ..
ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذى يقتضى أن اليهود إلى نصف النهار على قيراط، والنصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين، فلما أصبحت اليهود والنصارى على ذلك وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، قال الله تعالى: هل نقصتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا قال: فإنه فضلى أوتيه من أشاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
تفسير الإمام البغوى
هو الإمام الحافظ الشهير محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوى الشافعى المحدث المفسر، صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان.
وصفه ابن الأهول فقال:
«هو صاحب الفنون الجامعة، والمصنفات النافعة، مع الزهد والورع والقناعة ومن مظاهر زهده ما قاله صاحب شذرات الذهب من انه كان سيدا زاهدا قانعا يأكل الخبز وحده، فليم فى ذلك فصار يأكله بالزيت ..
ولد فى بغشور، والنسبة إليها بغوى على غير قياس، وقيل: اسم المدينة «بغ» بليدة بين هراة ومرو والروذ من بلاد خراسان.
نشأ شافعى المذهب بحكم البيئة التى عاش فيها، والعلماء الذين تلقى عنهم وكانت له آثار قيّمة فى المذهب الشافعى، حيث أنه ألف فيه كتابه (التهذيب) ونحى فيه منحى أهل الترجيح والاختبار والتصحيح، لا يتعصب لمذهبه، ولا يندد بغيره، رائده الوصول إلى ما يراه أقرب إلى النصوص، وأوفق لمبادئ الدين.
وكان داعيا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، ناشرا لعلومهما، موضحا لما يوجهان إليه، فألف فى ذلك التآليف النافعة التي أهلته لأن يكون بحق «محيى السنة».
وكما هو دأب العلماء قام علمه على دعامتين هامتين:
أولا- الأخذ من العلماء، وقد اشتهر من أساتذته: الإمام الحسين بن محمد المروزى القاضى، فقيه خراسان، وشيخ الشافعية فى زمنه واحد مشاهير العلماء، المتوفى سنة 462 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
والإمام الفقيه الفاضل أبو الحسن على بن يوسف الجوينى المعروف بشيخ الحجاز المتوفى سنة 463 هـ.
والمحدث الفاضل أبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفى النيسابورى المتوفى سنة 466 هـ.
ثانيا: الأخذ من الكتب والاطلاع على ما أثر عن العلماء …
وكان الإمام البغوى محدثا فاضلا سمع الكثير من الحفاظ، وروى عنهم الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء من أجود الطرق وأوثقها وأوفاها وجالس علماء اللغة
وحمل عنهم الكتب التى ألفت فى غريب الحديث وبيان معانيه، قال الحافظ الذهبى: الإمام العلامة القدوة الحافظ، شيخ الإسلام، محيى السنة، صاحب التصانيف … وقال ابن نقطة: إمام حافظ ثقة صالح ..
وقال السبكى: وكان البغوى يلقب بمحيى السنة، وبركن الدين، ولم يدخل بغداد ولو دخلها لاتسعت ترجمته، وقدره عال فى الدين وفى التفسير وفى الحديث، متسع الدائرة نقلا وتحقيقا. وكان الشيخ تقى الدين السبكى يقول:
قل ان رأيناه يختار شيئا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره، هذا مع اختصار كلامه وهو يدل على نبل كبير، وهو حرى بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه وقد انتج هذا النشاط العلمى الكبير مؤلفات قيمه منها:
1 - مجموعة من الفتاوى ضمنها فتاوى شيخه أبو على الحسين بن محمد المروزى.
2 - التهذيب فى فقه الإمام الشافعى، وهو تأليف محرر، مهذب، مجرد من الأدلة غالبا.
3 - شرح السنة.
4 - معالم التنزيل وهو التفسير المشهور.
وقد قدم لتفسيره مقدمة، بينت منهجه، وحددت خطته، وأبانت عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
مقصده، وبينت جوانب من علمه الواسع فى مجال الدراسات القرآنية.
إنه يقول فى مقدمته بعد الحمد والثناء:
أما بعد: فإن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، رحمة للعالمين، وبشيرا للمؤمنين، ونذيرا للمخالفين، اكمل به بنيان النبوة، وختم به ديوان الرسالة، واتم به مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وأنزل عليه بفضله نورا هدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، حكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه، واعجز الخليقة عن معارضته، وعن الاتيان بسورة من مثله فى مقابلته، ثم سهل على الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر، وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أحوال الماضيين ليعتبر، وضرب الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، ولا حصول لهذه المقاصد منه إلا بدراية تفسيره وإعلامه، ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه والوقوف على ناسخه ومنسوخه، ومعرفة خاصه وعامة، ثم هو كلام معجز، وبحر عميق لا نهاية لاسرار علومه، ولا إدراك لحقائق معانيه وقد ألف ائمة السلف فى أنواع علومه كتبا كل على قدر فهمه، ومبلغ علمه، نظرا للخلق، فشكر الله تعالى سعيهم، ورحم كافتهم، فسألنى جماعة من أصحابى المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين، كتابا فى معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه معتمدا على فضل الله تعالى وتيسيره، واقتداء بالماضين من السلف فى تدوين العلم ابقاء على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد، ولكن لا بد فى كل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقصر بالطالبين فيه الجد والجهد، تنبيها للمتوقفين، وتحريضا للمتثبطين، فجمعت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوا كتابا متوسطا بين الطويل الممل، والقصير المخل، ارجو أن يكون مفيدا، لمن أقبل على تحصيله مزيدا ..
ثم ذكر الأسانيد التى اعتمدها فى تفسيره …
ومن هنا ندرك أن كتابه من الكتب المعتبرة فى التفسير بالمأثور ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
ثم يقول: إن الناس كما انهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده، فهم متعبدون بتلاوته، وحفظ حروفه، على سنن خط المصحف- اعنى الإمام- الذى اتفقت عليه الصحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين، واتفقت الأئمة على اختيارهم، وقد ذكرت فى الكتاب قراءة من اشتهر منهم بالقراءات واختباراتهم ..
أما عن استشهاده بالأحاديث والآثار فقد اختار فيه الصحيح المقبول، وترك الضعيف والموضوع- ويعبر عن ذلك قوله:
وما ذكرت من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أثناء الكتاب على وفاق آية أو بيان حكم، فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة، وعليها مدار الشرع وأمور الدين من الكتب المسموعة للحفاظ ذائعة الحديث، واعرضت عن ذكر المناكير، وما لا يليق بحال التفسير فأرجو أن يكون مباركا على من أراده …
ثم عقد عدة فصول بين يدى التفسير تتمثل فيما يلى:
فصل فى فضائل القرآن وتعليمه.
فصل فى فضائل تلاوة القرآن.
فصل فى وعيد من قال فى القرآن برأيه من غير علم …
ونحن نلاحظ فما يتعلق بالإمام البغوى أن له جوانب تجعله من الطبقة الممتازة لقد استكمل عدة التفسير من اللغة فقد جالس علماء اللغة وتثقف عليهم كأحسن ما تكون الثقافة اللغوية وبعض الناس يظن أن اللغة كافية فى معرفة التفسير، ولكنهم مخطئون فلا بد فى التفسير من عناصر أخرى، منها:
السنة النبوية الشريفة: وقد برع فيها الإمام البغوى فهو محدث ممتاز وصلت به ثقافته فى الحديث إن سمى: محيى السنة، وكان محدثا ثقة وهو فى تقدير المحدثين: الإمام الحافظ الثقة.
وقد اتقن فن القراءات وأبان عنها فى تفسيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وكان مهذبا، أدبه القرآن والحديث ومن أثر هذا الأدب أن شكر فى مقدمة تفسيره السابقين من المفسرين واثنى عليهم.
ويرى الإمام البغوى- ونحن نؤيده فى ذلك تأييدا مطلقا- وجوب حفظ حروف القرآن على سنن خط المصحف الإمام اعنى الخط العثمانى الذى اتفقت عليه الصحابة، وان لا يجاوز وإنما يوافق ما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين واتفقت الأئمة على اختيارهم.
كل ذلك يوضع فى كفة امتياز الإمام البغوى ..
ويتضح مجهوده فى التفسير بنماذج منه:
قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (سورة البقرة الآية 153) بالعون والنصرة (ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات) نزلت فى قتلى بدر من المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، كان الناس يقولون لمن يقتل فى سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (سورة البقرة الآية 152) كما قال فى شهداء أحد: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
(سورة آل عمران الآية 169).
قال الحسن:
إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح الفرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
وقال تعالى: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ (سورة الأنعام الآية 120) يعنى الذنوب كلها لأنها لا تخلوا من هذين الوجهين: قال قتادة: علانيته وسره، وقال مجاهد: ظاهره ما يعمله الإنسان بالجوارح من الذنوب وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له.
قال الكلبى: كظاهره الزنا، وباطنه المخالفة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الاعلان بالزنا وهم أصحاب الرايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا، وكان الشريف منهم يتشرف فيسر به، وغير الشريف لا يبالى فيظهره، فحرمهما الله عز وجل ..
وقال سعيد ابن جبير: ظاهر الإسم نكاح المحارم، وباطنه الزنا ..
وقال ابن زيد: إن ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعرى فى الطواف، والباطن الزنا ..
وروى حيان عم الكلبى: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة ..
إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ فى الآخرة .. بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (سورة الأنعام الآية 120) يكتسبون فى الدنيا ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
المفردات فى غريب القرآن للراغب الأصفهانى
ويسمى هذا الكتاب عادة: «المفردات للراغب الأصفهانى».
أما الراغب الأصفهانى فإنه من أهل اصبهان أو أصفهان.
ولما تزود من العلم بحظ كاف يمم شطر بغداد، وكانت محط أنظار العلماء واشتهر بها شهرة واسعة.
ولا نعلم فى يقين متى كان ميلاده ولكن وفاته كانت على التقريب سنة 502 هـ، 1108 م.
ولقد كان الراغب أديبا قمة فى الأدب، وكان عالما من أئمة العلماء، وفقيها من خيرة الفقهاء. ولكن المادة التى كانت مدار تخصصه وشهرته كانت:
القرآن.
لقد انغمس فى أنوار القرآن واتخذه نبراسا لآرائه وسلوكه، وواتاه فى ذلك تمكنه من اللغة وذوقه الجميل فى الأدب.
ولقد ألف فى الجو القرآنى:
1 - جامع التفاسير، وهو تفسير مستفيض، وإن كان لم يكمل، وقد طبعت مقدمته مبينة عن فضل عظيم للمؤلف فى مجال العلم بالقرآن وما ينبغى للمفسر. وقد اقتبس الإمام البيضاوى وغيره من هذا التفسير كثيرا.
2 - حل متشابهات القرآن.
3 - تحقيق البيان فى تأويل القرآن.
4 - المفردات الذى سنتحدث عنه إن شاء الله.
ولكن إذا كانت هذه المؤلفات متصله بالقرآن مباشرة، فإن الكثير من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
مؤلفاته الأخرى مستمد من القرآن الكريم، ونابع من أنواره، ومن ذلك مثلا كتاب:
«الذريعة فى مكارم الشريعة».
وهو كتاب نفسى جدا ويقال: إن الإمام الغزالى قدس الله روحه كان لا يفارق هذا الكتاب فى حل ولا ترحال، وهذا الكتاب جدير بالاقتناء، وقد كان الشيخ محمد عبده عليه رحمة الله يستفيد منه كثيرا، وهو كتاب فى الأخلاق الإسلامية مصدره القرآن والسنة الشريفة.
وله كتاب آخر بعنوان: «الأخلاق» وأحيانا يسمى أخلاق الراغب، وهو كتاب يستمد أيضا من القرآن الكريم.
أما فى الأدب واللغة فله كثير من المؤلفات منها:
«محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، وقد طبع فى القاهرة فى جزءين وهو يضم ظرائف وملحا مما وقع بين الأدباء أو مما كتبوه فى مؤلفاتهم.
وله فى هذا المجال:
«أفانين البلاغة».
«وهو كتاب يبين إبانة واضحة عن المدى العظيم فى احاطة المؤلف بالبلاغة وعمق نظرته فيها، ولكن الطريف فى مؤلفات هذا العالم القمه هو كتابه:
«أدب الشطرنج».
وهو كتاب له مفهومه الواسع فى حياة المؤلف انه يدل على:
1 - لم يكن المؤلف متزمتا ولا متصنعا للتزمت.
2 - كان المؤلف مرحا ولا يتنافى مرحه مع وقار العلم وكرامة العلماء.
3 - كان المؤلف ذكيا يتحدى بذكائه فى هذه اللعبة: لعبة الذكاء والأذكياء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
أما مكانة المؤلف فى نظر العلماء فيكفينا أن نقول: إن الإمام فخر الدين الرازى صاحب التفسير المشهور والذى بلغ فى علم الكلام القمة، كان يقرن الراغب الأصفهانى بحجة الإسلام الإمام الغزالى.
والواقع أن بينهما شبها كبيرا، وألوان الشبه: ان كلا منهما كان من أهل السنة وكان كلاهما يرد على المعتزلة، وكان كلاهما مهتما بالأخلاق، وذلك لأن الأخلاق من الأسس الأصيلة التى تقوم عليها المجتمعات الصالحة.
وكتابة «المفردات» الذى نكتب عنه اليوم من الكتب التى لا غنى لعالم من علماء الإسلام عنها، وهو يتحدث فيه عن مفردات القرآن: يتتبع اللفظ فى الآيات القرآنية شارحا له فيها متحدثا عن مفاهيمه فى مختلف المواضع مستأنسا على ذلك بالحديث الشريف أو بأشعار العرب، وقد أجاد إجادة تامة فى الوصول إلى غايته وهى تفسير ألفاظ القرآن.
وقد رتب كتابه على ترتيب الحروف الهجائية، وذلك ليسهل الكشف فيه.
وهذا الكتاب يعتبره المؤلف «حلقة» بين حلقتين، احداهما سابقة قد تحققت أما الثانية: فإنها كانت فى عزم المؤلف عند ما شرع فى تأليف هذا الكتاب، ونترك المؤلف يعبر عن ذلك بقلمه، إنه يقول:
«وقد استخرت الله تعالى فى إملاء كتاب مستوفى فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجى فتقدم ما أوله الألف ثم الباء على ترتيب حروف المعجم معتبرا فيه أوائل حروفه الأصلية دون الزوائد والإشارة فيه إلى المناسبات التى بين الألفاظ المستعارات منها والمشتقات حسبما يحتمل التوسع فى هذا الكتاب واحيل بالقوانين الدالة على تحقيق مناسبات الألفاظ على الرسالة التى عملتها مختصة بهذا الباب ففي اعتماد ما حررته من هذا النحو استغناء فى بابه من المثبطات عن المصارعة فى سبيل الخيرات وعن المسابقة إلى ما حثنا عليه بقوله تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم سهل الله علينا الطريق إليها واتبع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ونسأ فى الأجل بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة فبذلك يعرف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته نحو ذكره القلب مرة والفؤاد مرة والصدر مرة ونحو ذكره تعالى فى عقب قصة إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون وفى أخرى لقوم يتفكرون وفى اخرى لقوم يعلمون وفى أخرى لقوم يفقهون وفى أخرى لأولى الأبصار وفى أخرى لذى حجر وفى أخرى لأولى النهى ونحو ذلك ما بعده يحق الحق ويبطل الباطل وأنه باب واحد فيقدر أنه إذا فسر الحمد لله بقوله الشكر لله ولا ريب فيه بلا شك فيه فسر القرآن ووفاه التبيان جعل الله لنا التوفيق رائدا والتقوى سائقا ونفعنا بما اولانا وجعله لنا من معاون تحصيل الزاد المأمور به فى قوله تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى. (سورة البقرة الآية 197) وأما مقدمة الكتاب فإنها تتحدث فى أسلوب رائق عن القرآن الكريم إذ يقول:
«الحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه محمد وآله أجمعين قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن الفضل الراغب رحمة الله اسأل الله أن يجعل لنا من أنواره نورا يرينا الخير والشر بصورتيهما ويعرفنا الحق والباطل بحقيقتهما حتى نكون ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ومن الموصوفين بقوله تعالى:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.
(سورة الفتح الآية 4) وبقوله أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. (سورة المجادلة الآية 22) كنت قد ذكرت فى الرسالة المنبهة على فوائد القرآن إن الله
تعالى كما جعل النبوة بنبينا مختتمة وجعل شرائعهم بشريعته من وجه منتسخة ومن وجه مكملة مننه تعالى:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (سورة المائدة الآية 3)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
جعل كتابه المنزل عليه متضمنا ثمرة كتبه التى أولاها أوائل الأمم كما نبه عليه بقوله تعالى يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم وبحيث تقصر الألباب البشرية عن احصائه والآلات الدنيوية عن استيفائه كما نبه عليه بقوله تعالى:
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.
(سورة لقمان الآية 27) لكن محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية وأطايب ثمره لا يقطفها إلا الايدى الزكية ومنافع شفائه لا ينالها إلا النفوس النقية كما صرح تعالى به فقال فى وصف متناوليه:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ.
(سورة الواقعة الآية 77 و 78 و 79) وقال فى وصف سامعيه:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى.
(سورة فصلت الآية 44) وذكرت أنه كما لا تدخل الملائكة الحاملة للبركات بيتا فيه صورة أو كلب كذلك لا تدخل السكينات الجالبة للبينات قلبا فيه كبر وحرص:
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ. (سورة النور الآية 26)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
ودللت فى تلك الرسالة على كيفية اكتساب الزاد الذى يرقى كاسه فى درجات المعارف حتى يبلغ من معرفته أقصى ما فى قوة البشر أن يدركه من الأحكام والحكم فيطلع من كتاب الله على ملكوت السموات والأرض ويتحقق أن كلامه كما وصفه بقوله ما فرطنا فى الكتاب من شىء جعلنا الله كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
(سورة القصص الآية 56) وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به العلوم اللفظية ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفرقة فتحصيل معانى مفردات ألفاظ القرآن فى كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه كتحصيل اللبن فى كونه من أول المعاون فى بناء ما يريد أن يبنيه وليس ذلك نافعا فى علم القرآن فقط بل هو نافع فى كل علم من علوم الشرع فألفاظ القرآن هى لب كلام العرب وزبدته وواسطته وكرائمه وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء فى احكامهم وحكمهم وإليها مفزع حذاق الشعر والبلغاء فى نظمهم ونثرهم وما عداها وعدا الألفاظ المتفرعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنوى بالإضافة إلى أطايب الثمرة، والحثالة والتبن بالإضافة إلى لبوب الحنطة.
والآن نورد نماذج من الكتاب:
1 - (آدم) أبو البشر قيل: سمى بذلك لكون جسده من اديم الأرض وقيل لسمرة فى لونه يقال رجل آدم نحو اسمر وقيل سمى بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوة متفوقة كما قال تعالى «امشاج نبتليه» ويقال جعلت فلانا أدمة أهل أى خلطته بهم وقيل سمى بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه المذكور فى قوله ونفخت فيه من روحى وجعل له به العقل والفهم والروية التى فضل بها على غيره كما قال تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.
(سورة الاسراء الآية 70) وذلك من قولهم الادام وهو ما يطيب به الطعام وفى الحديث لو نظرت إليها فإنها أحرى أن يؤدم بينكما أى يؤلف ويطيب.
2 - (الرزق) يقال للعطاء الجارى تارة دنيويا كان أم أخرويا وللنصيب تارة ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة يقال أعطى السلطان رزق الجند ورزقت علما قال:
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ.
(سورة المنافقون الآية 10) أى من المال والجاه، والعلم وكذلك قوله:
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
(سورة البقرة الآية 2) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (سورة البقرة الآية 172) وقوله وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون أى وتجعلون نصيبكم من النعمة تحرى الكذب وقوله وفى السماء رزقكم قيل عنى به المطر الذى به حياة الحيوان وقيل هو كقوله وأنزلنا من السماء وقيل تنبيه أن الحظوظ بالمقادير، وقوله تعالى:
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ.
(سورة الكهف) أى بطعام يتغذى به وقوله تعالى:
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ.
(سورة ق الآية 10)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
قيل عنى به الأغذية ويمكن أن يجمل على العموم فيما يؤكل ويلبس ويستعمل وكل ذلك مما يخرج من الأرضين وقد قيضه الله بما ينزله من السماء من الماء وقال فى العطاء الأخروى:
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. (سورة آل عمران الآية 169) أى يفيض الله عليهم النعم الأخروية وكذلك قوله:
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا. (سورة مريم الآية 62) وقوله:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ. (سورة الذاريات الآية 58) فهذا محمول على العموم والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى ويقال ذلك للانسان الذى يصير به وصول الرزق والرزاق لا يقال إلا لله تعالى وقوله:
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ.
(سورة الحجر الآية 20) أى يسبب فى رزقه ولا مدخل لكم فيه وقوله:
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ.
(سورة النحل الآية 73) أى ليسوا بسبب فى رزق بوجه من الوجوه، وبسبب من الأسباب ويقال ارتزق الجند اخذوا أرزاقهم والرزقة ما يعطونه دفعة واحدة، وهذا الكتاب النفيس مطبوع عدة طبعات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
الفخر الرازى وتفسيره
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على القرشى التيمى البكرى الطبرستانى الرازى.
لقب بفخر الدين، وعرف بابن الخطيب.
ولد بالرى خامس عشر شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة للهجرة.
وقد شب على طلب العلم ورحل فى سبيل تحصيله الى أشهر مواطنه فى عمره: فى خوارزم وخراسان وماوراء النهر، وكان قد قضى وطره من التلقى عن والده الذى كان من تلاميذ الامام البغوى الشهير ثم تلقى بعده عن الكمال السمعانى والمجد الجيلى وكثير من العلماء الذين عاصرهم.
وقد كان من نتيجة السعى لطلب العلم والجد فى تحصيله ان أصبح الرازى- كما قيل عنه- إمام وقته فى العلوم العقلية فكان متكلم زمانه، وأحد الأئمة فى العلوم الشرعية، والتفسير واللغة. كما كان فقيها على المذهب الشافعى.
مؤلفاته
: وقد ترك الرازى فى هذه العلوم الكنوز العلمية الكبيرة والآثار الخالدة من المؤلفات التى حظيت فى حياته وبعد وفاته باقبال الناس عليها يتدارسونها وينتفعون بما تركته قريحة هذا العالم الكبير وهى تربوا- فى مجموعها على مائتى مصنف.
ومن أشهر مؤلفات الرازى:
كتابه المشهور فى التفسير المعروف ب «مفاتيح الغيب».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
ولوامع البينات فى شرح أسماء الله تعالى والصفات.
وكتاب معالم أصول الدين.
ومحصل المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين.
والمسائل الخمسون فى أصول علم الكلام.
وأسرار التنزيل فى التوحيد.
والمباحث المشرقية.
وانموذج العلوم.
والمحصول فى علم الاصول.
والسر المكتوم فى مخاطبة النجوم.
وكتاب الهندسة.
وغير ذلك الكثير مما يجعله فى مكانه مع كبار العلماء والمفكرين والفلاسفة الاسلاميين.
وقد كان لهذا العالم الفذ مواقفه الصلبة دفاعا عن العقيدة وذبا عن حماها.
وكان للرازى شهرة كبيرة فى الوعظ باللسانين العربى والعجمى اذ كان بالغ التأثير فى خطابته لما يلحقه من وجد فى حال الوعظ حيث كان يكثر من البكاء فيأخذ بمجامع القلوب وتنصت إليه الأسماع وقد زاد من تأثيره فى قلوب سامعيه عاطفته التى كانت تجيش فى كثير من الاحيان بشعر ياخذ بالالباب ويهز أوتار القلوب هزا، ومن شعره فى ذلك:
اليك اله الحق وجهى ووجهتى … وأنت الذى ادعوه فى السر والجهر
وأنت غياثى عند كل ملمة … وأنت أنيسى حين أفراد فى القبر
ومنه:
نهاية اقدام العقول عقال … وأكثر سعى العالمين ضلال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
وأرواحنا فى وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
وكم قد رأينا من رجال دولة … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
تلامذة الرازى
: وقد كثر تلاميذ الرازى كثرة فائقة حتى قيل انه كان يمشى فى خدمته نحو ثلاثمائة تلميذ، وكان يحضر مجالس وعظه الخاص والعام.
وقد عاش الرازى فى رغد من العيش وسعة من الثراء ونعمة تضاهى نعمة الملوك حيث اجتمعت له الاموال الكثيرة اكراما له من سلاطين عصره من أمثال: شهاب الدين الغورى سلطان غزنة. والسلطان علاء الدين خوارزم شاه.
وقد عظم شأنه حتى أن الملك خوارزم هذا كان يأتى إلى بابه ويحضر مجالس وعظه حتى اذا انتهت به الحياة وقضى منها وطره ترك ثروة ضخمة تربو على ثمانين ألف دينار.
ومع ما قام به هذا الرجل من دراسات وتأليف ومحاورات فى علم الكلام فاننا نراه- ككثرة من العلماء- يعود إلى الاقرار بأن هناك ما هو أجدى وأجدر بالبحث والدراسة والتصنيف وهو القرآن الكريم فتراه يقول:
«لقد اختبرت الطريق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروى غليلا، ولا تشفى عليلا، ورأيت أصح الطريق طريقة القرآن ....
ثم يقول:
«وأقول من صميم القلب من داخل الروح: أنى مقر بأنّ ما هو الاكمل والأفضل الأعظم الاجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
وأن الإمام الرازى بهذا الاعتراف الذى كان منه فى أواخر حياته يبين أن هذا الفيلسوف بعد أن طاف بمجالات الفكر فى جوانبها العميقة وفى زواياها المستفيضة رأى فى النهاية أن منهج الاتباع للقرآن وللسنة هو المنهج الذى يهدى الانسان الى الصراط المستقيم، أما المتاهات التى سار فيها الفلاسفة والمتكلمون فإنها ليست بمنهج السلم الصادق. والقرآن نزل هداية للعقل ورسما للطريق الصواب، وهو عصمة لمن اتبعه، وهداية لمن استقام عليه.
وعاد الامام الرازى اذن بعد أن طوف ما طوف إلى القرآن الكريم متبعا ومستهديا ومسترشدا، وقال كلمته المشهورة:
نهاية اقدام العقول عقال …
تفسير الرازى «مفاتيح الغيب» ومنهجه فيه.
يقع هذا التفسير فى ثمانية مجلدات ضخمة مطبوعة ومتداولة بين أهل العلم حيث يحظى بين دارسى القرآن بالشهرة الواسعة نظرا لما يشتمل عليه من أبحاث فياضة تضم أنواعا شتى من مسائل العلوم المختلفة حتى قيل عنه أنه: جمع كل غريب وغريبة.
والناظر فى هذا التفسير الكبير يجد أمورا هامة تلفت النظر وتشد الانتباه منها:
1 - الاهتمام بذكر المناسبات بين سور القرآن وآياته وبعضها مع بعض حتى يوضح ما عليه القرآن من ترتيب على الحكمة «تنزيل من حكيم حميد».
2 - كثرة الاستطراد إلى العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعة وغيرهما.
3 - العرض لكثير من آراء الفلاسفة والمتكلمين بالرد والتفنيد فهو- على شاكلة أهل السنة ومن يعتقد معتقدهم- يقف دائما للمعتزلة بالمرصاد يفند آراءهم ويدحض حجتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
4 - والفخر الرازى فى تفسيره لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
ويذكر مذاهب الفقهاء فيها مع ترويجه لمذهب الشافعى الذى كان يتابعه هو فى عبادته ومعاملاته.
5 - ويضيف الرازى إلى ما سبق كثيرا من المسائل فى علوم: الأصول والبلاغة والنحو وغيرها، وان كانت هذه المسائل فى مجموعها بعيدة عن الاطناب والتوسع كما هو الحال فى المسائل الكونية والرياضية والفلسفية بوجه عام.
وبالجملة فتفسير الإمام الرازى أشبه ما يكون بموسوعة كبيرة فى علوم الكون والطبيعة والعلوم التى تتصل اتصالا من قريب أو بعيد بعلم التفسير والعلوم الخادمة له والمترتبة عليه استنباطا وفهما.
وانظر إليه بعد أن عرض لسورة الفاتحة عرضا موجزا فى مقدمته اذ يقول:
أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم سورة الفاتحة، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لا تمامه وأن يجعلنا فى الدارين اهلا لإكرامه وانعامه … وهذا الكتاب مرتب على مقدمة وكتب، أما المقدمة ففيها فصول: الفصل فى التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال.
ثم يقول:
اعلم أنه مر على لسانى فى بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسئلة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم من أهل الجهل والغى والعناد وحملوا على ذلك ما ألفوه من انفسهم من التعليقات الفارغة من المعانى والكلمات الخالية من تحقيق المعاقد والمبانى، فلما شرعت فى تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول قريب الوصول.
ثم يذكر بعد ذلك مقدمة جدلية يشفعها بقوله:
فظهر بهذا الطريق أن قولنا «اعوذ بالله» مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)