بذاك الأصم. يعني: محمد بن سيرين.
1270 - قال الشيخ أحمد: وفي الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين جماعة آخرون هم أهل فضل وفقه، وفي إحصائهم وذكر فضائلهم تطويل، وقصدنا من هذا الكتاب تنبيه المتفقِّة على معرفة الصحابة والتابعين، وفي معرفة من ذكرنا منهم تنبيه على من لم نذكره.
1271 - وأما فقهاء الأمصار الذين انتهى إليهم علم الصحابة والتابعين، أو ما انتهى إليهم منه، واجتهدوا فيما سمعوا، واختار كل واحد لنفسه مذهبًا على ما أدى إليه اجتهاده، وصنف فيه، وتبعه من رأى فيما اختاره مثل رأيه فهم:
من أهل الحجاز: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر الأصبحي، مات سنة تسع وسبعين ومئة، وهو ابن ست - وقيل: ابن خمس - وثمانين سنة.
وأبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي، مات سنة أربع ومئتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة.
ومن أهل الشام: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، مات في أصح الأقاويل سنة سبع وخمسين ومئة، وهو ابن سبعين سنة.
ومن أهل مصر: أبو الحارث الليث بن سعد الفَهْمي، مات سنة خمس وسبعين ومئة، وهو ابن إحدى وثمانين سنة.
ومن أهل العراق: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، مولى بني تيم الله، مات سنة خمسين ومئة، وهو ابن سبعين سنة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 588)
وأبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، مات سنة إحدى وستين ومئة، وهو ابن ثلاث، وقيل: ابن أربع، وقيل: ابن خمس وستين سنة.
وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
ومن أهل خراسان: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، وهو ابن راهويه، مات سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وهو ابن سبع وسبعين سنة.
وأما أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فهما مع أقرانهما من العراقيين من المنتمين إلى أبي حنيفة.
وأما أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي مع أقرانه من العراقيين، وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني مع أقرانه من المصريين فهم من المنتمين إلى الشافعي.
وأما أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مع أقرانه الذين عُرفوا بالرأي والفقه فقد ذهب أتباعهم.
وأما أبو بِسطام شعبة بن الحجاج، وأبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، وأبو معاوية هُشَيم بن بَشِير الواسطي، وأبو إسماعيل حماد بن زيد البصري، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، وأبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، وأبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي، وأبو زكريا يحيى بن معين، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجُعْفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 589)
القشيري النيسابوري، مع أقرانهم الذين عُرفوا بالحديث، فهم أئمة أهل الحديث، الذين إليهم الرجوع في تصحيح الأخبار وتعليلها، وتزكية الرواة وجرحهم.
وأما أبو سليمان داود بن علي الأصبهاني: فإنَّه كان من المنتحلين مذهب الشافعي والذابين عنه، ثمَّ إنه ذهب مذهب أهل الظاهر في ترك القول بالقياس فيما ليس فيه نص (1).
1272 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: طبقات أصحاب الحديث خمسة: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهويّه، والخُزَيمية، وهم رهط أبي بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة.
1273 - قال أحمد: لقد أصاب العنبري فيما قال، فابن خزيمة أخذ الفقه من أبي إبراهيم المزني وغيره من أصحاب الشافعي، وإسحاق بن راهويه حين عَرَف فضل الشافعي، وتقدُّمه، انتسخ كتابه العراقي ببغداد، وحمله إلى خراسان، ولما ورد أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ نيسابور بكتب الشافعي التي ألفها بمصر كتبها إسحاق بن راهويه، ورجع إلى أكثرها، هكذا ذكره لنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ.
وأما أحمد بن حنبل: فمعروف منه مجالستُه الشافعيَّ بمكة، وحين قدم العراق، وأخذُه عنه (2)، وتحريضُه أصحابه على الأخذ منه، وثناؤه--------------------------------------------
(1) على حاشية أ: بلغ السماع.
(2) هكذا في الأصل أ، وسَقَط من ب، ومعنى هذا: أن مجالسة أحمد للشافعي =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 590)
عليه، ودعاؤه له، رضي الله عنه.
1274 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المذكِّر قال: سمعت محمد بن المنذر الهروي يقول: لما قدم عليهم الشافعي العراق سمع الكتب منه حسين الكرابيسي، وأبو ثور، والزعفراني، وغيرهم، وحدثهم بأحاديث كثيرة، فسمع منه: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما، فسمعت الزعفراني يقول: ما دخلت على الشافعي قط إلا وأحمد بن حنبل كان قد سبقني إليه.
1275 - قال الشيخ أحمد: وأما مالك بن أنس فإنَّه أخذ العلم عن جماعة من التابعين من أهل الحجاز، ثمَّ عن ابن شهاب الزهري، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرهم من فقهاء أهل الحجاز، وهم أخذوه (1) عن فقهاء التابعين الذين سميناهم فيما مضى، ومن لم نسمِّهم من أهل الحجاز مع من أدركوا من الصحابة، وأخذ أيضًا عن أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِياني صاحب فقهاء أهل البصرة.
1276 - وأما الأوزاعي، والليث بن سعد: فمرجعهما أيضًا في فتاويهما إلى الآثار، وأخذا العلم (2) عمن أخذه منهم مالك بن أنس، ثمَّ عن غيرهم من فقهاء بلدهما، مع من أدركا من التابعين.--------------------------------------------
= رحمهما الله بمكة معروفة، وكذلك مجالسته له حين قدم العراق معروفة، وكذلك أخذه عنه وتحريضه: أمر معروف. والله أعلم.
(1) هنا ينتهي السقط الذي في الأصل ب، أثناء رقم (1267).
(2) "وأخذا العلم": من أ، ومن حاشية ب من نسخة ص، وفي ب: وأخذِ العلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 591)
1277 - وأما سفيان بن سعيد الثوري رضي الله عنه، فاعتماده أيضًا في فتاويه على الآثار، وأخذَ العلم عن أبي إسحاق السَّبيعي، وإسماعيل ابن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم من الكوفيين، ثمَّ عن منصور بن المعتمر، وغيره من أصحاب إبراهيم النخعي، وإبراهيمُ أخذه عن التابعين الذين سميناهم فيما مضى من أهل العراق، وأخذ العلم أيضًا عن جماعة من المكيين والمدنيين واليمانيين والبصريين، مع من أدرك من التابعين، إلا أن ميله إلى قول أصحابه أكثر.
1278 - وأما أبو حنيفة: فإنَّه أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وغيره من أصحاب إبراهيم مع من أدرك من التابعين، ويقال: إنه لقي من الصحابة عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيدي، وأنس بن مالك، وكان له رأي ولسان في الجدل.
1279 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر ابن إسحاق يقول: سمعت الحسن بن علي بن زياد يقول: سمعت أحمد ابن أبي سُريج يقول: سمعت الشافعي يقول: قلت لمالك بن أنس: رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيته، لو تكلم في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته (1).--------------------------------------------
(1) ذكر المصنف هذا القول كالدليل على قوله: كان لأبي حنيفة رأي ولسان في الجدل، ولو قال: له رأي ولسان في إقامة الحجة والبرهان: لكان زيادة في الإنصاف، وهكذا كل من روى هذه الكلمة ذكرها في سياق مدح مالك لأبي حنيفة رضي الله عنهما، ومع ذلك تجد تفسيرها المنكر عند ابن أبي حاتم ص 212 من "آداب الشافعي" فانظره مع التعليق عليه.
وسبق أن روى المصنف (75) نحو هذا القول لهارون بن سعيد الأيلي في الإمام =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 592)
1280 - وأما الشافعي: فإنَّه أخذ العلم من أهل الحجاز: عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وحاتم بن إسماعيل المدني، وأنس بن عياض الليثي، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، وعم أبيه محمد بن علي بن شافع، وغيرهم، وهم أخذوه عمن أدرك منهم من أدرك من التابعين، ثمَّ عمن أدركوا من أدرك من فقهاء التابعين الذين سميناهم فيما مضى ومن لم نسمّ.
1281 - وسفيان بن عيينة من بينهم: أخذ علم فقهاء المكيين عن عمرو بن دينار، وعبد الله ابن أبي نَجيح، وعبد الله بن طاوس، وابن جريج، وغيرهم. وعلم المدنيين عن ابن شهاب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهما. وعلم العراقيين عن أبي إسحاق، وإسماعيل بن أبي خالد، ومنصور بن المعتمر، والأعمش، وأيوب السختياني، وغيرهم، وأخذه الشافعي عنه عن جماعتهم.
1282 - وأخذ الشافعي عن مسلم بن خالد الزَّنْجي، وعبد المجيد بن عبد العزير بن أبي رَوّاد، وعبد الله بن الحارث المخزومي، مما انتهى إلى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، من علم عطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم من فقهاء المكيين، ثمَّ مما انتهى إليه من علم المدنيين.
1283 - وأخذ عن فضيل بن عياض: مما انتهى إليه من علم منصور--------------------------------------------
= الشافعي، في سياق المدح أيضًا، فانظره مع التعليق عليه أيضًا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 593)
ابن المعتمر، وغيره من الكوفيين.
1284 - وعن سعيد بن سالم القداح: مما انتهى إليه من علم ابن جريج، وغيره من الحجازيين.
1285 - ثمَّ من علم سفيان بن سعيد الثوري، وغيره من الكوفيين.
1286 - وأخذ من أهل الشام: عن عمر وابن أبي سلمة التنِّيسي، ويحيى بن حسان، وغيرهما، مما انتهى إليهم من علم الأوزاعي، والليث ابن سعد، وكان يتأسف على ما فاته من رؤية الليث.
1287 - وأخذ من أهل اليمن: عن هشام بن يوسف الصنعاني، وغيره مما انتهى إليهم من علم معمرِ بن راشد صاحبِ الزهري، ويحيى بن أبي كثير اليَمَامي، وغيره.
1288 - وأخذ من أهل البصرة: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وغيرهما مما انتهى إليهم من علم أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وخالد بن مِهران الحذَّاء، وغيرهم من أصحاب الحسن، وابن سيرين، وأبي قلابة، وغيرهم من فقهاء البصرة، مع من أدركا من التابعين، ثمَّ عن أصحاب عبد الله بن عون، وهشام بن حسان صاحبي الحسن، وغيره من البصريين.
1289 - ثمَّ عن عمرو بن الهيثم أبي قَطَن، وغيره من أصحاب شعبة ابن الحجاج، ثمَّ عن أصحاب سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وهشيم بن بَشير الواسطي، وغيرهم من العراقيين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 594)
1290 - وأخذ من أهل الكوفة: عن مروان بن معاوية الفزاري، ووكيع بن الجراح، وغيرهما من أصحاب إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وسفيان الثوري، وغيرهم.
1291 - وأخذ عن جماعة من أهل الحجاز والعراق: عن هشام بن عروة بن الزبير، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله (1) بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وأخذ عن عبد الله بن المبارك الخراساني، ثمَّ عن داود بن عبد الرحمن العطار، عنه.
1292 - ثمَّ أخذ عن أصحاب عبيد الله بن عمرو الرقي من أهل الجزيرة، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني، من مذهبه ومذهب صاحبه ما احتاج إليه، حتى وقف عليه وعلى ما احتجا به، ثمَّ ناظره فيما كان يَرَى خلافه فيه وكان يقول: ما كلمتُ أسودَ الرأس أعقلَ من محمد بن الحسن (2).--------------------------------------------
(1) في ب: عُبيد الله، وهو تحريف، فقد كانت وفاة عبيد الله قبل ولادة الشافعي.
(2) قال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" 2: 151: "وفي تاريخ" عبد الله بن أحمد بن جعفر السرخسي أبي محمد الفقيه: أخبرني محمد بن حامد، حدثنا عبد الله ابن أحمد، سمعت الربيع، سمعت الشافعي يقول: "لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله، ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه".
وكان محمد بن الحسن في نظر الشافعي رضي الله عنهما جامعًا لمحاسن من قبله من أهل العلم وأئمة ذاك العصر الذهبي، كما يدل على هذا قوله لما طلب منه إعارة =
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 595)
وكان محمد بن الحسن يعظِّمه ويبجِّله، ورجع إلى قوله في مسائل معدودة.
1293 - وكان مَن مضى من علماء أهل المدينة لا يعرفون مذاهب أهل الكوفة، وكان أهل الكوفة يعرفون مذاهب أهل المدينة، فكانوا إذا التقوا، وتكلموا، ربما انقطع المدني، فكتب الشافعي مذاهبهم، ودلائلهم، ثمَّ لم يخالفهم إلا فيما قويتْ حجته عنده، وضعفتْ حجة الكوفيين فيه.
وكان يكلم محمد بن الحسن وغيره على سبيل النَّصَفة (1).
وكان يقول: ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة، وكان يقول: ما ناظرت أحدًا قط، فأحببت أن يخطئ، وكان يقول: ما كلمت أحدًا قطُّ، إلا ولم أبالِ بيّن الله الحقَّ على لساني أو لسانه.--------------------------------------------
= كتابه "السِّيَر"، أو غيره، فتأخر عليه محمد بن الحسن، فكتب إليه الشافعي أبياتًا أولها:
قل للذي لم ترَ عَيْـ … ـنُ من رآه مثلهُ
ومن كأنّ من رآه … قد رأى مَن قبلهُ
هذا معنى "رأى من قبله" للعموم، لا كما كُتب تعليقًا على "الآداب الشرعية" 2: 161. والله أعلم.
والقصة في "مناقب الشافعي" للبيهقي 2: 86، و"الجواهر المضية" للقرشي 3: 125.
(1) وهذا لسانُ حال كل عالم وواقعُه، وانظر قبل أسطر قوله عن الإمام محمد: رجع إلى قول الشافعي في مسائل معدودة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 596)
1294 - وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل يحكي عن أبيه قال (1): قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح فأَعلِموني إنْ شاء يكون كوفيًا، أو بصريًا، أو شاميًا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا.
1295 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العدل، أخبرنا عمر بن الربيع بن سليمان، بمصر، حدثنا الحضرمي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، فذكره.
قال أحمد: ولهذا (2) كثُر أخذه بالحديث، وهو أنَّه جمع علم أهل الحجاز والشام واليمن والعراق، وأخذ بجميع ما صح عنده من غير محاباة منه، ولا ميل إلى ما استجلاه من مذهب أهل بلده، مهما بان له الحق في غيره.
وفيمن كان قبله مَنِ اقتصر على ما عَهِد من مذاهب أهل بلده، ولم يجتهد في معرفة صحة ما خالفه (3)، والله يغفر لنا ولهم، ويرحمنا وإياهم، فكلٌّ منهم بحمد الله ومنِّه رجع في أكثر ما قال، ومعظم ما رسم إلى وثيقة أكيدة، ممن يُقتدى به في الدين، وفقنا الله تعالى للاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، وجمع بيننا وبينهم في جنات النعيم بفضله وسعة رحمته، إنه غفور رحيم.--------------------------------------------
(1) في "العلل ومعرفة الرجال" (1055).
(2) على حاشية ب من نسخة م: ولذلك.
(3) في هذا الكلام غمز لكل مجتهد سوى الشافعي! فليجتنب.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 597)
1296 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن زياد العدل يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: ما أحدٌ أورعَ لخالقه من الفقهاء.
1297 - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت الحسين بن على بن يزدانيار يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إن لم يكن الفقهاء أولياءَ الله في الآخرة، فما لله وليّ.
1298 - ورواه أحمد بن يحيى بن زُكير المصري، عن الربيع، عن الشافعي: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياءَ الله، فما لله وليّ (1).
* * * * *--------------------------------------------
(1) على حاشية الأصل ب:
بلغ العرض بالأصل من أوله، ولله الحمد.
بلغ سماعًا وعرضًا في الثالث والأربعين، ولله الحمد.
بلغ قراءة في الرابع والثلاثين بالظاهرية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 598)
باب من له الفتوى والحكم
1299 - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي قال (1): ليس للحاكم أن يولِّي الحكم أحدًا، ولا لمُوَلَّى الحكمِ أن يقبله، ولا للوالي أن يولي أحدًا، ولا ينبغي للمفتي أن يفتي حتى يجمع أن يكون: عالمًا، علم الكتاب، وعلمُه: ناسخُه ومنسوخُه، وخاصُّه وعامُّه، وفرضُه وأدبه، وعالمًا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل أهل العلم قديمًا وحديثًا، وعالمًا بلسان العرب، عاقلًا يميز بين المشتبه ويعقل القياس، فإن عدم واحدةً من هذه الخصال، لم يحلَّ له أن يقول قياسًا.
1300 - وكذلك لو كان عالمًا بالأصول، غيرَ عاقل للقياس الذي هو الفرع، لم يَجُز أن يقال لرجل: قِسْ، وهو لا يعقل القياس، وإن كان عاقلًا للقياس، وهو مضيع لعلم الأصول أو شيء منها، لم يجز أن يقال له: قِس على ما لا تعلم.
1301 - واعتبر في كتاب الشهادات أن يكون القاضي مع هذا عدلًا.
1302 - واعتبر في القديم مع هذا أن يكون عاقلًا، كيف يأخذ--------------------------------------------
(1) في "الأم" 7: 317.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 599)
الأحاديث، مصحِّحًا لأخذها لا يردّ منها ثابتًا، ولا يُثبت ضعيفًا.
1303 - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يَقبض العلماء فيُقْبَض العلم، حتى إذا لم يترك عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا".
أخرجاه في "الصحيح" من أوجه عن هشام، ورواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة (1).
1304 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (2)، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو ابن أبي نَعِيمة - رضيع عبد الملك بن مروان، وكان امرأ صدقٍ - عن مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ بيتًا في جهنم، ومن أُفتيَ بغير علم كان إثمه--------------------------------------------
(1) البخاري (100)، ومسلم 4: 2058 (13) وما بعده.
(2) في "المستدرك" (350)، وهو في "سنن" أبي داود (3649)، و"شرح المشكل" 1: 365 (410)، وكلمة "كان امرأ صدقٍ" في رواية الحاكم فقط، وهي من كلام بكر بن عمرو، وهو من العلم والرواية، كما أن عمرًا مذكور في "ثقات" ابن حبَّان 7: 229.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 600)
على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرُّشْد في غيره فقد خانه".
وكذلك رواه سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو (1).
1305 - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الدينوري محمد بن عبد الله بن مهران، حدثنا سعيد - يعني: ابن منصور -، عن خلف بن خليفة، حدثنا أبو هاشم قال: لولا حديث ابن بريدة، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقلنا إن القاضي إذا اجتهد فلا شيء عليه، ولكن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم (2) يقضِ به، فَجَار في الحكم، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى للناس على جهل، فهو في النار" (3).
1306 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن أحمد بن--------------------------------------------
(1) رواه أحمد 2: 321، وأبو داود (3649)، وابن ماجه (53)، والطحاوي في "شرح المشكل" (410، 411)، والبخاري في "الأدب المفرد" (259)، وينظر: "مصنف" ابن أبي شيبة (26773)، وهناك تمام تخريجه.
(2) في ب: فلم.
(3) رواه أبو داود (3573)، والترمذي (1322 م)، والنسائي (5922)، وابن ماجه (2315).
هذا، وعلى حاشية أ: بلغ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 601)
بالويه، أخبرنا (1) محمد بن غالب، حدثنا عمرو بن مرزوق، وأبو عمر الحوضي واللفظ لعمرو قالا: حدثنا (2) شعبة، عن أبي حَصين قال: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: إن عليًا رضي الله عنه أتى على قاصٍّ يقصُّ فقال: أتعرفُ الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال علي رضي الله عنه: هلكتَ وأهلكتَ.
1307 - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، أخبرنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا سلمة بن نُبيط، عن الضحاك.
ح، وأخبرنا أبو الطيب أحمد بن علي بن محمد الطالبي الجعفري بالكوفة، أخبرنا أبو أحمد عبيد الله بن موسى ابن أبي قتيبة، حدثنا أحمد بن موسى التميمي أبو جعفر، حدثنا أبو نعيم، عن سلمة بن نُبيط الأشجعي، حدثنا الضحاك بن مزاحم قال: مرَّ ابن عباس بقاصّ، فضربه برجله، وقال: يا قاصُّ، هل تعلم الناسخ من المنسوخ؟ قال: وما الناسخ من المنسوخ؟ قال: أَوَلا تعرف؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكتَ.
لفظ حديث جعفر.
1308 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب،--------------------------------------------
(1) على حاشية ب من نسخة م: حدثنا.
(2) على حاشية ب من نسخة م: أخبرنا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 602)
حدثني سفيان، عن أبي سنان الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّه كان يقول: من أفتى بفتيا، وهو يُعَمِّي فيها كان إثمها عليه.
1309 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا (1) أبو جعفر محمد بن مهران الجمّال (2)، أخبرني علي بن شقيق، عن ابن المبارك قال: قيل له: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي.
1310 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا سعيد محمد بن شاذان يقول: سمعت أبا قدامة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: احفظْ: لا يجوز أن يكون الرجل إمامًا حَتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم (3).
1311 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (4): ومن تكلَّف ما جهل، وما لم يُثْبِته معرفةً، كانت--------------------------------------------
(1) على حاشية ب من نسخة م: أخبرنا.
(2) على حاشية ب: "قال شيخنا: هو الجمّال، بالجيم، جليل، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما".
(3) هذه أركان العلم والعالم، وانظر موقع قوله رضي الله عنه: حتى لا يحتج بكل شيء، أي: ولو كان صحيحًا، حتى ينظر في أدلة المسألة كلها، وهذا القيد واضح من موقع هذه الجملة بعد التي قبلها.
(4) في "الرسالة" (178).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 603)
موافقته للصواب إنْ وافقه من حيثُ لا يعرفه غيرَ محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذور، إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه.
1312 - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد ابن عبيد الصفار، حدثنا (1) الحسن بن علي بن المتوكل، حدثنا سُريج، حدثنا سهيل ابن أبي حزم، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" (2).
1313 - أخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو منصور النضرويي، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور (3)، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثنا إبراهيم التيمي قال: خلا عمرُ بن الخطّاب ذات يوم فجعل يحدث نفسه فأرسل إلى ابن عباس، فقال: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيُّها واحد، وقبلتُها واحدة؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، إنا أُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيمَ نزل، وإنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يعرفون فيمَ نزل، ويكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا، فزبره عمر--------------------------------------------
(1) من هنا بدأ سقط آخر في الأصل ب إلى أثناء الخبر (1322).
(2) رواه أبو داود (3644)، والترمذي (2952) وضعفه بسهيل، والنسائي (8086).
(3) في قسم التفسير من "سننه" 1: 176 (42).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 604)
وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثمَّ دعاه بعدُ فعرف الذي قال ثمَّ قال: إيهًا أَعِد عليَّ.
هذا منقطع، وفيه وفي الحديث المرفوع قبله إنْ ثَبَتا كالدلالة على منع أرباب العقول من الكلام في العلم من غير معرفة منهم بأصول العلم وفروعه. وبالله التوفيق. (1).
* * * * *--------------------------------------------
(1) على حاشية الأصل أ: بلغ.
وعلى الجهة المقابلة: بلغ ابن السراج قراءة في السادس على الشيخين بالرواحية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 605)
باب إبطال الاستحسان
1314 - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي رحمه الله (1): حُكْم الله جل ثناؤه، ثمَّ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ حكم المسلمين: دليل على أنَّه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا، أن يحكم ولا أن يفتي، إلا من جهةِ خبرِ لازمٍ، وذلك الكتابُ ثمَّ السنةُ، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياسٌ على بعض هؤلاء، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان، وذَكَر فيما احتج به قولَ الله عز وجل: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]، فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أن السُّدَى: الذي لا يُؤمر ولا يُنهى، ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به، فقد أجاز لنفسه أن يكون في معاني السُّدَى، وقد أعلمه الله عز وجل أنَّه لم يتركه سُدى، ورأى أن قال: أقول ما شئت.
ولو جاز تعطيل القياس، جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان (2).
1315 - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا--------------------------------------------
(1) في "الأم" 7: 313.
(2) هذه الفقرة من "الرسالة" (1458).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 606)
عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {سُدًى} قال: هَمَلًا (1).
1316 - وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السقا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بُطَّة، حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا الأصبهاني، حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] قال: لا يؤمر، ولا ينهى.
واحتج الشافعي (2) أيضًا بما:
1317 - أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، من أولاد النعمان بن بشير الأنصاري، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا شعبة، عن أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمر وابن أخي المغيرة بن شعبة، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عَرَض القضاء؟ " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله تعالى قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: قلت: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " قال: قلت: أجتهد رأيي لا آلو قال: فضرب صدري بيده وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لما يُرضي--------------------------------------------
(1) "صحيفة علي بن أبي طلحة" 509 (1345).
(2) في "الأم" 7: 315.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 607)