عدد شيوخ البخاري في الجامع الصحيح وطبقاتهم: ذكر صاحب كشف الظنون أن عدد مشايخ البخاري الذين خرج عنهم في الجامع الصحيح مائتان وتسعة وثمانون، وعدد الذين تفرد بالرواية عنهم دون مسلم مائة وأربعة وثلاثون.
وذكر الحافظ في مقدمة الفتح أن مشايخه منحصرون في خمس طبقات:
الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري حدثه عن حميد، ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبى عبيد، ومثل أبى عاصم النبيل حدثه عن يزيد بن أبى عبيد أيضاً، ومثل عبيد الله بن موسى حدثه عن إسماعيل بن أبى خالد، ومثل أبى نعيم حدثه عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحي حدثه عن عيسى بن طهمان، ومثل على بن عياش وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين.
الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين، كآدم بن أبى إياس، وأبى مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن أبى مريم، وأيوب بن سليمان بن بلال وأمثالهم.
الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلى بن المديني ويحي بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبى بكر وعثمان بن أبى شيبة وأمثال هؤلاء، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم.
الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا كمحمد بن يحي الذهلي وأبى حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة وعبد بن حميد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وأحمد بن النضر وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه أو ما أيجده عند غيرهم.
الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد سمع منهم للفائدة، كعبد الله بن حماد الآملي وعبد الله بن أبى العاص الخوارزمي وحسين ابن محمد القباني وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة وعمل في الرواية عنهم بما روى عثمان بن أبى شيبة عن وكيع قال: "لا يكون الرجل عالما حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه"، وعن البخاري أنه قال: "لا يكون المحدث كاملا حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه … "
ثناء العلماء على الرواة المخرج لهم ؤ صحيح البخاري، وانتقاد بعض الحفاظ بعضهم والجواب على ذلك: تقدم في كلام الشوكاني على صحة حديث "من عادى لي وليا " قوله: فكل رواته قد جاوزوا القنطرة وارتفع عنهم القيل والقال وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام أو يتناولهم طعن طاعن أو توهين موهن.
وقال الحافظ في مقدمة الفتح: وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي
يقول في الرجل الذي خرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
وقال الحافظ في شرح نخبة الفكر: ورواتهما- يعنى الصحيحين- قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم وهذا أصل لا يخرج عند إلا بدليل انتهى.
وقد كان من دأب العلماء أحيانا عند إرادة التعريف ببعض الرواة: الاكتفاء بالقول: بأنه من رجال الصحيحين أو أحدهما.
هذا وقد انتقد بعض الحفاظ نحو الثمانين من رجال صحيح البخاري كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند ذكر وجوه ترجيح صحيح البخاري على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
صحيح مسلم، وقد عقد الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح فصلا ذكرهم فيه واحدا واحدا، وأجاب عما وجه إليهم من انتقادات، وقال في معرض تعداد الفصول العشرة التي اشتملت عليها المقدمة:- التاسع- في سياق أسماء جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف، والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعضهم ممن يقوى جانب القدح فيه إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه، وإما لغير ذلك من الأسباب، وقال في مطلع الفصل المشار إليه: وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل تعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي أو في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، ثم إنه ذكر الأسباب الخمسة التي عليها مدار الجرح وهي البدعة والمخالفة والغلط وجهالة الحال ودعوى الانقطاع في السند، وتكلم على كل منها بالنسبة لرجال الصحيح إجمالا ثم نبه على أمور قدح بها بعض العلماء وهي غير قادحة.
وقال الخطيب البغدادي - كما في قواعد التحديث للقاسمي: ما احتج البخاري ومسلم به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
وقال الحافظ الذهبي في جزء جمعه في الثقات الذين تكلم فيهم بما لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
يوجب ردهم ما نصه: وقد كتبت في مصنفي الميزان عددا كثيرا من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم وغير هما بهم، لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك، وما زال يمر بي الرجل الثبت وفيه مقال من لا يعبأ به إلى آخر كلامه رحمه الله.
انتقاد بعض الحفاظ بعض الأحاديث في صحيح البخاري والجواب عن ذلك: ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح أن الدارقطني وغيره من الحفاظ انتقدوا على الصحيحين مائتين وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين حديثا وانفرد البخاري عن مسلم بثمانية وسبعين حديثا وانفرد مسلم عن البخاري بمائة حديث، وقد عقد فصلا خاصا للكلام على الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أورد فيه الأحاديث على ترتيب الصحيح وأجاب عن الانتقادات فيها تفصيلا، وقد أجاب عنها في أول الفصل إجمالا حيث قال: والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري ثم مسلم على أهل عصر هما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، ثم ذكر بعض ما يؤيد ذلك. ثم قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عند هما فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غير هما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:
الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.
الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.
الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها.
الرابع: ما تفرد به الرواة ممن ضعف من الرواة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله.
السادس: ما اختلف فيه بتعيين بعض ألفاظ المتن.
وفي ضمن ذكره لهذه الأقسام ذكر الجواب عن ذلك في الجملة وأشار إلى بعض الأحاديث المنتقدة التي فصل القول فيها بما يوضح الجواب الإجمالي. ثم قال: فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح وقد حررتها وحققتها وقسمتها وفصلتها، لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر. وقال في نهاية الفصل: هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد المطلعون على خفايا الطرق- إلى أن قال: فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه وجل تصنيفه في عينه وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.
عناية العلماء بصحيح البخاري: وقصارى القول: أن صحيح البخاري أول مصنف في الصحيح المجرد وهو أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز، ورجاله مقدمون في الرتبة على غيرهم وأحاديثه على كثرتها أينتقد الجهابذة المبرزون في هذا الفن منها إلا القليل مع عدم سلامة هذا النقد، ومع هذا كله جمع فيه مؤلفه رحمه الله بين الرواية والدراية، وهذه الميزات وغيرها هي السر في إقبال العلماء عليه واشتغالهم فيه وعنايتهم التامة به، فلقد بذل العلماء قديما وحديثاً فيه الجهود العظيمة، وصرفوا في خدمته الأوقات الثمينة، وأولوه ما هو جدير به من اهتمامهم، فكم شارح لجميع ما بين دفتيه بسطا واختصارا، ومقتصر على إيضاح بعض جوانبه، فألفوا في رجاله عموما وفي شيوخه خصوصا، وصنفوا في شرح تراجم أبوابه وغير ذلك من الجوانب التي أفردت بالتأليف.
وكان على رأس المبرزين في هذا الميدان الحافظ الكبير أحمد بن حجر العسقلاني المتوفي سنة 852 هـ، فقد أودع في كتابه العظيم فتح الباري بشرح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
صحيح البخاري مع مقدمته ما في العجب، فكما أن مؤلفه رحمه الله أحسن في انتقائه وجمعه غاية الإحسان فقد أحسن الحافظ ابن حجر في خدمته والعناية به تمام الإحسان، وإن نسبته إلى غيره من الشروح كنسبة صحيح البخاري إلى غيره من المصنفات، فرحم الله الجميع برحمته الواسعة وجزاهم خير الجزاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الحديث الأول
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه: (باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) .
حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
المبحث الأول، التخريج:
هذا الحديث رواه البخاري بتمامه نص ثلاثة مواضع هذا أحدها والثاني في كتاب فرض الخمس حيث قال: حدثنا حبان ابن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله المعطى وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون"، والثالث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبى سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله".
ورواه مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال نا الأول:
حدثنا أبو بكر بن أبى شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقى عن عبد الله بن عامر اليحصبى قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
سمعت معاوية يقول إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهويقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذى يأكل ولا يشبع". وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبى سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطى الله".
ورواه في كتاب الإمارة دون الجملة الوسطى فقال: حدثني اسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر وهو ابن برقان حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبى سفيان ذكر حديثا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على منبره حديثا غيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولاتزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة".
وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة.
وقال الترمذي في جامعه: باب إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين، حدثنا على بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح انتهى.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنه، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبى هريرة رضي الله عنه بمثل الجملة الأولى عند
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
الشيخين والترمذى، ورواه أيضاً من خديث معاوية رضي الله عنه ولفظه: "الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة (وهو محمد بن الحسن) قال حدثنا حرملة بن يحي قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبى سفيان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
ورواه البخاري تعليقا في باب: العلم قبل القول والعمل من كتاب العلم فقال: وقال صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيراً يفقهه وإنما العلم بالتعلم". قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر وفي رواية المستملى يفهمه، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبى عاصم في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعا وإسناده حسن، والفقه هو الفهم قال الله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال وقوله "وإنما العلم بالتعلم" هو حديث مرفوع أيضا أورده ابن أبى عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضاً بلفظ: "يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه"، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، إسناده حسن إلا أن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفا. ورواه أبونعيم الأصبهاني مرفوعا، وفي الباب عن أبى الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم، انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عمر بن الخطاب أن رسوله الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهوضعيف: وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيرا يفقهه فأ الدين"، رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح، وعن عبد الله يعنى ابن مسعود رضي الله عنه قال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده"، رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون انتهى.
وأورد الحافظ المنذرى في كتابه الترغيب والترهيب حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبويعلى وزاد فيه: ومن لم يفقهه لم يبال به، وروى حديث معاوية رضي الله عنه أبو نعيم في الحلية في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية رجاء بن حيوة عنه، وفي ترجمة محمد بن المبارك من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة على بن عبد الحميد من رواية عبد الله ابن عامر عنه، ورواه بلفظ: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد عنه به أبو بكر بن عياش.
وقال أبو عمر بين عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: باب قوله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: "من يرد الله به خيراً يفقهه". ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: "من يرد الله أن يهديه يفقهه"، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري في سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"، وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضاً حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحي القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية ابن أبى سفيان يخطب بالمدينة يقول: "أيها الناس إنه لا مانع لما أعطي الله، ولا معطى لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
سمعت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد. وأخبرنا عبد الرحمن بن يحي قال حدتنا على بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدتنا محمد1 بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في كتاب العلم من صحيحه. وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في كتاب الإمارة ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين" انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرطبي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر.
خلاصة التخريج: والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري رحمه الله وهي قول صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" رواها الشيخان وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وابن أبى عاصم والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم الأصبهاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو داود الطيالسي من حديث معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه، ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنه ورواها ابن ماجه والطبراني في الصغير وأبو عمر بن عبد البر من حديث أبى هريرة رضي الله عنه، ورواها ابن أبى عاصم والطبراني في الأوسط وأبو عمر بن عبد البر من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ورواها البزار والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 كذا ولعله حميد بن عبد الرحمن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
من فوائد هذا التخريج:
1- الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة.
2- الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالأخبار والأنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها دعوى الانقطاع في السند بأن يدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده- أي البخاري- بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلاّ فلا..
وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري وقد صرح بالأخبار عند مسلم والأنباء عند ابن حبان كما رأيت فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها.
3- معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية رضي الله عنه وأنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم وأوضحته رواية ابن عبد البر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
المبحث الثاني، التعريف برجال الإسناد بإيجاز:
الأول: أول رجال الإسناد سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد ابن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم أبو عثمان المصري وقد ينسب إلى جده كما في إسناد هذا الحديث: روى عن الليث ومالك وابن وهب وغيرهم، وروى عنه البخاري في الصحيح والأدب المفرد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وخرج حديثه مسلم وأبو داود في القدر والنسائي، قال الحافظ في التقريب: صدوق عالم في الأنساب وغيرها، وقال: وقد رد ابن عدى على السعدي في تضعيفه وقال في تهذيب التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات وقال إبراهيم ابن الجنيد وابن معين: ثقة لا بأس به، وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح وابن أبى مريم أحب إلي منه. وقال الحاكم يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال في خلاصة تهذيب الكمال: قال ابن عدى صدوق ثقة، وقال الحافظ في هدى الساري: ونقل عن الدولابي عن السعدي قال: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع وكان مخلطا غير ثقة ثم تعقب ذلك ابن عدى فقال: هذا الذي قاله السعدي لا معنى له ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة ولم ينسب إلى بدع ولا كذب ولم أجد له بعد استقصائي على حديثه شيئا ينكر عليه سوى حديثين رواهما عن مالك فذكر هما وقال: لعل البلاء فيهما من ابنه عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث، ثم قال الحافظ: قلت: لم يكثر عنه البخاري وروى له مسلم والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب ولد سنة 146 وتوفي سنة 226 هـ.
الثاني: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد قاله الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، روى عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح والليث بن سعد ويونس بن يزيد وغيرهم وروى عنه شيخه الليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدى وعلي بن المديني وحرملة بن يحي وغيرهم، قال فيه الإمام أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح، وقالت: ما أصح حديثه وأثبته، وقال أحمد بن صالح حدث ابن وهب بمائة ألف حديث، وقال ابن أبى خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقالت ابن أبى حاتم عن أبى زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفا من حديت ابن وهب بمصر وغير مصر لا أعلم إني رأيت له حديثا لا أول له وهو ثقة، وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم ثقة فيما قال حدثنا، وكان يدلس، وقال العجلي: مصري ثقة صاحب سنة رجل صالح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
صاحب آثار، وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب. فقيه مصر، قال وما كتبها مالك إلى غيره، ذكر ذلك وغيره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال: وقال ابن يونس: حدثني أبى عن جدي قال سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة 125 وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة، وكانت وفاته سنة 197 رحمه الله وقد خرج حديثه الجماعة.
الثالث: يونس بن يزيد بن أبى النجاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام أبو يزيد مولى معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا وفي غير الزهري خطأ قاله الحافظ في تقريب التهذيب، روى عن الزهري ونافع مولى ابن عمر وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه الليث والأوزاعي وابن المبارك وابن وهب وغيرهم كما في تهذيب التهذيب، وقال الحافظ في هدى الساري: قلت: وثقه الجمهور مطلقا وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه أو يحدث من حفظه فإذا حدث من كتابه فهو حجة، قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك وابن عيينة ومعمر وزياد بن سعد ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقا وابن معين والعجلي والنسائي ويعقوب بن شيبة والجمهور، واحتج به الجماعة، وقال في التقريب: مات سنة تسع وخسين أي بعد المائة على الصحيح، وقيل سنة ستين.
الرابع: ابن شهاب الزهري وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه قاله الحافظ في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب: الفقيه أبو بكر الحافظ المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام انتهى.
وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وأبو الطفيل ومحمود بن الربيع، وروى عن الفقهاء السبعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
وغيرهم، وروى عنه عطاء بن أبى رباح وأبو الزبير المكي والأوزاعي وابن جريج ويونس بن يزيد والليث بن سعد وهشيم وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال البخاري عن على بن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال ابن سعد: قالوا وكان الزهري ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا، وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وذكر من بينها الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم قن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وقيل ثلاث وعشرين وقيل خمس وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة والله أعلم انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة رحمه الله.
وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز رحمه الله لهذا يطلقون عليه رحمه الله أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته:
أول جامع الحديث والأثر … ابن شهاب آمر له عمر
الخامس: حميد بن عبد الرحمن وهو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وخاله عثمان وطائفة وعنه ابنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
عبد الرحمن وابن أخيه سعد والزهري وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين قاله الخزرجى في خلاصة التذهيب، وقال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية، وقال في تهذيب التهذيب. إن كنيته أبو إبراهيم ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو عثمان وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة وقال: توفي سنة 95 وهو ابن ثلاث وسبعين سنة انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة.
السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال الحافظ في التقريب: معاوية بن أبى سفيان صخر بن حرب ابن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين انتهى. وقال في تهذيب التهذيب: أسلم يوم الفتح وقيل قبل ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبى بكر وعمر وأخته أم حبيبة وعنه جرير بن عبد الله البجلي والسأئب بن يزيد الكندي وابن عباس وسعيد بن المسيب وقيس بن أبى حازم وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وأناس آخرون ذكرهم في تهذيب التهذيب ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد فأقره عثمان مدة خلافته ثم ولى الخلافة، قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة وخليفة عشرين سنة انتهى. وقال في الخلاصة: له مائة وثلاثون حديثا اتفقا- البخاري ومسلم- على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد: ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحى الله وأحد خلفاء المسلمين رضي الله عنهم وقال شارح الطحاوية وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه وهو خير ملوك المسلمين انتهى. وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه شيء من الخلاف وكل منهما قد اجتهد والمجتهد المصيب له أجران والمجتهد المخطىء له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصا وعما جرى بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عموما إلا بالكلام في الخير كما قال صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
العقيدة الواسطية: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم الله به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ، وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مذ أحدهم ولا نصيفه". وقال شارح الطحاوية: فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، وقال أيضا بعد الإشارة إلى ما جرى بين علي ومعاوية رضي الله عنهما واعتذاره عنهما قال: ونقول في الجميع بالحسنى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} والفتن التي كانت في أيامه- أي أمير المؤمنين على رضي الله عنه قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنع وكرمه انتهى. ويقول الطحاوي رحمه الله في عقيدته: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. وقال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان على من على ورحم الله معاوية، وقال: قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا على بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبى عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فادخلا بيتا واجيب الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج غلى وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول ت غفر لي ورب الكعبة.
وروى ابن عساكر عن أبى زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له ولمن قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم فايش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما. وسئل الإمام أحمد عما جرى بين على ومعاوية فقرأ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي سئل الحسن عما جرى بين على وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة فابتلى هذا وعوفي هذا، وسئل عما جرى بين على ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعا، وقال أيضاً: وقال محمد بن يحي بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع الله لمن حمده فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز: وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافي بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فغضب وقال للسائل أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحى الله: وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، "فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه"، وقال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل يا أيا الحسن: "إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام"، وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجتريء عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء، وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: "ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية فإنه ضربه أسواطا".. إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)