الفكرة لصحائف الأديان. . . .)(1).
بل جعل اسم اللَّه وجعل المسمى جل جلاله فكرة من اختراع الإنسان فقال: (فلنبدأ بلفظ "اللَّه"، الذي اختلفت فيه لغات العالم مما جعل البعض يردد أنه لو كان اللَّه موجودًا لأطلق على نفسه لقبًا واحدًا تشترك في نطقه كل لغات العالم بلهجاتها المختلفة، ولكن لفظ اللَّه يختلف من لغة إلى لغة أخرى، ويدللون بهذا على أن اللَّه كجوهر أيضًا صيغة بشرية من اختراع الإنسان اللفظ والجوهر معًا. . . .)(2).
هذا الإنكار الصريح لوجود اللَّه والإلحاد الواضح جعل هذا المتردي يجول في روايته الهابطة يبحث عن إله، فمرة يؤله العلم التجريبي(3)، ومرة يؤله القوانين العلمية(4)، ومرة يؤله العقل(5)، ومرة يؤله الإنسان(6).
قال اللَّه تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)}(7).
فهؤلاء الذين يكفرون باللَّه تعالى، ويتخذون من دونه آلهة يبتغون عندها العزة والإرتقاء والمكانة، ويؤلهون المخلوقات التي كانت بعد أن لم تكن ووجدت بعد العدم، ويعبدونها ويسخرون كلامهم وجهدهم الفكري والعملي في مدحها والتضرع إليها واستجدائها ما لا تملكه ولا تستطيعه، كل ذلك سيذهب وينتهي ويكون هباءً، وسيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا، ولذلك قال اللَّه بعد ذلك: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى--------------------------------------------
(1) مسافة في عقل رجل: ص 129.
(2) المصدر السابق: ص 147.
(3) انظر: المصدر السابق: ص 165، 211، 217، 228.
(4) انظر: المصدر السابق: ص 194.
(5) انظر: المصدر السابق: ص 211، 230.
(6) انظر: المصدر السابق: ص 88، 110، 129.
(7) الآيتان 81 - 82 من سورة مريم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥٨)
الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)}(1).
نعم سيتخلى عنهم الإنسان الذي عبدوه، والعقل الذي ألهموه، والعلم الذي جعلوه ربًا، وسوف ينكرون عليهم هذا الانحراف؛ لأن هذه كلها مخلوقة للَّه، عابدة له قسوًا، مؤلهة له، ولذلك ستكون عليهم ضدًا بالتبرؤ منهم والشهادة عليهم.
ولكن الكافر قد أرخى زمامه للشيطان فهو قرينة يقوده إلى مستنقعات الإثم والضلال، ويزين لى الباطل ويؤزه إليه أزًا، ويدفعه في طرق الغواية دفعًا.
وقد يسأل الكافرون أو بعض العجلين من المسلمين متى تكون هذه العداوة والتخلي والإنكار من المعبودات المؤلهة بالباطل؟ والجواب {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)}(2) أي: لا يضيق صدرك بهم وبمكرهم وكيدهم فإنهم ممهلون إلى وعد قريب، وأعمالهم كلها محسوبة معدودة مكتوبة، وبعد ذلك الحساب العسير ونار السعير عياذًا باللَّه من موجبات غضبه وعقابه.
وفي دراسة نقدية لرواية شرق المتوسط لعبد الرحمن المنيف يقول الناقد الحداثي: (. . . إن شرق المتوسط تؤرخ للوجه الكابوسي من العصر الحديث ولقد كان رجب إسماعيل، بمعنى من المعاني، مسيح هذا العصر.
صحيح أنه لم يكن دينًا سماويًا، ولكن كل عظمة مأساته تكمن في أنه كان ابن هذه الأرض: من طين هذه الأرض جبل. . . ولقد قال وأثبت في ظلمات يأسه ومحنته إن الإنسان هو الإله)(3).
ويقول في موضع آخر عن الرواية نفسها مضمنًا بعض كلام المنيف:--------------------------------------------
(1) الآيات 83 - 86 من سورة مريم.
(2) الآية 84 من سورة مريم.
(3) الأدب من الداخل لجورج طرابيشي: ص 78.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥٩)
(حينذاك اكتشف أن الإنسان ليس أقوى من الصخر فحسب بل أن الإنسان هو الإله)(1).
وإذا انتقلنا إلى مجال النقد والتنظير والمقابلات فإننا نجد هذا الانحراف قد اتخذ من هذه الأساليب وسيلة لنشر هذا الضلال.
وقد مر معنا عدة مرات ثناء أحد نقادهم على الوثنية اليونانية وذمه وبغضه للتوحيد، واعتبارًا الوثنية أساسًا للحداثة والتعددية والإبداع والحرية، والتوحيد سببًا للجمود والتخلف(2).
وفى معرض ثناء محمد جمال باروت على طاغوت الحداثة أدونيس يقول: (. . . إن أدونيس يلتمس بذكائه الحاد كسوري وكشاعر وكمفكر وكإنسان يضج بالألوهة، أن الشعر الغربي الحديث في ذرواته العليا هو نوع الانتماء إلى الشرق)(3).
وأحد نقاد الحداثة يتحدث عن موقف بعض شعرائها من المرأة ويعتبر أنها تتحول عنده إلى (. . . هوية طوطمية، سرعان ما تنحل فيها هيئات الإله المعبود وأفعاله، فهي تضفي على المرأة قوى خفية أو سحرية، بحيث تشارك الألوهية في علل بعض الظواهر الطبيعية، كالبرق والريح والزلزال. . . .)(4).
وفي أسئلة موجهة إلى نزار قباني يقول في إجابته على بعض الأسئلة: (. . . إنني على الورق أمتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، والا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر--------------------------------------------
(1) الأدب من الداخل لجورج طرابيشي: ص 67.
(2) انظر: مجلة الناقد - العدد الثامن شباط 1989 م/ 1409 هـ: ص 32 - 34.
(3) الناقد - العدد العاشر- نيسان 1989 م/ 1409 هـ: ص 23 من مقال بعنوان "أوهام الحداثة".
(4) أسئلة الشعر لمنير العكش: ص 25.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٠)
والإعلام، وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى الناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر)(1).
وفي جواب آخر تفوح منه رائحة الإلحاد والسخرية باللَّه العظيم -جلَّ وعلا- يواصل فكره الخبيث وأقواله الضالة قائلًا: (لا أزال أصر على أن السماء لا تعرف أن تكتب شعرًا، وأن الشعر محصور بالإنسان، هو بالإنسان فقط. . . القلب الإنساني قمقم رماه اللَّه على شاطيء هذه الأرض، واعتقد أن اللَّه نفسه لا يعرف محتوى هذا القمم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت)(2).
قال اللَّه تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)}(3).
ويستطرد قباني في تأليه الشعر والشعراء وجعلها عبادة من العبادات فيقول: (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي. . . كل شئ يتحول بالشعر إلى ديانة، حتى الجنس يصير دينًا. . . إنني أنظر دائمًا إلى شعري الجنسي بعينى كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة. . . .)(4).
ونجد مثل هذه المعاني عند أنسي الحاج مما يؤكد أن الملة الحداثية الواحدة تنبثق من أصل واحد وإن اختلفت فروجها، أتواصوا به بل هم قوم طاغون.
ففي مقابلة أجريت مع أنسي الحاج سئل: (ما الذي تقصد إليه عندما تقول إن الشعر تغيير؟).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 178. وانظر: ص 187.
(2) أسئلة الشعر لمير العكش: ص 195.
(3) الآية 14 من سورة الملك.
(4) أسئلة الشعر: ص 196.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦١)
أجاب قائلًا: (أقصد أنه تغيير للحياة لا لأشكال الشعر وتراكيب الكتاب فحسب. . . وعندما سماه الأقدمون لغة الآلهة لم يقصدوا رفعة شأنه الجمالي فحسب، بل قدرته وفعله الحقيقيان الحسيان في الزمن والعالم ولم يتردد هيجل نفسه في تبني تسمية الأقدمين ولكن صوره إذ قال: الشعر هو الفن الإلهي، من أين هذا الإلحاح على ألوهية الشعر؟ أو على شيطانيته كما فعل العرب؟، هل لأنه يرى ويتنبأ ويحدس فقط؟ لا أعتقد أظنه من قدرة له فائقة)(1).
ولطالما ردد هؤلاء هذه النغمة المنحطة التي تبدأ من تأليه الإنسان وتمر بتأليه الشاعر وتنتهي بتأليه الحداثة وأهلها في جو من التقمص البليد لأراء وأفكار الغرب (فقد تحول الإنسان في الفكر الأوربي الحديث: المادي والمثالي إلى إله يخلق ويعبد)(2).
ولما بدأت حركة التغريب والاقتداء بالغرب في بلاد المشرف الإسلامي بدأت معها قضية الانحرافات الاعتقادية والفكرية، وللتدليل على هذا ننقل ما ذكرته مجلة أبولو اللسان الناطقة بلسان أول تجمع أدبي على النمط الأوربي في بلاد العرب، فكان مما قالته: (ليكن مذهبنا الخالد أن الشعر للشعر، وبعد ذلك ليكن الباعث الشعري للشاعر على طبع آثاره هو مجرد حنينه إلى الاندماج في الإنسانية إذا ما استوعبت شعره، كذلك حب الحياة لنفسه الفنية. . . يدعوه إلى إذاعة هذه الآثار لأنه يشعر بوجدانه أنها أغلى شطر من نفسه، بل أكثر من ذلك، فهو يضع نفسه في صف الآلهة بما يخلقه من آثار فنية، ونشرها يعزز ارتياحه إلى أنه روح خالد في الوجود. . . .)(3).--------------------------------------------
(1) قضايا الشعر الحديث: ص 319.
(2) في النقد الحديث دراسة في مذاهب نقدية حديثة وأصولها الفكرية د/ نصرت عبد الرحمن: ص 184 هامش رقم 20.
(3) أبولو - العدد العاشر يونيو 1933 م/ 1351 هـ: ص 1093 - 1094. نقلًا عن قضايا وشهادات 3/ 151.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٢)
وهذا القول ليس إلّا ترجمة لفكرة غربية أوروبية بعيدة كل البعد عن دين المسلمين وثقافتهم وعقيدتهم بل مضادة كل المضادة لذلك، ومن هنا بدأت أفواج الاقتداء بالغرب المادي فكرًا وفلسفة ونظام حياة.
ولم يكن يخطر على بال أحد من المسلمين من قبل أن يعتز بالوثنية، أو يمتدح الجاهلية، أو يسير على خطى اليونان والإغريق في تأليه غير اللَّه وعبادة غيره -جلَّ في عُلَاهُ-.
ولكن هؤلاء دخلوا على المسلمين من باب الأدب والفكر والثقافة وخلبوا عقول الإمّعَات وساعدهم في ذلك جهل كثير من المسلمين بدينهم، وقصور كثير من علماء المسلمين في الأعصر الأخيرة عن مناقشة وفضح خطط وأساليب وطرائق الإلحاد المغلفة بالفلسفة حينًا وبالعلوم التطبيقية حينًا وبالأدب والنقد في أحيان كثيرة.
هذه العقائد الضالة التي طرحتها المجلات والصحف والمجامع الأدبية أصبحت على طول المدى من الأمور المعتادة ومن المواطن المرتادة بلا نكير، بل يأتي النكير على من أنكرها أو عارضها أو ناقشها، ففي قضيتنا التي نتحدث عنها وهي تأليه الشاعر والشعر والحداثة، وهي فرع عن الانحراف الأصلي وهو تأليه غير اللَّه تعالى والإشراك به عز وجل؛ نجد أن من المسلمات الحداثية في شعرهم ونقدهم إطلاق مثل هذا المعنى المنحرف هكذا بدون أي تردد أو تحفظ أو احتياط، وقد ذكرنا أمثلة عديدة لذلك فيما مضى، ومثل قول أحد النقاد الحداثيين: (عندما يرى الشاعر الحديث إلى نفسه ذاتًا إلهية مكتفية بذاتها، يتضاءل العالم، يصير العالم فقيرًا وتصير المعارك الاجتماعية هشة وفي غير ساحتها، فخير للشاعر أن يظل في عليائه، مبتعدًا عن معارك العالم، وضرورات تغييره، فغنى الشاعر الحديث لا يأتي من هذا العالم الفقير، بل من ذات الشاعر نفسه المكتفية بذاتها)(1).--------------------------------------------
(1) قضايا وشهادات 3 شتاء 1991 م/ 1411 هـ: ص 208 من مقال لمحمد دكروب بعنوان محنة الشعر العربي الحديث.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٣)
وتقول ناقدة حداثية متعصبة، مبينة أصل فكرة إلغاء ألوهية اللَّه تعالى وتأليه الإنسان، وأثر ذلك في الحداثة والعلمانية: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهية عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون ويشكل مبدأ القيم والغايات، وعندئذٍ ترسخت الحركة الإنسانوية، توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس، وحلت مشروعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون اسشثناء ودون اعتبار اللون والعرق أو المذهب والدين. . . .)(1).
ثم تضيف بعد كل هذا الإلحاد والكفر والضلال إضافة في غاية المغالطة والجهل والاستخفاف بعقول القراء، فتقول: (والعلمنة لا تعني الإلحاد، إنّما تعني حرية الاختيار واتخاذ موقف فلسفي أمام مشكلة المعرفة، فالكثير من العلمانيين مؤمنون حقيقيون ولكنه ليس إيمان التبعية والجهل. . . فقط كل يمارس طقوسه وشعائره، كما يهوى ويريد، وربّما لا يمارسها، ولكن توقف الدين عن فرض سيطرته وتشريعاته على الحياة السياسية والاجتماعية، العلمنة هي الموقف الحر للروح أمام مشكلة المعرفة)(2).
قال اللَّه تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}(3).
طبيعة الكفر واحدة وإن تنوعت الأزمان، وحججهم تعود إلى أصل واحد وإن اختلفت الفلسفات والاتجاهات، وهل من قول أشد تطابقًا في فتنته وعماه من قول هؤلاء المعاصرين مع أسلافهم من الكافرين والملحدين--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2 صيف 1990 م/ 1410 هـ: ص 102 من مقال لأنيسة الأمين بعنوان "امرأة الحداثة العربية".
(2) المصدر السابق: ص 103.
(3) الآيتان 23 - 24 من سورة الأنعام.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٤)
الذين يشركون باللَّه ويكفرون به، ثم يدّعون بكل صفاقة وحمق أنهم هم المؤمنون حقًا!!.
وهذه الدعوى التي يرددها طواغيت الحداثة والعلمانية في كل مكان من بلدان المسلمين، يؤلهون غير اللَّه ثم يزعمون التوحيد ويعبدون المناهج والنظم والفلسفات والتجمعات الجاهلية، ثم يزعمون أنهم مؤمنون باللَّه ومتبعون لشريعته ولرسوله.
ولنختم بشهادة جهاد فاضل الناقد الحداثي الشهير التي يؤكد فيها أن القوم ألهوا الحداثة وقدسوها، وذلك في قوله: (لا يمل هؤلاء ترداد كلمة الحداثة على مدار ساعات النهار، وكلمة الحداثة عند هؤلاء تشبه كلمة اللَّه التي يرددها دراويش المولوية في ساعات الجذب والوصال حتى تتخدر منهم حواسهم والأوصال فيرتمون أرضًا. . . .)(1).
وهذا هو السبب الذي يدفع الحداثيين إلى الاستماتة في الدفاع عن صنم الحداثة الذي عبدوه وقدسوه، فلا يقبلون فيه نقدًا ولا يسمعون فيه ثلبًا، كما كان كفار العرب لا يقبلون ذم آلهتهم المعبودة من دون اللَّه.
إن تأليه الحداثيين لغير اللَّه، واستهانتهم واستخفافهم بلفظ الإله، وتقليد الوثنيين في كل ذلك، معلم أساسي من معالم الحداثة العربية، وهذا الذي دفع لجنة الشعر المصرية إلى رفع مذكرة إلى نائب رئيس الوزارة، ووزير الثقافة والإرشاد القومي سنة 1384 هـ - 1964 م، والتي كان من بنودها أن الشعر الحديث يعكس روحًا منافية لروح الثقافة الإسلامية كفكرة الخطيئة والصلب والخلاص، كما أن فيه تهاونًا كبيرًا في استعمال لفظ الإله كأنها لا تزال تحمل دلالتها عند الوثنيين ولم تتخذ في الإسلام معنى خاصًا يجب احترامه مهما كان السياق الذي ترد فيه(2).--------------------------------------------
(1) قضايا الشعر الحديث: ص 151.
(2) انظر: اتجاهات الشعر العربي المعاصر: ص 24، وذكريات الجيل الضائع: ص 91، والقصيدة الحديثة وأعباء التجاوز لابن عقيل: ص 122.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٥)
وقد عبر النصراني غالي شكري عن تذمره الحداثي الممزوج بالقبطية الأرثوذكسية فقال: (هذه المذكرة. . تفصح في جلاء تام عن خيوط المؤامرة الرجعية الخطيرة على كافة القيم الثورية البناءة التي يعيشها المجتمع المصري الحديث)(1).
وأي رجعية أعظم من الرجعية الوثنية الإلحادية التي ردت وترد الإنسان المتبع لها إلى أسفل سافليين؟!.
أمّا التقدم والقيم البناءة فلم تكن يومًا ما قرينة للكفر والإلحاد والجاهلية.
وقد رد إحسان عباس على المذكرة المذكورة، ودافع عن الحداثة، واعتبر أن هذه القضايا ليست اتهامات(2).
وهذا التميع الظاهر والذوبان الاعتقادي الواضح من أهم مقاصد الحداثة وأهدافها.
المظهر السادس من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: الحيرة والشك في الغاية من الحياة ووجود الإنسان، والزعم بأن وجوده عبث:
وهذا المظهر من مظاهر الانحراف يصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالربوبية؛ لعلاقة ذلك بقضية الإيجاد والخلق والتكوين، ويصح ذكره في الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات؛ لعلاقته بصفات الخلق والحكمة والإرادة، الثابتة للَّه تعالى، ونفي أضدادها عنه -جلَّ وعلا-.
غير أن المجيء به في ما يتعلق بتوحيد الألوهية أولى لأسباب:
أولها: أن الغاية من خلق الإنسان والجان عبادة اللَّه تعالى، وهذا متعلق بتوحيد الألوهية.--------------------------------------------
(1) ذكريات الجيل الضائع: ص 91.
(2) انظر: اتجاهات الشعر العربي: ص 14.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٦)
ثانيها: أن تعرضهم لمسألة الوجود عامة يأتي -في الغالب- تبعًا لتعرضهم لمسألة وجود الإنسان.
ثالثها: أن انحرافهم في هذه القضية منبثق من انحرافهم في ألوهية اللَّه تعالى.
وعليه فلابد من إيضاح حقيقة ذلك، حسب المفهوم الاعتقادي الإسلامي، المناقض تمام المناقضة لمفاهيم أهل الشرك والإلحاد والضلال.
وقد قطع اللَّه تعالى على الكفار حجتهم في هذا ورد عليهم ظنونهم الفاسدة فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)}(1).
قال سيد قطب رحمه الله: (إن خلق السماء والأرض وما بينهما لم يكن باطلًا، ولم يقم على الباطل، إنَّما كان حقًا وقام على الحق، ومن هذا الحق الكبير تتفرع سائر الحقوق، الحق في خلافة الأرض، والحق في الحكم بين الخلق، والحق في تقويم مشاعر الناس وأعمالهم، فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ولا يكون وزن المتقين كوزن الفجار، والحق الذي جاء به الكتاب المبارك الذي أنزله اللَّه ليتدبروا آياته وليتذكر أصحاب العقول ما ينبغي أن يتذكروه من هذه الحقائق الأصيلة، التي لا يتصورها الكافرون؛ لأن فطرتهم لا تتصل بالحق الأصيل في بناء هذا الكون، ومن ثم يسوء ظنهم بربهم ولا يدركون من أصالة الحق شيئًا {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)}(2).
إن شريعة اللَّه للناس طرف من ناموسه في خلق الكون، وإن كتابه المنزل بيان للحق الذي يقوم عليه الناموس، وإن العدل الذي يطالب به الخلفاء في الأرض والحكام بين الناس إنّما هو طرف من الحق الكلي، لا يستقيم أمر الناس إلّا حين يتناسق مع بقية الأطراف، وإن الانحراف عن شريعة اللَّه والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنّما هو انحراف عن--------------------------------------------
(1) و(2) الآية 27 من سورة ص.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٧)
الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض؛ وهو أمر عظيم إذن، وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لابد أن يتحطم في النهاية ويزهق، فما يُمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة اللَّه وناموس الكون وطبيعة الوجود، ما يُمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة!، وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب)(1).
وقد بين الحق سبحانه أن الإقرار بالحكمة من وراء خلق الكون وإيجاد الوجود هو شأن أولي الألباب، وهذا يعني أن جحد ذلك والتشكيك فيه هو شأن العقول السقيمة والأذهان المريضة، فقال -جَلَّ مِن قَائِلٍ-: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)}(2).
إن هذا الكون العجيب بما فيه من أشياء وأحياء ما خلقه اللَّه ليكون باطلًا وما خلقه عبثًا، بل خلقه بالحق والحكمة وليكون حقًا، الحق قوامه والحق نظامه، فهو ليس عدمًا ولا عبثًا كما تقول الفلسفات الإلحادية المادية، وهو يسير وفق ناموس محكم فليس متروكًا للفوضى، وهو يمضي لغاية فليس متروكًا للصدفة، وهو محكوم في وجوده وحركته وغايته بالحق الذي لا يلتبس به الباطل.
وهذه الحقيقة هي التي تمس قلوب أولي الألباب، وتطبع حسهم وتزيد من قوة يقينهم وبرهانهم على أن الكون مخلوق لغاية، والإنسان لغاية، وكل المخلوقات لغاية، وأن هناك حكمة عظيمة وغاية جسيمة لكل هذه الموجودات، وأن هناك حقًا وعدلًا وراء حياة الناس في هذه الأرض،--------------------------------------------
(1) في ظلال القرآن 5/ 3019.
(2) الآيات 189 - 191 من سورة آل عمران.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٨)
فلابد أن يسيروا وفق منهج الذي خلقهم ولابد بعد ذلك من حساب وجزاء على ما يقدم الناس من أعمال(1).
وهذه حقائق في غاية البداهة تتداعي براهينها من كل صوب، وتأتي أدلتها من كل مكان، ولكن الذين كفروا لا يفقهون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن حقائق الحق والخير غافلون سادرون، وفي أودية الهلكات شاردون، لا يعلمون الحقيقة، ولايعلمون أنهم لا يعلمون، بل يدعون أنهم بكل شيء عالمون!!.
وقد خاطب اللَّه هؤلاء بقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)}(2).
فحكمة خلق الإنسان وهو المقصود بالتكليف والعبادة حكمة ظاهرة، حكمة محسوب حسابها ومقدر وقوعها، ومدبر غايتها، ومرسوم منهاجها، ولا يغفل عن ذلك إلّا المطموسون الجاهلون المحجوبون، الذين لا يتدبرون حكمة اللَّه الكبرى المتجلية في صفحات الوجود كله والمبثوثة في أطوار الكون.
والعبث وأشباهه منفي عن اللَّه الحق المبين، فهو الخالق المالك المتصرف المدبر الحكيم العليم ومن كانت هذه أسماؤه وصفاته فإنه لا يُمكن أن تكون مفعولاته عبثًا، ولا يُمكن أن يوجد شيئًا لغير غاية، وكل ما في الكون يشهد بذلك، ولذلك كانت النتيجة الطبيعية لكل هذه المعاني الإقرار بألوهيته سبحانه دون سواه، وأن كل دعوى بألوهية أحد سوى اللَّه أو مع اللَّه فهي دعوى ليس معها برهان، لا من دلائل الكون، ولا منطق العقول، ولا من مقتضيات الفطرة، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} لا في مناهجهم--------------------------------------------
(1) انظر: في ظلال القرآن 1/ 546.
(2) الآيات 115 - 117 من سورة المؤمنون.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦٩)
ولا في نظمهم ولا في حياتهم ولا بعد بعثهم، وها نحن نرى جوانب عديدة من عدم الفلاح في حياة الكافرين، وإن فتحت عليهم أبواب كل شيء، مما أدهش ضعفاء اليقين، وعديمي الإيمان فظنوا أنهم لفلاحهم في دينهم وعقيدتهم حصل لهم ذلك، وما عرفوا الحقيقة التي ذكرها اللَّه تعالى في قوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}(1).
وكل ما يراه الناس على الكافرين من نعمة ومتاع، وقوة وسلطان، وترف وبذخ، وإنتاج وهيمنة ليس فلاحًا في ميزان القيم الحقيقية، ولا في ميزان أهل العقول السليمة -وبعض عقلائهم يتحدث بذلك- إنّما هو فتنة واستدراج وإمهال ينتهي بالوبال، ومن هلك منهم مستمتعًا بكل ذلك فإن الآخرة تنتظره، وهي الشوط الأخير في مراحل نشأة الإنسان، وليست شيئًا منفصلًا في تقدير اللَّه وتدبيره(2).
هذه الحقيقة العظمى -في أن الكون والإنسان مخلوقة لغاية ولم تخلق عبثًا- هي من مسلمات عقيدة المسلمين، ومن أبجديات إيمانهم باللَّه رب العالمين، ومن خالف في ذلك فليس له في الإسلام نصيب، وإن تسمى بأسماء المسلمين ومارس بعض أعمالهم العبادية.
وقد غرق أهل الأدب العربي المعاصر من ضمن ما غرقوا فيه، غرقوا في انحراف اعتقادي هائل أوحى به إليهم شياطين الجن والإنس، يتمثل ذلك في حيرتهم وشكهم في الغاية من الوجود والحياة ووجود الإنسان، وزعمهم أن وجود الإنسان عبث، وهذا كثير في كلامهم.
وسوف نورد هنا بعض الشواهد من أقوالهم على هذا النوع من الانحراف، فمن ذلك قول نازك الملائكة:--------------------------------------------
(1) الآيتان 44 - 45 من سورة الأنعام.
(2) انظر: في ظلال القرآن 4/ 2483.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٠)
(هكذا جئت للحياة وما أد … ري إلى أين سوف تَمضي الحياةُ
وسأحيا كما يشاء لي المجـ … ـــهول حيرى تلهو بي الظلماتُ)(1)
وقولها:
(ها أنا الآن حيرة وذهول … بين ماض ذوى وعمر يَمرُّ
لست أدري ما غايتي في مسيري … آه لو ينجلي لعينيّ سرُّ)(2)
وقولها:
(ماذا وراء الحياة؟ ماذا … أي غموض وأي سِرِّ
وفيم جئنا؟ وكيف نَمضي؟ … يا زورق بل لأي بحر؟
يدفعك الموج كل يوم … أين ترى آخر المقر؟)(3)
وتتحدث عن نفسها تحت عنوان "السفينة التائهة" فتقول:
(في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساء
ألقت به الأقدار في لجج المنايا والشقاء
الريح تصرخ حولها وتضج في ظلم الفضاء
والموج يضربها ويلقيها على شفة الفناء
سارت ولا ربان يهديها إلى الشط السحيق
حيرى يخادعها الظلام فلا شعاع ولا بريق
من فوقها هول الرعود وتحتها اللج العميق
سارت وما تدري إلى أين المصير وما الطريق)(4).--------------------------------------------
(1) ديوان نازك الملائكة 1/ 28 ونحوه في 1/ 262.
(2) ديوان نازك الملائكة 1/ 29.
(3) المصدر السابق 1/ 552.
(4) المصدر السابق 1/ 602.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧١)
وتحت عنوان "صراع" تقول:
(تعذبني حيرتي في الوجود … وأصرخ من ألمي: من أنا)(1)
وتسأل في حيرة:
(لماذا نعود؟
أليس هناك مكان وراء الوجود
نظل إليه نسير
ولا نستطيع الوصول؟. . .)(2).
أمّا البياتي فيصرح أن الحياة عبث وذلك في قوله:
(لابد أن نختار
أن نقبض الريح وأن ندور الأصفار
أن نجد المعنى وراء عبث الحياة
فالعيش في هذا المدار المغلق انتحار)(3).
ولصلاح عبد الصبور قصيدة حداثية يعدها أهل الحداثة من عيون شعرهم اسمها "الناس في بلادي" ومنها:
(وعند باب قريتي يجلس عمي مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضي ساعة بين الأصيل والمساء
وحوله الرجال واجمون--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 52.
(2) المصدر السابق 2/ 256.
(3) ديوان البياتي 2/ 96.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٢)
يحكي لهم حكاية. . تجربة الحياة
حكاية تثير في النفوس لوعة العدم
وتجعل الرجال ينشجون
ويطرقون
يحدقون في السكون
في لجة الرعب العميق والفراغ والسكون
ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة؟
يا أيها الإله!!
الشمس مجتلاك والهلال مفرق الجبين
وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين
وأنت نافذ القضاء أيها الإله)(1).
(هناك قرية صغيرة يجلس على بابها العم مصطفى بطل المشهد، يدير في جلسته أحداث القصة ويوصلنا إلى مغازيها الخطيرة، ويعرفنا الشاعر على صفة واحدة من صفاته هي أنه يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تكون هذه إشارة إلى نوع من الإيمان البسيط الذي ينتشر بين بعض أهل الريف، يكون محوره شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتتوجه العاطفة إليه، فهو إيمان عاطفي ساذج، يتناسب مع الطبيعة والبساطة المعهودتين في الأرياف، ولكنه -في الغالب- إيمان لا يعتمد على حقائق الإيمان الأساسية، ولا يمثل الالتزام الصحيح، وكثيرًا ما يختلط بمظاهر سلوكية مخالفة لمقتضيات الإيمان وبمعتقدات أسطورية منحرفة. . . يخلص الشاعر الحكاية في تساؤل يدق صدور المتأملين ويحير الفلاسفة والمفكرين، ما غاية الإنسان؟ ما غاية الحياة؟ والريفي لا يخطر بباله هذا التساؤل عادة؛ لأنه -وسائر السذج- غارق في--------------------------------------------
(1) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 29 - 30.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٣)
قضايا حياته اليومية البسيطة، لا يرود هذه الميادين المعقدة، ولو أن العم مصطفى توقف عند حدود السؤال، أو قصر الحكاية عليه، لما وجد استجابة كبيرة من مستمعيه، فمثل هذا السؤال لا يهزهم وإن هزهم فلفترة قصيرة ثم يجيبون عليه وفق خبراتهم البسيطة ويستريحون من القلق.
غير أن مثير السؤال مؤهل للتفكير في مثل هذه القضايا، وقد عرفنا من صفاته ما يجعلنا نتوقع أن هذا السؤال يشغله، ويملؤه بالقلق والرعب؛ لأنه لا يملك جوابًا مقنعًا، ولذلك ينقل العم مصطفى قلقه وتأملاته المرعبة إلى الفلاحين، ويقدم لهم صورة من الحياة تحمل هذا التساؤل، وتزرع فيهم أطرافًا من قلقه ورعبه. . .
والصورة التي يقدمها تستخدم التضليل المنطقي، وتتكي على المفهومات المنتشرة بين الفلاحين، وتخدع الفلاحين بمغالطة عجيبة، فهي تبدأ من إيمانهم بالقدر، ثم تدور دورة قصيرة وتعود لتسلخ هذا الإيمان وتشوه صورة القدر في أذهانهم. . .
. . . وكان العم مصطفى في الصورة كلها قناعًا يختبيء وراءه الشاعر، ويحمل أزمته الخانقة وسؤاله الذي يعذبه: ما غاية الحياة؟، وعجز الشاعر عن فهم غاية الحياة مرتبط بخوفه الشديد من الموت، فهو لا يملك تصورًا يفسر له علة وجوده، ولا إيمانًا يشرح له قضية الموت والعالم الذي وراءه، لذلك تحولت قضية الموت عنده إلى صدمة موجعة لا يدري كيف يتخلص منها. . . . .)(1).
ولصلاح عبد الصبور كلمات أخرى تنم عن هذا المعنى الذي ذكره في قصيدة الناس في بلادي يقول:
(تسألني رفيقتي: ما آخر الطريق؟
وهل عرفتُ أوله؟--------------------------------------------
(1) مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي للدكتور عبد الباسط بدر: ص 68 - 69، 73.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٤)
نحى دمًى شاخصة
فوق ستار مسدلة
خطى تشابكت بلا. .
قصد، على درب قصير ضيق)(1).
ويُمكن فهم المعنى ذاته في قوله الآخر:
(أمعيري بالوهم، لا وهم هناك ولا حقيقة
الطفل يفجؤني بأسئلة محيرة عميقة
وذوو الذقون البيض يزدحمون في الفرق العتيقة
ويفتشون عن الطريقة)(2).
فهو يعيش في اضطراب وحيرة، ويتردد بين الأوهام والحقائق تردد الشاك المضطرب، ويفاجأ بأسئلة طفل يصفها بأنها محيرة له، وذلك يتوافق مع ما ذكره من عيشه مضطربًا بين الوهم والحقيقة، بل مع الوهم الذي لا معرة في انتسابه له، ثم يصف الأسئلة بأنها عميقة.
وينعطف على أهل الدين فينعتهم بالتخلف والرجعية والجهل وعدم القدرة على الإجابة.
وفي مقطع آخر يصور مدى إحساسه بعبثية الحياة وعدم فهمه لغايتها، ثم ينتكس في وقاحة ليتحدث عن اللَّه تعالى بتدنيس هابط، وتلويث مقصود، على عادة أكثر الحداثيين، يقول صلاح عبد الصبور على لسان عظام نخرة تتحدث من القبور:
(وقالت لي
بأن النهر ليس النهر، والإنسان لا الإنسان--------------------------------------------
(1) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 219.
(2) ديوان صلاح عبد الصبور: ص 41.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٥)
وإن حفيف هذا النجم موسيقى
وإن حقيقة الدنيا ثوت في كهف
وإن حقيقة الدنيا هي الفَلْسان فوق الكف
وإن اللَّه قد خلق الأنام، ونام
وإن اللَّه في مفتاح باب البيت. . . .)(1).
أمّا واللَّه إن حداثة تقوم على هذه الأفكار والعقائد لهي جديرة من كل مسلم يؤمن باللَّه واليوم الآخر إلّا يداهنها أو يمتدحها، بل يحاربها ويقاومها ما دامت دماء الغيرة الإيمانية تضخ في عروقه، أقول ذلك وأنا أقرأ لأحد المسلمين أقوالًا تضفي التزكية على الحداثة وأهلها وتقسم التقسيم الجائر بين مدلول القيمة في ذاتها وموضوع القيمة، في فلسفة ضبابية تسوغ للحداثيين ما هم فيه.
بل لقد قال بصريح العبارة: (الحداثة ليست تهمة. . . إن الحداثة وسيلة للإبداع لاتفرض علينا المضمون. . . إن أخلصت للحداثة من أجل قيمها الجمالية والفكرية بليت بالبُله الذين يجعلون الحداثة ناقضة للإيمان، وياليتهم جعلوها تنقض الوضوء فحسب كالحدث الأصغر، وإن انبريت لمن استرحلوا الحداثة للتسويل والتضليل من العرقيين والطائفيين أصبحت مؤلبًا على مواهب حداثية في بلادي، فالنقد الذي مرّ ليس لاستصلاح الأدب، ولكنه أصبح إيذاءً للناس في سمعتهم الفكرية. . . إن ناشئتنا الحداثية يحسن بها الظن دينًا وفكرًا. . . والهزات الفكرية القليلة لدى بعض ناشئتنا تقليعة بحار في أوج العاصفة في إبحاره على غير تحسب، فهو يلتمس الشاطيء ويتطلع إلى رماله الذهبية.
والهزات الفكرية القليلة عند ناشئتنا لا تقاس بالتجديف والكفريات--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 176.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٦)
الصلع لدى من حولنا في كل الجهات. . .)(1).
وهذا الكلام -مع تقديري لعلم وفضل صاحبه، والحق أحب إليّ منه- يصب في آنية الحداثيين المحليين وأساتذتهم، وفيه من المغالطة والمجازفة ما لا يليق برجل يعلم عن دين اللَّه ما به قيام الحجة عليه وعلى غيره، ويعلم من إلحاديات وكفريات الحداثيين ما يكفي لمراجعة طروحاته على ضوء معايير شريعة اللَّه الكاملة، وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية وهي تقوم على أسس من الإلحاد والضلال والكفر والمضادة لدين الإسلام كما يعترف به الحداثيون أنفسهم؟.
وكيف لا تكون الحداثة تهمة فكرية ونحن لا نكاد نجد حداثيًا صادقًا في انتمائه للحداثة إلّا وهو في أحسن حالاته ينادي بفصل الدين عن الأدب والفكر والثقافة والفن، ويزعم أن القيم الجمالية لا تدخل تحت معايير الصواب والخطأ الشرعيين ولا تحت مقاييس الحلال والحرام؟.
وإني أعيذ هذا الكاتب أن يكون ممن يقول بذلك أو يسوغه بمنطوق قوله أو بمفهومه.
ومتى كانت الحداثة وسيلة للإبداع لا تفرض مضمونًا؟ ونحن نرى أتباعها ممن أشربوا حبها حتى من ناشئتنا الذين يحسّن بهم الظن قد تلوثوا بمفاهيم فكرية، أقل ما يقال عنها أنها أقرب إلى الشكوك والريب في الدين وأهله ومناهجه ونظمه منها إلى اليقين والإيمان الجازم، فضلًا عمن ارتكس إلى مهاوي الجحد الصريح والنكران الفاضح، والمعارضة البواح لدين اللَّه تعالى أو لشيء منه، وما الهزات الفكرية التي يصفها -هذا الكاتب- عند أتباع الحداثة المحليين إلّا فوح البئر المهجورة ليوسف الخال، وبوح مهيار الدمشقي، ونبض نضاليات محمود درويش والقاسم وزياد، وإباحيات قباني.
وإن من عظيم جرم الحداثيين المحليين "الأتباع" أنهم لا ينفكون مادحين ومشيدين بأصحاب التجديف والكفريات الصلع، محسنين لمذاهبهم،--------------------------------------------
(1) جريدة عكاظ عدد 10593 في 18/ 3/ 1416 هـ: ص 27، في مقابلة مع أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، وله مثل هذا الكلام في كتابه الحداثة وأعباء التجاوز.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧٧)