فوق سريري
على شفة كنت أعبدها. . .)(1).
ومثال آخر نذكره عن محمد الماغوط الذي استروح أن يوجه عبادته للخريف في قوله:
(كالذئاب في المواسم القاحلة
كنا ننبت في كل مكان
نحب المطر
ونعبد الخريف)(2).
أمّا العبادة الحقة للَّه تعالى فإنه يسخر بها ويستخف بشأنها، ومثال قوله عن الدعاء في مقطع له بعنوان "من العتبة إلى السماء":
(الآن
والمطر الحزين
يغمر وجهي الحزين
أحلم بسلم من الغبار
من الظهور المحدودبة
والراحات المضغوطة على الركب
لأصعد إلى أعالي السماء
وأعرف
أين تذهب آهاتنا وصلواتنا؟
آه يا حبيبتي--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 510.
(2) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص 308.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٩٨)
لابد أن تكون
كل التنهدات والاستغاثات
المنطلقة من ملايين الأفواه والصدور
وعبر آلاف السنين والقرون
متجمعة في مكان ما من السماء كالغيوم
ولربما كانت كلماتي الآن
قرب كلمات المسيح
فلننتظر بكاء السماء
يا حبيبتي)(1).
أمّا الحداثيّ السوريّ ممدوح عدوان فإنه يعبد الحياة ويعبر عن ذلك بقوله:
(الحياة انسكبت فيضًا
وصارت مومسًا
كنا نؤاتيها بلا طعم
ونحياها كعاده
وعرفنا وجهها جوعًا وإدمانًا
ذللنا فيه
صُنّاه
ركعنا في محياه عباده)(2).--------------------------------------------
(1) الآثار الكاملة لمحمد الماغوط: ص 227 - 228.
(2) الأعمال الشعرية لممدوح عدوان 2/ 81 - 82 من يألفونك فانفر.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٩٩)
إلى أن يقول:
(فهذا معبد الموت
وها نحن القرابين الجديده)(1).
ويقول في مقطع بعنوان أتلفت نحوك أبكي:
(تعلمت كيف استوى الدمع بالدم
أعبد من سفح الدم والدم كرمى لها)(2).
ويقول أحمد دحبور:
(وأنا عباد الثورة)(3).
ويسخر من عبادة اللَّه متمثلة في الدعاء وعفو اللَّه تعالى فيقول: (أسأل اللَّه ألّا يسمم بالعفو حزني)(4).
وللفيتوريّ في إثبات التعبد لغير اللَّه اعترافات عديدة، ففي مقدمته لديوانه يصف غرقه في عالم بودلير(5) قائلًا: (إنني غارق هذه المرحلة حتى الغيبوية والدوار وفي عالم بودلير المخيف المعذب في أزهار الشر، الأروع من كل ذلك أن معبودته الأرضية جارية سوداء اسمها جان ديفال)(6).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 2/ 87.
(2) المصدر السابق 2 للخوف كل الزمان: ص 7.
(3) ديوان أحمد دحبور: ص 381.
(4) المصدر السابق: ص 520.
(5) بودلير، شارل بييو بودلير، ولد عام 1237 هـ/ 1821 م، وتوفي عام 1284 هـ/ 1867 م، كاتب وشاعر فرنسي كبير، أثر بمذهبه الفنيّ كل الشعر الأوروبيّ، ويعتبره الحداثيون العرب قدوة من القدوات المهمة في مجال الحداثة الأدبية والفكرية، ولذلك كثر ذكره في كلامهم، من أشهر كتبه أزهار الشر، وأشعار صغيرة في النثر أبرز فيها تأثير الكحول والمخدرات باحثًا من خلال ذلك عن الخير في عالم مليء بالشياطين حسب رأيه. انظر: ألف شخصية عظيمة: ص 283.
(6) ديوان الفيتوريّ 1/ 21.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٠)
ومن آثار غرقه في عالم بودلير وانغماسه في تقليده وأتباعه اتخذ له معبودات شتى منها أفريقيا التي يقول عنها:
(وبلادي أرض أفريقيا البعيده
هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي
والتي أنشقها مثل الهواء
والتي أعبدها في كبرياء)(1).
وامرأة معشوقة يقول على لسانها:
(وترددين
وملء جسمك
رعشة متندمة
كم كان يهواني
ويعبد روحي المتأله)(2).
وفي الجملة ليس المراد هنا جمع كل ما قالوه من ألفاظ تفيد عبوديتهم لغير اللَّه، أو استهانتهم واستخفافهم بلفظ العبودية، بل المقصود الإتيان ببعض الشواهد على هذا اللون من الانحراف وعلى هذه القضية الضلالية التي أصبحت من المسلمات العادية والمستساغة عند أهل الحداثة.
وإذا كانوا قد تشعبوا في أودية العبوديات المختلفة فإنهم تشعبوا كذلك في أدوية ألوهيات مختلفة ألهوها من دون اللَّه، وهو ما سيأتي إيضاحه في:
المظهر الخامس من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية: تأليه غير اللَّه تعالى، ووصف غيره -جلَّ وعلا- بالألوهية:
وقد انساقوا في هذا الباب تأثرًا بما عليه الغربيون الذين استمدوا هذا--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 108.
(2) ديوان الفيتوريّ 1/ 123.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠١)
الانحراف من جذورهم اليونانية الإغريقية التي وزعت الألوهية على آلهة وأرباب شتى، وفرقت الإنسان في آماله وطموحاته ومشاعره على هذه الآلهة الباطلة، ومزقت حياته شر ممزق وألقت به في أودية الهلكات، وردته إلى أسفل سافلين، فعاش في خسر وبوار، وهذا هو شأن كل كفر وشرك وإلحاد في قديم الزمان وحديثه.
والذي يتحدث عن مشكلات الإنسان المعاصر في أوجهها النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية مغفلًا سببها الأساسي المتمثل في انحراف الإنسان عن طاعة اللَّه وعبادته، فإنما يخبط في ظلام وتيه في صحراء الأوهام، وإن أتى بحل فإنّما هو حل جزئيّ يصلح جانبًا ويفسد جوانب أخرى، ويداوي زكامًا ويوجد جذامًا.
وذلك لأن أساسي منهاج الإسلام التأله للَّه تعالى، وهو العليم الحكيم، ومنهجه هو الحكمة والعدل والخير كما قال تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39)}(1).
وقال -جلَّ شَأنُهُ-: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)}(2).
فمتى أعرض الإنسان عن هذا الأصل وهو تأليه اللَّه وحده لا شريك له وعبادته فى ون سواه، فإنه يخبط في الضلال ويتردى في الهلاك والخسران: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)}(3).--------------------------------------------
(1) الآية 39 من سورة الإسراء.
(2) الآية 2 من سورة الجمعة.
(3) الآيتان 103 - 104 من سورة الكهف.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٢)
وعند النظر في النتاج الفكريّ والأدبيّ لأهل الحداثة نجد أنهم قد اغترفوا من مستنقع الشرك والتأليه لغير اللَّه بأوسع المغاريف، وضربوا حوله بعطن، وعلّوا ونهلوا من ذلك الخوض الآسن، وكان هذا دأبهم من أول روادهم إلى آخر أتباعهم، فقد استخفوا بلفظ "الإله" ومعناه، وقادهم هذا الاستخفاف إلى تأليه كل ما يخطر في بالهم من الإنسان والحيوان والأشياء، والشعر والكلام، وغير ذلك.
ومنبع انحرافهم في هذا: أنهم جحدوا حق اللَّه تعالى في الألوهية، وبعضهم لم يجحد حق اللَّه تعالى في الألوهية ولكنه يجحد حقه المطلق في ذلك، فلا يفرده -جل وعلا- بهذا بل يدخل معه في هذا الوصف من شاء من المخلوقات، وكلا الأمرين كفر وانحراف وضلال مبين، قال اللَّه تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}(1)، وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}(2)، وكل قول أو اعتقاد يناقض هذه الحقيقة فهو جهل وانحراف وضلال مبين.
ومنذ أن بدأت الحداثة العربية على يد السياب ونازك الملائكة والبياتي رتعت في هذا المرتع الوخم، واستفّت ترب الخزي والعار والجهل، وسوف أورد هنا بعض الأمثلة من كلامهم في هذا:
ولتكن البداية من السياب أول من شق طريق التبعية للغرب ونشر أشرعة الحداثة، والذي وصفه أدونيس بقوله: (بدر شارك السياب من شهودنا الأُول على الحضور؛ ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد. . . تجربة السياب مع ذلك ريادة: بدءًا منها ومعها أخذ ينشأ الشعر العربيّ الجديد في وسط تعبير جديد، وهو الآن من القوة والسيادة بحيث أنه يبدو إبداعًا مستمرًا)(3).
والسياب إذا أردنا أن نعرفه فهو منذ النشأة الريفية في جنوب--------------------------------------------
(1) الآية 163 من سورة البقرة.
(2) الآية 19 من سورة محمد.
(3) زمن الشعر: ص 212 - 213.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٣)
العراق في جيكور في أسرة آل السياب كان بعيدًا عن الفهم الصحيح للدين إن لم نقل عن الفهم الأولي للدين، فقد كانت أسرة آل السياب تزين جدران ديوانها بصور المتحررين من الدين والمحاربين له(1)، وكان عمه عبد القادر السياب أحد العاملين في حزب سريّ اسمه "الحزب اللاديني"(2).
وحتى الجانب الدينيّ هناك ما يشير إلى تأثره بالعقائد الشيعية مثل نذره إهداء شمعة لقبر صاحب الزمان(3).
وفي القرية تلقفته الأيدي الماركسية، وكان ذلك عن طريق عمه عبد المجيد السياب وصديقه الإيراني الماركسيّ المحبّ لأدب جبران خليل جبران ومي زيادة(4).
ثم انضم للحزب الشيويّ العراقيّ وأصبح من أتباع يوسف سلمان يوسف المسمى "فهدًا" وهو يهوديّ عراقيّ من مؤسسي الحزب الشيوعيّ، ومعه من يهود العراق ساسون دلال ويهودا صديق(5).
ووصل الأمر بالسياب وأسرته أن أصبحت قريتهم حصنًا منيعًا من حصون الشيوعية(6)، ومكث السياب إلى عام 1369 هـ/ 1950 م منتميًا للحزب الشيويّ ومخلصًا له(7)، وكان عام 1366 هـ/ 1947 م قد أنشأ قصيدة تعد عنده هي بداية الشكل الحديث في الشعر العربي(8).--------------------------------------------
(1) مثل سعد زغلول وكمال ايتاتورك. انظر: كتاب بدر شاكر السياب لإحسان عباس: ص 19.
(2) انظر: المصدر السابق: ص 19.
(3) انظر: المصدر السابق: ص 20. والمراد به المهدي المنتظر عند الشيعة محمد بن الحسن العسكريّ.
(4) انظر: المصدر السابق: ص 89 - 90.
(5) انظر: المصدر السابق: ص 91 - 92، 104.
(6) انظر: المصدر السابق: ص 92.
(7) انظر: المصدر السابق: ص 93.
(8) انظر: المصدر السابق: 97.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٤)
وقد ظل السياب يؤكد دائمًا أنه هو الأسبق في ابتداع الشكل الجديد وخاصة إذا ذكرت نازك الملائكة(1).
وفي عام 1367 هـ/ 1948 م نشر ديوانه الأول أزهار ذابلة، وفيها مقدمة لصحفيّ نصرانيّ اسمه رفائيل البرتي وجه فيها السياب توجيهًا عميقًا في الثورة على الماضي والتهكم به، ومحاكاة الشعر الإفرنجيّ والإمعان في الجرأة على هذه المحاكاة، وقد أثرت هذه الكلمات تأثير عميقًا في الوجهة الشعرية التي اختارها السياب من بعد(2).
ولاشك أن السياب قد انغمس في اتجاه المحاكاة وخاصة بعد دراسته في دار المعلمين العالية حيث حدث عن نفسه قائلًا: (فدرست شكسبير وملتون والشعراء الفكتوريين ثم الرمانتيكيين في سنتيّ الأخيرتين، في دار المعلمين العالية تعرفت -لأول مرة- بالشاعر الإنجليزي ت. س أليوت، وكان إعجابي بالشاعر الإنجليزي "جون كيتس" لا يقل عن إعجابي "بأليوت")(3).
ومما لا ريب فيه أن ثقافة الشاعر ونشأته وأجواء حياته لها تأثير مهم في تحديد المؤثرات الاعتقادية والفكرية والنفسية التي تلقاها وسار عليها، وشكلت شخصيته الفنية والمضمونية.
ولقد أظهر السياب أنه تأثر في أشكاله الحديثة بالشعر الإنجليزي في مقدمة ديوانه أساطير، وإن كان بعض النقاد لا يعتبر تلك المقدمة إلّا خلطًا صبيانيًا وسطحية في الفهم للشعر الإنجليزي)(4).
واتسع تأثير السياب بأليوت وكيتس وغيرهما من الإنجليز إلى حد الترجمة عنهم وأحيانًا الانتحال(5)، أمّا الإعجاب والمحاكاة فحدث--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق: ص 135 - 136.
(2) انظر: المصدر السابق: ص 109.
(3) انظر: المصدر السابق: ص 123.
(4) انظر: المصدر السابق: ص 125.
(5) انظر: المصدر السابق: 145 - 146.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٥)
ولا حرج(1).
وقد تحدث الخال عن تأثر السياب وغيره بالأدب الإنجليزيّ، بل وذكر أن السياب تعلم الشعر الحديث على يد معلم إنجليزي في بغداد، وهذا نص قوله عندما سئل عن انطباعاته عن بدر شاكر السياب: (شعريًا كان بدر موهوبًا جدًا وكان طموحًا، ويحب المعرفة والتقدم، وأذكر جيدًا أنه عندما كان يأتي إلى بيروت، كان يقول لي: أعطني كتبًا لأنني أريد أن أقرأ كنت أعطيه ديوانًا حديثًا لشاعر إنكليزي، وكان بدر يعرف شويّة(2) إنكليزي، كان يأخذ القاموس ويقعد يدرس كل كلمة وكل حرف ويعلم على الهوامش، كان دقيقًا كثيرًا، كان يحب العلم، والاكتساب كان مهمًا جدًا عنده، وقد درس بدر الأدب الإنكليزي بدار المعلمين بجامعة بغداد، وقد صادف أستاذًا إنكليزيًا في دار المعلمين، كان له اتجاه معاصر حديث، كما يفهمون الشعر في بلادهم، علم بدر الشعر الحديث كما علم نازك الملائكة والبياتي. . .، ومن حسن حظ بدر أنه تعرف بجبرا إبراهيم جبرا، جبرا كان درس بكمبردج وكمان(3) عندو(4) نفس الأفكار المعاصرة في الشعر، اتصل بجبرا، وجبرا كتير فادو(5) بها الموضوع. . .)(6).
ومن هذه الأجواء والعوامل نشأ الشاعر الحداثيّ الذي شق أول طريق في الحداثة الشعرية العربية، ليس في الشكل وحده لكن في المضمون أيضًا الذي يعد أحد أهم أسباب ودوافع الثورة الحداثية على التراث والدين والقيم وكل الثوابت (ولكن إذا كان المضمون أحد مسوغات الثورة في الشكل فإن المضمون الجديد الذي مارسه السياب جزئيًا في ديوان أساطير، وكان الشكل الجديد ملائمًا له، معتمد على الصراع الذي يشبه المرض بين العقل الظاهر والوعي الباطن. . . .)(7).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق: ص 156.
(2) و(3) و(4) و(5) ألفاظ عامية باللهجة اللبنانية وكان من دعاتها.
(6) قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 290.
(7) بدر شاكر السياب لإحسان عباس: ص 136 - 137.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٦)
ومن خلال التتبع لمضامين شعر السياب نجد أنه قد اغترف من وحول أساتذته الإنجليز وقلدهم في استخدام الأساطير والعبث بالمصطلحات الشرعية، وليس التأليه لغير اللَّه تعالى إلّا واحدًا من هذه الضلالات التي لم ينعتق شعره منها، ولعله هو أول من سن هذه السنن السيئة في الشعر العربي الحديث، فقد جاء المعجبون والشاكون والرافضون، والثائرون على الدين والأمة والتاريخ ووجدوا في الأرضية التي هيأها السياب والبياتي ونازك والجيل التالي لهم مثل صلاح عبد الصبور وجبرا وأدونيس وجدوا فيها الميدان الرحب لمنازلة الدين الإسلاميّ ومحاربته.
وحتى لا يكون الكلام مجرد دعوى فإنه لابد من إيراد شواهد على استخفافه بلفظ الألوهية ومضمونها، ونسبته الألوهية لغير اللَّه تعالى:
فمن ذلك قوله متأثرًا بالفكر اليونانيّ الجاهليّ الوثنيّ:
(هو لن يعود
أو ما علمت بأنه أسرته آلهة البحار)(1).
وقصيدته التي بعنوان "مرثية الآلهة"(2) مليئة بهذه المعاني والأسماء والرموز الوثنية المؤلهة من دون اللَّه، ونحو ذلك قوله:
(وجاء عصر سار فيه الإله
عريان، يدمي، كي يروي الحياة
واليوم ولي محفل الآلهة)(3).
ويتحدث عن عشتار الوثن المعبود المرتجى عند الفينيقيين والبابليين،--------------------------------------------
(1) ديوان السياب: ص 229.
(2) المصدر السابق: ص 349 - 354.
(3) المصدر السابق: ص 382.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٧)
وعشتار أنثى لتموز(1)، يقول عنها السياب: (عشتار، أم الخصب، والحب، والإحسان، تلك الربة الوالهة)(2).
وفي موضع آخر يتحدث عن عشتار وتموز وكلبهم سربروس يقول: (ليعوِ سربروس في الدروب لينهش الآلهة الحزينة، والآلهة المروعة)(3).
ويقول:
(تؤوب إلهة الدم، خبز بابل، شمس آذار)(4).
ويقول عن تموز:
(وينبش التراب عن إلهنا الدفين
تموزنا الطعين)(5).
وفي سياق امتداحه لجميلة بو حريد(6) يقول عنها:
(تعلين حتى محفل الآلهة
كالربة الوالهة
كالنسمة التافهة)(7).
(يا نفحة من عالم الآلهة)(8).--------------------------------------------
(1) انظر: معجم الأساطير: ص 52، 143.
(2) ديوان السياب: ص 383.
(3) المصدر السابق: ص 485.
(4) ديوان السياب: ص 487.
(5) المصدر السابق: ص 483.
(6) جميلة بو حريد امرأة جزائرية قاومت الاحتلال الفرنسي للجزائر حتى قتلت.
(7) ديوان السياب: ص 386.
(8) المصدر السابق: ص 387.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٨)
(أنا سنمضي في طريق الفناء
ولترفعي "أوراس" حتى السماء
حتى تروى من مسيل الدماء
أعراق كل الناس كل الصخور
حتى نمس اللَّه.
حتى نثور)(1).
سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
ويقول عن قريته جيكور:
(فمن يفجر الماء منها عيونًا لتبنى قرانا عليها؟
ومن يرجع اللَّه يومًا إليها؟
. . . وتخضل من لمسها، من ألوهية القلب فيل عروق الحجار)(2).
وفي مقطع له بعنوان رؤيا في عام 1375 هـ/ 1956 م وهو ضد الشيوعية والشيوعيين بعد ترك السياب للحزب الشيوعي العراقي(3)، يقول:
(أيها الصقر الإلهي الغريب
أيها المنقض من أولمب في صمت المساء)(4).
ومن أقواله في تأليه الإنسان:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: 387 - 388.
(2) المصدر السابق: ص 415.
(3) انظر: ديوان السياب المقدمة: ص "ق ق".
(4) المصدر السابق: ص 429.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٩)
(من قلبه المورق بالغار
إنسانك العملاق ظل الإله)(1).
أمّا الشخصية الثانية في درب الحداثة العربية فهي نازك الملائكة -على خلاف بين الحداثيين أنفسهم من هو البادي بهذا البلاء- وقد سلكت نفس المسالك وإن كانت أقل غلوًا من غيرها في ذلك من أيام نشوتها الحداثية، ثم إنها أحست فيما بعد بفداحة هذا الاتجاه وخطورته فقالت بعد أن وصفت اضطرارها لشعر التفعيلة: (. . . لم يكن يدور في خلدي أن أناسًا من الشعراء سيتخذون عملي الاضطراري سنة يحتذونها في منشوراتهم الشعرية ودواوينهم. . . أرفع صوت احتجاج على زملائي الشعراء الذين أصبحوا يكتبون شعرًا موزونًا على الأسلوب العربي، ثم يدرجونه وكأنه شعر حر، فإن هذا العمل لا يزيد القاريء العربي إلّا بلبلة وجهلًا. . . . .)(2).
وتقول: (. . . وقد يعجب بعض الشعراء من قلة هذا العدد بالنسبة لقصائد الديوان؛ لأنهم ألفوا أن يروا طائفة من الشعراء وقد تركوا الأوزان الشطرية العربية تركًا قاطعًا وكأنهم أعداء لها وراحوا يقتصرون على نظم الشعر الحر وحده في تعصب وعناد. . . أحب الشعر العربي ولا أطيق أن يبتعد عصرنا عن أوزانه العذبة الجميلة، ثم إن الشعر الحر كما بينت في كتابي "قضايا الشعر المعاصر" يملك عيوبًا واضحة أبرزها الرتابة والتدفق والمدى المحدود وقد ظهرت هذه العيوب في أغلب شعر شعراء هذا اللون. . .، وإني لعلى يقين من أن تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد، وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عليها والاستهانة بها. . . .)(3).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 504.
(2) ديوان نازك الملائكة 2/ 415 - 416 وهي من مقدمة مجموعة قصائد بعنوان شجرة القمر تاريخها 28/ 3/ 1967 م/ الموافق ربيع أول 1386 هـ.
(3) المصدر السابق 2/ 417 - 418.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٠)
وفي مقابلة أجريت معها قالت: (يعاني شعرنا المعاصر الحديث من مجموعة إشكالات منها التعمية والتقليد وأخطاء الوزن وضعف اللغة واستعمال اللغة العامية. . .)(1).
ثم شرحت بعض هذه المشكلات قائلة: (أمّا التعمية فهي تعمد الغموض الشديد في الشعر بحيث يقرأ القاريء القصيدة الكاملة ولا يفهم منها حرفًا، وقد تعالت صيحة القراء واحتجاجاتهم في كل بقعة من العالم الإسلامي والعربي، والمواطن اليوم مجروح وحزين؛ لأن قضية العدو الصهيوني تذله، وهو ينتظر من شعرائه أن يعبروا عن ثورته ورفضه وسخطه فلايجد لدى الشعراء سوى أشطر كثيرة لا معنى لها، وعندما لجأ القاريء إلى نقاد الشعراء المحدثين رجع خائبًا؛ لأن الناقد متواطيء مع الشاعر في كثير من الأحيان، فهو ينقد القصيدة نقدًا غامضًا لا سبيل إلى فهم عبارة منه. . .، والمشكلة الكبرى في نظري أن الشاعر هو نفسه لا يعرف أن يشرح قصيدته، ولو أنه كان قادرًا على إيضاح المعنى لاستطاع الناقد ذلك أيضًا ولفهم القاريء القصائد.
أمّا البند الثاني "التقليد" فهو لا يقل خطورة عن الأول. . . أقصد الشعر الحديث، الشعر الحر الذي ينظمه اليافعون فذلك هو الشعر الذي يعشعش فيه التقليد: إن الواحد من الشعراء يقلد زملاءه دون نجديد ولا أصالة؛ ولذلك تنتشر في شعرهم ظواهر معينة ينقلها الواحد عن الآخر مثل التظاهر بالاهتمام بالأسطورة. . . .)(2).
وحذرت في كتاباتها "قضايا الشعر المعاصر" من الاستسلام المطلق للشعر الحديث(3).
هذا النقد الذي وجهته نازك إلى شعر الحداثة وهي مؤسِّسَة لهذا الاتجاه يدل على مقدار شعورها بجناية هذا المسمى شعرًا، وإن كان نقدها--------------------------------------------
(1) قضايا الشعر الحديث: ص 207.
(2) المصدر السابق: ص 207 - 208.
(3) انظر: قضايا الشعر المعاصر: ص 48.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١١)
في مجمله ينصب على الشكل إلّا أنه لم يخل من نقد المضمون مثل الغموض والتعمية، وترك قضايا الأمة، وقد اعتبر الحداثيون نازكًا وكتابها قضايا الشعر المعاصر ردة وتخلفًا.
هذه الشاعرة لم تخل من الانحرافات الاعتقادية في شعرها، ولم تسلم من لوثات الحداثيين خاصة في أول اعتناقها للحداثة على يد الأستاذ الإنجليزي الذي علمها هي والسياب والبياتي الشعر الحديث(1) في أشكاله ومضامينه الإنجليزية، وهي بطبيعة الحال تقوم على المادية ومحاربة الدين والسخرية من أصوله وفروعه ومصطلحاته، ومن هنا أخذت نازك الملائكة هذه الانحرافات واسترسلت معها حتى بعد نقدها للحداثة، والذي يهمنا في هذا المقام ذكر انحرافها في باب الألوهية متمثلًا في تأليه غير اللَّه تعالى.
تقول عن نفسها وقد مرضت حتى شارفت الهلاك:
(وستمحوا الأيام ذكر فتاة شغفتها آلهة الشعر حبًا)(2)
وتقول في مرثية غريق:
(إيه يا ضفة ما ذاك الخيال فوق صدر الموج تحت الظلمات
أإله قد تصباه الجمال؟ أم غريق عزه حبل النجاة)(3)
وتقول:
(جئت وروحي فزع صارخ باسم إله الصمت باسم العدم)(4)
وتقول تخاطب حبيبها:--------------------------------------------
(1) انظر: قضايا الشعر الحديث لجهاد فاضل: ص 290، في مقابلة مع يوسف الخال ذكر فيها هذا الأمر.
(2) ديوان نازك الملائكة 1/ 497.
(3) المصدر السابق 1/ 508.
(4) المصدر السابق 1/ 513.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٢)
(حبي الألهي النقي ظلمته ووفاء روحي الشاعري العابد)(1)
ونحوه قولها:
(أسفًا للماضي الإلهي هل ما … تت أغانيه في فؤادي الوحيد
آه يا شاعري لماذا تهاويـ … ـــت بعيدًا وراء أمسي البعيد
وأنا لم أزل صلاة لعينيـ … ــــك وإعصار لهفة وشرود
كيف ضاع الحب الإلهي يا طائري الحر فانفرجت ظنونا؟)(2)
وتحت عنوان العودة إلى المعبد، وتعني به الحب قالت:
(معبدي عادت بي الأحزان فارأف بعذابي
. . . ذهب الأمس بأوهام فؤادي ومحاها
فإذا قلبي عبد ولقد كان إلها
. . . عدت يا معبد للصمت فلن أشدو بحبي
. . . هي ذي آلهة الشعر فهل تمسح حزني
. . . معبدي افتح لقلبي الباب ولا تقس عليه)(3).
ووصفت الموسيقي الروسيّ تشايكوفسكي بأوصاف غاية في الغلو والضلال والفساد، وذلك في قصيدتها "أنشودة الأبدية"، قالت في مقدمتها: (إلى القيثارة الإلهية التي منحت الإنسانية أروع الألحان، إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسي ذكرى لمرور أربع وخمسين سنة على وفاته)(4).
ثم قالت:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 522.
(2) المصدر السابق 1/ 553 - 554.
(3) المصدر السابق 1/ 616 - 619.
(4) المصدر السابق 1/ 628.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٣)
(سأحب الحياة من أجل الحا … نك يا بلبلي الحزين وأحيا
سأرى في النجوم من نور أحلا … مك ظلًا مخلدًا أبديّا)(1)
. . . آه يا أيها الملاك إلى رو … حك في الموت حن روحي الحزين(2)
. . . من بعيد أرنوالي الهيكل السا … مي وأصغى إليك يا معبودي)(3)
. . . رقد الحالم الإلهي تحت الـ … ـــفجر حسيمًا ميتًا وروحًا أصما)(4)
. . . وعلا ذلك الجبين الأثيري … شحوب الموت المرير القاسي
وهوى ذلك الإله السماوي … على الأرض خامد الأنفاس
عبثًا قبلته آلهة الفجر … وغنته أعذب الأنغام
عبثًا ذكرته ربة موسيـ … ــــقاه بالذكريات والأحلام)(5)
فهذه نصوص جلية في الاستخفاف بلفظ "الإله" وهو توجه لم يقدر اللَّه حق قدره ولم يحفظ لألوهيته تعالى قدسيتها.
أمّا البياتي وهو من المؤسسين للحداثة، ومن السادرين في حبها والدفاع عنها، فقد امتلأت كتبه بهذا النوع من الانحراف، ولعله يرى ذلك أقل ما يُمكن قوله وفعله فقد اغتذى بالحداثة من شبابه في دار المعلمين في بغداد على يد الإنجليزي الآنف ذكره، ثم تدرج في دركات الانحراف ليصبح ماركسيًا يدافع عنه الماركسية، وينشر فكرها وألفاظها ورموزها ويتغنى بتاريخها ورجالاتها ومدنها، ومن المعلوم أن الماركسية تقوم على عقيدة الإلحاد القائلة بأن "لا إله والحياة مادة"، ومن اعتقد هذا فلا ريب أن لفظ الإله عنده غير محترم وأنه سينتكس في وحول الضلالات ويلج إليها من أوسع وأقذر الأبواب.--------------------------------------------
(1) ديوان نازك الملائكة 1/ 628.
(2) المصدر السابق 1/ 629.
(3) المصدر السابق 1/ 630.
(4) المصدر السابق 1/ 633.
(5) المصدر السابق 1/ 624.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٤)
ولولا أن من مقاصد هذا البحث بيان انحرافات أهل الحداثة من خلال كلاهم، لكان الإعراض عن كلام أشد شيعة الحداثة عتيًا أولى من ذكره.
ولنذكر الآن شواهد من كلام البياتي في تأليهه لغير اللَّه، وسخريته واستخفافه بمصطلح الإله. يتحدث في قصيدة بعنوان "ملائكة وشياطين" عن شاعر ويقصد نفسه فيقول:
(أوتاره أهداب آلهة وجناحه أشواق إنسان)(1)
ونحوه قوله:
(وماذا علي إذا لم أكن إلهًا وحلمي توارى وغاب)(2)
وتحت عنوان البعير المسعور يقول:
(هذا العبير الإلهي نشقته بالأمس وحدي من خمائل شعرها)(3)
ويقول:
(خياله يطفو على جفني وإن عنك احتجب
إلهه المقتول في كفيه قيثار خشب)(4)
ويقول عن أحلامه الشاعرية مقتديًا بوثنية اليونان في تعدد الآلهة:
(وفي الجزر النائيات التي تلوذ بها آلهات البحر
سيسمع الحاني الصائدون تغني بها الريح بين الشجر)(5)
ونحوه قوله:
(هنا رفعت للسماء العقيم قرابينها آلهات القبور)(6)--------------------------------------------
(1) ديوان البياتي 1/ 22.
(2) المصدر السابق 1/ 55 - 56.
(3) المصدر السابق 1/ 105.
(4) المصدر السابق 1/ 119.
(5) المصدر السابق 1/ 122.
(6) المصدر السابق 1/ 174.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٥)
وقوله:
(ودليل مركبي الطروب
عينان خضراوان، آلهة الربيع)(1).
وقوله:
(كان لنا فجر وكانت لنا آلهة تَمنحنا ودها)(2)
وقوله:
(وهواي كان
طفلًا إلهيًا على الأشواك يحبو في الهجير)(3).
وقوله:
(على سفح "حمرين" يا فتنتي
ومعبودتي
ليالي الشتاء الحزين)(4).
وله قصيدة بعنوان "الآلهة والمنفى"(5).
ويقول:
(بأي الهوى وبأي الدروب
تموتين يا نجمتي الشاحبه--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 177.
(2) المصدر السابق 1/ 180.
(3) المصدر السابق 1/ 185.
(4) ديوان البياتي 1/ 237.
(5) المصدر السابق 1/ 294.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٦)
إله يرود مراعي السماء
إله تطارده العاصفه
رأيت الإله على المقصله
. . . رأيت الديوك على المزبله)(1).
وفي مقطع له بعنوان "قصائد حب إلى عشتار":
(في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة)(2).
وفيه يقول:
(من هنا مرت وفي هذي الطلول الدارسة
لاحقتني لعنات الآلهة)(3).
ويقول:
(نرفع للفرات قربان إله الطين)(4).
وفي مقطع له بعنوان "مرثية إلى اخناتون" يتغنى بأمجاد الفراعنة ويمجدها ويصفها بأوصاف الألوهية وينطرح أمامها في عبودية وذل، ومما قاله فيه:
(مرتلين للإله العاشق المنفي أخناتون)(5).
(. . . بسبب الجريمة
لا تقبل الآلهة الصلاة والقربان)(6).
(على نقوش قبره المنهوب--------------------------------------------
(1) المصدر السابق 1/ 491 - 492.
(2) المصدر السابق 2/ 206.
(3) المصدر السابق 2/ 207.
(4) المصدر السابق 3/ 222.
(5) المصدر السابق 2/ 268، 269.
(6) ديوان البياتي 2/ 268، 269.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٧)