وقال العلامة الطوفي رحمه الله: "وأما اليوم الآخر فأوله ساعة الموت إلى المحشر ثم إلى الأبد إما في نعيم مخلد، وإما في في عذاب شديد "(1)
وهنا يمكن أن يقال جمعا بين ما قيل: إن بداية اليوم الآخر لكل إنسان بحسبه، فالقيامة والساعة منها خاصة و عامة؛ دلت عليها النصوص الشرعية المنيفة قال جل وعلا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187]، وهذه الساعة يراد بها الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا؛ لقوله سبحانه: {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [لأعراف: 187]. وأما قوله جل وعلا: … {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب: 63] فهي الساعة الأولى من ساعات الآخرة حيث يبعث من في القبور(2).
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هاتين القيامتين، وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور"(3)
فالقيامة الخاصة: هي موت كل إنسان بحسبه، فمن مات فقد قامت قيامته، ومن شواهده ما جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ «(4)--------------------------------------------
(1) الطوفي: شرح الأربعين النووية (170).
(2) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، و محيي الدين نجيب ص (67)
(3) ابن القيم: الروح ص (74).
(4) أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت ح (2308)، و قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف. وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، (4/ 276) وحسنه الألباني في المشكاة (5512).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وفي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم -فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: «إنْ يَعِشْ هَذَا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، حتَّى تقُومَ عَليْكُمْ سَاعتُكم «(1)
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "و المراد انخرام قرنهم ودخولهم في عالم الآخرة فإن كل من مات فقد دخل في حكم الآخرة، فبعض الناس يقول: من مات فقد قامت قيامته، وهذا الكلام بهذا المعنى صحيح "(2).
ومما يؤكد هذا المعنى قول الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن الموت معاد وبعث أول، فإن الله تعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين، يجزي فيهما الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين آمنوا بالحسنى، فالبعث الأول مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول "(3)
ومما ذُكر يتبين أن القيامة صغرى و كبرى، ولكن مدلول اليوم الآخر في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة تدلان على المعنى المتبادر إلى الذهن وهو يوم القيامة يوم الحساب و الجزاء، و لذا قال العلامة الحليمي رحمه الله: "وما بينهما لا من الدنيا و لا من الآخرة، و هو البرزخ"(4).
وبعد هذا البيان يرد تساؤل حول المفهوم العام لليوم الآخر:
هل هو خاص بما ذكرناه و أشرنا إليه: من أنه يبدأ من النفخة الثانية، إلى الاستقرار في الجنة أو النار ، أو هو شامل لما قبل ذلك مما يكون بعد الموت من أحداث؟!--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق ح (6511)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن ح … (2952).
(2) ابن كثير: النهاية في الفتن و الملاحم (1/ 28).
(3) ابن القيم: الروح ص (74).
(4) الحليمي: مختصر شعب الإيمان، اختصره: علي الشربجي، و محيي الدين نجيب ص (76)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
قرّر الإمام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية المعنى الثاني ، وهو أن الإيمان باليوم الآخر يشمل ما بعد الموت فقال: " ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم -مما يكون بعد الموت ، فيؤمنون بفتنة الموت وبعذاب القبر ونعيمه … ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم ، وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى ، فتعاد الأرواح إلى الأجساد ، وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه ، وعلى لسان رسوله ، وأجمع عليها المسلمون "(1)
ويفيد كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله أن ما بعد الموت من أحداث داخل في مسمى الإيمان باليوم الآخر. قال العلامة العيني رحمه الله في بيان شعب الإيمان: " السابعة: الإيمان باليوم الآخر ، ويدخل فيه السؤال بالقبر وعذابه والبعث والنشور، والحساب، والميزان، والصراط"(2)
" وعلى هذا فالمراد باليوم الآخر أمران:
الأول: فناء هذه العوالم كلها ، وانتهاء هذه الحياة بكاملها
الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها "(3)
منتهى اليوم الآخر: وأما منتهى اليوم الآخر فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
الأول: أنه لا آخر له ، فاليوم الآخر يبتدئ من النفخة الأولى، إلى ما لا نهاية له قال العلامة الباجوري رحمه الله: " يبدأ من وقت الحشر، إلى ما لا يتناهى على الصحيح "(4)
الثاني: آخره استقرار الخلق في الدارين ، قال العلامة أبو محمد القصري رحمه الله: " وآخره الاستقرار في الجنة والنار "(5) ، وقال العلامة ابن غنام رحمه الله: " ورجح بعض العلماء: أن مبدأها من النفخة الثانية إلى استقرار الخلق في الدارين "(6)،--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (3/ 145).
(2) العيني: عمدة القاري، (1/ 128).
(3) غالب عواجي: الحياة الآخرة (1/ 47).
(4) الدسوقي: حاشية الدسوقي على أم البراهين، ص (329) ،الرديعان: عقيدة الأشاعرة ص (474).
(5) القصري: شعب الإيمان ت: سيد كسروي ص (590)
(6) ابن غنام: العقد الثمين ص (58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
وقال العلامة العثيمين رحمه الله عن اليوم الآخر: " وسُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده ، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم ، وأهل النار في منازلهم "(1)
المطلب الثاني: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به
وفي هذا المطلب مسألتان:
المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به.
المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر.
المسألة الأولى: حقيقة اليوم الآخر والإيمان به
الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور(2):
1 - الإيمان بالبعث. 2 - الإيمان بالحساب والجزاء. 3 - الإيمان بالجنة والنار
وهذا الإيمان هو الذي عبّر عنه الإمام ابن القيم رحمه الله بالبعث الثاني ، فذكر أن "البعث الأول مفارقة الروح للبدن ، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول ، والبعث الثاني يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار ، وهو الحشر الثاني ، ولهذا في الحديث الصحيح … (وتؤمن بالبعث الآخر)، فإن البعث الأول لا يذكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب "(3)
فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل متين في عقيدة المسلمين، "بل هو ضرورة لازمة؛ لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل. لذا أخبر الله تعالى عنه إخبارا مطلقا لجميع العالم، بالحشر والبعث من القبور "(4)
"والإيمان بالبعث والحشر ، وبالحساب والجزاء ، عنصر أصيل في العقيدة لا يستقيم منهجها إلا به ، فلا بد من عالم مرتقب ، يكمل فيه الجزاء … ويتناسق فيه العمل والأجر ، ويتعلق به القلب ، وتحسب حسابه النفس ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض ، على أساس ما ينتظره هناك "(5).
والإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى ، ولذا كثيرا ما يُقرن الله جل وعلا، الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر ، وهذا يدل على أهميته.--------------------------------------------
(1) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (37).
(2) العثيمين: نبذة في العقيدة ص (37) ، الأشقر: نحو ثقافة أصيلة ص (239).
(3) ابن القيم: الروح، ص (74).
(4) الزحيلي: التفسير الوسيط (3/ 1987).
(5) أحمد فائز: اليوم الآخر في ظلال القرآن ص (13).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ولذا اختص الله عز وجل ، بملكه فقال سبحانه وتعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}
وهنا يرد التساؤل: ما وجه الاختصاص؟ مع كونه سبحانه وتعالى مالكاً لكل الأشياء؟
قيل: تهويلاً وتعظيماً لشأنه.
وقيل: لأنه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم ، بخلاف الدنيا فإنه يحكم فيها الولاة والقضاة ، ولا يملك أحد الحكم في ذلك اليوم إلا الله عز وجل.(1)
وقيل: لأنه اليوم الذي يضطر فيه المخلوقون إلى أن يعرفوا أن الأمر كله لله ألا تراه يقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)} [الانفطار: 19]، فهو اليوم الذي لا يملك فيه أحد لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا(2).
وقيل: لأنهم في الدنيا كانوا منازعين لله تعالى في الملك، كفرعون والنمرود وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، فالكل خاضع له(3).
وقيل: لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} … [الفاتحة] فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله:" مالك يوم الدين"؛ ليعلم أنه الملك في الدارين(4).
فالله جل جلاله، وتقدست أسماؤه وتعالى جده ، وتعاظم أمره ، لا منازع له في الملك ، ولا مغالب له في الأمر سبحانه وبحمده.
ولذا كان أخنع وأذل وأوضع وأفجر اسم في الدنيا رجل يسمى بملك الأملاك، فإنه لا مالك إلا الله سبحانه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ «(5)--------------------------------------------
(1) الواحدي: التفسير الوسيط (1/ 67).
(2) الزجاج: معاني القران (1/ 47).
(3) السمرقندي: بحر العلوم (1/ 17).
(4) الثعلبي: الكشف والبيان (1/ 116).
(5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى ح (6206)،وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك وملك الملوك ح (2142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وفي رواية لمسلم: «أغْيَظُ رجلٍ على اللهِ يومَ القيامةِ، وأخبثُه وأغيظُه عليه رجلٌ كان يسمَّى ملِكَ الأملاكِ لا ملِك إلا اللهُ «(1)،وفي رواية: … «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على من زعم أنه ملِكُ الأملاكِ، لا ملِكَ إلا اللهُ «(2)
فإنه" لا مالك لجميع الخلائق إلا الله وحده ، ومالكية الغير مستردة إلى ملك الملوك، فمن تسمى بذلك نازع الله في رداء كبريائه ، واستنكف أن يكون عبدا له "(3)
" فالذي تسمى بهذا الاسم، قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل، بل هو حقيق برب العالمين، فإنه الملك في الحقيقة ، فلذا كان أذل الناس عند الله يوم القيامة "(4)
ولذا لما كان بعض الخليقة تنازعه نفسه للملك ، المؤدي للتعالي والكبرياء، قال سبحانه وتعالى مذكرا أن هذا الملك زائل ، وأنه جل وعلا هو المتفرد به قال سبحانه: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)}، فليس فيه مَلِكٌ سواه سبحانه.
وعليه: فإن " المعاد أصل لازم للتصديق بدعوات الأنبياء المشحونة بالنصوص القاطعة بإثباته، وهو أيضا لازم وعد الله بالثواب ، والوعيد بالعقاب ، وهما من لوازم التكليف، ولوازم العدل الإلهي، ولوازم الغائية والهدفية في الحياة المنافية للعبث الذي لا محل له للحكمة والعدل الإلهيين"(5)
والمراد بالإيمان باليوم الآخر " التصديق بما يقع فيه من الحساب والجزاء والجنة و النار"(6).--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيح كتاب الآداب باب تحريم التسمي بملك الأملاك ح (2143)،.
(2) أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف ح (36793) وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (988).
(3) ((4) المناوي: التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 52) ، المناوي: فيض القدير (1/ 219).
(4) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد، ص (548) ، انظر: الخطابي: معالم السنن (4/ 129) العراقي: طرح التثريب (8/ 152)
(5) الكعبي: المعاد يوم القيامة، مركز الرسالة، دون ذكر رقم الطبعة وتأريخها، ص (12).
(6) ابن حجر: فتح الباري (1/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
قال العلامة الحليمي رحمه الله:" معناه: التصديق بأن لأيام الدنيا آخرا أي: أن الدنيا منقضية ، وهذا العالم يوما بعد يوم ينقص صنعه، وينحل تركيبه"(1).
" فهو التصديق الجازم بإتيانه ، وبجميع تفاصيله ، والعمل بموجب ذلك"(2).
وهو يعني: " اليوم الذي سيعيد الله تعالى البشر-كل البشر - إلى الحياة من جديد، في عالم غير عالمنا هذا ، بعد أن يأتي الفناء على الكون والإنسان".(3)
إن معالم هذا التصديق القلبي تنعكس على جوارح المُصدِّق، فمن أيقن أن هذا الكون الفسيح العامر ، الذي يعيش في أرجائه ويتنفس من هوائه ، ويستمتع بأجوائه ، سيلحقه الفناء، أورث في قلبه خوفا وخشية، قادته إلى إعمار هذا الكون الفسيح بالطاعة ، وقَللت رغبات النفس الجامحة للركون إليه فارتسمت أمامه معالم الطريق الصحيح للسير والمسير إلى الله تعالى.
المسألة الثانية: أسماء اليوم الآخر:
اليوم الآخر اسم من أسماء يوم القيامة، وأسماء يوم القيامة جاءت على أنحاء متعددة:
-فنحوٌ منه "ملاحظ فيها التسمية باليوم؛ أخذا من الظرف الزماني المرافق لهذه الحياة
- وأسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار؛ أخذا من الظرف المكاني المستلزم لهذه الحياة المادية الثانية.
- وأسماء أخرى ملاحظ فيها معنى تحقق وقوع ذلك اليوم(4).
وأسماء اليوم الآخر كثيرة، قد تتبعها العلماء، وسردوها ، وبينوا معانيها. وقد اهتم بها جماعة من أهل العلم والفضل ، كالغزالي في الإحياء، والقرطبي في التذكرة، وابن كثير في النهاية، وابن العربي في سراج المريدين، وغيرهم كثيرون.--------------------------------------------
(1) الحليمي: مختصر شعب الإيمان،، اختصره: علي الشربجي، و محيي الدين نجيب (75)
(2) الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (5).
(3) عبدالله نعمة: عقيدتنا: ص (212) ، ابن حميد: الفتاوى والدروس في المسجد الحرام،: ص (100) ، الفوزان: شرح الواسطيه: (107).
(4) حبنكه الميداني: العقيدة الإسلامية: ص (538).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
قال الإمام الغزالي رحمه الله:"وقد وصف الله بعض دواهيها ، وأكثر من أساميها؛ لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها ، فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب، بل الغرض تنبيه أولي الألباب. فتحت كل اسم من أسماء يوم القيامة سر ، وفي كل نعت من نعوتها معنى ، فاحرص على معرفة معانيها "(1)
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: " ولِعِظَمِها أكثر الناس السؤال عنها .... وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكذا أسماؤه. وهذا جميع كلام العرب … فالقيامة لما عظم أمرها ، وكثرت أهوالها ، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة "(2)
وقال العلامة ابن عماد الأفقهسي رحمه الله: " ولا جرم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ، أو على عظمه ، أو تهويل أمره ، ولهذا أقسم الله به "(3)
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: " اعلم أن الله تعالى، سمى يوم القيامة في كتابه العزيز بأسماء كثيرة، نحو مائة اسم منها ما هو في القرآن بلفظه ، ومنها ما أخذ بطريق الاشتقاق ، وكثرة الأسماء دالة على عظم المسمّى "(4)
وقال العلامة البرديسي رحمه الله: " اعلم أن العرب تسمي الشيء بأسماء كثيرة ، وتجعل له ألقاباً عديدة؛ تعظيماً لشأنه ، وإكباراً لأمره ، وقد سمى الله يوم القيامة أسماء كثيرة "(5)
فأسماؤها حين تطرق السمع ، يقع أثرها في القلب. فهل يوم القيامة بهذا الشأن العظيم، حتى تكثر أسماؤه ، وتتعدد صفاته؟!--------------------------------------------
(1) ((الغزالي: إحياء علوم الدين: (4/ 516).
(2) ((القرطبي: التذكرة ص (243).
(3) الأقفهسي: الإرشاد: (2/ 574).
(4) السيوطي: البدور السافرة ص (71).
(5) عواجي: الحياة الآخرة: (1/ 45) ، الوابل ، أشراط الساعة: ص (37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
بنظرة تأمل واحدة في كتاب الله عز وجل ، يجد المرء إجابة شافية على تساؤله، فالله عز وجل خوّف عباده بهذا اليوم ، وذكّرهم وبيّن لهم بعض أخباره وأحواله وأهواله، قال جل شأنه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1)} … [الزلزلة:1] ، فهذا مشهد من مشاهد القيامة، متى تأمله الإنسان بحق، رق قلبه، وخفق فؤاده، ورعدت فرائصه؛ لأنه يرى ويناظر أثر الزلازل المدمرة في هذا العالم المشهود. فهذه الأرض المستقرة، يتغير شأنها، ويتبدل حالها وتزلزل بمن فيها، ولذا يقول المولى سبحانه: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1)}، أي:" إذا تحركت الأرض بأهلها، فزلزلت من نواحيها، وارتجت من مشرقها ومغربها، فلا تزال كذلك حتى يكسر ما على ظهرها من جبل وبناء فلا تسكن حتى يدخل في بطنها جميع ما يخرج منها. وزلزلتها من شدة صوت إسرافيل عليه السلام وذلك إذا فرغت أحيان الدنيا وساعاتها وشهورها وأوقاتها وأعوامها وأيامها وحلالها وحرامها "(1)
ومع خلاف العلماء في هذه الزلزلة ، هل هي بعد النفخة الثانية وقيام الناس من قبورهم ، أو قبلها عند النفخة الأولى؟(2)
إلا أن هول المطلع ، وشدة المفزع ، وذهول المرضع ، وإسقاط الحامل الموجع دليل على شدة هذا اليوم وعظيم هوله.
ولذا ليس عجباً أن يسمى بهذه الأسماء المفزعة ، ويوصف بهذه الأوصاف المخيفة، فهو يوم الطامة والصآخة والقارعة والواقعة. فالله جل وعلا يذّكر … ويخوّف بهذا اليوم العظيم؛ " لينتهوا عما نهاهم عنه من العصيان، ويمتثلوا ما أمرهم به من الطاعة والإيمان.
وخوفهم من يوم القيامة؛ ليستعدوا لها، ولعظيم أهوالها "(3)
المطلب الثالث: سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم:--------------------------------------------
(1) ابن الجوزي: بستان الواعظين ص (26).
(2) السيوطي: البدور السافرة ص (46).
(3) ابن الجوزي: بستان الواعظين ص (26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
إذا أدبرت الدنيا حلت الآخرة ، التي هي آخر مراحل الإنسان ، فتنقضي الأزمان ، وتفنى الأعوام ، وتختفي المعالم. فهو يوم لا ليل بعده، لذا وصف بالآخر؛ لأنه لا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل(1)
وذكر العلماء في سبب تسمية اليوم الآخر بهذا الاسم عدة أوجه:
قال الإمام الطبري رحمه الله: " فكذلك الدار الآخرة ، سميت آخرة؛ لتقدم الدار الأولى أمامها ، فصارت التالية لها آخرة ، وقد يجوز أن تكون سميت آخرة؛ لتأخرها عن الخلق ، كما سميت الدنيا " دنيا " لدنوها من الخلق "(2)
وقال العلامة السمرقندي رحمه الله: " لأنه لا يكون بعده ليل ، فيصير بمنزلة يوم واحد "(3)
وقال الإمام البغوي رحمه الله: " وسميت الآخرة آخرة؛ لتأخرها ، وكونها بعد فناء الدنيا "(4)
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك؛ لأنه آخر أيام الدنيا ، أو آخر الأزمنة المحدودة "(5)
وقال العلامة ابن باز رحمه الله: " سمي الآخر؛ لأنه دبر الدنيا ، الدنيا ثم يوم القيامة "(6)، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: " لأنه لا يوم بعده "(7)
فاليوم الآخر يوم طويل ، لا يكون حتى تفنى الدنيا وما عليها. تقف فيه الخلائق حتى يُقضى بينها، ففريق في الجنة وفريق في السعير. وقد فاز من حاز الدول الثلاث فيها ، قال أبوبكر الواسطي: " الدول ثلاث: دولة الحياة ودولة الموت ، ودولة يوم القيامة.
فأما دولة الحياة: فإنه يعيش فيها في طاعة الله تعالى.
وأما دولته عند الموت: بأن تخرج روحة عند شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما الدولة الصحيحة: فدولة يوم القيامة البشرى ، فحين يخرج من القبر يأتيه البشير بالجنة "(8)
* * *--------------------------------------------
(1) الثعالبي: الجواهر الحسان: (1/ 187).
(2) الطبري: جامع البيان: (1/ 245).
(3) السمرقندي: بحر العلوم: (2/ 495).
(4) البغوي: معالم التنزيل: (1/ 85).
(5) ابن حجر: فتح الباري: (1/ 118) ، السمعاني: تفسير القرآن: (1/ 44)، ابن الجوزي: زاد المسير (1/ 29) ، الخازن: لباب التأويل (1/ 25) ، ابن علان: دليل الفالحين: (5/ 181).
(6) ابن باز: عقيدة أهل السنة والجماعة: موقع الشيخ الرسمي على الشبكة العنكبوتية، وهي عبارة عن محاضرة ألقيت في الرياض بتأريخ: 7/ 6/1415 هـ.
(7) ابن عثيمين: شرح ثلاثة الأصول: ص (100).
(8) السمرقندي: تنبيه الغافلين: ص (65).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر
وتحته المطالب التالية:
المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟
المسألة الثانية: قصر المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط.
المسألة الثالثة: ظن المتكلمين أن القول بالبعث والمعاد متوقف على نظرية الجوهر الفرد.
المطلب الثاني: اتفاق الشرائع على الإيمان باليوم الآخر.
المطلب الثالث: القدر المجزئ في الإيمان باليوم الآخر؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
المبحث الثاني حكم الإيمان باليوم الآخر:
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم الإيمان باليوم الآخر، وحكم منكره؟:
الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول العقيدة، وركن من أركان الإيمان. وقد استفاضت نصوص الوحيين بذكر أخباره وأحداثه، والرد على منكريه " فالعلم به من ضروريات الإيمان "(1).
وقال جل شأنه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة:177] … والبر بمعنى: التقوى والإيمان، واليوم الآخر من البر، فهو من الإيمان.(2)
فالإيمان باليوم الآخر حتم لازم، لا يتم إيمان العبد إلا به، قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} [النساء:136].--------------------------------------------
(1) ابن عثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (2/ 71).
(2) ابن أبي حاتم: تفسير ابن أبي حاتم: (1/ 287)، الماوردي: النكت والعيون،: (1/ 225)، العثيمين: تفسير الفاتحة والبقرة: (2/ 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وصرح الأئمة - رحمهم الله تعالى - على كفر من كفر بواحدة منها:
يقول الإمام الطبري: " فإن معناه: ومن يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله؛ لأن جحود شيء من ذلك بمعنى جحود جميعه؛ ولأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالإيمان بما أمره الله بالإيمان به، والكفر بشيء منه كفر بجميعه "(1)
ويقول العلامة النسفي: " ومن يكفر بشيء من ذلك {الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} لأن الكفر ببعضه كفر بكله "(2).
ويقول الإمام ابن تيمية: " فإن من كفر بالله فقد كفر بهذا كله، فالمعطوف لازم للمعطوف عليه "(3).
ويقول العلامة القاسمي: " فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره. فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله، إذ كذب رسله وكتبه، وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل، فكان كافرا "(4)، وأشار إلى خطورة الكفر باليوم الآخر، إذ الكفر " باليوم الآخر كفر بدوام ربوبيته وعدله " سبحانه وتعالى، وأن الكفر به يدعو إلى " الاجتراء على القبائح "(5).
ويقول العلامة السعدي: " واعلم أن الكفر بشيء من هذه الأمور المذكورة كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض "(6)
وقد عبر القرآن الكريم عن الكفر بهذه الأركان بالضلال البعيد، " والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال الذي لا يرجى معه هدى، ولا يرتقب بعده مآب "(7).--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان ت: أحمد محمد شاكر ص (9/ 31).
(2) النسفي: مدارك التنزيل: (1/ 405).
(3) ابن تيمية: الإيمان: (1/ 138).
(4) القاسمي: محاسن التأويل: (3/ 334).
(5) القاسمي: محاسن التأويل: (3/ 370).
(6) السعدي: تيسير الكريم الرحمن: ت عبدالرحمن اللويحق ص (172).
(7) سيد قطب: في ظلال القرآن: (2/ 778).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
يقول الإمام الطبري عن معنى الضلال البعيد: " فإنه يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك، ذهابا وجورا بعيدا؛ لأن كفر من كفر بذلك، خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده، والخروج عن دين الله الهلاك الذي فيه البوار، والضلال عن الهدى هو الضلال "(1).
فالإيمان باليوم الآخر ركن ركين، وأصل أصيل، فـ " يجب على المكلف أن يُؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر "(2)، ولذا فإن الإيمان بمعاد الأبدان من أصول الإيمان(3).
يقول الإمام الطحاوي: " والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى ونحن نُؤمن بذلك كله "(4)،
ويقول الإمام ابن قدامة: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه، أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه … والبعث بعد الموت حق "(5).
ويقول العلامة الطوفي: " فيجب الإيمان بما بين الموت إلى دخول إحدى الدارين فما بعد ذلك، مما صحت به نصوص الشرع "(6).
ويقول الشيخ النابلسي: " واعلم - يأخي - أن اليوم الآخر وجميع ما فيه من الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، مما وردت به الأخبار الصحيحة، حق لا شبهة فيه. يفترض الإيمان به من غير تصور ولا تخيل لشيء منه؛ ولأن ذلك خارج عن معقولنا الدنيوي ومحسوسنا "(7)--------------------------------------------
(1) الطبري: جامع البيان: ص (9/ 314).
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى (3/ 327).
(3) ابن تيمية: بغية المرتاد: (1/ 342).
(4) الطحاوي: شرح الطحاوية لابن أبي العز: ص (362).
(5) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد: ص (28 - 31).
(6) الطوفي: شرح الإربعين النووية: ص (170).
(7) عبد الغني النابلسي: ثبوت القدمين في سؤال الملكين: (19) العقيدة الإسلامية: ابن عزوز ص … (309).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب الإيمان باليوم الآخر، ووجوب اعتقاده والتصديق به، فمن أنكره فهو كافر، يقول جل وعلا: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} [التغابن:7] ففي هذه الآية الكريمة أكد المولى عز وجل الإخبار باليوم الآخر باليمين لأن التهديد به أعظم في القلب، فكأنه قيل لهم: ما تنكرونه واقع لا محالة أُقسم لكم بربي، (ثم لتُنبئن بما عملتم) أي: لتحاسبن ولتجزون بأعمالكم من خير وشر، (وذلك) البعث والجزاء، (على الله يسير) لتحقق القدرة.(1)
وإن إنكار المعاد واليوم الآخر، سبب لإنكار ما عداه، " فإن منشأ إنكار المشركين لوحدانية الله، وتكذيبهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وطعنهم بالقرآن هو: إنكار يوم القيامة، وعدم الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من آمن به تبصر وتدبر ولم يكن متهورا في سوء الاعتقاد "(2).
وذكر سبحانه وتعالى أن عدم الإيمان باليوم الآخر سبب من أسباب عدم قبول الحق الذي دعوا إليه، فقال جل وعلا: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)} [النحل:22] " فذكر سببين حائلين بينهم، وبين قبول الحق الذي دعوا إليه، فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر … والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما قد عُرف من حال الأمم "(3)
فكفر منكر اليوم الآخر ظاهر، يقول الإمام أبو حيان: " فمن أنكر الملائكة، أو القيامة فهو كافر "(4).--------------------------------------------
(1) المنصوري: المقتطف من عيون التفاسير ت: محمد الصابوني، (5/ 259).
(2) الزحيلي: التفسير المنير، دار الفكر المعاصر - دمشق، ط 2 - 1418 هـ، (19/ 32).
(3) عبد اللطيف آل الشيخ: عيون الرسائل والأجوبة على المسائل (2/ 654)، وانظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (1/ 376).
(4) أبو حيان: البحر المحيط: (4/ 99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وقد ذكر أبو الفرج الشيرازي في جزئه الموسوم (امتحان السني من البدعي) أن من أنكر البعث واليوم الآخر فهو كافر فقال: " يُسأل عن البعث بعد الموت، فإن آمن فهو سني، وإن أنكره فهو حشيشي معطلي دهري "(1).
" فالإيمان باليوم الآخر فرع عن الإيمان بالله، وكذلك التكذيب بهذا اليوم كفرا بالله "(2)، ومعلوم أن طوائف من الكفار والمشركين وغيرهم، قد أنكروا هذا المعاد بالكلية، فلا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا بمعاد الأجساد.(3) … فحال من أنكر البعث كحال البهائم، {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف:179]، فـ " يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل شقاء الآخرة "(4).--------------------------------------------
(1) أبو الفرج الشيرازي: امتحان السني من البدعي، ت: د. فهد المقرن، ص (269).
(2) عبد الحمن عبد الخالق: الحد الفاصل بين الإيمان والكفر:، ص (48)، انظر: الخميس: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص (461)، الفوزان: شرح الواسطية ص (111) هراس: شرح الواسطية، ص (234) صالح آل الشيخ: شرح الطحاوية (2/ 1030).
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (4/ 313).
(4) محمد رشيد رضا: تفسير المنار،: (2/ 92).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فالواجب على المكلف الإيمان بهذا الركن العظيم، يقول العلامة السفاريني: " واعلم أنه يجب الجزم شرعا، أن الله تعالى يبعث جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية، وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء. فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع، وكل ما هو كذلك فهو ثابت، والإخبار عنه مطابق "(1). وهذا مقتضى الإيمان بقوله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، وهو يعم الآخرة، ولكن ذكرها المولى عز وجل، ونصَّ عليها ثانيا؛ " لِعِظَمِها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها "(2).
ونُشير في هذا المقام: إلى انحراف المتكلمين، وجنوحهم عن طريق الهدى وبعدهم عن الصواب في باب اليوم الآخر، وذلك من جهتين:
الأولى: قصرهم أدلة إثبات اليوم الآخر، وأحواله، وأهواله في السمعيات فقط.
الثانية: ظنهم أن القول باليوم الآخر، لا يُعرف إلا بإثبات نظرية الجوهر الفرد.
وهاتان الجهتان هما موضوع المسألة الثانية والثالثة.
المسألة الثانية: قصرُ المتكلمين أدلة إثبات اليوم الآخر في السمعيات فقط:
بيان حكم هذه المسألة في النقاط التالية:
1 - المراد بالسمعيات (الغيبيات):
السمعيات في مقابل العقليات والنظريات، فما كان طريق العلم به العقل يُسمى: العقليات أو النظريات، ولهذا يُقال لعلماء هذا الشأن: النُظار.
فالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب، أو السنة … أو الآثار مما ليس للعقل فيه مجال.(3)--------------------------------------------
(1) السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (2/ 159).
(2) ابن عطية: المحرر الوجيز: (1/ 70 (: (1/ 140).
(3) السفاريني: لوامع الأنوار البهية: (2/ 3)، شهاب الدين الخفاجي: حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (1/ 13)، ابن تيمية: شرح الأصفهانية: ص (168)، ابن حجر: فتح الباري: … (13/ 353)، العثيمين: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: (5/ 51)، الحمد: مصطلحات في كتب العقائد: ص (120).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وربما سُمي هذا المصطلح بالدليل السمعي، أو الدليل النقلي، أو الأدلة المأثورة، أو الأدلة الخبرية، أو الأدلة الشرعية، ونحو هذا، وكلها تدل على معنى واحد، وهو: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، التي لا مجال للعقل فيها.(1)
جاء في الموسوعة الفقهية: " السمعيات: هي الأمور التي يتوقف عليها السمع كالمعاد، وأسباب السعادة والشقاء من الإيمان والطاعة، والكفر والمعصية "(2).
وقال الإمام الجصاص: " السمعيات طريقها السمع، ولا مدخل للعقل في إثباته "(3)، " فأما الأمور التي يتوقف عليها ثبوت الكتاب والسنة فهي مباحث النبوة، وما يتعلق بها؛ إذ لا يمكن التصديق بالكتاب والسنة إلا بعد التصديق برسالة من جاء بهما. وأما الأمور التي تتوقف على الكتاب والسنة فهي الأمور الغيبية التي لا يمكن لعقل أن يستقل بإدراكها، كالصراط، والميزان، والحشر … ، فالسمعيات هي: الاعتقادات التي لا يستقل العقل بإثباتها، وإنما يتوقف إثباتها على الأدلة السمعية "(4).
وقال الإمام ابن تيمية: " أما المتكلمة المتبعون للنبوات، فغرضهم في الغالب إنما هو إثبات صانع هذا العالم، والصفات التي بها ثبتت النبوة على طريقهم، ثم إذا أثبتوا النبوة تلقوا منها السمعيات وهي الكتاب والسنة والإجماع، وفروع ذلك "(5).
وقسم إمام الحرمين الجويني الأدلة إلى قسمين: أدلة عقلية، وأدلة سمعية وأشار إلى المميز بينهما فقال: " والمميز بينها وبين العقليات: أنها لا تدل بأنفسها ولكن تدل بنصب ناصب لها أدلة "(6).--------------------------------------------
(1) ((الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (12).
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية: (25/ 254).
(3) الجصاص: الفصول في الأصول: (3/ 386).
(4) مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، 1431 هـ، (171).
(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (2/ 21).
(6) الجويني: التلخيص في أصول الفقه: (2/ 207).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
ثم ذكر العلماء أن الضابط في السمعيات: " أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك "(1).
فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما يُخبرون بما تحار فيه العقول، لا بما تُحيله، يقول الإمام ابن تيمية: " يجب الفرق بين ما يقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته. بين ما لا يعلم العقل ثبوته، وبين ما يعلم العقل انتفاءه، بين محارات العقول، ومحالات العقول. فإن الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - قد يخبرون بمحارات العقول، وهو ما تعجز العقول عن معرفته، ولا يخبرون بمحالات العقول، وهو ما يعلم العقل استحالته "(2).
وقال في موضع آخر: " يجب الفرق بين ما يعلم العقل بطلانه وامتناعه وبين ما يعجز العقل عن تصوره ومعرفته. فالأول: من محالات العقول والثاني: من محارات العقول، والرسل يخبرون بالثاني "(3).
وعليه يُعرف أن: " السمعيات: كل ما ثبت بالسمع، أي: بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل "(4)، وتسمى بالغيبيات؛ " لأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدل عليها دلالة قطعية "(5).
2 - العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح:--------------------------------------------
(1) محمد يسري: مبادئ ومقدمات علم التوحيد:، ص (137).
(2) ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية: (2/ 361)، (8/ 533).
(3) ابن تيمية: الجواب الصحيح: (4/ 391)، درء تعارض العقل والنقل،: (5/ 296)، (7/ 327).
(4) ابن عثيمين: تعليق مختصر على لمعة الاعتقاد: ص (101).
(5) مؤيد حسن: مباحث النبوات والسمعيات، بحث علمي مقدم لكلية أصول الدين، الجامعة الإسلامية بغداد، 1431 هـ، (171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
إذا عُلم أن السمعيات هي: أدلة الشرع التي لا مدخل للعقل فيها، فلا يدل ذلك على تنافيها مع العقل، أو تناقضها معه، بل " الأدلة السمعية التي جاءت بها الأنبياء لا تتناقض، وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية، ولا تتناقض السمعيات والعقليات "(1)، وشرط صحة عدم التناقض: أن يكون الدليل النقلي صحيحا، وأن يكون الدليل العقلي صريحا، " والعقل الصريح: هو الخالي من الشبهات والشهوات، والنقل الصحيح: هو السالم من العلل والقوادح "(2)، ولذا قال الإمام ابن تيمية: " وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات، حتى جعلت ما ليس معقولا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول صلى الله عليه وسلم، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان. فيجب ان يُعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، وأن ما عُلم بمعقول صريح، لا يخالفه قط خبر صحيح، ولا حس صحيح. وكذلك ما عُلم بالسمع الصحيح، لا يعارضه عقل وحس وكذلك ما عُلم بالحس الصحيح، لا يناقضه خبر ولا معقول "(3).
وقد انبرى بعض المتكلمين حين أعيتهم الحيلة، للجمع بين نصوص الشرع الصحيحة، ومؤيدات العقل الصريحة، وحين لم يُسلموا لظواهر نصوص الشرع المطهر، فسنوا قانونا زعموا أنه كلي يُرجع إليه حين تتعارض النصوص النقلية مع العقل، وجعلوها من المتشابهات.
ونحن حين نعتقد، أنه لا يمكن أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح كما قال علماء أهل السنة، " فلا يُتصور أن يتعارض عقل صريح، ونقل صحيح أبدا "(4)، نجد أن بعض علماء الكلام أطروا وسطروا قوانينهم التي يظنون أنها مؤيدة للعقل، والعقل منها براء.--------------------------------------------
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (6/ 302).
(2) الحمد: الإيمان باليوم الآخر: ص (18).
(3) ابن تيمية: الجواب الصحيح: ص (4/ 394).
(4) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ص (166).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)