Arabic source text

📘 মাওসূআতুত তাফসীরিল মাসূর (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة التفسير المأثور (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুত তাফসীরিল মাসূর (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومما يجدر ذكره أن في خلافته علا نجم ابن عباس في علم التفسير، بتصديه له في مجامع جديدة كالكوفة والبصرة، خصوصًا بعد مناظرته الخوارج وإقناع أغلبهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين.

*‌‌ معالم التفسير في عهد كبار الصحابة:
من خلال ما سبق من دراسة تاريخية للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين يمكننا تجلية أبرز معالم التفسير في ذلك العهد الراشد، وذلك في النقاط التالية:
أولًا: ظهور مجالس التفسير، وما يمكن وصفه بالتعليم المنظم، حيث كان لبعض الصحابة مجالس خاصة للتفسير، كعمر وابن مسعود رضي الله عنهما(1). وترتب على ذلك آثار من أهمها: أن التفسير صار علمًا مستقلًّا قائمًا بذاته.
ثانيًا: بروز بعض مصادر التفسير: ويتجلى ذلك فيما يلي:
1 - بروز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، وبروز القول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس رضي الله عنهم.
2 - بروز بدايات التفسير اللغوي ووضع أسسه، كما تقدم في توجيهات عمر رضي الله عنه.
3 - ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير، وهذا من خلال سؤالات الصحابة لبعض أهل الكتاب ومن أسلم منهم، كسؤالات ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما لكعب الأحبار، ومن خلال رجوع بعضهم لكتب أهل الكتاب، كما وقع من عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ولكن كان هذا قليلًا بالنسبة للعصور التالية.
4 - مما سبق يمكن القول: إن للتفسير في عهد الخلفاء الراشدين مصدرين رئيسين: السُّنَّة، والاجتهاد، وكل منهما مصدر كلي، سواء في تفسير آي الأحكام أو الأخبار. ومصدر ثالث جزئي متعلق بآي الأخبار؛ وهو الإسرائيليات.
ثالثًا: الاشارة إلى مسائل متعلقة بالخلاف في التفسير وضوابط القبول والترجيح فيه: من ذلك:
1 - بروز الاستدراك على القول الضعيف أو المرجوح في التفسير، كما تقدم في تنبيه أبي بكر رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، وفي استدراك عليٍّ رضي الله عنه على ابن عباس في تفسير العاديات.(1) وسيأتي مزيد أمثلة وإيضاح في مسألة طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٠)

2 - بروز الاحتمالات المتعددة للنص القرآني، واختلاف التنوع في تفسيراتهم، كما رأينا في تفسير العاديات بين علي وابن عباس رضي الله عنهما، بل والتنبيه على أهمية معرفة ذلك، يتضح ذلك في قول أبي الدرداء رضي الله عنه: "إنك لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا"(1).
3 - ظهور مبادئ الترجيح، باعتماد الأحوال المتعلقة بالتنزيل، كما في قصة تفسير العاديات.
4 - التنبيه على ضابط قبول أخبار أهل الكتب السابقة عن أمور الغيب، كما يتضح من رد عليٍّ رضي الله عنه على جواب اليهودي حين سأله: أين جهنم؟
رابعًا: بيان بعض آداب المفسر والعلوم التي يحتاجها: من ذلك:
1 - التحذير من الخوض في تفسير القرآن بغير علم، مع تطبيق ذلك واقعيًّا، يتضح ذلك من قول أبي بكر رضي الله عنه: "أيّ أرضٍ تقلني، وأيّ سماءٍ تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم"، وموقف عمر رضي الله عنه عندما قال في قوله تعالى: {وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 28 - 31] كل هذا قد علمناه، فما الأب؟ ثم ضرب بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه(2).
2 - التنبيه على أهمية إلمام المتصدي للتفسير ببعض علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ، كما يتضح ذلك من موقف علي مع الرجل القاص.
خامسًا: ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد عمر، والتوسع في ذلك في عهد علي، من خلال تجرؤ بعض أهل الأهواء، بسبب الظروف والأحوال التي اكتنفت مدة خلافته.
سادسًا: ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد، ومن ثَمَّ بداية وقوع الانحراف في التفسير، وذلك في أواخر خلافة علي رضي الله عنه(3).(1) طبقات ابن سعد 2/ 357، وفي تفسير البغوي 1/ 46: "قال حمادٌ: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء رضي الله عنه؟ فجعل يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوهًا فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذلك، هو ذاك".
(2) تفسير ابن جرير 24/ 123.
(3) سيأتي مزيد تفصيل وأمثلة لذلك في مبحث "أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف".

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١١)

سابعًا: كان التفسير قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، ثم دوّن ضمن ما دوّن من السُّنَّة، ومن هنا لم يظهر تدوين خاصٌ بالتفسير.
ثامنًا: تدرج التوسع في التفسير وتطوره حسب حاجة الناس إلى ذلك، وكلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة ومنازل الوحي كانت الحاجة أشد، يظهر ذلك جليَّا من خلال الموازنة بين عهد أبي بكر رضي الله عنه، وعهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي تصدى للتفسير بعد انتقاله إلى الكوفة، وبادر إلى توضيح بعض معاني القرآن، عندما رأى حاجة الناس إلى ذلك.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٢)

‌‌المطلب الثاني التفسير في عصر صغار الصحابة، وكبار التابعين (عصر الدولة الأموية السفيانية)(1)
يشمل هذا العهد في الواقع طبقتين متعاصرتين من طبقات السلف، هم طبقة صغار الصحابة، وطبقة كبار التابعين؛ خصوصًا المخضرمين منهم، لأنهم في الأصل من جيل الصحابة وفي أسنانهم، وأقرانٌ لهم من حيث الإدراك الزمني، لكن لم يشرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُعَدُّوا في طبقتهم(2). وجعلناه عهد صغار الصحابة لأنهم هم الأغلب ممن بقي من الصحابة، ومن بقي من كبار الصحابة توفي في أول هذا العهد كأبي موسى الأشعري (ت: 44 هـ)، وسعد بن أبي وقاص (ت: 55 هـ) رضي الله عنهما.
يمتد هذا العهد من بداية حكم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عام 40 هـ إلى استشهاد ابن الزبير رضي الله عنهما عام 73 هـ، ويتكوّن من ثلاثة عهود: عهد معاوية (41 - 60 هـ) وعهد ابنه يزيد (61 - 64 هـ)، وعهد ابن الزبير (66 - 73 هـ).

*‌‌ أولًا: عهد معاوية بن أبي سفيان:
أزهى عهد في عصر الدولة الأموية السفيانية هو عهد خلافة معاوية رضي الله عنه؛ الذي استقبله المسلمون استقبالًا حسنًا، واجتمعت كلمتهم عليه بعد الفرقة والاختلاف،(1) وهذا من باب التغليب وإلا فإن ابن الزبير حكم خلالها بضع سنين.
(2) وامتدادهم يشمل القرن الأول بأكمله؛ لأن منهم من أدرك الجاهلية وامتد به العمر إلى أواخر القرن الهجري الأول، كأبي عثمان النهدي (ت: 95 هـ)، وأبي رجاء العطاردي (ت: 105 هـ) ، وفي المقابل نجد أن منهم من توفي في عهد الخلفاء الراشدين ككعب الأحبار (ت: 32 هـ) كما تقدم. كما أن منهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتوفي في آخر القرن الأول كأبي العالية (ت: 90 هـ)، أو قبلها بقليل، وكأبي وائل (ت: 82 هـ)، ومنهم من توفي في هذا العهد أو بعده بقليل كمسروق (ت: 62 هـ) وعلقمة (ت: 63 هـ)، وابن أخيه الأسود بن يزيد (ت: 75 هـ)، ومنهم من ولد في بداية الخلافة الراشدة وامتد به العمر إلى آخر القرن كسعيد بن المسيب (ت: 94 هـ)، لكن أستطيع القول أن أغلبهم كان في هذه الدولة أو بعدها بقليل، وقَلَّ منهم من عمِّر إلى آخر القرن. لذا رأيت أن الأولى إدراجهم ضمن هذا العهد.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٣)

فاستقرت الأمور، وعادت حركة الفتوحات في المشرق والمغرب، كما عادت الحياة العلمية تدب من جديد، خصوصًا في التفسير الذي شهد طفرة كبيرة، بتفرغ حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما له، واعتزاله السياسة، فاستقر في مكة معلمًا للوافدين على حرم اللَّه، وكانت مجالسه التفسيرية منارًا لطلبة العلم من شتى الأرجاء، فتتلمذ على يديه في تلك المدة أعظم مفسري التابعين، ونشأت طبقة المكيين في التفسير الذين شغلوا مع شيخهم أغلب تفسير السلف، بل كانوا أعلم الناس به، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس"(1).
في جهة أخرى نجد تلاميذ ابن مسعود في الكوفة، تصدروا مجالسها علمًا وعملًا، وتعليمًا وأدبًا وسلوكًا بعد وفاة شيخهم، فكانوا مصداق ما قال عنهم علي بن أبي طالب حين رآهم فقال: "أصحاب عبد اللَّه سُرُج هذه القرية"(2)، حيث كانوا منارة للفقه والفتيا والتفسير كما قال عنهم؛ إلا أن بعضهم تورع عن التفسير ولم يخض فيه كثيرًا كما سيأتي بيانه. وهم طبقة الكوفيين الذين قال عنهم ابن تيمية بعد أن ذكر أعلم الناس بالتفسير أهل مكة: "كذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم"(3).
أما المدينة النبوية فكانت ولا زالت في ذلك العهد هي المهد الأول للتعليم الإسلامي، وأقام فيها عدد من كبار علماء الصحابة، توفي أغلبهم في ذلك العهد، يأتي على رأسهم: زيد بن ثابت (ت: 45 هـ)، وسعد بن أبي وقاص (ت: 55 هـ)، وأم المؤمنين عائشة (ت: 57 هـ)، وأبو هريرة (ت: 57 هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت: 44 هـ)، وعمران بن حصين (ت: 52 هـ) بالبصرة، والحسن بن علي بن أبي طالب (49 هـ).

*‌‌ ثانيًا: عهد يزيد بن معاوية، وعبد اللَّه بن الزبير:
خلَف معاوية رضي الله عنه ابنُه يزيد عام 60 هـ، ليبدأ عهد جديد من الفتن والمحن والقلاقل التي كان أعظم بلاياها مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عام 61 هـ، فازداد أوار الفتنة، وعاد الخلاف بين المسلمين أشد مما سبق، واتسع الخَرق(1) مقدمة في أصول التفسير ص 24.
(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 6/ 10.
(3) مقدمة في أصول التفسير ص 24.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٤)

على الراقع، وما لبث أن توفي يزيد فجأة عام 64 هـ، فدعا عبد اللَّه بن الزبير رضي الله عنهما إلى نفسه وبويع بالخلافة، وتمكن من ضمِّ معظم الدولة الإسلامية تحت خلافته، وكادت الأمور أن تستوسق له، إلا أن بني أمية جمعوا صفوفهم بعد أن كاد أن يضمحل أمرهم، وولوا أمرهم مروان بن الحكم الذي ما لبث أن توفي عام 65 هـ بعد أن انتظمت له الشام ومصر، وخلفه ابنه عبد الملك بن مروان، ولا زال نجمه في صعود، بينما غدت الأمور تضيق على ابن الزبير رضي الله عنهما إلى أن حُصر في مكة وقُتل عام 73 هـ، فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله، فكان ابن الزبير رضي الله عنهما آخر خليفة وحاكم من الصحابة، وحُقَّ لنا أن نؤرخ بمقتله انتهاء عهد الصحابة.
وقد توفي أغلب من بقي من علماء الصحابة في ذلك العهد أو قريبًا منه، يأتي على رأسهم أم المؤمنين أم سلمة (ت: 62 هـ) آخر أمهات المؤمنين وفاة، رضي الله عنهن جميعًا، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص (ت: 65 هـ)، وعبد اللَّه بن عباس (ت: 68 هـ)، والبراء بن عازب (ت: 72 هـ)، وعبد اللَّه بن الزبير (ت: 73 هـ)، وعبد اللَّه بن عمر (ت: 73 هـ)، وأبو سعيد الخدري (ت: 74 هـ)، وجابر بن عبد اللَّه (ت: 78 هـ)، وامتد العمر بأبي أمامة (ت: 86 هـ)، وسهل بن سعد الساعدي (ت: 88 هـ)، وأنس بن مالك (ت: 93 هـ)، رضي الله عنهم أجمعين.
كذلك توفي في ذلك العهد أغلب كبار التابعين المخضرمين ممن يُروى عنهم بعض التفسير؛ وجُلُّهم من تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه، كعلقمة بن قيس النخعي الكوفي (62 هـ)، والربيع بن خثيم الثوري الكوفي (62 هـ)، ومسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي (63 هـ)، وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي (63 هـ)، وعَبيدة السلماني الكوفي (72 هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني الكوفي (76 هـ)، وعمرو بن مَيْمُون الأَوْدي الكوفي (74 هـ)، وأبي عبد الرحمن السُّلمي الكوفي (74 هـ)، والأسود بن يزيد النخعي الكوفي (75 هـ)، وشُرَيْح القاضي أبي أُمَيَّةَ بن الحارث الكنديّ (78 هـ)، كما توفي فيه أبو الأَسْود الدُّؤَلِي البصري (69 هـ)، وعُبَيْد بن عُمَيْر اللَّيْثِيُّ المكيّ الواعظ المفسر (74 هـ)، وامتد العمر بأبي وائل شَقِيق بن سَلَمة الأسدي (82 هـ)، وزِرُّ بن حُبَيش الأسدي الكوفي (83 هـ)، وأبو العالية رُفيع بن مهران الرياحي البصري (90 هـ) -أكثر كبار التابعين تفسيرًا-، ومُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير البصري (95 هـ)، وأبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي البصري (105 هـ)، وغيرهم.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٥)

*‌‌ معالم التفسير في عهد عصر الدولة الأموية السفيانية (عهد صغار الصحابة وكبار التابعين):
‌‌أولًا: التخصص في التفسير والتفرغ لبثه وتعليمه مع ظهور مجالس التفسير العامة:
تقدم أن أغلب كبار الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين لم يتفرغوا التفرغ التام لتعليم التفسير والتصدي له فيما يظهر، حيث انشغلوا بأمور ذات أولوية من الجهاد والفتوحات ونشر الإسلام وتعليم الناس أسس الدين والإقراء وغيره، هذا إضافة لقرب العهد بالنبوة وأكثر الناس على سليقتهم اللغوية مع عدم فشو اللحن بصورة جلية مما ترتب عليه عدم الاحتياج للتوسع في التفسير ابتداء، غير أن الأمر أخذ بالانحدار كلما بعد الزمان والمكان عن عهد النبوة، حتى جاء هذا العهد، وقد اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، ودخل في دين اللَّه الكثير من مختلف الشعوب بمختلف اللغات، واحتاجوا إلى تعلم كتاب اللَّه وفقه معانيه، فكان لزامًا أن يتصدى لذلك علماء الأمة ويتصدروا لتعليم الناس، ويُعدُّوا من يرث هذا العلم بعدهم ويبثه، فانبرى لذلك حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، الذي تفرغ في مكة لنشر العلم وعقد مجالس للتفسير خاصة لتلاميذه، وأخرى عامة لمن يرد عليه من الناس خصوصًا زوار الحرم من الآفاقيين، ففسر القرآن لطلابه، ولسائليه، كما سيأتي تفصيله في الفصل الثاني، ومن هنا كان ابن عباس أكثر الصحابة تفسيرًا، لا يقاربه أحد فيما روي عنه أو يدانيه، وتخرج على يديه كبار مفسري التابعين، وعلى رأسهم مجاهد بن جبر وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم، الذين حملوا لواء هذا العلم ونشروه، وسيأتي في المعالم التالية مآثر أخرى لحبر الأمة إضافة لما سبق من تفرغه للتفسير وتصديه لتعليمه وتربية طلابه على ذلك. ومن هنا يمكن القول: إن علم التفسير استقل في هذا العصر استقلالًا واضحًا، وأصبح علمًا يُقصد بذاته.

‌‌ثانيًا: ظهور التدوين في التفسير استقلالًا:
تقدم أن التفسير في عصر الخلفاء الراشدين كان قائمًا على الرواية الشفهية كسائر علوم الشريعة، وأنه لم يظهر تدوين خاصٌّ بالتفسير، أما في هذا العهد فقد ظهرت البدايات الأولى لتدوين التفسير، يظهر ذلك جليًّا من خلاق كتابة مجاهد التفسير عن ابن عباس وكذلك سعيد بن جبير، وغيرهما، بل جاء عن شيخهم ما يدل على حثهم

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٦)

على تقييد العلم عمومًا -ومن ضمنه التفسير- فقد روي عن ابن عباس قوله: "قيدوا العلم بالكتاب"(1) وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلًا في الفصل الثاني.

‌‌ثالثًا: مصادر التفسير في هذا العصر وتأصيل بعضها:
مصادر التفسير في هذا العصر هي القرآن والسُّنَّة وتفسير كبار الصحابة، ويظهر ذلك جليًّا لدى تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه الذين نقلوا أقواله، كذلك تأصل التفسير اللغوي، وتوسع الاجتهاد في التفسير، ولعلنا نوضح شيئًا من ذلك فيما يلي:
1 - توسع باب الاجتهاد في التفسير: تقدم أن في عصر الخلفاء الراشدين برز الاجتهاد في التفسير بصورة جلية، والقول بالرأي المحمود، بل والتشجيع على الخوض فيه، كما رأينا في مواقف عمر مع ابن عباس رضي الله عنهما. وقد توسع ذلك جدًّا في هذا العصر، من خلال تعليم ابن عباس لطلابه التفسير وتشجيعهم للتصدي له وإعمال أذهانهم في استنباط معانيه، وقد جاء في السير آثار عديدة توضح ذلك، منها ما روي عن مجاهد، أن ابن عباس قال لسعيد بن جبير: حدِّث، فقال: أُحدث وأنت هاهنا؟ فقال: "أوليس من نعمة اللَّه عليك أن تتحدث وأنا شاهد؟! فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك"(2).
2 - التفسير اللغوي: تقدم أيضًا أن التفسير اللغوي برز جليًّا في عصر الخلفاء الراشدين، وقد استوى على سوقه في هذا العصر على يد ابن عباس الذي كان إذا سئل عن عربية القرآن أنشد الشعر كما ذكر عكرمة مولاه عنه(3)، وقصة نافع بن الأزرق الحنفي (ت: 65 هـ) وسؤالاته له في ذلك مشهورة، وكان يقول: "إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب"(4).
3 - الإسرائيليات: تقدم أن ظهور بدايات دخول الإسرائيليات في التفسير كانت في العصر السابق، من خلال أسئلة بعض الصحابة لبعض من أسلم من أهل الكتاب، كأسئلة ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم لكعب الأحبار، أو من خلال ما وجدوا من كتب أهل الكتاب، كما روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقد كان(1) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر 1/ 310.
(2) الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط. دار صادر 6/ 256.
(3) فضائل الصحابة، للإمام أحمد بن حنبل 2/ 973.
(4) السنن الكبرى، للبيهقي 10/ 407.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٧)

استشهادهم بالإسرائيليات في التفسير متناسبًا مع اهتمامهم بعلم التفسير ومروياتهم فيه؛ لذا كان أكثرهم مرويات في التفسير أكثرهم استشهادا بالإسرائيليات، وهو عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما(1).

‌‌رابعًا: الاعتناء بعلوم القرآن:
ظهر في هذا العصر الاعتناء بصورة جلية ببعض علوم القرآن، خصوصًا المكي والمدني الذي رويت فيه روايات عديدة عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم(2).

‌‌خامسًا: توسع الانحراف في التفسير:
كان ظهور الآراء التفسيرية المبنية على المعتقد،، وبداية وقوع الانحراف في التفسير في أواخر خلافة علي رضي الله عنه كما تقدم، وقد زاد هذا الانحراف في هذا العصر، خصوصًا مع كثرة خروج هؤلاء المبتدعة على الدولة وانعزالهم عن أهل العلم، ويظهر ذلك جليًّا في الخوارج والشيعة.
أيضًا ظهرت في هذا العصر فرقة القدرية فتصدى لهم علماء الصحابة ينقضون أقوالهم من الكتاب والسُّنَّة، ويحذرون منهم، وستأتي أمثلة لذلك عند الحديث عن أبرز العوامل والأحداث التاريخية المؤثرة في تفسير السلف.

‌‌سادسًا: كثرة السؤال عن المشكلات في القرآن تعنتًا:
كان ظهور بدايات البحث عن المشكل تعنتًا في عهد الخلفاء الراشدين كما تقدم، وتوسع في آخره لسبب الظروف والأحوال التي طرأت، وقد استمر ذلك التوسع في عصر صغار الصحابة اطرادًا مع اتساع الانحراف عن الدين وظهور البدع والمبتدعة.
وكثير من تلك الأسئلة كانت من باب التعنت والمعارضة والمماراة والسؤال عما لا يعني السائل، فمن ذلك ما جاء عن مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس أنه حدث أن الهدهد كان مهندسًا، يدل سليمان عليه السلام على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر(1) ينظر: بحث "رواة الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري ومقدار مروياتهم": د. نايف بن سعيد الزهراني، العدد الأول من مجلة جامعة الباحة 1436 هـ - 2015 م، ص 43 - 44.
(2) وهي مبثوثة في الموسوعة في مقدمة كل سورة، ويظهر أنها نسخ مروية عنهما.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٨)

على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بُعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان عليه السلام الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان عليه السلام بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، فقال: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ}. فسمع ذلك رجل من الخوارج، يقال له (نافع بن الأزرق)، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس، غُلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته! فقال له: ويحك، إنه إذا نزل القدر عمي البصر، وذهب الحذر، فقال له نافع: واللَّه لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا(1).
وعن أبي اليقظان قال: خرج رجل من أسلاف المسلمين يطلب علم السماء، ومبتدأ الأشياء، ومجاري القضاء، وموقع القدر المجلوب، وما قد احتجبه اللَّه عز وجل من علم الغيوب، التي لم ينزل الكتاب بها، ولم تتسع العقول لها. وما طلبه حتى انتهى إلى بحر العلوم ومعدن الفقه وينبوع الحكمة عبد اللَّه بن العباس رحمه الله، فلما انتهى بالأمر الذي ارتحله إليه وأقدمه عليه قال له: اقرأ آية الكرسي، فلما بلغ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}. قال: أمسك يا ابن أخي فقد بلغت ما تريد، فقد أنبأك اللَّه أنه لا يحاط بشيء من علمه، قال له الرجل: يرحمك اللَّه إن اللَّه قد استثنى، فقال: {إِلَّا بِمَا شَاءَ}، فقال عبد اللَّه: صدقت؛ ولكن أخبرني عن الأمر الذي استثناه من علمه وشاء أن يظهره لخلقه أين يوجد ومن أين يعلم؟ قال: لا يوجد إلا في وحي، ولا يعلم إلا من نبي، قال: فأخبرني عن الذي لا يوجد في حديث مأثور ولا كتاب مسطور أليس هو الذي نبأ اللَّه لا يدركه عقل ولا يحيط به(1) تفسير ابن كثير 6/ 195. وخبر نافع هذا في سؤالاته لابن عباس عن غريب القرآن طالبًا الشواهد من لغة العرب وإجابة ابن عباس له مستشهدًا بالشعر؛ خبر مشهور، بل ذكر الحافظ ابن حجر أنه هو السائل في الحديث الذي رواه البخاري (8/ 713 - 714) قائلًا لابن عباس: "إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، قال: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات: 27] ، {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42]، {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، فقد كتموا في هذه الآية. . . الحديث، قال ابن حجر: "كان هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه". فتح الباري 8/ 716.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢١٩)

علم؟ قال: بلى، قال ابن عباس: فإن الذي تسأل عنه ليس محفوظًا في الكتب، ولا محفوظًا عن الرسل، فقام الرجل وهو يقول: لقد جمع اللَّه لي علم الدنيا والآخرة، فانصرف شاكرًا(1).
بل ورد عن ابن عباس ما يدل على استيائه أحيانًا من هذه الأسئلة المتعنتة، فعن القاسم بن محمد أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل الفرس وسرجه، فأعاد عليه، فقال مثل ذلك، ثم أعاد عليه، فقال مثل ذلك، فقال ابن عباس: تدرون ما مثل هذا؟ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر رضي الله عنه، أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه(2).

‌‌سابعًا: تورع البعض عن التفسير:
مع توسع ابن عباس في التفسير وتشجيعه لتلاميذه في الاجتهاد فيه فإننا نجد في هذا العصر من انتهج عكس ذلك، خصوصًا أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، قال إبراهيم النخعي (96 هـ)، عنهم: "كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه". وقد رويت عنهم روايات تدل على ذلك، فهذا مسروق بن الأجدع (ت: 63 هـ) يقول: "اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن اللَّه"، ولما سأل ابنُ سيرين (110 هـ) عبيدَةَ السلماني (72 هـ) عن آية قال له: "عليك بالسَّداد فقد ذهب الذين علموا فيما أُنزل القرآن"، ولهذا عُرف عن كبار التابعين في طبقة الكوفيين قلة الروايات التفسيرية عنهم، ولعل للفتن التي دارت حولهم أثرًا في ذلك، إضافة إلى تقدم وفاتهم ونشوئهم في وقت مبكر والصحابة متوافرون بحيث لم يُحتج إلى علمهم، كذلك كان لتربية ابن مسعود لهم على العناية بالآثار والتقليل من الآراء أثر في ذلك.
وهذا التوقف عن التفسير والتحرج عن الخوض فيه لا يعني أنهم لا يفهمون معاني القرآن، وإنما هو مسلك خاص سلكوه تورعًا منهم، مع قيام غيرهم به فكأنهم قد كفوا ذلك الأمر، ولهم أسوة ببعض الصحابة في هذا المسلك(3).
وقد جاء من تلاميذهم من أواسط التابعين من سلك مسلكهم كالشعبي وإبراهيم النخعي، وتبعهم على هذا المسلك بعض كبار التابعين في المدينة كسعيد بن(1) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة 1/ 2/ 421 - 422/ 345.
(2) الإبانة 1/ 417/ 333، والموطأ 2/ 455/ 19.
(3) ينظر: شرح: د. مساعد الطيار لمقدمة ابن تيمية في أصول التفسير ص 298.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٠)

المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما(1)، إِلَّا أن هذا المسلك تلاشى أو قلَّ عند من جاء بعدهم من صغار التابعين أو أتباعهم كما سيأتي.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اختلاف مسلك الكوفيين عن مسلك المكيين في طريقة التفسير أدى إلى اجتهاد بعض المعاصرين إلى عزو ذلك إلى مدارس تفسيرية عند السلف مختلفة المنهج، ومتباينة المسلك، ينتسب كل منها إلى مصر من أمصار المسلمين، ولكل مشايخ وتلاميذ اقتفوا أثرهم، وساروا على نهجهم، وربما حاد البعض عن نهج أهل بلده واقتفى نهج غيرهم، ولعله يحسن البحث عن حقيقة ذلك في المسألة التالية، لتعلقه بتاريخ التفسير تعلقًا كبيرًا.

*‌‌ هل وُجدت مدارس تفسيرية عند السلف؟
شاع لدى المعاصرين وفي المؤلفات الحديثة في تاريخ التفسير وجود مدارس تفسيرية ظهرت في عهد الصحابة، أسس كل مدرسة منها أحد كبار مفسري الصحابة، وتخرج فيها تلاميذه من التابعين، فنصروا منهجه، وأشاعوا خصائص مدرستهم(2)، وهي ثلاث مدارس:
الأولى: المدرسة المدنية (أو مدرسةُ أُبَيّ بن كعبٍ بالمدينة)، وأشهر تلاميذها: أبو العالية (ت: 93 هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ).
الثانية: المدرسة المكية (أو مدرسة ابن عباس بِمَكَّة)، وأشهر تلاميذها: سعيد بن جبير (ت: 95 هـ)، ومجاهد (ت: 102 هـ)، وعكرمة (ت: 105 هـ)، وطاووس (ت: 106 هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت: 114 هـ).
الثالثة: المدرسة الكوفية (أو مدرسةُ ابن مسعود في العراق)، وأشهر تلاميذها:(1) فعن عبيد اللَّه بن عمر، قال: "لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع". تفسير ابن جرير 1/ 79.
(2) ينظر: كتاب التفسير والمفسرون 1/ 110، للدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله، ولعله من أوائل من استعمل هذا المصطلح في تاريخ التفسير، وتبعهُ عليه عددٌ من الباحثين، وقد استظهر هذا التصنيف من قول ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن وهب".

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢١)

علقمة بن قيس (ت: 62 هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: 63 هـ)، والشعبي (ت: 105 هـ)، والحسن البصري (ت: 110 هـ)، وقتادة (ت: 117 هـ).
وقد عارض هذا المصطلح بعض المتخصصين(1)، ورأى البعض ألا مشاحة في الاصطلاح(2)، وأكثر المعاصرين على الأخذ به، بل إن منهم من زاد عليه وفزع أحكامًا ومناهج خُصَّت بها كل مدرسة، على نحو المذاهب الفقهية، ثم أورد مفارقات بين بعض من ينتمي إلى هذه المدارس ويخالفها إلى منهج مدرسة أخرى، وبدل أن يدرس أصل المصطلح ويناقشه أخذ يعلل لمخالفة ذلك الشخص لمنهج مدرسته، بكونه رحل أو احتك بالمدرسة الأخرى.
وفي أصل هذا التقسيم ملاحظات أودت إلى نحو تلك المفارقات، ولعلنا نناقش ذلك في النقاط التالية:
1 - من المعلوم أن المدارس أو المذاهب تمتد لأجيال وقرون كما هو الحال في مدرستي النحو، أو المذاهب الفقهية، لكن بالنظر إلى ما عُرف بمدارس التفسير نجد أن امتدادها لا يتجاوز طبقتين من طبقات التابعين، فما عُرف بالمدرسة الكوفية وتهيبها من التفسير كان في طبقة كبار التابعين وبعض أواسطهم، ثم اضمحل ذلك المنهج في الطبقات التي تلتهم كأبي صالح والسدي، وكذا أتباعهم كالكلبي، وهكذا الحال فيما يعرف بالمدرسة المدنية فقد جاء في أواخر عهد التابعين منهم من توسع في التفسير واجتهد فيه كمحمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ)، ثم كان ذلك ظاهرًا في طبقة أتباع التابعين خصوصا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182 هـ).
2 - لم يتضح مؤسس مدرسة المدينة ولا تلاميذها(3).(1) ينظر: حول مصطلح "مدارس التفسير"، للدكتور مساعد الطيار، ضسن كتابه: مقالاتٌ في علوم القرآن وأصول التفسير ص 295، استدراكات السلف في التفسير، للدكتور نايف الزهراني، ص 451.
(2) ينظر: جواب عاجل حول "مدارس التفسير"، للدكتور عبد الرحمن الشهري على موقع أهل التفسير، تحت الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir 1430/#.U 3 H 7 XIGqnwI
وينظر المناقشات حول مجث "موقف مفسري مدرسة مكة من الروايات الإسرائيلية"، للدكتور أحمد العمراني، على الرابط: http: //vb.tafsir.net/tafsir 21440/#post 116069
(3) قال د. الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون 1/ 86: "إن قيام هذه المدرسة كان على أُبَي بن كعب، الذي يُعتبر بحق أشهر مَن تتلمذ له مفسِّرو التابعين بالمدينة، وذلك لشهرته أكثر من غيره في التفسير، وكثرة ما نُقل لنا عنه في ذلك". لكن عند الخظر فيما وصلنا من آثاره نجد أنه لم يرد لأُبَيّ إِلا القليل من آثار =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٢)

3 - أورد أغلب القائلين بمدارس التفسير المدرسة الثالثة بمسمى مدرسة العراق وأنها نشأت على يد ابن مسعود رضي الله عنه، دون التفريق بين مدينتي الكوفة والبصرة، بل ربما ضموا مفسري المدينتين تحت مدرسة ابن مسعود رضي الله عنه(1)، مع أنه عند الموازنة بين مفسري كلا المدينتين نجد أنه لا علاقة مباشرة بينهم من حيث الأثر والتأثير -مع قرب المدينتين من بعضهما! -، إذ إن أشهر مفسريها أبا العالية والحسن وقتادة لم يتتلمذوا على ابن مسعود أو يكون لتلاميذه أثر واضح فيهم، وعليه لا يصح إلحاق البصرة بمدرسة ابن مسعود، علمًا أن مفسري البصرة أكثر مفسري الأمصار نتاجًا في التفسير بعد أهل مكة لمشابهة طريقتهم للمكيين، مما يرجح الرأي بإفرادها كمدرسة مستقلة(2)، لكن يأتي السؤال: مَن شيخ هذه المدرسة من الصحابة؟ وأين طلابه بعد ذلك؟ !
4 - نقل د. الذهبي أن ابن مسعود هو مؤسس طريقة الكوفيين في الاعتداد بالرأي حيث لا يوجد النص، وأن أهل العراق امتازوا بأنهم أهل الرأي بناء على أن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لهذه الطريقة في الاستدلال لمسائل الخلاف، وتوارثها عنه علماء العراق، ثم ذكر أن تلك الطريقة أثَّرت في مدرسة التفسير بالكوفة، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن استنباط مسائل الخلاف الشرعية نتيجة من نتائج إعمال الرأي في فهم نصوص القرآن والسُّنَّة(3)، لكن هذا يناقض ما اشتهر عن كبارهم من التورع عن التفسير، ومن هنا صحح آخرون القضية فأثبتوا لأهل الكوفة منهج التورع عن التفسير، وهو أيضًا يناقض ما عُرف عن الكوفيين من إعمال الرأي في مسائل الخلاف والأحكام ووضع أصوله التي كانت اللبنة الأولى لمذهب الأحناف، فكيف يجمع بين الأمرين؟ != التفسير أو المتعلقة بأصوله -وهذا لا يقلل من مكانته في العلم وعلو كعبه في علوم القرآن مما هو معروف عنه- ولا نجد من روى عنه إِلا أبا العالية البصري، المدني الأصل، فأين تلاميذ هذه المدرسة؛ نعم ذكروا -إضافة إلى أبي العالية- محمد بن كعب القرظي (ت: 117 هـ)، وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ) لكنهما لم يدركا أُبي بن كعب ولم يأخذا عنه! فإن قيل: بينهم واسطة! نوقش: من هي تلك الواسطة؟
وربما لاحظ بعضهم هذا الإشكال فجعل زيد بن ثابت رضي الله عنه رأس هذه المدرسة، مع أنه أيضًا من أقل الصحابة آثارًا في التفسير كما سيأتي في خاتمة مبحث "مفسرو السلف ومقدار تفسيرهم". ينظر: تفسير التابعين 1/ 505 - 510.
(1) ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 88.
(2) وهو الذي قرره مصنف كتاب تفسير التابعين، ورأى أنها نتيجة مهمة، لم يوردها من قبله، ينظر: 1/ 22.
(3) ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 64، 89.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٣)

5 - بمناقشة أصول هذه المدارس ومعلميها ثم امتدادها الزمني نجد القول بأن على رأس المدرسة الكوفية ابن مسعود، وعلى رأس المدرسة المكية ابن عباس، وابن عباس في طبقة تلاميذ ابن مسعود، وأصل تعلم ابن مسعود في المدينة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم عن عمر حيث كان لا يجاوز قوله، كذلك ابن عباس أخذ عن كبار الصحابة وعلى رأسهم عمر وعلي وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت، إذن ابن عباس يلتقي مع ابن مسعود في عمر وقبل ذلك في الرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه فالمنهج واحد، والقول بأن ابن مسعود أغلق باب الاجتهاد وربى تلاميذه على الآثار وعدم الخوض في القرآن، مروي عن عمر، وكذلك القول بأن ابن عباس ربى طلابه على الاجتهاد هو منهج عمر الذي رباه عليه، إذن المنهج واحد ومن مشكاة واحدة.
6 - على فرض أن هذه هي مدارس التفسير؛ فأين نضع من كان من غير هذه الأمصار من أعلام المفسرين، كالضحاك بن مزاحم الخراساني، وعطاء الخراساني، ثم من بعدهم كالمقاتلَين -ابن سليمان وابن حيان- البلخيَّين الخراسانيين؟

*‌‌ الأظهر في المسألة:
بعد ما تقدم من الملحوظات السابقة على مدارس التفسير يأتي السؤال: ما الداعي لهذه المصطلحات مع اتفاقنا على أن منهج السلف في التفسير واحد؟ لا سيما مع ما يحدثه ذلك من لبس وتناقض ومفارقات.
لذا؛ لعل الأولى والأظهر القول بعدم وجود مدارس تفسيرية مختلفة المناهج، وأن الأمر لا يعدو سوى اختيارات شخصية وقناعات ومسألك فردية، لهؤلاء الصحابة وبعدهم التابعون، مثله كمثل أمور الفتوى والقضاء والتعليم، فبعضهم يرى أفضلية نشر العلم والتصدي للفتوى عمومًا، والبعض الآخر يرى أهمية البعد عن الناس ورفض الفتوى والإقبال على العبادة والاجتهاد فيها، ولكل من المسلكين مأخذ من السُّنَّة، ودليل من الشرع، ولكل وجهة هو موليها. وفي هذا يقول ابن جرير الطبري: "وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإنَّ فِعْلَ من فَعَلَ ذلك منهم كفِعْلِ من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث، مع إقراره بأن اللَّه جلَّ ثناؤه، لم يقبض نبيّه إليه إِلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن للَّه في كل نازلة وحادثة حكمًا موجودًا، بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون للَّه فيه حكم موجود بين أظهر

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٤)

عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف اللَّه العلماء من عباده فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من علماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم"(1).
مما تقدم يتبين أن ليس ثَمَّ مدرسة التزمت منهجًا واحدًا لا يحيد عنه طلابها في طبقاتهم المختلفة، مما ينقض فكرة المدارس التفسيرية. ويعضد ذلك أنك لا تجد ذلك التقسيم وتلك المناهج ونحو هذه الفكرة عند البحث في كتب طبقات المفسرين أو كلام من تحدث عن مفسري السلف، فهذا ابن كثير أورد في مقدمة تفسيره آثارًا عن السلف الذين تورعوا عن تفسير القرآن، وقبله ابن جرير، ولم يذكر أحد منهم أنه ناتج عن اختلاف المدارس، وتغاير المشارب، وتباين المناهج، وهذا بخلاف ما يذكر عن المذاهب (أو المدارس) الفقهية، أو النحوية، أو في أصول الفقه، ففيها نجد المناهج المتباينة واضحة، ولكل منها أنصار وتلاميذ، أصّلوا أصولها، وحدّوا حدودها، وانتصروا لآرائها، ونقضوا آراء مخالفيها، وصنفوا المصنفات في مسائلها، والطبقات في رجالها، إلى يومنا هذا.
والخلاصة: أن دعوى وجود مدارس تفسيرية عند السلف، وأن لكل مدرسة منهج خاص، دعوى ينقصها الدليل، وينقضها الواقع، فكل هؤلاء الصحابة والتابعون يقتبسون من مشكاة واحدة؛ مشكاة النبوة، ويسيرون على منهج واحد، ويصدرون عن مورد واحد، وإن اختلفوا في كيفية ورودهم وصدورهم، فكل صحابي أو تابعي اختار ما يراه صحيحًا أو أنه أولى له وأحوط، ومن هنا نجد ابن عطية عند ما ذكر هذه المسألة قال: "وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، وغيرهما، يعظمون تفسير القرآن، ويتوقفون عنه تورعًا واحتياطًا لأنفسهم، مع إدراكهم، وتقدمهم"(2)، ولم يقل أن ذلك بسبب انتسابهم لمدرسة المدينة أو الكوفة، أو أنهم تقلدوا مشايخهم، بل حالهم هنا في باب التفسير كحالهم ومسالكهم في عموم مسائل الفتيا والقضاء، من باب التورع والاحتياط للنفس، ولو اقتصرنا على هذا دون إيراد نحو تلك التقسيمات والمدارس وتحميلها ما لا تحتمل لما كانت تلك الإيرادات والمفارقات والمآخذ، ولما احتجنا لتعليلها والجواب عنها، واللَّه أعلى وأعلم.(1) تفسير ابن جرير 1/ 83 - 84.
(2) تفسير ابن عطية 1/ 41.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٥)

‌‌المبحث الثالث التفسير في عهد التابعين (عصر الدولة الأموية المروانية)
تضم طبقة التابعين ثلاثة طبقات: كبار التابعين: وقد تقدم أنهم في الإدراك الزمني ألصق بالعصر السابق عصر الدولة الأموية السفيانية. ثم الطبقة الوسطى من التابعين، ثم صغار التابعين، وكلا الطبقتين تشغل هذا العصر، عصر الدولة الأموية المروانية، فأما طبقة أواسط التابعين؛ فمبدؤها عام 73 هـ عام مقتل ابن الزبير رضي الله عنهما إلى حدود عام 101 هـ، عام وفاة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأما صغار التابعين فمن ذلك العهد إلى حدود عام هـ 132، عام سقوط الدولة الأموية.
يبدأ عصر الدولة الأموية المروانية بمقتل عبد اللَّه بن الزبير رضي الله عنهما، واستقلال عبد الملك بن مروان بالخلافة، وانفراده بحكم جميع أرجاء الدولة الإسلامية، وقد حاول أن يعيد الأمن والاستقرار على كافة أراضي الدولة، وتحقق شيء من ذلك في معظمها، إِلا العراق فقد استمرت فيه الفتن والقلاقل والثورات لعوامل عديدة؛ لعل من أبرزها المظالم التي ارتكبها الحجاج بن يوسف الثقفي عامل الأمويين على العراق، من سفك الدماء وتشريد الأبرياء، فقامت عليه عدة ثورات ليس من الشيعة والخوارج فحسب؛ بل حتى من جنده وغيرهم، لعل من أخطرها وأعنفها ما عرف بفتنة ابن الأشعث (عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي) الذي أرسله الحجاج غازيًا في المشرق فما لبث أن عاد تجاه العراق وخلع الحجاج هو وجيشه، وأقبلوا كالسيل المنحدر، وانضم إليه جيش عظيم، حتى عجز عنهم الحجاج(1)، وذلك عام 81 هـ، كما انضم إليه أيضًا العشرات من علماء الكوفة والبصرة حتى قيل: إنه لم ينج منها إِلا مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير وابن سيرين بالبصرة، وخيثمة بن(1) تاريخ الإسلام 2/ 777.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٦)

عبد الرحمن بن أبي سبرة وإبراهيم النخعي بالكوفة(1)، وجرت خطوب ووقائع عظام، آخرها وقعة دير الجماجم عام 83 هـ؛ حيث تمكن الحجاج من دحر خصومه، ثم تتبع من شارك فيها من قراء وعلماء التابعين، فقتل عددًا منهم، لعل من أشهرهم ممن له مشاركة في التفسير: أبو الجوزاء، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذلك عامر الشعبي الذي أخذه الحجاج وكاد أن يقتله؛ لكن شاء اللَّه أن ينجو بحسن اعتذاره فعفا عنه الحجاج، ثم ختم الحجاج حياته بقتل سعيد بن جبير؛ تلميذ ابن عباس، وأشهر مفسري التابعين بالكوفة، الذي كان مشاركًا في فتنة ابن الأشعث ضد الحجاج لكن هرب منه وعاش مطاردًا إلى أن تمكن الحجاج منه عام 95 هـ فأمر بضرب عنقه، فغيَّب بذلك عَلَمًا من أعلام التابعين ومن أكثرهم رواية ودراية بالتفسير، حتى قال عنه ميمون بن مهران حين بلغه خبر مقتله: "لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إِلا يحتاج إلى سعيد". قال سفيان: أُرى في التفسير(2)، فانظر كم من العلم طُوي بما سفك الحجاج من دماء أهله؟
توفي عبد الملك بن مروان عام 86 هـ بعد أن استقرت الدولة الإسلامية، وخلفه ابنه الوليد الذي انتظمت له الخلافة لعشر سنوات ثم توفي عام 96 هـ، وقد عاد نشاط الفتوحات الإسلامية في عهده وعهد أبيه بقوة، ففي المشرق استتم فتح جميع بلاد ما وراء النهر ووصل المسلمون إلى حدود الصين، كما كانت بداية الفتوحات الكبيرة جنوبًا في شبه القارة الهندية، وفي المغرب استتم فتح جميع بلاد المغرب وفتحت أيضًا بلاد الأندلس، بل يمكننا القول: إن الفتوحات الإسلامية الكبيرة في العصور المتقدمة بلغت أوجها في هذا العهد، وكل هذه البلاد المفتوحة كان لها أثر كبير في تخريج كبار علماء الإسلام في علوم القرآن والسُّنَّة.
ومن أشهر مفسري التابعين الذي توفوا في عهده: أبو العالية رُفيع بن مهران الرياحي البصري (ت: 93 هـ)، وسعيد بن المسيب (ت: 93 هـ)، وسعيد بن جبير (ت: 95 هـ)، وإبراهيم النخعي (ت: 96 هـ)، وممن له مشاركة في التفسير: أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت: 93 هـ)، وعروة بن الزبير (ت: 94 هـ)، وعلي بن الحسين بن علي (ت: 94 هـ).(1) تاريخ الإسلام 2/ 932، 1174، أما الحسن البصري فأكره على الخروج واستطاع أن يتخلص منهم بعد أن كاد يموت غرقًا. ينظر: تاريخ الإسلام 3/ 29.
(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 6/ 266. المعرفة والتاريخ 1/ 713.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٧)

خلف الوليد أخوه سليمان بن عبد الملك الذي ما لبث أن توفي عام 99 هـ عاهدًا بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان الذي كان عالمًا عاملًا ورعًا عادلًا، فكانت خلافته أزهى أيام الدولة الأموية المروانية، حيث رفع المظالم ونشر العدل وقرَّب أهل العلم واجتمع الناس عليه، إِلَّا أن خلافته لم تدم طويلًا إذ توفي عام 101 هـ، ويمكن القول: إنه به يختم تاريخ الطبقة الوسطى من التابعين، حيث كانت فيه أغلب وفياتهم أو قريبًا منه، ومن أشهر مفسريهم: أبو مالك غزوان الغفاري الكوفي(1)، وأبو الضحى مسلم بن صبيح الكوفي (ت: 100 هـ)، ومقسم بن بجرة (ت: 101 هـ)، ومجاهد بن جبر المكي (ت: 102 هـ)، والضحاك بن مزاحم الخراساني (ت: 105 هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس المكي (ت: 105 هـ)، وعامر الشعبي الكوفي (ت: 105 هـ)، وطاووس بن كيسان اليماني (ت: 106 هـ)، وأبو مجلز لاحق بن حميد (ت: 109 هـ)، وامتد العمر بالحسن البصري (ت: 110 هـ)، ومحمد بن سيرين (ت: 110 هـ)، وعطية العوفي الكوفي (ت: 112 هـ)، وعطاء بن أبي رباح المكي (ت: 114 هـ)، ووهب بن منبه اليماني (ت: 114 هـ)، ومحمد بن كعب القرظي المدني (ت: 117 هـ)(2)، وأبو صالح باذام الكوفي (ت: ما ببن 111 - 120)(3)، ومن أعلام أواسط التابعين ممن لهم مشاركة في التفسير: أبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرمي (ت: 104 هـ)، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر المدني (ت: 106 هـ)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المدني (ت: 106 هـ)، وبكر بن عبد اللَّه المزني (ت: 106 هـ)، وشهر بن حوشب الشامي (ت: 112 هـ)، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر (ت: 114 هـ)، وميمون بن مهران (ت: 117 هـ).
أما طبقة صغار التابعين فنؤرخ لعهدهم بخلافة يزيد بن عبد الملك عام 101 هـ الذي لم يَطُل به العمر إذ توفي عام 105 هـ، خلفه أخوه هشام بن عبد الملك الذي امتدت خلافته وطالت، إلى أن توفي عام 125 هـ، فكان عهده أطول عهود الدولة الأموية المروانية، وقد كانت الأحوال في عهدهما مستقرة نسبيًّا، إلى أن تولى الوليد بن يزيد عام 125 هـ، الذي كان مستهترًا، فبدأت الأمور تضطرب، والأحوال(1) يذكر أنه من الطبقة الوسطى من التابعين، ولم أجد من حدد سنة وفاته إِلا أن الذهبي ترجمه فيمن كانت وفياتهم ما بين عامي 91 - 100، ينظر: تاريخ الإسلام 2/ 1155.
(2) مختلف في وفاته فقيل: عام 108 هـ، وقيل: 117 هـ، وقيل: 120 هـ لذا كرر الذهبي ترجمته في وفيات ما بين عامي 101 - 110، ووفيات ما بين عامي 111 - 120 هـ، ينظر: تاريخ الإسلام 3/ 163، 310.
(3) مختلف في وفاته كثيرًا فقيل: في عهد الوليد بن عبد الملك، وقيل: ما بين عامي 111 - 120 هـ.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٨)

تنتقض، ثم قتله ابن عمه يزيد بن الوليد وخلفه عام 126 هـ، إِلا أنه توفي في ذلك العام وخلفه أخوه إبراهيم الذي أطاح به مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عام 127 هـ، آخر الخلفاء الأمويين، ثم ظهرت دعوة العباسيين ودولتهم حتى أطاحوا بالحكم الأموي وقتل مروان بن محمد عام 132 هـ.
وبذلك طُويت مرحلة كبرى من تاريخ المسلمين وبدأ عهد جديد، ومن هنا جعلنا هذا العام خاتمة عصر التابعين جث مات أغلب أعلامهم في هذا العهد أو بعده بقليل، فمن أشهر مفسري صغار التابعين المتوفين حينئذ: قتادة بن دعامة البصري (ت: 117 هـ)، محمد بن شهاب الزهري المدني (ت: 124 هـ)، إسماعيل السدي الكوفي (ت: 127 هـ)، عطاء بن أبي مسلم الخراساني (ت: 135 هـ)، زيد بن أسلم المدني (ت: 136 هـ)، الربيع بن أنس البصري (ت: 139 هـ)، وأبو روق عطية بن الحارث الهمداني الكوفي (ت: 144 هـ)، ومن أعلام صغار التابعين الذين شاركوا في التفسير: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي (ت: 113 هـ)، ومكحول الشامي (ت: 116 هـ)، وحماد بن أبي سليمان الكوفي (ت: 120 هـ)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي (ت: 136 هـ).

*‌‌ ملامح التفسير في عصر الدولة الأموية المروانية (طبقة التابعين):
‌‌أولًا: التفرغ لعلم التفسير ونشره:
تقدم في العصر السابق ظهور من تصدى للتفسير وتفرغ لتعليمه وهو ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سار تلاميذه من بعده على هذا المنهاج، وعلى رأسهم مجاهد وعكرمة اللذين كانا أكثر طلابه ملازمة له، فهذا مجاهد لا يكاد يعرف إِلَّا بالتفسير حتى قال عن نفسه: "استفرغ علمي القرآن"(1)، وكذا عكرمة الذي قال عنه أبو حاتم: "أصحاب ابن عباس في التفسير عيال على عكرمة"(2)، وممن اشتهر بالتفسير من التابعين حتى لا يكاد يوصف إِلا به الضحاك بن مزاحم، وأبو مالك الغفاري، وعطية العوفي، وأبو صالح باذام، وإسماعيل السدي، وكلهم من تلاميذ ابن عباس أو تلاميذ تلاميذه، ومن هنا يمكن القول أن طبقة التابعين هم أكثر مفسري السلف عددًا وآثارًا في التفسير عند نقلة التفسير المأثور(3).(1) سير أعلام النبلاء 4/ 452.
(2) سير أعلام النبلاء 5/ 32. وينظر أيضًا: تفسير التابعين 1/ 412.
(3) فقد بلغت آثارهم أكثر من نصف تفسير ابن جرير الطبري، ينظر: تفسير التابعين 1/ 75، 2/ 984. =

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٢٩)