3 - فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، والأحداث المترتبة على ذلك:
وهي أعظم بلية، وأكبر رزية نُكب بها المسلمون بعد وفاة رسولهم صلى الله عليه وسلم، ولا زلنا نكتوي بآثارها إلى اليوم، افترق المسلمون إثرها إلى حزبين متناحرين، والحدث معلوم وليس هذا مقام بسطه، لكن نلخص أهم الأحداث الناتجة عن ذلك والتي أثَّرت في التفسير تأثيرًا واضحًا فيما يلي:
أ - انتقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من المدينة إلى الكوفة، وانتقال ابن عمه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما معه، وتوليه البصرة له، وما نتج عن ذلك من نشر علمهما -لا سيما التفسير- في تلك البلاد، وظهور تلاميذ علي بن أبي طال هناك، خصوصًا أن عليًّا رضي الله عنه كانت له مجالس علمية، وكان يحثهم على سؤاله عن القرآن والأحكام ويقول: "سلوني، فواللَّه لا تسألوني عن شيء إِلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب اللَّه، فواللَّهِ ما من آية إِلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل، أم في جبل"(1)، وسيأتي مزيد بيان لذلك.
ب - باستشهاد علي رضي الله عنه عام 40 هـ ومن بعده تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية، واجتماع المسلمين عليه نجد أن ابن عباس رضي الله عنهما اعتزل الفتنة وما ترتب عليها، ورحل إلى الحجاز واستقر بها متفرغًا لنشر العلم، والتصدي لتفسير القرآن بقية عمره، فلزمه طلابه وعكفوا على دروسه، وهو في المقابل اعتنى بتأهليهم للفتوى، وأشرف على تصديهم للتفسير، حتى نبغوا ونقلوا علمه، فكان أكثر الصحابة رواية في التفسير، واجتهدوا وفق ما رباهم عليه، فكانوا أعلم السلف بالتفسير كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية(2)، وكان منهم أكثر التابعين تفسيرًا للقرآن، كما تقدم.
ت - كان للأحداث المتعاقبة المترتبة على تولى يزيد بن معاوية الخلافة أثر كبير في التفسير، ابتداء باستشهاد الحسين رضي الله عنه، ويوم الحرة، ثم وفاة يزيد وتصدع الدولة الأموية في فرعها السفياني، ثم قيام الفرع المرواني على يد عبد الملك بن مروان، الذي أطلق يد قواده في سفك الدماء وقتل العلماء لأجل تثبيت دعائم دولته، يظهر ذلك جليًّا في أعمال أميره على العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي قتل ابن الزبير رضي الله عنهما بمكة، وآذى ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم وقتل عددًا من مفسري التابعين وكبارهم، خصوصًا بعد وقعة دير الجماجم في فتنة ابن الأشعث، حيث تتبع(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته 2/ 338.
(2) مقدمة في أصول التفسير ص 61.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٠)
من شارك فيها من القراء والعلماء، كأبي الجوزاء (ت: 83 هـ)، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد (ت: 83 هـ)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (ت: 83 هـ)، وختم حياته بقتل سعيد بن جبير (ت: 95 هـ).
4 - ظهور المبتدعة والفرق الضالة:
وهو أثر من آثار فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، أفردناه لعظم شأنه وامتداد سيئ آثاره إلى يومنا هذا، حيث أدى إلى افتراق الأمة إلى حزبين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وعلى إثره بدأ التفرق والتشرذم بظهور الخوارج والشيعة، وسرعان ما تبعتهما الفرق الأخرى، وأدى ذلك إلى ظواهر عديدة أثَّرت في تاريخ التفسير، من ذلك:
أ - ظهور الانحراف في التفسير:
حين خرجت الخوارج أول الفرق الضالة عام 37 هـ، ظهر عن طريقهم أول انحراف في تفسير القرآن مبني على الجهل والتعصب والهوى، حيث أُتوا من جهلهم بالقرآن، وكفَّروا عليًّا والصحابة، "واعتلُّوا بقول اللَّه عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وقوله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، قالوا: فأمر اللَّه عز وجل وحكم بقتال أهل البغي، وترك عليٌّ قتالهم لمَّا حكم، وكان تاركًا لحكم اللَّه سبحانه، مستوجبًا للكفر، لقول اللَّه عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} "(1)، فأرسل إليهم عليٌّ رضي الله عنه حبر الأمة عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، فناظرهم، وأوضح لهم انحرافهم في فهم القرآن حتى عاد أكثرهم.
ثم بعد استشهاد علي رضي الله عنه برزت الشيعة وغلَوا في عليٍّ وأبنائه، خصوصا بعد استشهاد الحسين، وانشقوا عن جماعة المسلمين وصارت لهم الآراء والمعتقدات الخاصة، وحرفوا القرآن وفسّروه بأهوائهم ليوافق ضلالاتهم، ومن هنا كثر كذبهم على عَلِيٍّ وأئمتهم، واختلطت كثير من المرويات عن عليٍّ وأهل بيته بكذبهم وأباطيلهم.
بل ربما كانوا أسبق بالانحراف في التفسير من غيرهم، فهذا عبد اللَّه بن سبأ -رأس السبئية من فرقهم وموقد الفتنة- يتنمل بين البلدان ليبث الضلالات ويشعل(1) مقالات الإسلاميين ص 452.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥١)
الفتن ويؤلب الناس على عثمان رضي الله عنه، مبتدئًا ذلك من خلال تحريف معاني القرآن مع نشر ذلك بين الطغام فيقول: "لعجبٌ ممنِ يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال اللَّه عز وجل: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [القصص: 85] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى"، حتى قبلوا ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، ثم ادعى أن عليًّا كان وصيًّا وأن عثمان أخذها بغير حق، حتى جمع الغوغاء إلى المدينة فقتلوا عثمان رضي الله عنه(1).
وهكذا تتابعت حلقات المبتدعة، فظهرت القدرية في أواخر عهد الصحابة، وبعدهم المرجئة، والمعتزلة، والجهمية، كل حزب بما لديهم فرحون، يدعون إلى بدعتهم، ويتخذون من التأويل الباطل للنصوص سلاحًا يخدم أغراضهم الفاسدة ويؤيد باطلهم، وأصبح ذلك المنهج مطية لكل من يريد الخروج على عقيدة الأمة وشريعتها، وازدادت بذلك التفاسير المبتدعة والتأويلات الباطلة لكتاب اللَّه عز وجل.
ب - مواجهة التأويلات المنحرفة للقرآن:
نهض السلف لمواجهة هذا الخطر الداهم، ونشطوا في كشف حقيقته للناس بوسائل عديدة، من أهمها:
1 - هجر المنتمين إلى تلك البدع والتحذير منهم:
فقد كان السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم أشداء في النكير على أهل البدع -كما سيأتي من أمثلة توضح ذلك-، خصوصًا من عاش منهم في العراق منشأ تلك البدع، وهذا واضح جلي من موقف الشعبي من الشيعة، وإبراهيم النخعي من المرجئة، وابن سيرين من القدرية.
بل نسب إلى تلك الفرق المبتدعة مفسرون لهم باع في التفسير، ووقف منهم أهل العلم موقفًا شديدًا، مما أدى إلى قلة الرواية عنهم وعدم اعتداد الكثير بتفسيرهم، يظهر ذلك جليًّا في محمد بن السائب الكلبي (ت: 146 هـ)، ومقاتل بن سليمان (ت: 150 هـ)، وربما كان لما اتهم به عكرمة مولى ابن عباس من انتحال رأي الخوارج دور في قلة آثاره في التفسير مقارنة بمجاهد مع اتفاقهما في طول ملازمة ابن عباس والتفرغ للتفسير(2)، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.(1) ينظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري 4/ 340.
(2) ينظر: تفسير التابعين 1/ 186.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٢)
2 - الرد على المبتدعة من كتاب اللَّه وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم-:
برز إثر ذلك ظواهر جديدة في التفسير، منها:
- تنزيل الآيات القرآنية على الواقع: يظهر ذلك جليًّا في مثل قول سعد بن أبي وقاص في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] قال: "الحَرُورِيَّةُ هم الذين ينقضون عهد اللَّه من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين"(1).
ومثله عبد اللَّه بن عباس لما قيل له: قد تُكلِّم في القدر! فقال: "أوَفعلوها؟! واللَّه ما نزلت هذه الآية إِلا فيهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 48 - 49] أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني واحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين"(2).
ونحوه ما ورد عن الحسن البصري في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7]، أنَّه قال: "نزلت في الخوارج"(3). وكذا ما جاء أن قتادة قرأ هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} فقال: "إن لم يكونوا الحَرُورِيَّةَ والسَّبَائِيَّة فلا أدري مَن هم؟! "(4). وكذلك قول الزهري: "إن اللَّه أنزل على نبيِّه في القدرية: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] "(5).
- التوسع في تفسير الآيات الواضحات التي كانت لا تفسر لوضوحها، خصوصًا أحكام العقيدة، مثال ذلك ما رواه طاووس قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، وعنده رجل من أهل القدر؛ فقلت: يا أبا عباس. كيف تقول فيمن يقول لا قدر؟ قال: أفي القوم أحد منهم؟ قلت: ولم؟ قال: آخذ برأسه ثم أقرأ عليه آية كيت، وآية كيت،(1) أخرجه البخاري (4728)، وابن جرير 15/ 425، وابن أبي حاتم 1/ 71 - 72. وعلَّقَ ابنُ كثير في تفسيره 1/ 328 على قول سعد رضي الله عنه بقوله: "وهذا الإسناد إن صحَّ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو تفسير على المعنى، لا أنَّ الآية أُرِيد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام".
(2) أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 7/ 483 - ، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة 3/ 597 (948)، 4/ 712 (1162)، 4/ 823 - 824 (1388)، والبيهقي في الكبرى 10/ 345 (20880).
(3) ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين 1/ 275 - .
(4) أخرجه عبد الرزاق 1/ 115 - 116، وابن جرير 5/ 207 - 208 واللفظ له.
(5) أخرجه ابن أبي حاتم 3/ 811.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٣)
حتى قرأ آيات من القرآن، حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر شهده، فكان فيما قرأ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4](1).
وعن أيوب بن حسان، قال: سأل رجلٌ سفيان بن عُيَيْنَة عن القَدَرِيَّة. فقال: "يا ابن أخي، قالت القدرية ما لم يقل اللَّه عز وجل، ولا الملائكة، ولا النبيون، ولا أهل الجنة، ولا أهل النار، ولا ما قال أخوهم إبليس، قال اللَّه عز وجل: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]، وقالت الملائكة: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]، وقال النبيون: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأعراف: 89]، وقال أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43]، وقال أهل النار: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [المؤمنون: 106]، وقال أخوهم إبليس: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39] "(2).
- التركيز على تفسير آيات الصفات وبيان الحق فيها، إذ كانت من أكثر الآيات التي تعمَّدها تحريف المبطلين، وشابتها شوائب المبتدعة المضلين، وذلك في أواخر عهود السلف، الذين نهضوا إلى بيان الحق فيها، وأن تلك الآيات واضحة المعنى عند الصحابة والتابعين، يثبتون ما فيها على ظاهرها دون تحريف أو تأويل، أو إنكار أو تشبيه، وعدم ورود تفسيرات جزئية لها لا يعني أنهم جهلوا معناها أو فوّضو العلم بمعناها إلى اللَّه تعالى وحده.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما روى ابن عيينة أن ربيعة الرأي (ت: 136 هـ) سُئل عن قوله: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59]. كيف استوى؟ قال: "الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، ومن اللَّه الرسالةُ، وعلى الرسول البلاغُ، وعلينا التصديقُ"(3)، وبنحوه روي أيضًا عن تلميذه الإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ)(4).
هذه أبرز العوامل التاريخية التي أثرت في تفسير السلف، مما أدى إلى توسعه كثيرًا عما كان عليه في العهد النبوي، ومن ثم ظهور الآلاف من مرويات التفسير عن مفسري السلف كما سنرى في هذه الموسوعة.(1) الإبانة 9/ 2/ 162 - 163/ 1630، والشريعة 1/ 417/ 493، والسُّنَّة العبد اللَّه بن أحمد ص 141.
(2) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر 3/ 824.
(3) أخرجه اللالكائي ص 665. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك". مجموع الفتاوى 5/ 365.
(4) أخرجه اللالكائي (664)، والبيهقي (866)، وقال ابن حجر: سنده جيد. فتح الباري 13/ 406، 407.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٤)
الفصل الثاني نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه
ويتضمن ما يلي:
المبحث الأول: مرحلة الروايات الشفهية
المبحث الثاني: مرحلة الكتابة والتدوين
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٥)
نقل تفسير السلف ومراحل تدوينه
مرَّ تفسير السلف في نقله وتداوله بمرحلتين رئيسيتين كسائر علوم الشريعة، هما مرحلة الروايات الشفهية والحفظ ابتداء، ثم مرحلة الكتابة والتدوين. وسوف نعرض لهاتين المرحلتين بشيء من التفصيل من خلال المبحثين التاليين:
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٦)
المبحث الأول مرحلة الروايات الشفهية
كان العرب قبل الإسلام يعتمدون في حفظ أيامهم وأشعارهم على الحفظ وقوة الذاكرة، حتى جاء الإسلام وقد نمت تلك الملكة لديهم وتميزوا بها، فأعملوها في حفظ القرآن والسُّنَّة، ونقل نصوصهما بألفاظهما، أما الكتابة والتدوين فإنها وإن كانت حاضرة عندهم لكنها بصورة محدودة، وقد أفاد النبي صلى الله عليه وسلم من وجود بعض الكَتَبَة في كتابة القرآن الكريم وتدوينه، وورد عنه النهي ابتداء عن كتابة ما سوى القرآن الكريم خشية اختلاطه بالقرآن الكريم الذي لم يكن قد جُمع بعد، ثم أذن بكتابتها في آخر حياته صلى الله عليه وسلم(1).
واستمر تناقل علوم الشريعة عن طريق الحفظ والمشافهة في عهد الصحابة ومن بعدهم، وكان هو الأساس في التعلم والتعليم، إِلا أن الكتابة بدأت مع الأيام تتوسع وتنتشر لتكاثر الدواعي لها، حتى أصبحت الطريق الرئيس في التعلم، وفي ذلك يقول ابن الأثير: "وكان اعتمادهم أولًا على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يُسطِّرونه، محافظة على هذا العلم كحفظهم كتاب اللَّه عز وجل، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقلَّ الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يُهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى"(2).
وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن مرحلة الكتابة والتدوين يحسن أن نقف على طرق(1) ينظر ذلك بتوسع في: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ص 71 - 91، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص 287 - 292.
(2) جامع الأصول من أحاديث الرسول 1/ 15.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٧)
تلقي التفسير عند السلف عبر طريق المشافهة والحفظ، والمنهج التعليمي لديهم في إلقاء دروس التفسير.
* طرق تلقي التفسير وأدائه مشافهة عند السلف:
تقدم معنا كيفية تلقى الصحابة التفسير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك إما بأن يبتدئهم بتفسير الآية، أو أن يستشكلوا شيئًا من معاني الآيات فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم، وعند النظر إلى مرويات التفسير عن الصحابة ربما يتبادر إلى الذهن السؤال عن كيفية تلقي التفسير وإلقائه في عهد الصحابة والتابعين، وفيما يلي إلماحة إلى شيء من ذلك من خلال استقراء بعض مرويات التفسير:
1 - مجالس التفسير الخاصة:
كانت لبعض الصحابة مجالس علمية خاصة مع نجباء تلاميذهم، يتدارسون فيها القرآن ومعانيه، يقف فيها المعلم وقفات تربوية مع المتعلمين، فيبين لهم ويطلب آراءهم، ويشحذ أذهانهم بالمسائل العلمية، ويشجعهم وينمي لديهم ملكة التفسير، ويظهر هذا جليًّا من خلال المثال التالي في مجالس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
عن ابن زيد قال: "كان عمر بن الخطاب إذا صلى السُّبْحة(1) وفرغ دخل مِرْبدًا(2) له، فأرسل إلى فِتْيانٍ قد قرؤوا القرآن، منهم ابن عباس، وابن أخي عُيَيْنة، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال: فمروا بهذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة: 206]، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، فقال ابن عباس، لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيُّ شيء قلتَ؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس، قال: أرى هاهنا مَنْ إذا أُمِر بتقوى اللَّه أخذته العزة بالإثم، وأرى من يَشْري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه؛ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى اللَّه، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان.(1) السُّبْحة: صلاة النافلة، النهاية (سبح).
(2) المِرْبد: فضاء وراء البيوت يُرتفق به، والمِرْبد أيضًا كالحُجرة في الدار، لسان العرب (ربد).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٨)
فقال عمر: للَّه تلادك(1) يا ابن عباس"(2).
ومشهور ما وقع لابن عباس رضي الله عنهما في مجلس عمر رضي الله عنه مع أشياخ بدر(3).
ومثله أيضًا لدى عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه مع طلابه، فعن مسروق، قال: "كان عبد اللَّه يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار"(4).
وأشهر من عُرف بتلك المجالس ابن عباس رضي الله عنهما، حيث اعتنى بطلابه اعتناءً بالغًا، وتفرغ لهم تفرغًا تامًّا، وميَّزهم بمنهج تعليمي فذٍّ، يبث فيهم روح الثقة، ويشجعهم للتصدي للإفتاء والتفسير، فهذا أبو الجوزاء (ت: 84 هـ) يقول: "جاورت ابن عباس في داره اثنتي عشرة سنة ما في القرآن آية الا وقد سألته عنها". وقال مجاهد (ت: 102 هـ): "عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها"(5)، وقال عكرمة (ت: 105 هـ): "كان ابن عباس يجعل الكبل في رجلي على تعليم القرآن والفقه"(6)، وقال عطاء بن أبي رباح (ت: 114 هـ): "ما رأيت مجلسًا قط أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقهًا وأعظم جفنة منه، إن عنده أصحاب القرآن يسألونه، وعنده أصحاب الشعر يسألونه، وعنده أصحاب النحو يسألونه، كلهم يصدر في واد واسع"(7)، ومن هنا نجد تميز تلاميذه بالتوسع في التفسير رواية ودراية أكثر من غيرهم(8).
وهكذا الأمر أيضًا لدى التابعين، فلا شك أن تلك الثروة الضخمة من تفسيرهم -وهم أكثر طبقات السلف تفسيرًا- لم ينقله تلاميذهم إِلَّا عبر تلك المجالس العلمية، خصوصًا المكثرين منهم ممن اختص بتلاميذ يتفرغون لنقل تفسيره كمجاهد وقتادة والسدي.
وكذا كان أتباعهم من بعدهم، وقد تقدم في معالم تفسير التابعين ملامح من تلك المجالس العلمية العامرة.(1) في مطبوعة الشيخ شاكر 4/ 245: للَّه بلادك. وعقَّب على ذلك بقوله: في المطبوعة: "للَّه تلادك" بالتاء في أوله، ولا معنى له، والصواب ما أثبت. وفي الدر المنثور: "للَّه دَرُّك". والعرب تقول: "للَّه درُّ فلان، وللَّه بلاده".
(2) أخرجه ابن جرير 3/ 588 - 589.
(3) أخرجه البخاري 4294، وينظر أمثلة أخرى في: تفسير قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266]، وقوله تعالى: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33].
(4) أخرجه ابن جرير 1/ 85.
(5) أخرجه ابن جرير 1/ 75.
(6) المعرفة والتاريخ 1/ 527.
(7) المعرفة والتاريخ 1/ 520.
(8) ينظر: تفسير التابعين 1/ 391.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٥٩)
2 - مجالس التفسير العامة:
يمكن أن يُمثَّل لها بما جاء عن قتادة في قوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} [الكهف: 29]، قال: ذُكر لنا أن عبد اللَّه بن مسعود أهديت له سقاية ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخُدَّ في الأرض، ثم قذف فيه من جزل حطب، ثم قذف فيه تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة. فدعا رهطًا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: "ما رأينا في الدنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذهب والفضة حين أزبد وانماع"(1).
وأوضح منه ما ذُكر عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما الذي صرف جل همه وغاية وسعه في تفسير كتاب اللَّه للعامة والخاصة مستغلًّا المناسبات الجامعة، فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: "شهدت ابن عباس وولي الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت"(2).
وعن الحسن البصري قال: "كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران، فيفسرهما آية آية"(3)، وفي رواية: أن الحسن ذكر ابن عباس فقال: "كان أول من عُرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسرهما حرفًا حرفًا. وكان مِثَجًّا يسيل غَرْبًا"(4).
كذلك كان رضي الله عنه يجلس في فناء الكعبة يستقبل أسئلة الوافدين، ويجيب المتعلمين، ففي أول قصة نافع بن الأزرق المشهورة أنه قدم مكة، فإذا هو بعبد اللَّه بن عباس قاعدًا قريبًا من زمزم، وعليه رداء أحمر وقميص، وإذا ناس قيام يسألونه عن التفسير يقولون: "يا ابن عباس، ما تقول في كذا وكذا؛ فيقول: هو كذا أو كذا،. . . "(5).
3 - تصدي السلف للناس وطلب السؤال منهم:
حرص بعض السلف على إبلاغ الناس ما حوت صدورهم من علم؛ خشية الوقوع في إثم كتمانه، وموتهم قبل إبلاغه، من هنا كانوا يتصدون للناس ويطلبون منهم أن(1) أخرجه ابن جرير 15/ 248.
(2) أخرجه ابن جرير 1/ 75، والحاكم 3/ 537، وأبو نعيم في الحلية 1/ 324، وعنده أنه قرأ سورة البقرة.
(3) سير أعلام النبلاء 3/ 344.
(4) غريب الحديث لابن قتيبة 2/ 354.
(5) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 10/ 248.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٠)
يسألوهم، فعن أبي الطفيل، قال: قال علي: "سلوني عن كتاب اللَّه؛ فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل"(1).
وعن ابن أبي حسين قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: "ألا أحد يسألني عن القرآن فواللَّه لو أعلم اليوم أحدًا أعلم مني به، وإن كان من وراء البحار، لأتيته". فقام عبد اللَّه بن الكواء فقال: من الذين بدلوا نعمت اللَّه كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار؟ فقال: "مشركو قريش"(2).
وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: "إني أصبحت طيب النفس فسلوني عن أشياء من سورة البقرة وسورة يوسف". يخصهما من بين السور(3).
وهكذا الحال أيضًا مع التابعين رحمهم الله، فعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: "سلوني يا معشر الشباب فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم"(4).
وعن سعيد بن يزيد، قال: كنا عند عكرمة فقال: "ما لكم أفلستم؟ يعني: لا أراكم تسألوني"(5).
وكذا أيضًا روي عن بعض أتباع التابعين خصوصًا مقاتل بن سليمان(6).
4 - تصدي الطلاب لسؤال شيوخ العلم واستخراج علمهم من ذلك الطريق:
رأينا في الطريق السابق كيف تصدى بعض السلف للتفسير من خلال التعرض لسؤال التلاميذ وطلب ذلك منهم، لكن في المقابل وُجد من المفسرين من تحرج من القول في التفسير وآثر عدم الخوض فيه، فكان لا يبتدئ التفسير حتى يُسأل، فقيَّض اللَّه من التلاميذ النجباء من يجلس إليه ويسأله ويستخرج تفسيره، فمن هؤلاء سعيد بن المسيب الذي عرف عنه التهيب من التفسير، حتى أنه كان يُسأل عن الآية من القرآن فيقول: "لا أقول في القرآن شيئًا"(7)، كما أنه كان رجلًا شديدًا مهابًا(8)، وقد رحل إليه قتادة فعكف عليه بضعة أيام يسأله، فاستخرج كثيرًا من علمه ومن ذلك(1) أخرجه ابن سعد في طبقاته 2/ 338.
(2) أخرجه ابن أبي حاتم 47/ 227.
(3) المعرفة والتاريخ 1/ 494.
(4) المعرفة والتاريخ 1/ 713. وينظر أيضًا: ابن جرير 13/ 694.
(5) أخرجه ابن سعد في طبقاته 2/ 386.
(6) ينظر: تهذيب الكمال 28/ 446.
(7) أخرجه ابن سعد في طبقاته 2/ 381، وابن جرير في تفسيره 1/ 79.
(8) المعرفة والتاريخ 4/ 549.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦١)
التفسير(1)، فعن معمر، عن قتادة: أنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثامن: "ارتحل يا أعمى، فقد نزفتني"(2).
وكذلك عطاء بن أبي رباح الذي كان لا يتكلم حتى يُسأل(3)، لكن لازمه تلميذه ابن جريج فكان يسأله حتى استخرج أغلب تفسيره المروي عنه(4).
* * *(1) لذا كان قتادة من أكثر من روى تفسير سعيد بن المسيب. ينظر: تفسير التابعين 1/ 352.
(2) أخرجه ابن سعد في طبقاته 7/ 230.
(3) ذكر ذلك عنه أبو بكر بن عياش، ينظر: الطبقات الكبرى 6/ 275.
(4) لذا نجد أغلب مرويات ابن جريج عن عطاء مُصدَّرة بقوله: سألت عطاء عن كذا، ونحو ذلك، أما ما كان عن غير عطاء فيصدُّرها بلفظ سمعت فلانًا، وقال فلان، ينظر: تفسير التابعين 1/ 185 - 186، 194.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٢)
المبحث الثاني مرحلة الكتابة والتدوين
هذا الموضوع متشعب الأطراف؛ ومختلف الجوانب، لذا يصعب الخوض فيه، نظرًا لتناوله مرحلة زمنية معتمة من حيث الرصد والتتبع التاريخي، وطويلة -نسبيًّا- ذات مراحل مختلفة ومتباينة، إضافة إلى كونها متداخلة إن أردت تحديدها بدقة، وقد اشتهر لدى المعاصرين ما كتبه د. محمد حسين الذهبي (ت: 1397 هـ) رحمه الله، بأن التفسير المأثور مر بأربع خطوات، حاصلها فيما يلي(1):
الأولى: الرواية بالمشافهة، وذلك في عصر الصحابة والتابعين.
الثانية: تدوين الحديث النبوي، حيث كان التفسير بابًا من أبوابه، ثم أورد عددًا من المحدثين -وكلهم من أتباع التابعين- الذين صنفوا كتبًا في الحديث، وذكر أن "جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبواب الحديث، ولم يكن جمعًا للتفسير على استقلال وانفراد"(2).
الثالثة: انفصال علم التفسير عن علم الحديث، حتى أصبح علمًا قائمًا بنفسه، وذكر أن ذلك تم على أيدى طائفة من العلماء أورد بعضًا منهم، وكلهم ممن جاء بعد أتباع التابعين.
الرابعة: مرحلة اختصار الأسانيد.
وتبعه على ذلك كثير ممن ألَّف في تاريخ التفسير ومناهج المفسرين دون تمحيص وتحرير للمسألة، وهو تقرير غير دقيق، ومجرد فرضيات ينقضها الواقع التاريخي للتفسير، حيث رويت آثار عديدة تدل على استقلال علم التفسير والتدوين فيه مبكرًا منذ عهد الصحابة كما سيأتي بيانه(3)، بل إن قوله تناقض عندما استطرد وذكر شيئًا(1) ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 104 - 107.
(2) التفسير والمفسرون 1/ 104.
(3) ينظر في مناقشة ذلك: مقال "التنكيت على مراحل التفسير عند الذهبي في التفسير والمفسرون"، للدكتور =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٣)
من تلك الروايات الدالة على قِدم علم التفسير وتقدم التدوين فيه(1).
ولعلنا نحاول تحرير المسألة وطرحها بصورة أخرى أحسب أنها أدق مما تقدم، مع التركيز والاختصار قدر المستطاع، فنقول بأن التفسير مر بمرحلتين أساسيتين:
الأولى: مرحلة الروايات الشفهية: وتقدم الحديث عنها في المبحث السابق.
الثانية: مرحلة الكتابة والتدوين: وهذه المرحلة مرت بأربعة مراحل متداخلة في كثير منها، بحيث يصعب تحديد كل منها زمنيًّا، خصوصًا الثلاثة الأخيرة منها، وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير.
المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية.
المرحلة الثالثة: مرحلة التدوين الشامل للتفسير.
المرحلة الرابعة: مرحلة حذف الأسانيد.
وإليك تفصيل تلك المراحل، وباللَّه التوفيق.
* المرحلة الأولى: مرحلة الكتابة المبدئية للتفسير:
بدأت هذه المرحلة في عصر الصحابة الممتد إلى عام 73 هـ كما تقدم، حيث وردت روايات تؤكد أن كتابة التفسير بدأت في ذلك العهد، فعن ابن أبي مليكة، قال: "رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله"(2)، وهذا الأثر يدل على فوائد عديدة(3) من أهمها:
1 - أن علم التفسير كان علمًا قائمًا بذاته في عهد الصحابة؛ لأن مجاهدًا ذهب إلى ابن عباس ليسأله عن التفسير خاصة، فدل على أنه علم قائم بذاته.
2 - أن تدوين التفسير كان في عصر صغار الصحابة رضي الله عنهم، وهذه النسخة التي كان يكتبها مجاهد من أكبر الأدلة على أن بدايات علم التفسير وتدوينه كانت متقدمة= مساعد الطيار في كتاب مقالات في أصول التفسير وعلوم القرآن 2/ 130.
(1) ينظر: التفسير اللغوي ص 147، حاشية 4.
(2) تفسير ابن جرير 1/ 85.
(3) ينظر: التعليق على تفسير ابن جرير الطبري، المجلس الرابع للدكتور مساعد الطيار، على موقعه: www.attyyar.net/container.php? fun=artview&id=474
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٤)
جدًّا، وأرى أن ذلك تدوين فردي خاص، بمعنى أن كتابته لأجل الحفظ والمراجعة والاستذكار، كما كانت حال المحدثين يومئذ، ولم يكتبه لغيره كمصنف يؤثر عنه، لذا فإن هذه المرحلة من التدوين تختلف عن المرحلة التالية من هذه الحيثية، واللَّه أعلم.
3 - قوله: "حتى سأله عن التفسير كله"، يدل ظاهره على عدم توقف ابن عباس رضي الله عنهما عن التفسير، ويؤكد هذه المعلومة مجاهد في قوله: "عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها".
لكن هل يدل ذلك على أن ابن عباس فسر القرآن كاملًا آية آية؟ هذا ما يظهر من عموم اللفظ، وعليه فإنه ينقض ما اشتهر من أن التفسير لم يكن متوسعًا في عهد الصحابة، وأنهم لم يفسروا جميع آيات القرآن.
ويحتمل أن المراد بقوله: "سأله عن التفسير كله"؟ أي: المشكل منه وما يحتاج إلى إيضاح، إذ الواضح لا يحتاج إلى أن يُسأل عنه، خصوصًا في ذلك الوقت المتقدم الذي لم تضعف فيه اللغة، ويفشو اللحن بصورة كبيرة، ويؤيد هذا الاحتمال أن ما نُقل من مرويات تفسير ابن عباس التي بين أيدينا لم تصل إلى ذلك الحد، واللَّه أعلم.
ومن الآثار التي تعضد هذا الأثر في كون كتابة التفسير بدأت مبكرًا:
- ما رواه سعيد بن جبير حيث قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في ألواحي حتى أملأها ثم أكتب في نعلي"(1).
- ما جاء عن موسى بن عقبة قال: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. قال: فكان علي بن عبد اللَّه بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلي بصحيفة كذا وكذا. قال: فينسخها، فيبعث إليه بإحداهما(2).
حيث دل هذان الأثران أن تلاميذ ابن عباس كانوا يكتبون ما يلقيه إليهم من العلم كثيرًا، والظاهر أن من ذلك علم التفسير، إذ هو أكثر علم استغرق جهد ابن عباس رضي الله عنهما كما هو معلوم.(1) العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد اللَّه 1/ 231.
(2) الطبقات الكبرى 5/ 293.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٥)
والخلاصة: أن بداية تدوين التفسير كفَنٍّ مستقلٍّ عن الحديث ظهر في عهد الصحابة، لكن كان للحفظ والاستذكار والمراجعة والتحديث منها، ولم يكن بالتدوين المنظم، والتأليف المرتب المراد به التصنيف للآخرين، وفي ذلك يقول الحافظ ابن رجب: "والذي كان يُكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مُبوَّبًا، وإنما كان يُكتب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في زمن تابعي التابعين صُنِّفت التصانيف، وجمع طائفة من أهل العلم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم جمع كلام الصحابة"(1).
* المرحلة الثانية: مرحلة النسخ التفسيرية:
النسخة والصحيفة مصطلحان مترادفان، والمقصود بهما عند المحدثين "ما اشتمل على حديث فأكثر ينتظمها إسناد واحد"(2)، وهذا المعنى ينطبق على النسخ التفسيرية(3)، وعليه فالنسخة التفسيرية: هي ما اشتملت على آثار في تفسير القرآن ينتظمها إسناد واحد.
وتدوين النسخ التفسيرية مرحلة تلت مرحلة مجرد الكتابة، وذلك في عصر التابعين (73 - 132 هـ) حيث اعتنى التابعون بإملاء التفسير على طلابهم من أتباع التابعين الذين جمعوا تلك النسخ ورووها، وقد تنسب إليهم أو إلى مشايخهم، من ذلك:
1 - تفسير مجاهد (ت: 102 هـ): فقد روي أن مجاهدًا أملى التفسير على القاسم بن أبي بزة (ت: 115 هـ) وأخذ كتابه الحكم وليث وابن أبي نجيح. قال سفيان بن عيينة: "لم يسمعه أحد من مجاهد إلا القاسم بن أبي بزة أملاه عليه"(4). ثم أخذ ورقاء اليشكري (ت: 160 هـ ونيف) هذا التفسير حيث قال: كتاب "التفسير" قرأت نصفه عَلَى ابن أَبي نجيح، وقرأ عَلَيَّ نصفه. وقال ابن أبي نجيح: هذا "تفسير" مجاهد(5).(1) شرح علل الترمذي 1/ 37.
(2) ينظر: معرفة النسخ والصحف الحديثية، لبكر بن عبد اللَّه أبو زيد، دار الراية، ط. 1412 هـ -1992 م، ص 21 - 23.
(3) أسانيد نسخ التفسير ص 59.
(4) المعرفة والتاريخ 2/ 154.
(5) تهذيب الكمال 30/ 435، ثم رواه عن ورقاء آدم بن أبي إياس (ت: 220 هـ)، وهو التفسير الموجود بين أيدينا باسم تفسير مجاهد، ورجح بعض المعاصرين أنه تفسير آدم بن أبي إياس المشهور.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٦)
2 - تفسير السدي (ت: 127 هـ). وهي النسخة التي جمعها السدي من تفسير ابن مسعود وناس من الصحابة من طريق مرة الهمداني، وتفسير ابن عباس من طريق أبي صالح وأبي مالك(1)، واستقصاء هذا الباب واسع(2).
وفي عهد التابعين صدر أمر التدوين المنظم للسُّنَّة من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت: 101 هـ) وتقرر بصورة رسمية، فاستجاب لذلك عدد من التابعين على رأسهم محمد بن شهاب الزهري (ت: 124 هـ) فجمع حديث أهل المدينة(3)، ويظهر أن هذه الكتابة الرسمية لم تكن الأولى، فقد سبق عمر بن عبد العزيز أبوه عبد العزيز بن مروان (ت: 85 هـ) حين أمر كثير بن مرة الحضرمي (ت: 80 هـ) بكتابة ما سمعه من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم(4)، لكن الكتابة التي كانت بأمر عمر بن عبد العزيز أشمل وأشهر، وقد تبين من خلال بعض الروايات أن تلك النسخ المجموعة أُودعت في ديوان الخلفاء بدمشق(5)، والذي يهمنا أن هذا الأمر لم يكن حكرًا على تدوين أحاديث السُّنَّة فحسب؛ بل يمكننا القول: إن للتفسير نصيبًا من التدوين الرسمي، فقد روى ابن أبي حاتم أن أباه سُئل عن عطاء بن دينار، فقال: "هو صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في(1) ورجح الشيخ أحمد شاكر في تحقيق تفسير ابن جرير 1/ 156 أنه كتاب تفسير ألَّفه السُّدي وليس مَنْ دونه، جمع التفسير من هذه الطرق الثلاث، واستدل بقول الإمام أحمد بن حنبل عن السُّدي: "إنه ليحسن الحديث، إلا أن هذا التفسير الذي يجيء به، قد جعل له إسناذا، واستكلفه". وقول الحافظ في التهذيب: "قد أخرج الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، في تفاسيرهم، تفسير السُّدي، مفرقًا في السور، من طريق أسباط بن نصر عنه". وله تحرير مطول نفيس في ذلك، وقد ذكر ابن النديم هذا التفسير في الفهرست 1/ 88.
(2) من ذلك أيضًا ما رواه وقاء بن إياس، قال: "رأيت عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه الدواة يغير". الطبقات الكبرى 6/ 266، المعرفة والتاريخ 3/ 213، وما جاء أن الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه. جامع بيان العلم وفضله 2/ 323. وكذلك صحيفة علي بن طلحة المشهورة التي كتب فيها تفسير ابن عباس من طريق مجاهد أو سعيد بن جبير فيما ذُكر. الإتقان 4/ 237.
(3) ينظر: فتح الباري 1/ 204، بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص 299.
(4) ينظر ذلك مفصلًا في: تاريخ تدوين السُّنَّة ص 52 - 54.
(5) من ذلك ما ورد عن معمر أنه قال: "كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته؟ يعني: من علم الزهري". الطبقات الكبرى 2/ 389، المعرفة والتاريخ 1/ 638، قال الذهبي معقبا عليه: "يعني: الكتب التي كتبت عنه لآل مروان" تاريخ الإسلام 5/ 141. وينظر: بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرفة ص 298، تاريخ تدوين السُّنَّة ص 54 - 58.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٧)
الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير"(1).
في هذه الرواية العزيزة فوائد نفيسة متعلقة بتاريخ تدوين التفسير، منها:
1 - أن التدوين الرسمي المنظم للتفسير بدأ مبكرًا جدًّا مع تدوين الحديث وربما قبله، وذلك في عهد عبد الملك بن مروان (ت: 86 هـ)، ولا بد أنه قبل عام 81 هـ، الذين بدأت فيه فتنة خروج ابن الأشعث على الحجاج والي العراق لعبد الملك، والتي خرج معه فيها سعيد بن جبير، ويبعد أن يكاتبه عبد الملك بن مروان بذلك بعد خروجه عليه.
2 - أن تدوين التفسير المرتب المقصود به التصنيف للآخرين بدأ مبكرًا جدًّا، تدل عليه هذه القصة، حيث طلب الخليفة من سعيد كتابة التفسير فكتبه بيده كما يظهر، ولأنها كانت بطلب رسمي فلا بد أنها أكثر ترتيبًا وتنظيمًا، حتى أنها أودعت خزانة الدولة، وهذا خلاف ما هو معهود في كتابة التفسير آنذاك بالكتابة للفائدة الشخصية الخاصة، أو بإملاء الشيخ على تلاميذه.
3 - أن سعيد بن جبير كتب نسخة من تفسير القرآن، ولم تبين الرواية مقدار ما كتب، لكن يظهر من لفظ الرواية أنها نسخة كبيرة.
4 - أن التفسير علم مستقل قائم بذاته منذ ذلك العهد وقبله، وهذا ينقض ما قيل من أن التفسير لم يكن في هذه المرحلة إلا جزءًا من الحديث.
5 - أن تلك النسخة ظلت محفوظة في ديوان الخلافة بدمشق حتى اطلع عليها عطاء بن دينار (ت: 126 هـ)، فأخذ نسخة منها ورواها عن سعيد مرسلة، وعطاء لم يلق سعيدًا كما ذكر أبو حاتم الرازي.
6 - أن هذه النسخة ربما تكون من أقدم نسخ التفسير التي وصلتنا! وذلك أن ابن أبي حاتم يروي في تفسيره نسخة تفسيرية كبيرة عن سعيد بن جبير (ت: 95 هـ) من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار (ت: 126 هـ)، وهي مبثوثة في هذه الموسوعة نقلًا عما وُجد من تفسير ابن أبي حاتم.
والناظر في مرويات تلك النسخة يجد أنها ذات تفسير تحليلي لألفاظ القرآن تتميز بالتوسع والتفصيل حتى يفسر الواضح من الألفاظ، مما يدل أنها أُلفت للغير، وهذا يشير إلى أن ذلك المنهج قديم، وليس كما ذُكر من أن الصحابة والتابعين كانوا لا(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 6/ 332.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٨)
يفسرون إلا ما يشكل، نعم قد يكون هذا هو المنهج الأغلب، لكن التفسير التحليلي كان له حضور متقدم، وليس من بدع المتأخرين، وحسبك بهذه الفائدة العزيزة في تاريخ التفسير(1).
علوم القرآن:
لم تكن نسخ التفسير مقتصرة على التفسير فحسب؛ بل ظهرت نسخ في بعض علوم القرآن المتعلقة بالتفسير وبغيره فكانت من أوائل ما دُوِّن من تلك العلوم، ومن أشهر تلك النسخ المدونة:
في الناسخ والمنسوخ: "الناسخ والمنسوخ" لقتادة (ت: 117 هـ)، ومثله للزهري (ت: 124 هـ)، وهما مطبوعان(2)، وكذلك لزيد بن أسلم (ت: 136 هـ)(3).
في المكي والمدني: "نزول القرآن" للضحاك بن مزاحم (ت: 104 هـ)، ومثله لعكرمة (ت: 105 هـ)، وكذلك للحسن البصري (ت: 110 هـ)(4)، وكتاب "تنزيل القرآن بمكة والمدينة للزهري" (ت: 124 هـ)، وهو مطبوع(5).
والخلاصة: أنه ظهرت في عصر التابعين نسخ التفسير المضمومة في كتب مستقلة، مروية بإسناد واحد عن أحد مفسري الصحابة أو التابعين، ثم جاء نقلة التفسير من أتباع التابعين ومن بعدهم فرووا تلك النسخ وجمعوها، ثم جزؤها ورتبوها على ترتيب سور القرآن وآياته في مصنفات شاملة(6)، فكانت اللبنة(1) للتوسع ينظر: تفسير أتباع التابعين: ص 312 - 319.
(2) حققهما: د. حاتم الضامن في جزء لطيف مع كتابين آخرين في النسخ. وآثارهما مبثوثة في هذه الموسوعة.
(3) وهي نسخة نفيسة أوردها ابن وهب في جامعه، وتقدم الحديث عنها في مصادر الموسوعة. وآثارها مبثوثة في هذه الموسوعة.
(4) حققه: د. حاتم الضامن في جزء لطيف.
(5) ذكر هذه الكتب الثلاثة ابن النديم في الفهرست ص 40.
(6) وهذا مثل صنيع المحدثين في نسخ الحديث وصحائفه المتقدمة، ونذكر مثالًا لذلك: الصحيفة الصحيحة التي كتبها همام بن منبه عن أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، تشتمل على نحو من مائة وأربعين حديثًا، تروى بإسناد واحد، أودعت كاملة في مسند أحمد، وقطعت وفق الأبواب الفقهية في الصحيحين وغيرهما، ينظر: تاريخ تدوين السُّنَّة ص 79، 80. وهكذا نسخ التفسير المروية عن التابعين كسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسُّدي قطعت مرتبة حسب الآيات، وأودعت في دواوين كتب التفسير المسندة كتفسير ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، لذا ترى أسانيدها المتكررة في ثنايا التفسير لا تكاد تغيب.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٦٩)