ثانيًا مجاهد بن جبر (ت: 102 هـ)(1)
أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، مولى السائب بن أبي السائب المخزومي "شيخ القراء والمفسرين"(2) من التابعين، ولد في أواخر عهد عمر رضي الله عنه، وعليه فهو في عِداد الطبقة الوسطى من التابعين.
* مكانته في التفسير وآثاره:
روى مجاهد عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وغيرهم.
واختص بابن عباس -فأكثر وأطاب- حيث أخذ عنه القرآن، قال رحمه الله: "عرضت القرآن على ابْن عباس ثلاثين مرة"(3)، ولم يكتف بعرض القرآن؛ بل أخذ عنه تفسيره، فقرأ عليه قراءة تفهم، قال رحمه الله: "عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أقفه عند كل آية، أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ "(4)، وعن ابن أبي مليكة قال: "رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله"(5).
ولا شك أن ملازمة مجاهد لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس لها دور كبير في صقل شخصيته وتكوينه العلمي، مما نتج عنه تَبَوُّؤ مجاهد مكانة عظيمة بين مفسري التابعين، قال خصيف: "كان مجاهد أعلمهم بالتفسير"، وقال قتادة: "أعلم من بقي بالتفسير مجاهد"(6). وقد أثنى عليه المتقدمون والمتأخرون، فقال سفيان(1) ينظر في ترجمته: المعرفة والتاريخ 1/ 710، طبقات ابن سعد 5/ 466، تهذيب الكمال 27/ 233، سير أعلام النبلاء 4/ 449، تفسير أتباع التابعين 1/ 90 - 136.
(2) سير أعلام النبلاء 4/ 449.
(3) تهذيب الكمال 27/ 233.
(4) سير أعلام النبلاء 4/ 449.
(5) تفسير الطبري 1/ 85.
(6) تهذيب الكمال 27/ 233.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٤)
الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به"(1)، وقال أيضًا: "خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك"(2)، ووصفه ابن تيمية بأنه آية في التفسير، وقال: "ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره"(3).
والناظر في تفسيره يرى مصداق ذلك، فقد كان رحمه الله ذا نظر ثاقب، واجتهاد رصين، ودقة في إبراز المعاني، واستنباط الدقائق، وتوسع في التفسير، ما لا تجده عند كثير من أقرانه، وقد بلغت آثار تفسيره في الموسوعة (4744) أثرًا، تشهد بعلو كعبه في التفسير، وتميزه في التأويل.
* أسباب تقدم مجاهد في التفسير وكثرة آثاره (4):
لا شك أن لتلك المكانة التي بلغها مجاهد في التفسير أسبابًا وعوامل عديدة، لعل من أبرزها:
1 - صحبته لابن عباس رضي الله عنهما وطول ملازمته له: حتى كان أخص تلاميذه به، لا سيما في كونه عرض القرآن عليه كاملًا قراءة وتفسيرًا عدة مرات، عرض سؤال وتفهم، كما تقدم.
2 - تفرغه للتفسير النظري: إذ تخصص فيه، واستفرغ جهده، ولم يشتغل بغيره كما اشتغل به، وفي ذلك يقول: "استفرغ علمي القرآن"(5)، بل إنه لم يشتغل كثيرًا برواية تفسير غيره، حتى أقرب العلماء إليه، فقد كان من أقل تلاميذ ابن عباس رواية عنه مع أنه من أكثرهم أخذًا عنه.
3 - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط: فقد استفاد ذلك من شيخه ابن عباس رضي الله عنهما، وتميز عن أقرانه فيه، فكان من أكثرهم إعمالًا للرأي في التفسير، ومن أميزهم في بيان المشكل منه.
4 - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم عبد اللَّه بن أبي نجيح (ت: 132 هـ)، الذي روى أغلب تفسيره حيث بلغت في الموسوعة(1) تفسير الطبري 1/ 85.
(2) سير أعلام النبلاء 4/ 451.
(3) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص 10.
(4) ينظر: تفسير التابعين 1/ 125 - 135.
(5) سير أعلام النبلاء 4/ 452.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٥)
(2344) رواية، يليه ابن جريج (ت: 150 هـ) الذي بلغت مروياته عن مجاهد في الموسوعة (366) أثرًا.
5 - كتابته للتفسير: وتقدم ما عرف عنه من حرصه على التدوين عند مساءلته لشيخه، وهكذا كان تلاميذه يكتبون عنه، قال عبيد المُكتب: "رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد"(1)، ومن هنا اشتهر عن مجاهد أن له كتابًا في التفسير.
6 - اشتغاله بالإقراء والقراءات: فقد كان رحمه الله مقرئ أهل مكة، قرأ عليه: ابن كثير، وابن محيصن المكيَّان، كما قرأ عليه أبو عمرو البصري، وغيرهم(2). ولا شك أن للتضلع في علم القراءات أثرًا في فهم القرآن وتفسيره، وقد كان مجاهد مدركًا لذلك، فكان يتأسف على أنه لم يقرأ بقراءة ابن مسعود حتى تفيده في فهم الآيات، وفي ذلك يقول رحمه الله: "لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت"(3).
7 - عدم دخوله في الفتن: كما حصل لبعض أقرانه كسعيد بن جبير، لذا لم يعرف عنه أنه شارك في نحو ذلك أو دعا إليه، بل ورد عمه خلافه، وحريّ بالعالم إذا سلِم من الفتن أن يتصدى للعلم ويتصدر للتعليم، ويقبل عليه الناس دونما عوائق، كما كان مجاهد رحمه الله.
8 - تأخر وفاته: حيث طال به العمر حتى بلغ 83 سنة، وتوفي بمكة وهو ساجد عام 102 هـ، وقيل: 104 هـ(4)، وقيل غير ذلك. ولا شك أن لطول العمر أثرًا فى أن يأخذ عنه عدد كبير من التلاميذ، وأن يدركه الأصاغر فضلًا عن الأكابر.(1) أخرجه الدارمي في سننه 1/ 439.
(2) سير أعلام النبلاء 4/ 450.
(3) أخرجه الترمذي في سننه 5/ 200 (439).
(4) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام 102 هـ.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٦)
ثالثًا قتادة بن دعامة (ت: 117 هـ)(1)
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير، الأكمه. مولده في سنة ستين(2)، وعداده في صغار التابعين.
روى عن عبد اللَّه بن سرجس، وأنس بن مالك، وأبي الطفيل رضي الله عنهم، كما روى عن أبي العالية، وسعيد بن المسيب، وأبي عثمان النهدي، ومطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، والشعبي، والحسن البصري.
* مكانته في العلم والتفسير:
كان قتادة من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو رأسٌ في الحديث والتفسير والخلاف، فعن أحمد بن حنبل أنه ذكر قتادة فأطنب في ذكره فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، وغير ذلك، وجعل يقول: "عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء"؛ ووصفه بالحفظ والفقه(3)، وقال الذهبي عنه: "حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين"(4). وقال أيضًا: "وكان قتادة أيضًا رأسًا في العربية، والغريب، وأيام العرب، وأنسابها"(5). ولا شك أن لهذه الأمور أثرًا في كثرة تفسيره، خصوصًا أنه سمع الكثير في التفسير حتى قال عن نفسه: "ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا"(6).
* مقدار تفسير قتادة وأسباب كثرته:
بلغت آثاره التفسيرية في الموسوعة (5726) أثرًا، فكان أكثر التابعين تفسيرًا(1) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد 7/ 229، تهذيب الكمال 23/ 498، تاريخ الإسلام 3/ 301، سير أعلام النبلاء 5/ 269، تهذيب التهذيب 8/ 351، تفسير التابعين: 1/ 252.
(2) سير أعلام النبلاء 5/ 269.
(3) تهذيب الكمال 23/ 515.
(4) سير أعلام النبلاء 5/ 269.
(5) تاريخ الإسلام 3/ 303.
(6) تهذيب الكمال 23/ 511، تاريخ الإسلام 3/ 302.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٧)
لآيات القرآن على الإطلاق(1)، مع أنه ليس بأشهرهم لأسباب عدة، نوجز أبرزها فما يلي:
1 - ما تقدم من قوة حافظته، وكثرة ما سمع في التفسير. وهذا يعلل كثرة مروياته في التفسير، ونزول الآيات، والنسخ، واستشهاده بالسُّنَّة وأقوال المتقدمين أثناء تفسيره، حتى فاق أقرانه من التابعين.
2 - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، فقد أخذ عن أهل بلده بالبصرة، خصوصًا أنس بن مالك رضي الله عنه، وكذلك الحسن البصري الذي لازمه ثنتي عشرة سنة(2)، حتى تأثر به في طرح التفسير بأسلوب وعظي ومنهج تربوي مؤثر. كذلك رحل خارج البصرة فأخذ عن سعيد بن المسيب بالمدينة فكان مِن أكثر مَن روى تفسيره.
3 - عناية تلاميذه بنقل تفسيره، ونشر تراثه وروايته لمن بعده، يأتي على رأسهم سعيد بن أبي عروبة (ت: 156 هـ)، الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (2938) رواية، يليه معمر بن راشد (ت: 153 هـ) الذي بلغت مروياته عنه في الموسوعة (1464) رواية.
4 - عدم دخوله في الفتن، مع أنه من أهل العراق الذي كان مصدرًا للفتن والقلاقل آنذاك، والتي كان من أشدها فتنة ابن الأشعث، فلم يشارك قتادة في مثل تلك الفتن بل كان على منهج شيخه الحسن البصري، في البعد عنها والسلامة منها.
5 - تقدمه في اللغة، وعلومها، ومن هنا تميز تفسيره بالاستشهاد بالشعر وبيان اشتقاق الألفاظ ومعاني لغات العرب، كما تميز أسلوبه بجزالة الألفاظ، وجمال العبارة، وبلاغة القول.
في المقابل كانت هناك أمور يتوقع أن تؤثر في تفسير قتادة لكن لم يحصل شيء من ذلك(3)! من أبرزها:
1 - قوله بالقدَر: قال ابن سعد عن قتادة: "كان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث،(1) المشهور في كتب تاريخ التفسير والتراجم أن مجاهدًا هو أكثر التابعين آثارًا في التفسير، وهذا صحيح من جهة كثرة روايات تفسيره وطرقه المختلفة؛ خصوصًا عند ابن جرير، لكن بالنظر إلى كثرة الآيات المفسَّرة وكثرة الأقوال المختلفة في التفسير فقد كشفت الموسوعة أن قتادة يفوقه في ذلك، والناظر في تفسير كثير من الآيات في هذه الموسوعة لا يكاد يجد لمجاهد قول فيها، بينما ينفرد قتادة عنه بتفسيرها، واللَّه أعلم.
(2) تهذيب الكمال 23/ 514.
(3) وهذا يستدعي دراسةً وافيةً لبيان أسباب عدم تأثر قتادة بذلك، بينما في المقابل تأثر غير قتادة بمثل تلك الأسباب -كعكرمة ومقاتل بن سليمان والكلبي وغيرهم- بقلة ما روي عنه في التفسير مع شهرتهم فيه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٨)
وكان يقول بشيء من القدر"(1)، وقال العجلي: "كان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه"(2)، ومن هنا اشتد موقف بعض معاصريه منه كطاووس الذي كان إذا أتاه قتادة فرَّ منه(3)؛ لكن لم يكن ذلك الموقف هو السائد منه، قال الذهبي عنه: "وكان يرى القدر -نسأل اللَّه العفو-، ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل اللَّه يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، واللَّه حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زلله، ولا نضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"(4). وهذا الذي قاله الذهبي هو موقف الأئمة تجاه تفسير قتادة ومروياته، فقد تناقله نقلة التفسير وسُوِّدَت بمروياته كتب التفسير المأثور فكان من أكثر التابعين آثارًا في التفسير.
ومع كل ما قيل فقد جاء عنه روايات في التفسير تخالف هذا المعتقد مما يدل على رجوعه عن ذلك، واللَّه أعلم.
2 - عدم التفرغ للتفسير، فقد كان رحمه الله رأسًا في علوم عدة كما تقدم.
3 - لم يُعمَّر طويلًا! مقارنة بمفسري التابعين المكثرين الآخرين. قال الذهبي: "ومات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة بواسط، وله سبع وخمسون سنة رحمه الله"(5).
4 - الجمع بين الرواية والدراية، فقد روى كثيرًا من تفسير الحسن البصري وسعيد بن المسيب، وقبلهم تفسير ابن مسعود رضي الله عنه(6).
5 - قلة الاجتهاد والقول بالرأي، ومن هنا جاء عنه قوله: "ما أفتيت بشيء من رأيي منذ عشرين سنة"(7).(1) الطبقات الكبرى 7/ 229.
(2) الثقات للعجلي ص 389.
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة 4/ 704.
(4) سير أعلام النبلاء 5/ 271.
(5) تاريخ الإسلام 3/ 302. وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام 117 هـ.
(6) ينظر: تفسير التابعين 1/ 282.
(7) تاريخ الإسلام 3/ 302. وفي رواية أخرى: ما أفتيت برأيي منذ ثلاثين سنة. وعن أبي هلال قال: سألت قتادة عن مسألة، فقال: لا أدري. فقلت: قل برأيك. قال: ما أفتيت برأيي منذ أربعين سنة. ينظر: تهذيب الكمال 23/ 509.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٢٩٩)
رابعًا مقاتل بن سليمان (ت: 150)(1)
مقاتل بن سليمان البلخي الأزدي مولاهم، ولد عام 80 هـ بمدينة بلخ بخراسان، وتوفي عام 150 هـ بالبصرة.
وهو في عداد كبار أتباع التابعين، وقد روى عن نافع مولى ابن عمر، والضحاك، ومجاهد، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وزيد بن أسلم، وغيرهم(2).
* منزلته في الرواية وعقيدته:
محله عند المحدثين الكذب، حتى أجمعوا على تركه، كما ذكر الذهبي(3)، وعن وكيع (ت: 197 هـ) أنه قال: "كان كذابًا، ليس حديثه بشيء". وقال ابن سعد (ت: 230 هـ): "وأصحاب الحديث يتقون حديثه وينكرونه"(4).
كذلك اتُّهم في عقيدته، بأنه كان مُجَسِّما يُشبِّه اللَّهَ بخلقه، فعن أبي حنيفة (ت: 150 هـ) أنه قال: "أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطِّل، ومقاتل مشبِّه".
ولأجل كذبه وعقيدته تُرك حديثه والرواية عنه. ومع ذلك فقد كان واسع المعرفة والاطلاع.
* مكانته وآثاره في التفسير:
أما تفسيره فله شأن آخر، حيث أثنى عليه كثير مِن معاصريه ومَن بعدهم. قال(1) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد 7/ 263، تهذيب الكمال 28/ 435، سير أعلام النبلاء 13/ 232، ميزان الاعتدال 4/ 173، تهذيب التهذيب 10/ 279، كتاب تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص 62 - 87.
(2) ينظر: طبقات ابن سعد 7/ 263، ميزان الاعتدال 4/ 173، تهذيب التهذيب 10/ 279.
(3) سير أعلام النبلاء 2/ 207.
(4) طبقات ابن سعد 7/ 263.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٠)
الذهبي: "قال ابن المبارك [ت: 181 هـ]-وأحسن-: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة!؟ "(1). كما تعددت الروايات عن الشافعي (ت: 204 هـ) في قوله: "الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان"(2). وسئل أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ) عنه فقال: "كانت له كتب ينظر فيها، إلا أني أرى أنه كان له علم بالقرآن"(3).
وقال عنه أبو يعلى الخليلي (ت: 446 هـ): "محله عند أهل التفسير والعلماء محل كبير، واسع العلم، لكن الحفاظ ضعفوه في الرواة،. . . وقد روى عنه الضعفاء أحاديث مناكير، والحمل فيها عليهم"(4).
وقال ابن تيمية (ت: 728 هـ): "ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن ممن يحتج به في الحديث -بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه بالتفسير وغيره، واطلاعه"(5). ووصفه الذهبي (ت: 748 هـ) فقال: "كبير المفسرين"(6).
وقد ترك آثارًا عديدة في التفسير وعلوم القرآن تشهد بعلمه وتمكنه(7)، وهي مصداق ما وُصف به في الأقوال السابقة، بل إنه لا يضاهيه أحد من أقرانه في التصنيف في ذلك الوقت المبكر من عصور التدوين، وقد وصلنا من تلك التصانيف:
1 - التفسير الكبير.
2 - الوجوه والنظائر.
3 - تفسير الخمسمائة آية من القرآن الكريم.
* موقف أئمة التفسير منه:
من خلال المعطيات السابقة عن رواية مقاتل للتفسير دون إسناد أو عزو الأقوال لأصحابها، مع ما عرف عنه من الكذب في الرواية، إضافة إلى ما اشتهر عنه من المعتقد الرديء يبدو أن أئمة المفسرين من نقلة التفسير المأثور اطَّرحوا تفسيره روايةً ودرايةً، كعبد بن حميد، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وكذا المتأخرون(1) سير أعلام النبلاء 7/ 201، وينظر: تهذيب الكمال 28/ 437.
(2) المرجعان السابقان.
(3) المرجعان السابقان.
(4) الإرشاد في معرفة علماء الحديث 3/ 928.
(5) منهاج السُّنَّة النبوية 2/ 294،
(6) سير أعلام النبلاء 7/ 201.
(7) ينظر: الفهرست لابن النديم ص 253، 254، هدية العارفين 2/ 470، تاريخ التراث العربي 1/ 85، تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص 66.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠١)
كابن كثير (ت: 774 هـ) الذي لم يرو عنه إلا بضعة مواضع، ومثله السيوطي (ت: 911 هـ) في الدر المنثور(1).
أما من اعتنى بتفسير مقاتل روايةً ودرايةً فقِلَّةٌ، من أشهرهم وأكثرهم نقلًا عنه أبو إسحاق الثعلبي (ت: 427 هـ) في تفسيره "الكشف والبيان"، وقد أشار إليه فى مقدمته ضمن مصادره(2).
* تفسير مقاتل بن سليمان:
مع طرح أغلب المفسرين المسندين لتفسير مقاتل وعدم اعتنائهم بنقله والإفادة منه، فقد شاء اللَّه أن يصلنا تفسيره كاملًا دون تفاسير أقرانه(3)! وهو أول تفسير كامل للقرآن يصل إلينا.
ومن خلال هذه النسخة الفريدة تمكنا من استخراج تفسير مقاتل وإيراده في هذه الموسوعة، ومن ثَم صار من أكثر مفسري السلف تفسيرًا في إحصاءات هذه الموسوعة، فقد بلغ مجموع أقواله في التفسير (10228) قولًا، وهذا بخلاف ما جاء في مصادر التفسير المأثور التي لم تعتن بتفسيره مما جعل تفسيره فيها نزرًا يسيرًا لا يكاد يندرج في طبقة المقلين فضلًا عن المكثرين.
وقد تميز تفسيره(4) بأنه تحليلي كامل لآيات وسور القرآن، مُرتَّبًا بحسب ترتيب سوره، يمزج بين الآية وتفسيرها في سياق واحد بأسلوب سهل ميسر، يفهمه العامة والخاصة، وهو تفسير أثري ونظري، يجمع بين المنقول والمعقول، وقد تميز تفسيره النظري بمزايا لم يُسبق إليها، من أبرزها: الاعتناء بتفسير القرآن بالقرآن، وبيان الوجوه والنظائر.
والخلاصة: أن تفسير مقاتل النظري الاجتهادي تفسير نفيس، يشهد لذلك ما وُجد فيه من بيان ميسر موجز(5)، ينِمُّ عن علم وتمكّن كما وصفه كثير من السلف، ومن(1) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة، ص 67 - 70.
(2) ينظر: مقدمة الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: د. خالد عون العنزي، ص 72.
(3) وقد حققه: د. عبد اللَّه محمد شحاتة قديمًا بعد أن درس منهجه في أطروحته للدكتوراه بجامعة القاهرة عام 1968 م، ثم طُبع كاملًا بعد ذلك بمدة في أربعة مجلدات، وأُفرد المجلد الخامس لقسم الدراسة، من إصدار مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، عام 1424 هـ - 2002 م.
(4) ينظر تفصيل ذلك في كتاب: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص 73 - 80.
(5) ومن هنا حرصنا على تضمين تفسيره في الموسوعة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٢)
هنا ينبغي نقله والإفادة منه وعدم اطّراحه مطلقًا، إلا ما وُجد فيه نكارة، ولا يضر كونه معروفًا بالكذب، إذ الوارد في تفسيره هو قوله واجتهاده لا قول غيره، بخلاف رواياته ونقوله فلا يُعتمد عليها إذا انفرد بها.
أما ما نُسِب إليه من عقيدة التشبيه والتجسيم الشنيعة فينبغي تحرير ذلك، ويبعد أن يصل إلى ذلك الحد -كما ذكر ابن تيمية(1) -، وقد تتبعنا تفسيره فلم نجد شيئًا يلزم منه ذلك، كما أثبت عدد من الباحثين المعاصرين براءته من ذلك القول الشنيع بعد تتبعهم تفسيره لآيات الصفات في كتبه المطبوعة والمخطوطة(2).
* أسباب كثرة تفسير مقاتل بن سليمان:
1 - تدوينه للتفسير ووصول كتابه إلينا، وهو السبب الوحيد لبلوغ آثار مقاتل هذا العدد الكبير في الموسوعة.
2 - تفرغ مقاتل للتفسير وعلو مكانته فيه، كما شهد له معاصروه ومن بعدهم.
3 - تعدد مصادره، وكثرة شيوخه، حيث روى عن عدد كبير من مشاهير مفسري التابعين كمجاهد والضحاك وعطاء.
4 - كثرة مروياته وسعة اطلاعه، ومن هنا تميز تفسيره بكثرة ذكر أسباب النزول والإسرائيليات، وتعيين المبهمات وتسمية الذوات.
5 - توسعه في الاجتهاد، والاستنباط. وهذا واضح لمن يقرأ تفسيره.
* * *(1) ينظر: منهاج السُّنَّة النبوية 2/ 294.
(2) ينظر: تفسير أتباع التابعين: عرض ودراسة ص 85 - 86.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٣)
الطبقة الثانية من المكثرين في التفسير من السلف (من تجاوزت آثارهم التفسيرية 2000 أثر دون أن تبلغ 4000 أثر)
وقد تحصل لدينا من خلال إحصاءات الموسوعة اندراج خمسة من مفسري السلف في هذه الطبقة، كلهم من طبقتي التابعين وأتباعهم:
فمن التابعين:
من أواسطهم: الضحاك بن مزاحم (ت: 105 هـ)، والحسن البصري (ت: 110 هـ).
ومن صغارهم: إسماعيل السُّدِّي (ت: 127 هـ).
ومن أتباع التابعين:
من أواسطهم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182 هـ).
ومن صغارهم: يحيى بن سلام (ت: 200 هـ).
وهذه ترجمة موجزة لكلٍّ منهم تبين مكانته في التفسير وأسباب كثرة تفسيره، وفي المقابل أسباب عدم بلوغه مرتبة الطبقة الأولى من المكثرين، مرتبين بحسب وفياتهم:
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٤)
أولًا الضحاك بن مزاحم (ت: 105 هـ)(1)
الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم -وقيل: أبو محمد- الخراساني، ولد في بلخ بخراسان، وكان يقيم بمرو مدة وببلخ زمانًا، وربما أقام ببخارى وبسمرقند، وكان معلم كُتّاب يعلم الصبيان فلا يأخذ منهم شيئًا، إنما يحتسب في تعليمهم. واختلف في وفاته فقيل: عام 102 هـ، وقيل: 105 هـ(2)، وقد جاوز الثمانين من عمره(3)، وعلى هذا فهو ضمن جيل الطبقة الوسطى من التابعين.
روى عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك. وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، فعن عبد الملك بن ميسرة، قال: "الضحاك لم يلق ابن عباس إنما لقي سعيد بن جبير بالري فأخذ عنه التفسير"(4)، وأكثر أهل العلم على هذا القول، قال ابن عدي: "أما رواياته، عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر، وإِنَّما اشتهر بالتفسير"(5). وقيل: بثبوت روايته عن ابن عباس(6)، فقد روى عنه أبو جناب الكلبي قوله: "جاورت ابن عباس سبع سنين"(7)، ولهذا تردد الذهبي في ترجيح أحد القولين(1) تنظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 6/ 301، التاريخ الكبير 4/ 332، مشاهير علماء الأمصار ص 308، الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 152، تهذيب الكمال 13/ 291، سير أعلام النبلاء 4/ 598، تاريخ الإسلام 3/ 63، تهذيب التهذيب 4/ 454، تفسير الضحاك لمحمد شكري الزاويتي 1/ 43 - 136.
(2) وقد اعتمدت الموسوعة وفاته عام 105 هـ.
(3) فقد روي عنه قوله: "كنت ابن ثمانين سنة جلدًا غزّاء". ينظر: سير أعلام النبلاء 4/ 600.
(4) طبقات ابن سعد 6/ 301.
(5) الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 152. وينظر: مشاهير علماء الأمصار ص 308.
(6) رجحه الشيخ أحمد شاكر (ت: 1376 هـ)، واستدل به على أنه تابعي ثقة مأمون، وأكَّده بما رُوِي أنه مات وقد بلغ الثمانين أو جاوزها. ينظر: مسند الإمام أحمد 4/ 67 بتحقيق: أحمد شاكر، حاشية الحديث (2262).
(7) تهذيب الكمال 13/ 295، تهذيب التهذيب 4/ 454. لكن رُدَّ قول أبي جناب الكلبي بأنه ضعيف. ينظر: ميزان الاعتدال 4/ 371.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٥)
فقال: "وبعضهم يقول: لم يلق ابن عباس-فاللَّه أعلم-(1) ". ومن هذا الخلاف ترتب الخلاف في عدِّه ضمن التابعين أو أتباعهم(2). لكن لا يُختلف في كونه من ضمن جيل التابعين(3) وأنه عاصر مئات الصحابة، وبالتالي إمكانية رؤيته لبعضهم وروايته عنه(4).
روى عنه: إسماعيل بن أبي خالد، وأبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني، وجويبر بن سعيد، وأبو سنان سعيد بن سنان، وسلمة بن نبيط، وعبد الملك بن ميسرة، وعبيد بن سليمان، وعلي بن الحكم، وأبو إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم.
* منزلته في العلم والتفسير:
كان الضحاك "من أوعية العلم"(5)، وقد اعتنى بالقرآن واشتهر بتفسيره، وعُرف به، قال ابن حبان: "وكان ممن عنى بعلم القرآن عناية شديدة، مع لزوم الورع"، وتقدم قول ابن عدي عنه: "وإِنَّما اشتهر بالتفسير"(6).
وقد أثنى على تفسيره جمع من المتقدمين والمتأخرين، فقال سفيان الثوري (ت: 161 هـ): "خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة،(1) سير أعلام النبلاء 4/ 599.
(2) لم يعدَّه الدكتور محمد عبد اللَّه الخضيري من التابعين، حيث لم يورده في كتابه الحافل "تفسير التابعين" ضمنهم، وصرّح في مواضع منه بأنه من أتباعهم -ينظر: 2/ 585، 694، 954 - ثم أكّد ذلك في دراسته الماتعة الموسومة بـ "التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم" ص 88.
لكن التصريح بأنه تابعي مروي عن بعض كبار أئمة الحديث المتقدمين، كابن أبي حاتم الذي أورد رواية عن مقاتل بن حيان ثم قال: "وكان مقاتل ما فسَّر؛ فسَّره عن رجال من التابعين، منهم الضحاك بن مزاحم، وجابر بن زيد". ينظر: تفسير ابن أبي حاتم 2/ 518 برقم (2750). وهو صنيع أشهر المصنفين في الرجال وطبقاتهم، كابن سعد الذي أدرجه ضمن الطبقة الثانية ممن روى عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس، وغيرهما. ينظر: طبقات ابن سعد 6/ 246، 300، وكذلك الذهبي الذي سلكه في الطبقة الثانية من التابعين. ينظر: سير أعلام النبلاء 4/ 287، 599، المعين في طبقات المحدثين ص 37.
(3) بل وفي طبقة أواسط التابعين حيث توفي عام 105 هـ على أعلى تقدير - وقد جاوز الثمانين، فهو قرين مجاهد بن جبر (ت: 102 هـ) مولدًا ووفاةً على وجه التقريب.
(4) ينظر مبحثًا موسعًا عن ذلك في كتاب: تفسير اتباع التابعين: عرض ودراسة ص 34 - 40.
(5) سير أعلام النبلاء 4/ 598.
(6) الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 152. وقال الذهبي في ترجمته: "صاحب التفسير". سير أعلام النبلاء 4/ 598، تاريخ الإسلام 3/ 63.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٦)
والضحاك"(1)، وقال ابن كثير: "كان الضحاك إمامًا في التفسير"(2).
أما مقدار ما وصلنا من تفسيره فقد بلغت آثاره من التفسير الاجتهادي في الموسوعة (2143) أثرًا، وهي حصيلة كبيرة مقارنة بمفسرين آخرين مشاهير من التابعين، كعكرمة.
* أسباب تقدمه في التفسير وكثرة آثاره:
1 - تفرغه لعلم التفسير رواية ودراية: ففي باب الرواية سنده من أشهر أسانيد الرواية عن ابن عباس(3)، أما في تفسيره الاجتهادي فهو تفسير يبلغ الذروة، أثنى عليه كثير من المتقدمين والمتأخرين كما تقدم.
2 - اعتناء تلاميذه بنقل تفسيره: خصوصًا جويبر بن سعيد الأزدي(4)، وأبو روق، وعبيد بن سليمان.
3 - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، لكن لم يرد أنه شارك في أي منها، بل كان يبتعد عن الحكام، والعمل لهم(5).
4 - طول عمره: حيث توفي وقد جاوز الثمانين من عمره، أمضاها في التعليم والتفسير ونشره.
5 - اعتناء نقلة التفسير بنقل تفسيره: يأتي على رأسهم ابن جرير الذي نقل أغلب تفسيره(6).(1) سير أعلام النبلاء 4/ 451.
(2) البداية والنهاية 9/ 230.
(3) لكن حكم بانقطاعه عند جمهور المحدثين باعتبار عدم صحة سماع الضحاك من ابن عباس، وعلى التسليم بذلك فقد أجيب بأن الضحاك أخذ تفسير ابن عباس من سعيد بن جبير، فالواسطة معلومة، وعليه فالسند متصل. ومع كل ذلك فأسانيد التفسير والنسخ التفسيرية المشهورة لها تعامل آخر عند المحدثين المتقدمين، كما سيأتي في بحث "منهج المحدثين في نقد مرويات التفسير".
(4) وهو أكثر من روى عن الضحاك مع ضعفه.
(5) فقد عزا السيوطي في الدر المنثور 11/ 441 عند تفسير قوله تعالى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} إلى عَبد بن حُمَيد، وابن المنذر أن سلمة بن نبيط قال: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال: اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئًا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.
(6) بحسب إحصاء د. محمد بن عبد اللَّه الخضيري فقد بلغت آثار تفسير الضحاك عند ابن جرير (1439) أثرًا، وعليه فهو في المرتبة الخامسة بين التابعين بعد مجاهد وقتادة والسدي والحسن. ينظر: بحث التفسير بالأثر بين ابن جرير وابن أبي حاتم ص 87، 88، مجلة الدراسات القرآنية (تبيان لاحقًا)، ع 4.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٧)
ومع تقدم الضحاك في التفسير لكن لم تبلغ آثار تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها:
1 - كثرة اشتغاله بالرواية خصوصًا عن ابن عباس، وتقدم أن طريق الضحاك من أشهر طرق روايات ابن عباس، ومن أكثرها نقلًا له.
2 - قلة تنقل الضحاك، حيث لم يرد في سيرته ما يدل على ذلك. ولا شك أن لذلك دورًا في ضعف انتشار تفسيره.
3 - يظهر من سيرة الضحاك شدة الورع والبعد عن الناس، فقد يكون لذلك دور في ضعف انتشار تفسيره. واللَّه أعلم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٨)
ثانيًا الحسن البصري (ت: 110 هـ)(1)
هو الحسن بن أبي الحسن، البصري، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وقيل غير ذلك، واسم أبي الحسن يسار، يقال: إنه من سبي ميسان، سكن المدينة، وأُعتق فيها، وتزوج في خلافة عمر، فوُلد له بها الحسن عام 21 هـ. واسم أم الحسن: خيرة، مولاة أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها.
نشأ الحسن بوادي القرى فانفتق لسانه بالفصاحة والبعد عن العجمة واللحن، وعاصر خلافة عثمان بالمدينة وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار وله 14 سنة، ثم حُبِّب إليه الجهاد في مقتبل شبابه فرحل إلى خراسان مجاهدًا في خلافة معاوية، ثم اتجه إلى العلم، واستقر في البصرة، حتى صار عالمها ومفتيها، إلى توفي بها عام 110 هـ.
* منزلته في العلم والتفسير:
تقدم أنَّ الحسن نشأ بالمدينة ورأى علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعائشة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، لكن لم يصح سماعه إلا من بعضهم كأنس بن مالك، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وأبي بكرة الثقفي، والنعمان بن بشير، وجابر، وذلك لأنه لم يطلب الحديث في صباه، وإن كان يروي عن كثير من الصحابة لكن كثيرًا منها مرسل، قال الذهبي: "وكان يدلس ويرسل ويحدث بالمعاني، ومناقبه كثيرة ومحاسنه غزيرة، كان رأسًا في العلم والحديث، إمامًا مجتهدًا كثير الاطلاع، رأسًا في القرآن وتفسيره، رأسًا في الوعظ والتذكير، رأسًا في الحلم والعبادة، رأسًا في الزهد والصدق، رأسًا في(1) ينظر في ترجمته: طبقات ابن سعد 7/ 156، تهذيب الكمال 6/ 97، سير أعلام النبلاء 4/ 563، تهذيب التهذيب 1/ 134، تفسير التابعين 1/ 200.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٠٩)
الفصاحة والبلاغة، رأسًا في الأيد والشجاعة"(1). كما كان رحمه الله مقرئا فذًّا رأسًا في الإقراء.
وتفسير الحسن يبلغ الذروة من حسن البيان وقوة التأثير، وقد تناقله أهل العلم فيما بينهم، حتى وصلتنا آثاره فبلغت في الموسوعة (3272) أثرًا، ولعل من أهم أسباب تقدمه وبلوغه هذه المرتبة(2) مما يلي:
1 - فصاحته، وحسن تعبيره، وقوة تأثيره في الأسماع: ولا شك أن مثل تلك المواعظ أدعى لانتشارها وشيوعها وحرص الناس على سماعها وتناقلها، ومن هنا كانت أقوال الحسن مصادر لكتب في عدة فنون كالزهد واللغة والأدب وغيرها.
2 - تصدره للتعليم، وحرصه على نشره، وتصديه للتفسير والوعظ، والتذكير بين العامه: ولا شك أن مثل ذلك أدعى للتناقل والانتشار.
3 - حرصه على كتابة العلم: ومن هنا جاء عنه "أنه كان لا يرى بكتاب العلم بأسًا، وقد كان أملى التفسير فَكُتِب"(3).
4 - قوة الاستنباط والاجتهاد في التفسير: وهذا ظاهر من استطراده فى تفسير الآية واتخاذها سبيلًا للوعظ والترهيب والترغيب.
5 - تفننه في مختلف العلوم والفنون: فهو المقرئ والفقيه والمفسر والعالم بلغة العرب وغريبها، ولا شك أن الجامع لهذه العلوم أقدر على الاجتهاد والاستنباط، خصوصًا إذا جمع مع ذلك الفصاحة والتعبير المؤثر.
6 - البعد عن الفتن: حيث عاصر كثيرًا من الفتن التي عصفت بالأمة، خصوصًا فتنة ابن الأشعث التي خرج فيها عامة قراء الكوفة والبصرة وعلمائهما، لكنه نهى عن ذلك، وإن كان أُجبِر على الخروج بعد ذلك لكنه تمكن أن ينجو منهم، ومن هنا بقي في موضعه يعلم ويدعو ويعظ، بينما سقط كثير ممن خرج في الفتنة أو تخفى وطورد.
7 - طول عمره: حيث توفي عام 110 هـ وله 88 سنة، أمضاها في تعليم الناس وإرشادهم.
8 - تداعي كبار نقلة التفسير وغيرهم على نقل تفسيره وحِكَمِه: يأتي على رأسهم(1) تاريخ الإسلام 3/ 26.
(2) ينظر: تفسير التابعين 1/ 220.
(3) جامع بيان العلم وفضله 1/ 323.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٠)
يحيى بن سلّام، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم، حتى ربما استطردوا فنقلوا حِكَمه ومواعظه التي هي خارجة عن معنى التفسير.
ومع تقدم الحسن في التفسير لكن لم تبلغ مرويات تفسيره مبلغ الطبقة الأولى في المرويات، ولذلك أسباب لعل من أبرزها:
1 - عدم تخصص أحد تلاميذه بالرواية عنه: كما وقع لابن عباس ومجاهد وقتادة، إضافة إلى أن بعض من نقل عنه نسخة من تفسيره كان من كبار المبتدعة، وهو عمرو بن عبيد(1).
2 - اشتغاله بالفقه والأحكام وتصدره للفتوى وتنوع علومه، مما جعله غير متفرغ للتفسير بخاصة، ولا شك أن من كان كذلك كان إنتاجه التفسيري أقل.
3 - تأخره في طلب العلم وعدم حرصه على الرحلة لطلبه، وقلة أسفاره حتى قيل أنه لم يحج إلا مرتين، وبالتالي قلة مشايخه، مما فوَّت عليه إدراك كبار علماء الأمة بالتفسير خصوصًا ابن عباس، فقد ذُكر أن الحسن لم يصح سماعه منه(2).(1) نقل من هذه النسخة يحيى بن سلام لكن لا يكاد غيره ينقل عنها.
(2) ينظر: سير أعلام النبلاء 4/ 566.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١١)
ثالثًا إسماعيل السُّدِّيّ (ت: 127 هـ)(1)
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّيّ، أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة، وقيل: مولى بني هاشم، أصله حجازي، سكن الكوفة، وكان يقعد في سُدَّة باب الجامع بالكوفة، فلُقِّب السُّدِّيّ(2). وهو في عداد صغار التابعين.
وقد ثبتت روايته عن أنس بن مالك، وفي سماعه من ابن عباس نظر، وقيل: إنما رآه، ورأى أبا هريرة وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم. كما روى عن أبي عبد الرحمن السلمي، ومرة بن شراحيل الهمداني (مرة الطيب) صاحب ابن مسعود، وعن أبي مالك غزوان الغفاري، وأبي صالح باذام.
روى عنه: شعبة، والثوري، وزائدة، وإسرائيل، والحسن بن صالح، وأبو عوانة، وأسباط بن نصر، والمطلب بن زياد، وأبو بكر بن عياش، وآخرون.
* منزلته في التفسير:
اشتهر السُّدِّيّ بالتفسير وعُرف به، قال العجلي: "عالم بالتفسير راوية له"، وقال الذهبي: "الإمام، المفسر"(3).
وقد ورد انتقاد للسُّدِّيّ في تفسيره من بعض التابعين كالشعبي(4)، لكن في المقابل(1) ينظر في ترجمته: تهذيب الكمال 3/ 132، تاريخ الإسلام 3/ 371، سير أعلام النبلاء 5/ 264، تفسير التابعين: 1/ 300.
(2) تهذيب الكمال 3/ 132. ويعرف بالسُّدي الكبير، تمييزًا عن السُّدي الصغير، قال الذهبي في تاريخ الإسلام 3/ 372: "فأما السُّدي الصغير فهو محمد بن مروان، أحد المتروكين، معاصر لوكيع". والصغير هو راوي تفسير الكلبي. ينظر: ميزان الاعتدال 4/ 32.
(3) سير أعلام النبلاء 5/ 264.
(4) قال عبد اللَّه بن حبيب بن أبي ثابت: سمعت الشعبي، وقيل له: إن إسماعيل السُّدي قد أُعطي حظًّا من =
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٢)
أثنى عليه أغلب أهل العلم: فهذا إسماعيل بن أبي خالد (ت: 143 هـ) -من أقرانه- يقول عنه: "كان السُّدِّيّ أعلم بالقرآن من الشعبي"(1). ومر إبراهيم النخعي (ت: 96 هـ) بالسدي، وهو يفسر، فقال: "إنه ليفسر تفسير القوم"(2).
والحق أن إسماعيل السُّدِّيّ كان رأسًا في التفسير روايةً ودرايةً، بل هو من أكثر تابعي الكوفة روايةً ودرايةً فيه(3)، ففي باب الرواية روى كثيرًا من تفسير ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة بسنده المشهور عن مرة الهمداني، وعن أبي مالك وأبي صالح(4)، بل هو أكثر العراقيين رواية لتفسير هذين الصحابيين الجليلين(5). كذلك كان مكثرًا في رواية أسباب النزول.
أما في باب التفسير النظري الاجتهادي فقد كانت له أيضًا منزلة كبيرة، -وإن كان باب الرواية عليه أغلب(6) - ووصلنا عنه آثار كثيرة، بلغت في الموسوعة (3178) أثرًا.
ولعل أبرز الأسباب في كثرة تفسيره ما يلي(7):
1 - تفرغه للتفسير وانقطاعه له، فقلما تجد له آثارًا في سوى التفسير، لذا كان يوصف بالمفسر ونحو ذلك.
2 - كثرة مصادره واهتمامه بالرواية، وهذا واضح في كثرة مروياته لأسباب النزول والإسرائيليات.
3 - كثرة روايته للإسرائيليات حتى فاق المشاهير من رواة الإسرائيليات ككعب ووهب، في الرواية والسرد والاستطراد، والإطالة والإغراب.= علم القرآن، قال: إن إسماعيل قد أعطي حظًّا من جهل بالقرآن. قال الإمام الذهبي معقبًا: "ما أحد إلا وما جهل من علم القرآن أكثر مما علم، وقد قال إسماعيل بن أبي خالد: كان السُّدي أعلم بالقرآن من الشعبي رحمهما اللَّه". سير أعلام النبلاء: 5/ 265.
(1) تاريخ الإسلام 3/ 372.
(2) تاريخ الإسلام 3/ 372، وقد قال بعض المعاصرين: إن هذا الكلام من النخعي خرج مخرج الذم، بناء على مفهوم كلام أحد رواة الأثر، وأنه قصد بالقوم المرجئة. ينظر: التقرير في أسانيد التفسير ص 98.
(3) تفسير التابعين 1/ 300.
(4) وقد تقدم الحديث عنه في طرق تفسير ابن عباس.
(5) تفسير التابعين 1/ 303.
(6) المرجع السابق 1/ 302.
(7) المرجع السابق 1/ 300.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣١٣)