المطلب الرابع الإسناد وطبيعة علاقته بالمرويات من حيث الثبوت وعدمه
المتصدي لنقد الأخبار وفق منهج المحدثين بالإضافة لما سبق تقريره في الجانب الأول؛ ينبغي أن يكون على بصر كذلك قبل إصدار الحكم النقدي على الخبر بالثبوت وعدمه بكثير من المسائل المرتبطة بالإسناد، التي تكون الغفلة عنها موقعة في مخالفة منهج المحدثين في نقد الأخبار، وسيأتي بيان ذلك في مدخل وثلاثة فروع(1):
* مدخل: إطلالة على تاريخ الإسناد:
إن مراعاة الأنساق التاريخية والزمانية التي كان لها تأثير قوي في تطور العلم، وتطوير أدواته، واستحداث مستجداته أمر لا ينفك في أهميته عن مسائل العلم ذاته، بل هو أوجب وأهم؛ إذ لا يتم تصور كثير من مسائل الفن الواحد على وجهها، ولا يحصل تمام فهمها إلا بمعرفة المؤثرات التي ساهمت في تخليقها والأسس التي قامت عليها والتطورات التي لحقتها، وإن كثيرًا من الانفصام الحاصل بين صورة العلم في زمان ما وصورته في زمان آخر سببها الحقيقي عدم استحضار الأحوال التاريخية التي صاحبت كل مرحلة من مراحل الفن.
ومن هنا أراد البحث عند تناول الكلام عن مرويات التفسير الإلماح إلى أن لكل زمن أحداثه ووقائعه التي تلقي بظلالها على جُلّ ما فحِه فتطبعه بطابعها، أو تمسه بريحها، أو تدفعه إلى مواكبتها، لتحصل المعايشة بينها داخل هذا النطاق الزمني، وتلك سُنَّة من سنن اللَّه الجارية في خلقه في البلاد والأمم والأفراد والعلوم وغيرها.
وإن الناظر من بوابة الزمن إلى المراحل التي مرّت بها المرويات الشرعية عمومًا(1) فضل الإسناد وكلام أئمة السلف ونقاد الحديث عنه لا يخفى على القارئ الكريم؛ ولذا آثر البحث التخفف من ذكر الكلام عن فضله وأهميته لذيوع ذلك واشتهاره بحيث لا ينازع فيه إلا جاحد أو معاند.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٤)
وحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منها خاصة سيجد تلك العلاقة وذلك التأثير والتأثر باديًا؛ بل سيوقن عند النظر في الخلفيات والمآلات أن ذلك كان من أكبر الأسباب التي قدرها اللَّه لحفظ دينه، إذ كان العلماء في كل زمن يستحدثون من الوسائل والآليات والأدوات ما تقتضيه حاجة ذلك الزمن وما تفرضه أحداثه، وما تسلزمه مستجداته.
وإنه لا ينبغي إتيان البيوت من ظهورها؛ بل ينبغي إتيانها من أبوابها، ذلك أن التعامل مع المرويات في العلوم والفنون وإصدار الحكم على أسانيدها بالصحة والضعف والتسوية بينها في التعامل وادعاء أن ذلك منهج المحدثين فيه إتيان للبيوت من ظهورها؛ وإنما إتيانها من أبوابها يلزم كل طارق أن يعرف الواقع التاريخي، ويستوعب الظرف الزماني للإسناد من جهتين رئيستين:
أولها: من جهة نشأته واعتماده وسيلة لنقل المرويات.
ثانيها: من جهة تفاوت درجات وزمان اعتماده في العلوم الشرعية وآثار ذلك عليها.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٥)
الفرع الأول نشأة الإسناد واعتماده
1 - الرواية في مراحلها الأولى: لقد كان الصحابة رضي الله عنهم في غاية الحرص على سماع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتلقيها، حتى وصل الحال ببعضهم -في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الحرص على الحديث إلى التناوب مع بعض إخوانه في تحمل أمور العيش؛ لتتاح الفرصة لكل منهم بشرف السماع ثم بالنقل لأخيه، واستمرت عادتهم تلك حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو غيره حينها غير معهود لديهم، ولم يكن يتهم بعضهم بعضًا، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن البراء بن عازب أنه قال: "ليس كلنا سمع حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن كان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ"(1)، وروى كذلك عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "ليس كل ما نحدثكم عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضنا بعضًا"(2).
ورغم كون الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منتف عنهم؛ إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لديهم بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لاحتمال وقوع الخطأ غير المتعمد من بعضهم، ولذلك استحدثوا من وسائل التحري والاحتياط لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما لم يكن موجودًا في حياته صلى الله عليه وسلم، وكانت فاجعة وفاته صلى الله عليه وسلم هي الأساس في استحداث تلك الوسائل؛ وكان من وسائلهم:
أ- الإشهاد على الرواية: فكتب الصحاح والسنن تروي عن أبي بكر(3) وعمر(4) اشتراطهما على الراوي الإشهاد على ما ينسبه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى عدَّ الذهبي(5) أبا بكر رضي الله عنه أول من احتاط في قبول الأخبار؛ بل نقل الذهبي عن ابن أبي مليكة(1) الكفاية 1/ 385.
(2) المرجع السابق.
(3) وذلك في ميراث الجدة، وطلبه من المغيرة شاهدًا معه على قضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لها بالسدس. ينظر: جامع الترمذي 4/ 419، وسنن أبي داود 3/ 121.
(4) وذلك في حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثًا؛ كما في صحيح البخاري 5/ 2305، وصحيح مسلم 3/ 1694.
(5) تذكرة الحفاظ 1/ 9.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٦)
مرسلًا "أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؛ فقال: إنكم تحدثون عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافًا؛ فلا تحدثوا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللَّه؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه". ثم علق الذهبي بقوله: "فهذا المرسل يدلّك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار، والتحري لا سَدّ باب الرواية؛ ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السُّنَّة، فلما أخبره الثقة، ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب اللَّه كما تقوله الخوارج"(1)، ولم يكن ذلك منهم لتخوفهم من الكذب أو لاتهامهم أحدًا من الصحابة بالكذب؛ بل لخوفهم من وقوع الخطأ في رواية حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
ب- الإقلال من الرواية: فقد كان بعض الصحابة يتوقى الإكثار من الحديث خوفًا من الوقوع في الغلط؛ ومن أشهر ما روي في ذلك قول عبد اللَّه بن الزبير: قلت للزبير: لا أسمعك تحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان! قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار"(2)، وكان عمر رضي الله عنه "شديدًا على من أكثر الرواية، أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب؛ ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي.
وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كأبي بكر، والزبير، وأبي عبيدة، والعباس بن عبد المطلب، يقفون الرواية عنه؛ بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل"(3).
2 - ظهور الكذب وأثره في نشأة الإسناد: مضى الزمان الأول وتغيرت كثير من الأحوال، ووقعت الفرقة وظهرت البدعة، ونبتت نابتة الكذب التي تبحث عن تأييد بدعها وتسويغ آرائها؛ فتبدل حال الرواية، ودخلت الريبة في القلوب، وقلَّت الثقة بالنقول؛ وقد صوَّرت رواية مسلم عن ابن عباس شيئًا من هذا التغير والتحول، فقد روى بسنده عن مجاهد قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن(4)(1) تذكرة الحفاظ 1/ 9.
(2) صحيح البخاري 1/ 33.
(3) تأويل مختلف الحديث ص 89، 90.
(4) لا يأذن؛ أي: لا يستمع، يقال: أذنت للشيء آذن له، إذا استمعت له. تهذيب اللغة 15/ 15.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٧)
لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس؛ ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا تسمع؟ ! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"(1)، قال القسطلاني: "وقوله: مرّة؛ أي: وقتًا، ويعني به: قبل ظهور الكذب"(2)، وقد كان ظهور البدع واختلاق الكذب المسوغ لها حدثًا كبيرًا استدعى إيجاد آلية جديدة تدفع شر هذا الخطر الناجم؛ فنشأت العناية بالإسناد واعتماده آلية ملزمة لنقل الأخبار. قال محمد بن سيرين: "كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السُّنَّة ويدعوا حديث أهل البدع"(3)؛ يصوّر محمد بن سيرين بعبارته هذه أثر الأحداث والمستجدات في استحداث آليات جديدة لصيانة السُّنَّة وحفظها من عبث العابثين، وذلك أن الزمن الأول كان زمن إيمان واجتماع فكان الكذب منتف عن جملة أهله، وكانت الروايات في مأمن؛ فلما تبدل الحال استدعى ذلك مزيدًا من الدقة والتحري لدفع شرر الكذب والاختلاق الناشئ، فسأل نقلة العلم وحملته عما لم يكونوا يسألون، ودققوا فيما لم يكونوا يدققون، ووجدوا في الإسناد بغيتهم، فاعتمدوه آلية في نقل الأخبار.
ومما يبيِّن جدة استعمال آلية الإسناد في زمانهم تلك الرواية التي ساقها الرامهرمزي بسنده عن الشعبي، عن الربيع بن خثيم قال: "من قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. فله كذا وكذا، وسمّى من الخير"، قال الشعبي: فقلت: مَنْ حدّثك؟ قال: عمرو بن ميمون، وقلت: من حدثك؟ فقال: أبو أيوب صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد(4).
وبدأت آلية الإسناد في الدخول إلى ساحة المرويات؛ لتؤدي مهمتها في حفظ السُّنَّة وصيانتها من عبث العابثين واختلاق المختلقين وانتحال المبطلين، ثم صارت آلية الإسناد أصلًا معتمدًا في نقل كثير من مرويات الشريعة مما هو من أقوال الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم.(1) مقدمة صحيح مسلم 1/ 13.
(2) إرشاد الساري 9/ 73.
(3) كتاب العلل الصغير للترمذي المطبوع بآخر جامعه 6/ 234.
(4) المحدث الفاصل 1/ 208.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٨)
وجدير بالذكر هنا في ختام الحديث عن تلك الجهة الإلماح إلى عدة أمور:
• خلو واقع الرواية في الأزمنة الأولى من الكذب والبدع كان أحد المستندات التي سوغت للبعض قبول مراسيل كبار التابعين، وهذا مما يؤكد أهمية الوعي بالواقع وأثره في الرواية.
• أن وظيفة الإسناد بيان "اتصال النسب العلمي بين راوي الشيء وصاحب الشيء المروي، حتى يثبت العلم بذلك المروي على وجه من الصحة"(1).
• أن مدار الحكم بصحة الرواية وإن كان مرتبطًا بالإسناد إلا أنه ليس منحصرًا في الإسناد، ولا يستقل به الإسناد كما هو ظاهر كثير من التطبيقات المعاصرة؛ بل في حصره في الإسناد تقزيم لمنهج النقد الحديثي وتشويه لصورته؛ لأن النقاد كان نظرهم كما سبق إلى أركان الخبر الثلاثة متفرقة ومجتمعة، فينظرون إلى كل ركن منها على حدة ولا يتجاسرون بإصدار الحكم وفق النتائج الجزئية التي أفرزتها النظرة إلى كل ركن؛ بل يعيدون النظر إليها مرة أخرى مكتملة ويلمحون ما بينها من ارتباط وتأثر وتأثير وتنافر وتقارب، فيعلون المتن بالسند، ويعلون السند بالمتن. . . إلخ مما سبقت الإشارة إليه.(1) تاريخ آداب العربية 1/ 187.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢٩)
الفرع الثاني تفاوت درجات وزمان اعتماد الإسناد في العلوم الشرعية
إن الإسناد وإن كان عاملًا مشتركًا بين كثير من المنقولات في العلوم الشرعية واللغوية؛ إلا أن درجة الاعتماد عليه واعتباره وسيلة لنقد المنقولات تتفاوت بتفاوت العلوم والفنون، وكلام الأئمة في التشدد والتساهل في المرويات السابق ذكره هو تجسيد حقيقي لهذا التفاوت الحاصل في توظيف الأسانيد ودرجات الاعتماد عليها، كما أن هناك أنواعًا من المرويات كان الإسناد فيها مجرد زينة على حد عبارة الخطيب البغدادي الذي عقد بابًا بعنوان: "ما لا يفتقر كتبه إلى الإسناد": قال فيه: "وأما أخبار الصالحين، وحكايات الزهاد والمتعبدين، ومواعظ البلغاء، وحكم الأدباء، فالأسانيد زينة لها، وليست شرطًا في تأديتها"(1)، ثم روى بإسناده أن رجلًا خراسانيًّا كان "جالسًا عند يزيد بن هارون يكتب الكلام ولا يكتب الإسناد، فقيل له: ما لك لا تكتب الإسناد؟! فقال: "أنا خانه خواهم نبازار": تفسيره قال: "أنا للبيت أريده لا للسوق"، قال الخطيب: "إن كان الذي كتبه الخراساني من أخبار الزهد والرقائق وحكايات الترغيب والمواعظ؛ فلا بأس بما فعل، وإن كان ذلك من أحاديث الأحكام، وله تعلق بالحلال والحرام فقد أخطأ في إسقاط أسانيده؛ لأنها هي الطريق إلى تبيينه، فكان يلزمه السؤال عن أمره، والبحث عن صحته"(2)، ولذا "فليس كل إسناد نراه يعني أنه وسيلة نقد ذلك المنقول بتطبيق منهج المحدثين الذين ينقلون به أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإسناد كان سمة من سمات علوم الإسلام كلها، فإبرازه لم يكن دائمًا لأجل الاعتماد الكلي عليه في نقد ذلك المنقول"(3).
وقد أشار الرافعي إلى هذا الملمح، فبعد أن ذكر العناية بأسانيد الحديث النبوي وتشديد العلماء في قبولها وفي أحوال رواتها ونقلتها؛ قال مبيِّنًا الفارق بين حال الإسناد ووظيفته في نقل السُّنَّة وبين حاله ووظيفته في نقل الأدب: "ذلك شأن(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي 2/ 213، ت: د. محمود الطحان.
(2) الجامع لأخلاق الراوي 2/ 214.
(3) الأخبار التاريخية للشريف حاتم، مقال منشور بمكتبة موقع ملتقى أهل الحديث.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٠)
الإسناد في الحديث وعنايتهم بحفظه؛ أما الإسناد في الأدب فلا يراد منه إلا توثيق الرواية وإثبات صحتها، وضمان عهدتها، لا أن يطلب الراوية بذكر الإسناد حكاية ما يرويه على أنه معدل، وإثبات ما يسنده على أنه إلى مقنع؛ فإن اللغة ترجع إلى أقيسة معروفة، وإن ما شذ عن هذه الأقيسة موضوع قطعًا إلا أن يحمل عن الثقة، أو ينفرد به أهل الكفاية فيوردونه على أنه من الأفراد والنوادر؛ وإن الشعر والخبر قد فشا فيهما الكذب والتوليد منذ القرن الأول، ونشأ كثيرون من الرواة يشدون من العلوم الموضوعة، وينفقون من الأخبار المكذوبة، ويموهون بمزج هذه الأمور على الناس، ويخترعون الأشعار الكثيرة عند مناقلة الكلام وموازنة الأمور؛ ومع ذلك فلم يعن بأمرهم أهل التفتيش والتحقيق من العلماء، إلا حيث يكون الخبر أو الشعر مظنة الشاهد وموضع المثل، فهناك يضربون دونه الإسناد؛ مخافة أن يجري في شيء من العلوم التي هي قوام الأصلين من الكتاب والسُّنَّة؛ فحيث وجدت المعنى الديني تجد التثبت والتحقيق الذي لا مساغ فيه إلى خطرات الظنون، فضلًا عن فَرَطات الأوهام؛ ومتى انتفى هذا المعنى عن شيء فأمره عندهم بحساب ما يدور عليه. . . والأسانيد في الأدب قصيرة؛ لأن الرواة ما زالوا يحملون عن العرب قرونًا بعد الإسلام، ومن حمل شيئًا فهو سنده؛ ثم إن الرواية قد درست بعد القرن الخامس على أبعد الظن، ولم يبق إلا بعض الأسانيد العلمية كما سيجيء؛ فكان عُمْر الإسناد ثلاثة قرون على الأكثر، دع عنك ما كان من شأنهم في هذا الإسناد؛ فإن الصدور منهم يكتفون بالنسبة غالبًا -وهي بعض طرق الرواية كما ستعرفه- فيقولون: روينا عن فلان، وحُدّثنا عن فلان، ويكون بين الراوي والمروي عنه جيلان وأكثر.
بيد أن كل ذلك لا يدفع الثقة بما يرويه أهل الضبط والتحصيل منهم، وهم قوم معدودون يعرفونهم بالعدالة؛ ثم لأنهم يأخذون عن الثقات، ولأن أكثر ما يروونه لا وجه للخلاف فيه، وإذا اختلفوا في شيء فلا يكون ذلك قادحًا فيهم؛ لأن مظنة الخلاف إنما تكون في ضعف الرواية أو الراوية"(1).
إن دراسة حال الناس في الأزمنة الأولى من حيث علاقتهم بالفنون والعلوم وحصول بعضها سليقة وبعضها اكتسابًا. . . إلخ، وكذا دراسة واقع العلوم ومراتبها ومعرفة معاييرها في القبول والرد وإدراك التفاوت الحاصل في ذلك كله = له أثر بالغ(1) تاريخ آداب العرب للرافعي 1/ 192.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣١)
في التعامل مع المرويات، وإهماله وإغفاله موقع في الخطأ والخلل؛ ذلك أن نشاط الرواة في حفظ الأسانيد وضبطها لم يكن على درجة واحدة في كل المرويات، بل تفاوت اهتمامهم باختلاف دوافعه ومنطلقاته ومؤثراته، والتي يمكن رصد أبرزها فيما يلي:
أولها: قائل الخبر: تفاوت نشاط الرواة بحسب قائل الخبر وجلالته، ولذا كان معظم نشاطهم في ضبط الأسانيد وحفظها وروايتها متجهًا إلى تحقيق الغاية التي من أجلها كان الإسناد وهو ضبط المنقول عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خاصة، وتمييز الثابت من غير الثابت عنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن عليه مدار الدين، وقيام مصالح العباد، وضبط أحكام المعاش والمعاد، بخلاف غيره، ولم يكن نشاطهم لحفظ المروي عن سواه كنشاطهم لحفظ المروي عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك أن ما سواه ضاع كله فلم يحفظ؛ وإنما المراد أن كثيرًا من الرواة صرفوا جلّ اهتمامهم إلى المرفوع خاصة، وقل اهتمامهم بما دونه، ومن دلائل ذلك ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسنده عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري، ونحن نطلب العلم، فقلت: نكتب السنن؛ فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: نكتب ما جاء عن أصحابه؛ فإنه سُنَّة، فقلت له: إنها ليس بسُنَّة، فلا نكتبه، قال: فكتبه، ولم نكتبه، فأنجح، وضيعنا"(1).
ثانيها: مضمون الخبر: تفاوت اهتمام الرواة في نقل الأخبار وضبط أسانيدها ومتونها بحسب مضمونها؛ فصرفوا جُلّ اهتمامهم إلى حفظ وضبط ما به يحفظ الدين، وَتَبِينُ به معالمه، وَتُضْبَطُ أصوله، وَتُحفظ به حدوده، وَتُصان به حقوق المجتمعات والأسر والأفراد؛ ولذا قال أبو الزناد: "كنا نكتب الحلال والحرام، وكان الزهري يكتب كل ما سمع؛ فلما احتيج إليه علمتُ أنه أعلم الناس"(2).
ثالثها: مدى الحاجة إلى الخبر: نشاط الرواة كان مبنيًّا على الاهتمام بما كثرت حاجتهم إليه؛ لا بما كان حاصلًا عندهم ومتحققًا ومشتهرًا.
وإذا كانت الحاجة عمومًا هي الدافع للعمل والمحفز للنشاط والحركة؛ فإن العلم وحفظه وتفاوت الاهتمام بفروعه مرتبط بذلك الأمر الفطري، ولذا فقد حفظت الأمة في مجموعها ما تقوم به الشريعة في كافة فروع العلم المرتبطة بها؛ إلا أن هذا(1) تاريخ أبي زرعة ص 412.
(2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 188.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٢)
الحفظ تفاوت بسبب مقدار الحاجة إليه، ذلك أن كثيرًا مما يحتاج إليه المتأخرون عن أزمنة الرواية ويرونه بالغ الأهمية لم تكن حاجة الناس إليه ماسة في أزمنة الرواية الأولى؛ بل كان بعضه حاصلًا لديهم بالسليقة وبعضه حاصلًا بالاشتهار في واقعهم وزمانهم لتلبسهم بشهوده ومشاهدته أو قربهم من زمان ومكان وقوعه، فأغناهم حصوله وشهرته عن المبالغة في طلبه وتتبعه، والتدقيق في حفظه وضبطه كمبالغتهم وتدقيقهم فيما تمس حاجتهم إليه، بل حاجة عموم المكلفين في جميع الأزمنة إلى معرفته وتعلمه من أصول الدين وأصول الأحكام، فانصرفت كثير من الجهود في الأزمنة الأولى إلى حفظ ما مسَّت الحاجة إلى روايته ونقله، واشتغل جُلُّ الثقات وكبار الحفاظ بذلك، ولك أن تتأمل هذا في أبواب السير والمغازي والتفسير مثلًا، وكيف أن كثيرًا من كبار المحدِّثين وأئمة الرواية انعدمت الرواية عنهم في هذه الأبواب أو قلّت مقارنة بمروياتهم الكثيرة في أبواب أخرى.
فمن أمثلة ما أغنت شهرته وذيوعه عن التدقيق فيه والمبالغة في تمييز صوابه من خطأه: المغازي والسِّيَر؛ فهي مع ما تحمله من عوامل الذيوع والانتشار في ذاتها باعتبارها القصصي = فقد كانت موطنًا للفخر والاعتزاز، ينقلها العالم للجاهل والصغير للكبير حتى بلغ الأمر أن قال علي بن الحسين: "كنا نعلم مغازي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن"(1).
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وسراياه ويعدها علينا؛ ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها"(2). وهو ما أدى إلى انشغال جُلّ العلماء والحفاظ والرواة بالتدقيق في غيرها لندرة الخطأ المتوقع من جانبها، وللقدرة على تمييزه بعد وقوعه لكثرة شيوعه واشتهاره.
ومن أمثلة ما كان حاصلًا عندهم بالسَّجِيّة والطبيعة فلم تكن الحاجة ماسة له ولم يكن الخطأ مخوفًا من قبله: تفسير القرآن فيما كان بيانه حاصلًا بلغة العرب؛ لأن الأصل أن القرآن مفهوم لهم بمجرد سماعهم له إلا ما كان فيه بيان خاص من الشارع، وقد بَيَّنَ هذا البيهقي بقوله: "وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب(1) المصدر السابق.
(2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 195.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٣)
فقط"(1)، فالخطأ الواقع هنا مأمون جانبه؛ لأنه يظهر بطلانه وخطؤه للصغير والكبير والعالم والجاهل.
وبناء على ذلك فمن تطلب في هذه الأبواب أعلى الأسانيد وأجودها، أو ابتغى أن يكون معظم رواتها من حذاق الحفاظ وكبار الثقات كما هو الحال في العقائد والأحكام فلن يرجع من ذلك بشيء؛ لأن تطلب مثل ذلك سعي وراء سراب، وتسربل بالخيال، لا لشيء سوى أنه يجافي واقع العلوم وطبيعتها، ولا يراعي نشأتها ومنبتها، ولا ينتبه لتطورها وسيرها، ولا يقف على الدوافع التي نشَّطت حركة الضبط والرواية في بعضها، ولا الموانع التي منعت ذلك في بعضها، ولا يعترف بتعدد معايير القبول والرد وتباينها بين كل هذه العلوم.
وأحسب أن عبارة الإمام أحمد المشهورة: "ثلاثة ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي"(2) بحاجة في ضوء ما تقدم إلى النظر إليها من زاوية مختلفة؛ فقد غلب على كثير من الدراسات المعاصرة نقل الاختلاف فيها بين كونها مرادًا بها المرفوع أو مرادًا بها كتب مخصوصة، كما اعتمدها البعض تكأة لقبول كل ما يروى في التفسير والمغازي والملاحم دون تدقيق ونظر باعتبار أن كل ما فيها ضعيف؛ لكن البحث هنا يلفت النظر إلى أهمية فقه الغاية المقصودة من تلك العبارة وعدم التوقف عند مجرد معناها.
وأحسب أن الغاية من تلك العبارة هي الإخبار عن وإقع هذه العلوم وطبيعتها، وأن لها نمطًا خاصًّا في التعامل معها يباين بقية المرويات، وأنه لا يمكن انفكاكها عن هذا الواقع، ولا يمكن انفكاك التعامل معها تصحيحًا وتضعيفًا عن هذا الواقع، وتأيَّد هذا عندي بالسياقات التي أورد ابن تيمية فيها تلك العبارة في مواطن مختلفة؛ فمن ذلك قوله: ". . . فالمقصود أن المنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب اللَّه الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره، ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم؛ ولهذا قال الامام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي. ويروى: ليس لها أصل؛ أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، مثل ما يذكره عروة بن الزبير والشعبي والزهري وموسى بن(1) دلائل النبوة للبيهقي 1/ 37.
(2) رواه ابن عدي في الكامل 1/ 119، وعنه الخطيب البغدادي في الجامع 2/ 162، وفي رواية عنه: "ثلاثة لا أصل لها".
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٤)
عقبة وابن إسحاق ومن بعدهم. . . " ثم تكلم عن المراسيل وحكمها وآليات قبولها(1).
وقال أيضًا: "وأما أحاديث سبب النزول؛ فغالبها مرسل ليس بمسند، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: ثلاث علوم لا إسناد لها -وفي لفظ: ليس لها أصل-: التفسير، والمغازي، والملاحم؛ يعني: أن أحاديثها مرسلة، والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها. . . إلخ"(2).
وقال أيضًا: "وقال الإمام أحمد: ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. وفي لفظ: ليس لها أسانيد؛ ومعنى ذلك: أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة؛ فإذا كان الشيء مشهورًا عند أهل الفن قد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره"(3)؛ وظاهر جدًّا من السياقات المختلفة التي ساق ابن تيمية فيها تلك العبارة ربطه بينها وبين كون هذه العلوم أغلبها مراسيل؛ ولذا تكلم بعد إيرادها في كل المواطن عن المرسل وآليات قبوله، ثم بيَّن أن هذه المرويات رغم انقطاعها إلا أنها اشتهرت عند المتخصصين وتعددت طرقها، مما جعل أهل العلم يرجعون إليها ويدققون فيها.
وجلي إذًا أن فقه واقع الزمن الذي نشأت فيه الرواية، واشترطت في نقلها الأسانيد له أثر كبير في معرفة أسس التعامل مع المرويات وفهم منهج المحدثين في قبولها أو ردها؛ ذلك أن هذا المنهج انطلق أساسًا من هذا الواقع وراعى كل جزئياته وكان من الأسس التي قام عليها والتي لا يمكن إهمالها مراعاة الواقع الزمني والواقع الإنساني وميوله واحتياجاته ورغباته، ولم يحدث أبدًا نوع تصادم بين منهج المحدثين وبين تلك المرويات في كافة فنون الشريعة.(1) مجموع الفتاوى 13/ 345 - 346.
(2) منهاج السُّنَّة 7/ 435.
(3) تلخيص كتاب الاستغاثة 1/ 76.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٥)
الفرع الثالث الإسناد وشرط الصحة
لسنا هنا بحاجة إلى تكرير ما سبق ذكره والتأكيد عليه من كون الحكم بالصحة الحديثية لا ينحصر في الإسناد ولا ينفصل عن الإسناد، وأن نظر الناقد يتجاوز اتصال الإسناد إلى التثبت من عدم تطرق الخطأ للرواية؛ لأن المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصواب الرواية أو غلبة الظن بخطئها، وإنما المقصود هنا التنبيه على ثلاثة أمور -وخاصة ثالثها- لها أهميتها البالغة في فهم منهج نقاد المحدثين في إصدار الأحكام على أسانيد المرويات.
الأمر الأول: أن مصطلح الصحة يتنازعه مع المحدثين غيرهم كالفقهاء والأصوليين، ولكن مفهوم الصحة عند الفريقين مختلف؛ فالمتنازع عليه المفهوم لا المصطلح، وسيأتي بيان ذلك قريبًا.
الثاني: الاتصال شرط الصحة: المقصود بالصحة هنا الحكم على الرواية بصحة ثبوتها عن قائلها، والمقصود بالاتصال اتصال الإسناد وخلوه من الانقطاع.
وقد اشترط النقاد شروطًا عليها مدار الحكم بالصحة منها اتصال الإسناد، ولذا لا يطلق نقاد المحدثين وصف الصحة الإسنادية على الخبر الذي لم يتصل إسناده؛ لكون قيد "اتصال السند" أحد قيود الحكم بالصحة، فإذا اجتمعت شروط الصحة في الرواية من عدالة الرواة وضبطهم واتصل سند الرواية وخلت من الشذوذ والعلة حكم عليها بصحة ثبوتها عن قائلها.
الثالث: المنقطع الذي له حكم المتصل: وهو المقصود أساسًا هنا من هذه الممهدات؛ ذلك أن من المنقطع ما له حكم المتصل، فإذا كان المعيار الذي عليه المدار غلبة الظن بصحة الرواية أو غلبة الظن بخطئها أنتج ذلك أن الخطأ المخوف من وقوعه في الرواية لا ينتفي دومًا باتصال الإسناد، ولا يثبت دومًا بانقطاعه، ولهذا فإن النقاد قد يحكمون بضعف ما اتصل سنده، ويجعلود ما انقطع سنده في حكم المتصل لاعتبارات وقرائن أوجبت عندهم ضعف المتصل وصحة المنقطع؛ لأن المدار في الحكم على تحقق صحة النقل عن قائله أو خطئه لا على اتصال سنده.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٦)
فأما ما ردَّه أهل العلم مع اتصال سنده؛ فذلك مرجعه إلى عدم اكتمال شروط الصحة فيه، وهو أظهر من أن يمثَّل عليه دفعًا للإطالة.
وأما ما جعل الأئمة له حكم المتصل مع انقطاع سنده فمرده إلى تثبت النقاد من انتفاء الخطأ عن الرواية المنقطعة الإسناد، وأنه رغم انقطاعها إلا أنها احتفت بها قرائن دفعت الخطأ المظنون من قبل انقطاع سندها كمعرفة الواسطة أو اختصاص الراوي. . . إلخ؛ فقد تخفف عن الرواية المنقطعة وصفها بالصحة لتخلف شرط الاتصال، ففارقت الصحيح من هذه الجهة واشتركت معه في انتفاء الخطأ عنها، فجعل لها حكم المتصل من تلك الجهة.
قال أبو داود في رسالته: "وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل وهو مرسل ومدلّس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن عن جابر، والحسن عن أبي هريرة، والحكم عن مقسم"(1). فقوله: "على معنى أنه متصل" صريح جدًّا في كون بعض المنقطعات تُمْنَح حكم المتصل.
يقول د. إبراهيم اللاحم: "الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت جدًّا، فإذا عرف هذا لم يكن مستغربًا أن نجد في "الصحيح" ما صورته الانقطاع واحتف به ما يجعله في حكم المتصل"(2).
وعلى هذا المسلك جرى النقاد في كثير من تطبيقاتهم مع المنقطعات التي يحتف بها من القرائن ما يدفع الريبة والخطأ المخوف من قبل انقطاعها؛ فمن ذلك مثلًا: رواية أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه، قال ابن تيمية: ". . . ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه؛ لكن هو عالم بحال أبيه متلق لآثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبد اللَّه رضي الله عنه فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها، ولم يكن في أصحاب عبد اللَّه من يتهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه"(3).
وقال ابن رجب: "قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث(1) رسالة أبي داود ص 30.
(2) الاتصال والانقطاع ص 433.
(3) مجموع الفتاوى 6/ 404.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٧)
أبي عبيدة عن أبيه في المسند -يعني: في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها وأنه لم يأت فيها بحديث منكر"(1).
وظاهر جدًّا من خلال كلامي ابن تيمية وابن رجب أثر القرائن المحتفّة بالخبر المنقطع في رفعه إلى أن يكون في حكم المتصل؛ من نحو اختصاص الراوي بحديث شيخ معين وإتقانه له، وشهرته بين تلاميذ الشيخ بإتقان روايته. . . إلخ، بل بلغ الأمر بقوة القرائن أن قال ابن تيمية في النقل السابق: "فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه"(2).
ومن ذلك أيضًا: رواية سعيد بن المسيب عن عمر(3)؛ فقد قال الشافعي: ". . . وإذا اتصل الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصح الإسناد به فهو سُنَّة، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع سعيد بن المسيب، قال أبو محمد ابن أبي حاتم رحمه الله: يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب أن يعتبر به"(4)
وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: سعيد بن المسيب عن عمر مرسل، يدخل في المسند على المجاز"(5).
وقال ابن عبد البر: "ورواية سعيد بن المسيب عن عمر. . . تجري مجرى المتصل وجائز الاحتجاج بها عندهم"(6)، ومن ذلك أيضًا: رواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود(7) وغيرها.
* * *(1) شرح علل الترمذي 1/ 544.
(2) مجموع الفتاوى 6/ 404.
(3) ينظر مثلًا: التمهيد لابن عبد البر 1/ 30، جامع التحصيل 1/ 184.
(4) المراسيل لابن أبي حاتم ص 6.
(5) المراسيل لابن أبي حاتم ص 71.
(6) التمهيد 12/ 116.
(7) ينظر مثلًا: الكامل لابن عدي 4/ 104، التمهيد لابن عبد البر 1/ 30، شرح علل الترمذي 1/ 452.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٨)
المبحث الثاني جهة المعنى
دائرة قبول الخبر أوسع من دائرة الصحة الثبوتية بمفهوم المحدِّثين؛ فقد يقبل المفسرون والفقهاء والأصوليون وغيرهم ما لم يقبله المحدثون، ويحكمون بصحة ما ضعفه المحدثون، لكن مفهوم الصحة عندهم يباين مفهوم الصحة عند المحدثين؛ فصحة الخبر أو عدم صحته عند المحدثين دائرة على ثبوت الخبر عن قائله أو عدم ثبوته، وأما صحته عند غيرهم فلا تنحصر في دائرة الثبوت بل ترتبط به وبغيره من المعايير الأخرى بعد التثبت من صحة معنى الخبر وسلامة مضمونه. وبيان ذلك أن زاوية النظر في المنهج الحديثي على ثبوت الخبر عن قائله بغض النظر عن صواب قوله أو خطئه، فغاية ما يشتغل به الناقد بيان الثبوت أو عدم الثبوت، أما زاوية النظر عند الفقهاء والمفسرين وغيرهم فلا تحصر القبول في الثبوت؛ بل تقبل الثابت وغيره مما صح معناه وتحكم بصحته، بل وتحتج به بعد تحقق معايير القبول والاحتجاج فيه.
واختلاط زاويتي الاشتغال عند الناظر يوقع في الإشكال واللبس فتختلط عليه الأمور، وقد كان الأئمة على وعي بذلك ولم يجدوا غضاضة في قبول ما صح معناه وإن كان في ثبوته نظر؛ لتباين الجهتين عندهم، جهة الثبوت، وجهة القبول والاحتجاج.
فهذا الإمام الشافعي يقول: ". . . فاستدللنا بما وصفت مِنْ نقل عامة أهل المغازي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن: "لا وصية لوارث" على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة، مع الخبر المنقطع عن النبي، وإجماع العامة على القول به"(1).
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن دية المُعَاهَد؟ فقال: على النصف من دية(1) الرسالة ص 137.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣٩)
المسلم، أذهبُ إلى حديث عمرو بن شعيب. قيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها. روى هذا فقهاء أهل المدينة قديمًا، ويُروى عن عثمان رحمه الله"(1).
وذكر ابن رجب كلام العلماء في الاحتجاج بالمرسل، ثم قال: "واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب؛ فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعيّن إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيح على طريقتهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دلَّ عليه الحديث فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أنه له أصلًا قوي الظن بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرائن.
وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة، كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ"(2).
ونقل ابن حجر عن ابن عبد البر حكمه على حديث بالصحة مع ظهور ضعف إسناده ثم علق بقوله: "حَكَمَ ابن عبد البر -مع ذلك- بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، فردَّه من حيث الإسناد وقبله من حيث المعنى"(3).
وقد ذكر السيوطي عن طائفة من العلماء أنه "يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له سند صحيح"(4).
يقول الشريف حاتم العوني: "كان المحدِّثون يفرقون بين شروط قبول الحديث النبوي وبين تحقق القبول سواء في الحديث النبوي أو في غيره من العلوم الشرعية. ومن أمثلة ذلك:
أن الإمام الأوزاعي سئل عن المناولة -أن يناول الشيخ الطالب الكتاب- فقال: أتدين بها ولا أحدث بها.
فانظر كيف فرَّق بين شروط القبول المطلوبة في الحديث وبين القبول. فقوله: "أتدين بها"؛ يعني: أنه يقبلها ويحتج بها وإن كان لا يستجيز أن يروي بما أخذه مناولة.(1) أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض من كتاب الجامع للخلال 2/ 387 برقم (867).
(2) شرح علل الترمذي لابن رجب 1/ 543.
(3) التلخيص الحبير 1/ 8.
(4) البحر الذي زخر شرح ألفية الأثر 3/ 1280.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤٠)
وقريب من هذا ما ذكره ابن رجب في مسألة المرسل، ومحاولة الجمع بين مذهب الفقهاء والمحدِّثين في هذه المسألة. . . ولذا لأن من شروط الصحة الاتصال، ولا يعني ذلك أن المحدِّثين لا يحتجون بالحديث المرسل المعتضد لكنهم لا يصفونه بأنه صحيح بإطلاق اللفظ الاصطلاحي.
إذن، هناك فرق عند المحدثين بين الحجة والصحيح، فدلالة لفظ الحجة أوسع من دلالة لفظ صحيح؛ فدلالة لفظ صحيح لها شروط معينة غير دلالة حجة، ولذا فقد يحتجون بأحاديث مراسيل ولا يطلقون عليها لفظ الصحة"(1).
فيتحرر من هذا أن لا تلازم في المروي عن غير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين مقام ثبوت الرواية عن قائلها ومقام صحة المعنى التفسيري وصوابه، فقد تكون الرواية في أعلى درجات الثبوت والصحة إِلا أن معناها خطأ لا يصح تفسير الآية به، وقد تكون الرواية ضعيفة إِلا أن معناها يصح تفسير الآية به، وهذا المبحث وما بعده يفيد في تقييم ظاهرة جديدة طفت على الساحة العلمية في الحياة المعاصرة وهي تجريد الكتب من الآثار الضعيفة وإخراج ما يسمى بـ "صحيح التفسير"، "صحيح الفقه"، "صحيح السيرة" وسيأتي الحديث عن ذلك ضمن تتمات هذا الفصل.
* * *(1) محاضرة أسانيد التفسير للشريف حاتم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤١)
المبحث الثالث جهة أغراض المصنفين
من أهم ما ينبغي على الناظر في مرويات التفسير وغيرها وبخاصة المتصدي لنقدها معرفة الغرض الذي من أجله ساق المصنف الخبر، وكيفية إيراده له، ومدى تحقيق إيراده لغرضه، وهذا مقام يفارق تمامًا ما سبق الكلام فيه من صحة المرويات أو ضعفها؛ فليس ضعف الرواية مانعًا للمصنف من إيرادها واستعمالها لغرض يريد بيانه، وليس ضعف الراوي مانعًا من ذكر المصنف لبعض رواياته لغرض يرمي إليه، وليس هذا خاصًّا بكتب التفسير بل هو عام في كل تصنيف، فها هو مسلم بن الحجاج لمّا بلغه إنكار أبي زرعة عليه إخراجه حديث أسباط بن نصر وقَطَن بن نُسير وأحمد بن عيسى في صحيحه كان جوابه: "إنما قلت صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقَطَن وأحمد ما قد رواه الثقات عَنْ شيوخهم، إِلا أنه ربما وقع إليَّ عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول؛ فاقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات"(1).
وعودًا على مرويات التفسير نجد ابن أبي حاتم يسأل أباه عن حديث فيجيبه بأنه باطل، ورغم هذا يورده بنفس السند في تفسيره؛ فقد قال: "وسألت أبي عن حديث رواه معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قول اللَّه عز وجل: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]؛ قال: هؤلاء من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب؟ فسمعت أبي يقول: هذا حديث باطل"(2). وقال في التفسير: "حدثنا أبي، ثنا محمد بن المصفى، ثنا معاوية بن حفص عن أبي زياد الخلفاني عن(1) تاريخ بغداد 5/ 29.
(2) علل الحديث لابن أبي حاتم 5/ 25، برقم (1979).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤٢)
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. . . "(1) وساق الحديث، ولم يبلغ ابن أبي حاتم من السهو والغفلة وهو الناقد الحاذق أن يذهل عن كونه باطلًا وهو يورده في التفسير، فقد تكرر هذا منه وإن تفاوتت صورته(2) مما يدل على أن له غرضًا في ذلك، لا أنه ذهل ونسي كما يحلو لبعض الباحثين الاسترواح برمي الأئمة بالغفلة بدلًا من التفكير في استكشاف صنيعهم وأغراضهم!
والطبري يورد خبرًا فيه ضعف ثم يبيِّن علة إيراده بقوله: "فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب"(3).
فللأئمة في التصنيف وفي ترتيب الأدلة والمسائل وعرض الأقوال أغراض ومقاصد؛ وهي جديرة أن تبحث وخاصة فيما ضعف من الأخبار وأغراضهم من إيرادها وكيفيات ذلك الإيراد.
يقول ابن تيمية: "والأئمة كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يُعْلَم أنها كذب من المرفوع والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين؛ لأن ذلك يقوي بعضه بعضًا كما تُذكر المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف، فثَمَّ أمور تُذكر للاعتماد، وأمور تذكر للاعتضاد، وأمور تُذكر لأنها لم يُعْلَم أنها من نوع الفساد"(4).
وقد رَدَّ ابن تيمية على إيراد البكري عليه ذكره لحديث من رواية ابن لهيعة وهو حديث: "إنه لا يستغاث بي؛ إنما يستغاث باللَّه"، فقال: "هذا الخبر لم يذكر للاعتماد عليه، بل ذكر في ضمن غيره ليتبين أن معناه موافق للمعاني المعلومة بالكتاب والسُّنَّة، كما أنه إذا ذكر حكم بدليل معلوم ذكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في حكم شرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز(1) تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1160.
(2) ففي العلل أن أباه أخبره عن حديث سأله عنه بأنه منكر، ورغم هذا أورده بنفس السند في تفسيره وسمى فيه الراوي المبهم. ينظر: علل الحديث لابن أبي حاتم 4/ 655، برقم (1710)، تفسير ابن أبي حاتم 3/ 906، برقم (5053)، وينظر مثال آخر في: العلل 4/ 714، برقم (1760) مع تفسير ابن أبي حاتم (6/ 1956) برقم (10459)، وان كان قد ساقه بإسناد آخر بعد إيراد السند المعلل ولكن المقصود بيان الفكرة ونفي الذهول المزعوم.
(3) تفسير الطبري 3/ 716.
(4) الصفدية 1/ 287.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤٣)