الثالث: التصريح بفعل أو وصف (1)
دال عليها كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة (2) والانتقام من المجرمين (3) الدال عليها - على الترتيب - (4) قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " الحديث (5) وقول الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفا} [الفجر: 22] وقوله: {إنا من المجرمين منتقمون} (6) [السجدة: 22] .--------------------------------------------
(1) … قيل إن الصفة والوصف مترادفان وقيل بينهما تغاير والظاهر أن مراد المؤلف من الوصف هنا هو اسم الفاعل كما في المثال الذي أتى به.
انظر كتاب الوصف المشتق في القرآن د. عبد الله الدايل ص43
(2) … هذه كلها أفعال للرب فالاستواء، والنزول والمجيء صفات فعلية.
(3) … عرفنا أن هناك فرقاً بين الصفة والوصف وأن دلالة الصفة تكون بالتصريح بها وكذلك تثبت الصفة بالتصريح بالوصف كالانتقام فهو صفة فعلية
(4) … يسمى في البلاغة باللف والنشر المرتب وسماه بعض البديعيين بالطي والنشر وهو ذكر متعدد على الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين ثقة بأن السامع يرده إليه لعلمه بذلك بالقرائن.
انظر التبيان في البيان للطيبي ص504 وعلم البديع د. عبد العزيز عتيق ص167 ومعجم البلاغة للدكتور أحمد مطلوب ص525.
(5) سبق تخريج الحديث.
(6) … وورد من ذلك قوله تعالى {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} [الكهف: 8] ، وقد ذكر ابن الوزير في إيثار الحق على الخلق ص 160 انه من الأسماء.
وورد قوله تعالى {وأنا لموسعون} [الذاريات: 47] .
وممن ذكر ذلك من الأسماء ابن منده وابن العربي وابن الوزير.
ملاحظة: ان جعلنا المنعم والموسع والجاعل أسماء فإثبات الصفة يرجع إلى الوجه الثاني وهو التضمن لكن لما كان المؤلف يرى أن المنتقم ليس اسما فإنه ذكر أن لله صفة الانتقام من الوجه الثالث والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
الفصل الثالث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
الفصل الثالث
قواعد في أدلة الأسماء والصفات
القاعدة الأولى
الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: (1) .
فلا تثبت أسماء الله بغيرهما (2) .
وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب والسنة وجب إثباته (3) وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه مع إثبات كمال ضده.
وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه (4) فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
وأما معناه فيفصل فيه فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول وإن أريد به معنى لا يليق بالله عز وجل وجب رده.
فمما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة أو تضمن أو التزام (5) .
ومنه: كل صفة دل عليها فعل من أفعاله كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة ونحو ذلك--------------------------------------------
(1) سبق وأن ذكر المؤلف أن أسماء الله وصفاته توقيفية وذكرنا الأدلة على ذلك.
(2) كالقياس والاستحسان العقلي كما سبق، فلا يقاس السخي على الجواد مثلاً وهكذا
(3) وإذا لم يثبته يكون آثماً وقد سبق إن إنكار الأسماء من الإلحاد.
(4) وسيأتي أمثلة ذلك في كلام المؤلف.
(5) قد سبق بيان ذلك مفصلاً 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلا عن أفرادها (1) {ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] .
- ومنه: الوجه والعينان واليدان ونحوها.
- ومنه: الكلام والمشيئة والإرادة بقسميها الكوني والشرعي، فالكونية بمعنى المشيئة والشرعية بمعنى المحبة (2) .
- ومنه: الرضا والمحبة والغضب والكراهة ونحوها (3) .
- ومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت والنوم والسنة والعجز والإعياء والظلم والغفلة عن أعمال العباد وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك (4) .
- ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة) (5) فلو سأل سائل هل نثبت لله تعالى جهة؟
قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتاً ولا نفياً ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء.
وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل (6) أو جهة علو تحيط بالله أو جهة علو لا تحيط به--------------------------------------------
(1) عرفنا فيما سبق المراد من نوع الفعل ومن أفراد الفعل أو آحاده.
(2) انظر هذه المسألة في شرح الواسطية لكل من:
- الشيخ عبد العزيز الرشيد ص66.
- الشيخ ابن عثيمين (1/169) ، وفي الفتاوى أيضاً ص42.
- الشيخ صالح الفوزان ص39.
- الشيخ زيد بن فياض ص79.
- الشيخ عبد الله بن جبرين (1/132) .
(3) … أدلة هذه مذكورة في مواضعها في كتب العقائد قاله المؤلف ا. هـ.
(4) … أدلة هذه مذكورة في مواضعها من كتب العقائد قاله المؤلف وانظر التدمرية ص57.
(5) … سيأتي تفصيله في الملحق.
(6) … السفل له معنيان:
أن يكون شيء أسفل من شيء والمراد هنا أن يكون الخالق أسفل من المخلوق بأن =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
فالأول: باطل لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع (1) .--------------------------------------------
= أ - تكون السماء أو أي شيء فوقه وهذا مستحيل.
ب - السفل يطلق ويراد به مركز الأرض لأن الجسم الكروي ليس له إلا جهتان: علو وهو السطح، وسفل وهو المركز كما بين ذلك شيخ الإسلام في الرسالة العرشية وفي نقض التأسيس رداً على ما توهمه الرازي من أن إثبات العلو لله يلزم أن يكون الرب أسفل في نصف الكرة الثانية من الأرض فبين شيخ الإسلام إن هذا لا يقال لأن الله محيط بالعالم.
انظر الفتاوى (6/545) .
(1) قد ذكرنا في مقدمة الكتاب المؤلفات التي ألفت في العلو وهي كثيرة.
وسئل الشيخ ابن عثيمين في الفتاوى ص65:
هل السماء الثانية فما فوقها تكون فوقه إذا نزل إلى السماء الدنيا؟
الجواب: لا، ونجزم بهذا لأننا لو قلنا بإمكان ذلك لبطلت صفة العلو، وصفة العلو لازمة لله وهي صفة ذاتية لا تنتفي عن الله ولا يمكن ان يكون شيء فوقه حينئذ يبقى الإنسان منبهتا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ولا تقله ولا تكون السموات الأخرى فوقه هل يمكن هذا؟!.
الجواب: إذا كنت منبهتاً من هذا فإنما تنبهت إذا قست صفات الخالق بصفات المخلوق صحيح أن المخلوق إذا نزل إلى المصباح صار السطح فوقه وصار سطح المصباح يقله، لكن الخالق لا يمكن أن يقاس بخلقه، فلا تقل: كيف؟ ولم؟
فإذاً هذان السؤالان: هل السماء تقله؟
الجواب: لا لأنك إن فرضت هذا لزم أن يكون الله محتاجاً إلى السماء والله تعالى غني عن كل شيء، وكل شيء محتاج إليه. والسؤال الثاني: - هل تكون السموات فوقه ما عدا السماء الدنيا؟
الجواب: -لا لأنك لو فرضت ذلك لزم انتفاء صفة العلو لله مع أن العلو من صفات الله الذاتية التي لا ينفك عنها.
فالسؤال هذا من أصله بدعة، كما قال مالك للذي سأله عن الاستواء كيف استوى؟ قال " السؤال عنه بدعة " يعني لأنه ما سأل الصحابة عنه، فأنت الآن ابتدعت في دين الله حيث سألت عن أمر ديني ما سأل عنه الصحابة وهم أفضل منك، وأحرص منك على العلم بصفات الله، لكن مع ذلك لو قال: أنا يساورني القلق أخشى أن أعتقد بصفات الله ما لا يجوز، فبينوا لي وأنقذوني، فحينئذ نبين له، لأن الإنسان قد يبتلى بمثل هذه الأمور ويأتيه الشيطان ويوسوس له، ويقول كيف؟ وكيف؟ حتى يؤدي به إلى أحد محذورين: إما التمثيل، وإما التعطيل، فإذا جاءنا يسأل ويقول: أنقذوني ما زال هذا يتردد في خاطري، ما يكفيني أن تقولوا: بدعة. كيف أذهب ما في خاطري وقلبي نقول نبين لك ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
والثاني: باطل أيضاً لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته
والثالث: حق لأن الله تعالى العليّ فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.
ودليل هذه القاعدة السمع والعقل:
*فأما السمع: فمنه قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه (1) واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام:155] .
وقوله: [فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (2) [الأعراف:158] .
وقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (3) [الحشر: 7]
. وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} (4) [النساء: 80] .
وقوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (5) [النساء: 59]
وقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} (6) [المائدة: 49]
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة (7) .--------------------------------------------
(1) الشاهد من الآية قوله {فاتبعوه} أي فيما يأمر به وينهى.
(2) الشاهد من الآية قوله {واتبعوه لعلكم تهتدون} .
(3) الشاهد من الآية قوله {فخذوه} وقوله {فانتهوا} .
(4) الشاهد من الآية قوله (من يطع الرسول) أي بتصديق خبره واثبات ما أثبته لله وقوله {فمن تولى} أي عن طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فانه لا يضر إلا نفسه.
(5) الشاهد من الآية قوله {فردوه إلى الله والرسول} فأمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله والرسول أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
(6) الشاهد من الآية هو أنه إذا حكم فانه يحكم بالكتاب والسنة.
(7) انظر هذه النصوص في كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص291 وما بعده 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة لأن مما جاء في القرآن الأمر بإتباع النبي صلى الله عليه وسلم والرد إليه عند التنازع والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المأمور به في القرآن؟ (1) .
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمر الله به في القرآن؟ (2) .
وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟ (3) .
ولقد قال الله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} (4)
[النحل: 89] .--------------------------------------------
(1) هذا استفهام إنكاري من المؤلف للذين لا يتبعون سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإنهم بذلك لم يؤمنوا بالقرآن أيضاً لأن القرآن أمر بإتباعه.
(2) وهذا استفهام إنكاري من المؤلف وان من لم يرد التنازع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فانه لم يؤمن بالقرآن.
(3) أي إن القرآن أمر بالإيمان بالرسول أي إتباعه كما سبق
(4) قوله {لكل شيء} (يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة) إما بتبيينه في نفس الكتاب أو بإحالته على السنة لقوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] أو بإحالته على الإجماع كما قال تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 155] أو على القياس كما قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر:2] والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، كلها مذكورة في القرآن فكان تبياناً لكل شيء، فاندفع ما قيل كيف قال الله تعالى: {نزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً كعدد ركعات الصلاة ومدة المسح والحيض ومقدار حد الشرب ونصاب السرقة وغير ذلك ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام ا. هـ من حاشية الجمل على الجلالين (4/261) ،
وانظر تفسير الخازن (3/95) ، والوسيط للواحدي (3/79) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
ومن المعلوم أن كثيراً من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن (1)
وأما العقل: فنقول إن تفصيل القول (2) فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى (3) من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة. .
ملحق القاعدة الأولى
ذكرنا أننا سنفصل المراد من الجهة وقد لخص الألباني في مختصر العلو للذهبي (ص70) معتقد أهل السنة في ذلك فقال:
والجواب عنها ما قاله ابن تيمية في " التدمرية " ص45: قد يراد بـ " الجهة " شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقاً كما إذا أريد بـ "الجهة نفس--------------------------------------------
(1) ولنضرب لك أمثلة على ذلك:
قال الله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فهذا يفهم منه وجوب كل من الصلاة والزكاة.
ولكن: ما هي ماهية هذه الصلاة التي أوجبها وما كيفيتها؟ وما وقتها؟ وما عددها؟ وعلى من تجب؟ وكم مرة تجب في العمر؟
وما هي ماهية الزكاة؟ وعلى من تجب؟ وفي أي مال تجب؟ وما مقدارها؟ وما شروط وجوبها؟ وقال تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ففهمنا: وجوب إتمامهما.
ولكن: ما المراد بهما؟ أهو جميع ما كان يفعله العرب في الجاهلية؟ أو شيء آخر؟ فما هو؟ وكم مرة تجب في العمر؟
انظر الرسالة للإمام الشافعي ص20 وما بعده، وحجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص323.
(2) قول المؤلف (تفصيل القول) احترازاً من الإجمال فانه يمكن للعقل أن يدرك ان الله كامل الصفات على سبيل الإطلاق.
(3) الواجب هو الذي لا يمكن عدمه.
والجائز هو الذي يمكن عدمه.
والممتنع هو الذي يستحيل وجوده.
وقد سبق بيان ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق والخالق سبحانه وتعالى مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أو تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم.
وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة. أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل "
ومنه يتبين أن لفظ الجهة غير وارد في الكتاب والسنة وعليه فلا ينبغي إثباتها ولا نفيها لأن في كل من الإثبات والنفي ما تقدم من المحذور ولو لم يكن في إثبات الجهة إلا إفساح المجال للمخالف أن ينسب إلى متبني العلو ما لا يقولون به، لكفى.
وكذلك لا ينبغي نفى الجهة توهماً من أن إثبات العلو لله تعالى يلزم منه إثبات الجهة لأن في ذلك محاذير عديدة منها نفي الأدلة القاطعة على إثبات العلو له تعالى ومنها نفى رؤية المؤمنين لربهم عز وجل يوم القيامة فصرح بنفيها المعتزلة والشيعة وعلل ابن المطهر الشيعي في " منهاجه " النفي المذكور بقوله: " لأنه ليس في جهة "! وأما الأشاعرة، أو على الأصح متأخروهم الذين أثبتوا الرؤية فتناقضوا حين قالوا: " إنه يرى لا في جهة "! يعنون العلو! قال شيخ الإسلام في " منهاج السنة " (2/252) :
" وجمهور الناس من مثبتة الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول هؤلاء معلوم الفساد بضرورة العقل، كقولهم في الكلام، ولهذا يذكر أبو عبد الله الرازي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
أنه لا يقول بقولهم في مسألة الكلام والرؤية أحد من طوائف المسلمين.
ثم أخذ يرد على النفاة أنه إن أريد بها أمر وجودي غير الله كان مخلوقاً والله تعالى فوق خلقه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات.
وإن أريد بـ " الجهة " أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده.
وهذا المعنى الأخير هو المراد في كلام المثبتين للعلو والناقلين عن السلف إثبات الجهة لله تعالى، كما في نقل القرطبي عنهم.
وقال ابن رشد في " الكشف عن مناهج الأدلة " (ص66) :
" (القول في الجهة) ، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة وتبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة ثم ذكر بعض الآيات المعروفة ثم قال: إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابهاً، لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين … "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
القاعدة الثانية
الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها (1)
دون تحريف (2) لا سيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها:--------------------------------------------
(1) … الظاهر لغة: الواضح البين.
واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: " توضؤا من لحوم الإبل " رواه أحمد وأبو داود فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة
فخرج بقولنا: ما دل بنفسه على معنى المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه.
وخرج بقولنا: راجح المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة.
وخرج بقولنا: مع احتمال غيره النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً.
العمل بالظاهر:
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره لأن هذه طريقة السلف ولأنه أحوط وأبرا للذمة وأقوى في التعبد والانقياد.
تعريف المؤول:
المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع.
واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح.
فخرج بقولنا: على المعنى المرجوح النص والظاهر.
أما النص فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى المرجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
أ - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح كتأويل قوله تعالى: {واسأل القرية} إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
ب - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح كتأويل المعطلة قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} إلى معنى استولى والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل ا. هـ من كتاب الأصول للمؤلف.
(2) صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يسمى تحريفاً.
انظر شرح الطحاوية بترتيب الشيخ خالد بن فوزي (1/506)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
ودليل ذلك السمع والعقل
- أما السمع: فقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193-195] .
وقوله: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [يوسف: 2] .
وقوله: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [الزخرف: 3] .
وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي (1) .
وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون} (2)
[البقرة:75] وقال تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا} (3) [النساء: 46]
- وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص اعلم بمراده من غيره وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة..--------------------------------------------
(1) هذا هو الشاهد من الآيات وأنه يجب فهمه على ظاهره إلا إذا منع منه دليل شرعي فإنه يترك هذا الظاهر.
مثال ذلك قوله تعالى {إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} فإن ظاهره متروك لدليل شرعي آخر هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذ عند الشروع في القراءة.
وانظر الخلاف في هذه المسألة في تفسير الرازي (20/92) فقد نقل هذا القول عن الأكثر وان بعض الأئمة أخذ بظاهر الآية كداود الظاهري وقال ان الاستعاذة تكون بعد القراءة.
وقول المؤلف (إلا أن يمنع منه دليل شرعي) احترازاً من الأدلة العقلية التي يستند إليها المعطلة في صرف ظواهر القرآن والسنة.
(2) الشاهد من الآية أن الله ذم واستنكر على اليهود لأنهم حرفوا كلامه من التوراة فجعلوا الحلال حراماً وبالعكس وزادوا ونقصوا فتحريف نصوص الصفات كذلك.
انظر فتح القدير للشوكاني (1/151) .
(3) الشاهد من الآية إن الله ذم اليهود لأنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه إما بتغيير اللفظ أو المعنى أو بهما جميعاً وتحريف نصوص الصفات كذلك منهي عنه.
انظر تفسير السعدي (1/354) . …
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
القاعدة الثالثة
ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر:
فباعتبار المعنى (1) هي معلومة وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة
وقد دل على ذلك السمع والعقل
- أما السمع: فمنه قوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (2) [ص:29] .
وقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون} (3)
[الزخرف: 3] .
وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (4) [النحل:44] .--------------------------------------------
(1) أي أصل المعنى لا المعنى الذي يكون في حق المخلوق فهذا غير مراد قطعاً ولهذا يقول شارح الطحاوية ص76 عن الصفات أن أصل معناها معلوم لنا ا. هـ
وانظر التدمرية ص89 فقد ذكر شيخ الإسلام هذه القاعدة وفصل فيها.
(2) قال السعدي في تفسير (4/487) :
[ليدبروا آياته] أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها. فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر، أفضل من سرعة التلاوة، التي لا يحصل بها هذا المقصود ا. هـ
إذا لا يمكن أن أتدبر ما لا أدرك معناه وإنما أتدبر وأعقل إذا كان الكلام معلوماً لدي.
(3) قال السعدي في تفسير (4/437) :
[إنا جعلناه قرآناً عربياً] هذا هو المقسم عليه، أنه جعل بأفصح اللغات وأوضحها وأبينها وهذا من بيانه.
وذكر الحكمة في ذلك: [لعلكم تعقلون] ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الأذهان.
(4) فقوله (لتبين للناس) دليل على إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين القرآن بألفاظه ومعانيه 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربياً ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتاباً أو يتكلم رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام ان يكون هداية للخلق ويبقى في أعظم الأمور وأشدّها ضرورة مجهول المعنى بمنزلة الحروف الهجائية (1)
التي لا يفهم منها شيء لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى.--------------------------------------------
= قال السعدي في تفسيره (3/62) :
[وأنزلنا إليك الذكر] أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم، الظاهرة والباطنة.
[لتبين للناس ما نزل إليهم] وهذا شامل لتبيين ألفاظه، وتبيين معانيه.
[ولعلهم يتفكرون] فيه، فيستخرجون من كنوزه وعلومه، بحسب استعدادهم، وإقبالهم عليه.
ملاحظة: والشاهد من الآيات أنه أمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.
(1) … هي الحروف التي تتركب منها الكلمات وتسمى أيضاً: حروف المعجم وحروف البناء وهي أقسام:
انظر المعجم المفصل في علوم اللغة د. محمد التونجي (1/282)
وفي كتاب المعجم المفصل في الأدب (1/358) قال:
حروف الهجاء: هي الحروف العربية وعددها ثمانية وعشرون حرفاً وإذا اعتبرنا الألف تمثل علامتين: هما الهمزة والألف اللينة صار العدد تسعة وعشرين. ويدعوهم بعضهم " حروف المعجم "، وآخرون " الأبجدية " وفئة " حروف الألف باء " فالأول يرفضه ابن جني لأن المعجم مصدر، ولكن هنا جاء على صيغة اسم المفعول فيصبح المعنى: = الحروف الغامضة، من الفعل الرباعي " أعجم " أي أزال الغموض والثاني " الأبجدية " لا تطلق إلا على الترتيب الجملي المعروف حسابياً والمأخوذ عن بعض اللغات السامية
وهو أ، ب، ج، د هـ، … ..والثالث " الألف باء " وهو المقصود اليوم وفي المعاجم بحسب تسلسلها: أ، ب، ت، ث … ..، إلى الياء.
أما كلمة " الهجاء " فهي تقطيع اللفظة بحروفها مع حركاتها ويقال: هجوت الحروف هجواً أو هجاءً وهجوتها تهجية وتهجيتها تهجيةً ولهذا قالوا: حروف التهجي أو التهجية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وقد قال الله تعالى في كتابه: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} (1) [هود: 1] .
هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.
وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة (2) الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات ويدعون أن هذا مذهب السلف. والسلف بريئون من هذا المذهب وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالاً أحياناً (3)
وتفصيلاً أحياناً (4) وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل)--------------------------------------------
(1) … يقول تعالى: هذا [كتاب] أي عظيم، ونزل كريم.
[أحكمت آياته] أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه.
[ثم فصلت] أي: ميزت: وبينت بياناً في أعلى أنواع البيان
[من لدن حكيم] يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته.
[خبير] مطلع على الظواهر والبواطن فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة
(2) عرف المؤلف المراد من التفويض وأنهم الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات أصل التفويض في اللغة مأخوذ من قولهم: فوض إليه الأمر أي رده إليه..
(3) من ذلك ما قاله الإمام الأصبهاني قوام السنة في كتابه الحجة في بيان المحجة (1/91) :
" إن الأخبار في صفات الله عز وجل جاءت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لكتاب الله عز وجل، فنقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات لله والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله به في تنزيله وبينه الرسول عن كتابه مع اجتناب التأويل ا. هـ
(4) وهو كثير ومن ذلك ما سبق عن الإمام مالك وشيخه ربيعه وقد نقل الإمام اللالكائي جملة منها في كتابه أصول الاعتقاد (3/397) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
ص (116) جـ 1 المطبوع على هامش (منهاج السنة) : " وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ (1) إلى أن قال ص (118) : " وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه " (2) .
قال: " ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته … ..لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلاً عن أن يبينوا مرادهم فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد " ا. هـ (3) كلام الشيخ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد وما عليه مزيد رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجمعنا به في جنات النعيم.--------------------------------------------
(1) انظر درء تعارض العقل والنقل المطبوع في جامعة الإمام بتحقيق د. محمد رشاد و (1/201) في طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق محمد بيضون (1/116) .
(2) درء التعارض (1/204) ط. جامعة الإمام، و (1/188) ط. دار الكتب العلمية.
(3) … درء التعارض (1/204+205) ط الإمام، و (1/118) ط دار الكتب العلمية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
القاعدة الرابعة
ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني (1)
وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام:--------------------------------------------
(1) انظر التدمرية لشيخ الإسلام ص69، وتقريب التدمرية للشيخ ابن عثيمين ص61 حيث يقول:
فإن قال قائل: في نصوص الصفات لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.
فجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟ أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعاً وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعاً لأنه حق.
أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل، فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفراً وباطلاً ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.
فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله " غير مراد " وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله " غير مراد " فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مراداً، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مراداً فيكون قوله خطأ على كل تقدير.
والصواب الذي لا خطأ فيه أن ظاهرها مراد وأنه ليس إلا معنى يليق بالله ا. هـ
وذكر شارح الطحاوية احترازاً مهماً، وهو أن إثبات السلف للظاهر ليس معناه التمثيل والتكييف وذلك لأن لفظ (الظاهر) يستخدمه المتكلمون في المعنى الفاسد أي ظاهر ما في المخلوقين وهذا ليس بمقصد الأئمة ثم هذا ليس هو الظاهر من النصوص ولا يفهم منها ذلك إلا جاهل أو معاند وأما السلف فالظاهر عندهم هو ما سبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة.
وهذه المسألة مرتبطة بمسألة المجاز في اللغة وقد سبق الكلام فيه … ومسألة المجاز: من المسائل التي احتج بها النفاة المعطلة على نفي صفات الله تعالى والحق في هذه المسألة: أن كل لفظ فهو حقيقة فيما استعمل فيه بقرينته وقد لزم ذلك القائلين بنفي المجاز ممن قال: إن العام المخصوص حقيقة وأكثرهم يثبت ذلك وليس =.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه (1) فلفظ (القرية) مثلاً يراد به القوم تارة ومساكن القوم تارة أخرى
فمن الأول (2)
قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً} [الإسراء: 58]--------------------------------------------
= لأحدهم دليل في إثبات المجاز وليس لهم إسناد صحيح لواضع اللغة أن كذا وضع بكذا
فلو فرضنا أن أسداً مفترساً وضع له في حديقة الحيوانات منبر فصعد عليه (كما يكون فيما يسمى بالسرك) فهل يصبح عند أهل المجاز أن يعبر عن هذه الصورة بـ (رأيت أسداً على المنبر) أو يحتاج الأمر إلى قرينة تدل على أن المراد الحيوان المفترس لكثرة استعماله في الرجل الشجاع.
ومثال آخر: وهو لفظ السيارة: الدالة على من يسير كما قال تعالى: {متاعاً لكم وللسيارة} [المائدة: 96] وقوله: {وجاءت سيارة فأرسلوها واردهم} [يوسف: 19] وهذا الاسم شائع الآن على السيارة المركبة المعهودة فقولهم: " الحقيقة ما لا يحتاج إلى قرينة " ليس صحيحاً على إطلاقه بل كل من الألفاظ إنما تعرف من خلال التركيب ولذا فإن أهل اللغة إنما نقلوا التراكيب ولم ينقلوا المفردات كما هو معروف في المعاجم وهذا بين والله اعلم.
وانظر في كسر طاغوت المجاز: الصواعق المرسلة (أول الجزء الثاني من المختصر ص3 وما بعدها) .
وانظر في رد ما ادعوا فيه المجاز من صفات (المجيء - الإتيان - الرحمة - الاستواء) : مختصر الصواعق (2/106وما بعدها) ا. هـ من تقريب الطحاوية للشيخ خالد فوزي (1/509) .
(1) … حاصل كلام المؤلف أن الظاهر يختلف بحسب عدة أمور:
أ - السياق.
ب - الإضافة.
ت - التركيب.
وسيأتي المؤلف بأمثلة على ذلك.
(2) أي يراد بهذه الآية القوم لأن الذي يعذب هو الساكن في القرية لا القرية نفسها.
ولهذا جاء في تفسير الجلالين ص372 أن المراد من القرية هنا أهلها.
وقال الجمل في حاشيته (4/324) أي الطائفة، وبهذا قال الصاوي في حاشيته 2/354)
وأما ما ورد في تفسير ابن عطية (9/121) ، والثعالبي (2/267) إن المراد بذلك أنه ليس مدينة من المدن فلا يعني إنهم يريدون بالقرية المساكن بدليل كلام ابن عطية بعد ذلك أن الضمير يعود على أهل القرية فهذا هو المتبادر للذهن.
والشاهد إن الكلمة الواحدة لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق آخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} [العنكبوت:31] .
وتقول: صنعت هذا بيدي فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} [ص:75] لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له (1) وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به (2) فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل (3) يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس وتقول: ما عند ك إلا زيد (4) وما زيد إلا عندك فتفيد الجملة الثانية (5) معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام (6) :..--------------------------------------------
(1) أن الإضافة خصصت اليد بالجارحة المناسبة للمخلوق.
(2) ولا يشارك المخلوق في خصائص هذه اليد.
(3) العقل الصريح هو الذي خلا من الشبهات التي أتي بها علماء الكلام وخلا من الشهوات كما في تلخيص الحموية للمؤلف ص96.
(4) الجملة الأولى أفادت قصر الصفة على الموصوف ويكون المعنى أنه لا يوجد عندك إلا زيد ولا يوجد شخص آخر عندك أي قصر الصفة التي هي العندية على الموصوف الذي هو زيد.
(5) أفادت قصر الموصوف على الصفة فقصرنا زيداً وهو الموصوف على الصفة وهي العندية أي أن زيداً لا يوجد في غير هذا المكان لكن قد يوجد شخص آخر معك س: ما هو الضابط في قصر الصفة على الموصوف وقصر الموصوف على الصفة؟
ج_ … مدخول (ما) النافية هو المقصور، والذي يأتي بعد (إلا) هو المقصور عليه.
تطبيق: … ما زيد إلا عندك … ما عندك إلا زيد
دخلت عليه (ما) النافية … مقصور عليه … دخلت (ما) على عند
إذاً هو مقصور. … إذاً هو مقصور.
انظر معجم المصطلحات البلاغية د. أحمد مطلوب ص468
(6) انظر الحموية ص539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقاً يليق بالله عز وجل وأبقوا دلالتها على ذلك (1) وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة " ا. هـ (2) .--------------------------------------------
(1) … أي على ذلك الذي يتبادر إلى الذهن
(2) ذكره ابن عبد البر في التمهيد في (7/145) وقال بعد ذلك: وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله ا. هـ
وقوله: (ولا يحدون فيه صفة محصورة) أي لا يجعلون لصفاته نهاية وغاية بخلاف صفات البشر فإنها محدودة فلو وصف فلان بالعلم والكرم لكان لتلك الصفة غاية ونهاية بل قد يكون غيره أعلم وأكرم.
وفي كتاب موقف ابن حزم من الأشعرية للدمشقية ص66 نقد تحديدهم لقدرة الله) .
وقالت الأشعرية كلها: إن الله لا يقدر على ظلم أحد البتة ولا يقدر على الكذب ولا على قول إن (المسيح ابن الله) حتى يقول قبل ذلك {قالت النصارى} وأنه لا يقدر على أن يقول: {عزير ابن الله} حتى يقول قبل ذلك {وقالت اليهود} وأنه لا يقدر على أن يتخذ ولداً وأنه لا يقدر البتة على إظهار معجزة على يدي كذاب يدعي النبوة فإن ادعى الألوهية كان الله تعالى قادراً على إظهار المعجزات على يديه.
وأنه تعالى لا يقدر على إحالة الأمور عن حقائقها ولا على قلب الأجناس عن ماهيتها وأنه تعالى لا يقدر على أن يقسم الجزء الذي لا يتجزأ ولا على أن يدعو أحداً إلى غير التوحيد.
هذا نص كلامهم وحقيقة معتقدهم فجعلوه تعالى عاجزاً متناهي القوة محدود القدرة يقدر مرة ولا يقدر أخرى ويقدر على شيء ولا يقدر على آخر:
وهذه صفة نقص وهم مع هذا يقولون: إن الساحر يقدر على قلب الأعيان وأن يمسخ إنساناً ويجعله حماراً على الحقيقة وعلى المشي في الهواء وعلى الماء: فكان الساحر عندهم أقوى من الله تعالى 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)