وقيل يمينه يراد به مع هذه القرائن المحتفة به - محل الاستلام والتقبيل.
وهو حقيقة في هذا المعنى في هذه الصورة وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلاً بل دلالته على معناه الخاص قطعية لا تحتمل النقيض بوجه ولا تحتاج إلى تأويل ولا غيره.
وإذا قيل: فابن الفاعوس لم يكن من أهل هذا الشأن - أعني: البحث عن مدلولات الألفاظ؟
قيل: ولا ابن الخاضبة كان من أهله وإن كان محدثاً وإنما سمع من ابن الفاعوس، أو بلغه عنه إنكار أن يكون هذا مجازاً، لما سمعه من إنكار لفظ المجاز فحمله السامع لقصوره أو لهواه على أنه إذا كان حقيقة لزم أن يكون هو يد الرب عز وجل التي هي صفته وهذا باطل والله أعلم.
**********
****
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
المثال الثاني: (1)
" قلوب العباد بين أصبعين (2) من أصابع الرحمن "
والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه مسلم (3) في الباب الثاني من كتاب القدر عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن قلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد يصرفه حيث يشاء " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ".
وقد اخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث (4)
وقالوا ان لله تعالى--------------------------------------------
(1) … هذا هو المثال الثاني الذي أورده أهل التعطيل على أهل السنة بأنهم أولوا ظاهر هذا الحديث فقالوا:
أ - ان ظاهر هذا الحديث ان قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة وأن تكون أصابع الله داخل أجوافنا وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
ب - ظاهر الحديث ان لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد وسوف يرد المؤلف على زعمهم هذا.
(2) … قال المؤلف: أصبع: مثلث الهمزة والباء ففيه تسع لغات والعاشرة أصبوع كما قيل
وهمزأ نملة ثلث وثالثه … التسع في أصبع واختم بأصبوع
أصبوع بضم الهمزة
وانظر الغرر المثلثة والدرر المبثثة للفيروز آبادي ص266.
(3) … انظر شرح مسلم للنووي (16/204) .
(4) … ظن شراح هذا الحديث ان ظاهر الأصبع الجارحة وهي على الله محال إذ لو كانت جارحة وأعضاء لكان كل جزء منه مفتقراً إلى الآخر فتكون جملته محتاجة وذلك يناقض الألوهية وحكوا أن فيها مذهبين:
الأول: التفويض.
الثاني: التأويل بحسب ما يليق.
قال القرطبي في المفهم (6/672) :
وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
أصابع حقيقية نثبتها له كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين أصبعين منها أن تكون مماسه لها حتى يقال إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفه عن ظاهره فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا الأرض ويقال: بدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينها وبينهما (1)
فقلوب بنى آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن حقيقة ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول (2)--------------------------------------------
= كفى وفي قبضتي يراد به: أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له كيف شاء، وأمكن من ذلك في المعنى مع إفادة التيسير أن يقال: فلان بين إصبعي أصرفه كيف شئت يعنى: أن التصرف متيسر عليه غير متعذر وقال بعضهم: يحتمل أن يريد بالإصبع هنا النعمة وحكي أنه يقال: لفلان عندي إصبع حسنة أي نعمة كما قيل في اليد فإن قيل: فلأي شيء ثنى الإصبع ونعمه كثيرة لا تحصى؟ قلنا لأن النعم وإن كانت كذلك فهي قسمان نفع ودفع فكأنه قال: قلوب بني آدم بين أن يصرف الله عنها ضراً وبين أن يوصل إليها نفعاً ا. هـ
وانظر شروح مسلم لكل من:
النووي (16/204) ، الأبي والسنوسي (7/88) ، والديباج للسيوطي (6/18) .
(1) وقد رد المؤلف على أقوالهم بأنه لا يلزم من إثبات الأصبع ما ذكروه. ويقال: سترة المصلي بين يديه وليست مباشرة له ولا مماسة له.
فإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات فكيف بالبينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض وهو بكل شيء محيط.
وقد دل السمع والعقل على أن الله تعالى بائن من خلقه ولا يحل في شيء من خلقه ولا يحل فيه شيء من خلقه وأجمع السلف على ذلك وهذا هو الوجه الأول.
ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً وحينئذ يكون مراداً قطعاً فإن لله تعالى أصابع حقيقية تليق به ولا تماثل أصابع المخلوقين وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضيين على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات = مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر.
فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟
(2) قال شيخ الإسلام في التدمرية ص73:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
المثال الثالث:
" إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمن "
والجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند (1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا أن الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم من قبل اليمن " قال في مجمع الزوائد (2) : رجاله رجال الصحيح غير شبيب (3) وهو ثقة قلت: وكذا قال في التقريب (4) عن شبيب: ثقة من الثالثة وقد روى البخاري نحوه في التاريخ الكبير (5) .
وهذا الحديث على ظاهره والنفس فيه اسم مصدر (6) نفس يُنفِّس--------------------------------------------
= وأما قوله: {قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن} فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه ولا في قول القائل: هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه وإذا قيل: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض} لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض ا. هـ
(1) … (2/541) .
(2) للهيثمي (10/59) .
(3) أي شبيب بن نعيم أبي روح.
(4) لابن حجر (1/346) وقال: أخطأ من عده في الصحابة ا. هـ
(5) انظر التاريخ الكبير (4/231) .
وانظر ترجمته في تهذيب الكمال للمزي (13/371) وتهذيب التهذيب لابن حجر (4/309) .
والحديث الذي ذكره المؤلف رواه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير (7/52) من حديث سلمة بن نفيل، ورواه البزار في مسنده (9/150) وقال وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه بهذه الألفاظ إلا سلمة بن نفيل وهذا أحسن طريقاً يروى في ذلك عن سلمة ورجاله رجال معروفون من أهل الشام مشهورون إلا إبراهيم بن سليمان الأفطس ا. هـ
وانظر ترجمة سلمة في الإصابة (3/130) ، وتهذيب الكمال للمزي (11/323) .
(6) اسم المصدر اصطلاحاً هو: اسم مساو للمصدر في الدلالة على المعنى المجرد دون =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
تنفيساً مثل فرج يفرج تفريجاً وفرجاً هكذا قال أهل اللغة كما في النهاية (1) والقاموس (2) ومقاييس اللغة (3) قال في مقاييس اللغة: " النفس كل شيء يفرج به عن مكروب " فيكون معنى الحديث أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار فيهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات " ا. هـ جـ (6) مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم.
******--------------------------------------------
= تقيد بزمان ولكنه يخالفه بنقص بعض حروفه لفظاً وتقديراً دون تعويض مثل: الفعل " أعطى " مصدره الأصلي: " إعطاء " فإذا قلنا " عطاء " كان مساوياً للفظ " إعطاء " وينقص عنه الهمزة في أوله دون أن يعوض منها بشيء لفظاً وتقديراً فإن كان النقص في اللفظ فقط دون التقدير فاللفظ مصدر وليس باسم مصدر مثل =
: " قاتل قتالاً " والأصل: قيتالاً خلا اللفظ " قتالاً " من " الياء " ولكنها مقدرة وإن خلا الحرف لفظاً وعوض منه بشيء فهو مصدر وليس باسم مصدر فتقول في: " وعد " المصدر الأصلي " وعداً " أو " عدة " فقد حذفت " الواو " وعوض منها بالتاء المربوطة في الآخر فالمصدر الذي حذف منه حرف ولم يعوض منه بشيء يسمى: اسم مصدر مثل: " كلاماً " وتكلماً ا. هـ
انظر المعجم المفصل في النحو العربي للدكتورة عزيزة فوال.
(1) النهاية لابن الأثير (5/93) .
(2) للفيروز آبادي ص745، وشرح القاموس للزبيدي (4/259) .
(3) لابن فارس (5/460) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
المثال الرابع:
قوله تعالى:} ثم استوى إلى السماء { [البقرة: 29]
والجواب: أن لأهل السنة في تفسيرها قولين:
أحدهما: أنها بمعنى ارتفع إلى السماء وهو الذي رجحه ابن جرير (1)
قال في تفسيره بعد ان ذكر الخلاف: (وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: {ثم استوى إلى السماء فسواهن} [البقرة:29] علا عليهن وارتفع بقدرته وخلقهن سبع سموات) ا. هـ
وذكره البغوي في تفسيره (2) قول ابن عباس (3) وأكثر مفسري السلف--------------------------------------------
(1) في تفسيره (1/192) وقال:
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: {ثم استوى إلى السماء} الذي هو بمعنى العلو والارتفاع هرباً عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر ثم لم ينج مما هرب منه، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله {استوى] : أقبل أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إليها؟ فان زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير. قيل له: فكذلك فقل: علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في الآخر مثله. ا. هـ
وقال السمين في الدر المصون (1/171) ان من معاني استوى: علا وارتفع واستشهد بقول الشافعي:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وكذا قال القرطبي في تفسيره (1/254) .
واختار هذا القول الربيع بن أنس كما حكاه أبو حيان في البحر المحيط (1/280) وقدم هذا القول ابن عطية في تفسيره (1/223) ، والثعالبي في الجواهر (1/58) والألوسي في تفسيره (1/215) .
(2) (1/59) .
(3) وضعف هذا النقل القرطبي في تفسيره (1/254) وما هو بضعيف فقد نقله جمع كثير وانظر الوسيط للواحدي (1/112)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
وذلك تمسكاً بظاهر لفظ {استوى} وتفويضاً لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله عز وجل.
القول الثاني: أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام وإلى هذا القول ذهب ابن كثير في تفسير سورة البقرة (1) والبغوي في تفسير سورة فصلت (2) قال ابن كثير: " أي قصد إلى السماء والاستواء ههنا ضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى " قال البغوي: " أى عمد إلى خلق السماء".
وهذا القول ليس صرفاً للكلام عن ظاهره وذلك لأن الفعل " استوى " اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء (3)
فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به ألا ترى إلى قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عباد الله} [الإنسان: 6] حيث كان معناها يروى بها (4) عباد الله لأن الفعل " يشرب " اقترن بالباء--------------------------------------------
(1) (1/101) .
(2) (4/109) .
واختار هذا القول جمع من المفسرين منهم:
السمين الحلبي (1/172) ، والنسفي (1/76) والخازن (1/34) ، وصديق حسن خان (1/120) ، وابن الجوزي (1/58) .
وانظر الأقوال الأخرى التي خالفت منهج السلف في:
تفسير الرازي (1/143) ، والبحر المحيط لأبي حيان (1/280) وبحر العلوم للسمرقندي (1/106) ، والسراج المنير للشربيني (1/43) وحاشية محي الدين زاده على البيضاوي (1/235) .
(3) … وهو حرف (إلى) وانظر الكلام عليه في:
الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي ص385.
وموسوعة الحروف د. إميل يعقوب ص106.
وحروف المعاني للزجاجي ص65 وص79.
ورصف المباني في شرح حروف المعاني للمالقي ص166 ومغني اللبيب لابن هشام (1/74) ومختصره للشيخ ابن عثيمين ص24 وحاشية الدسوقي على مغنى اللبيب (1/79) .
(4) ما ذكره المؤلف هو أحد الأقوال في المسألة وفيها أقوال أخرى هي:
أ - أنها زائدة وهي بمنزلة يشربها واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره (15/235)
ب - ان الباء للتعدية بمعنى الاتصاف وضمن يشرب معنى يروى فعدى بها كما في تفسير الآلوسي (29/174) واختار هذا القول المؤلف.
ت - وقيل بمعنى (من) التبعضية والمعنى يشرب منها عباد الله وهذا اختيار الأصمعي =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى فالفعل يضمن (1) معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام.
******--------------------------------------------
= كما في تفسير الطاهر بن عاشور (29/381) .
وفي المسألة أقوال أخرى، انظر:
الجمل (8/186) البحر المحيط (8/837) ، حاشية شيخ محي الدين زاده على البيضاوي (4/588) ، زاد المسير (8/430) ، الدر المصون (6/440) .
(1) - … التضمن:
لغة: مصدر تضمن الشيء: التزمه وغرمه.
واصطلاحاً: إعطاء اللفظ معنى لفظ آخر وحكمه ويسمى أيضاً: التضمن النحوي ويقع التضمين في أبواب منها.
في باب حروف المعاني وذلك يكون في ان يؤدي الحرف معنى حرف آخر مثل: " كتبت بالقلم " " الباء " معناها الاستعانة بالقلم ومثل قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} حملت الباء معنى التعدية فتعدى بواسطتها الفعل " ذهب " إلى مفعول به والتقدير: أذهب الله نورهم ومثل: " بعتك الزيت رطلاً بعشرين درهماً " فقد أدت " الباء " معنى التعويض أو التسعير ومثل: أمسكت بيد الأعمى " فقد أدت " الباء " معنى الإلصاق ومثل قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عباد الله} فقد أدت " الباء " معنى التبعيض أي: منها أو يروى على الخلاف الذي سبق.
انظر المعجم المفصل في النحو د. عزيزة فوال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
**المثال الخامس والسادس: (1)
قوله تعالى في سورة الحديد:} وهو معكم أينما كنتم { [الحديد: 4] وقوله في سورة المجادلة} ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا { [المجادلة: 7]
والجواب: أن الكلام في هاتين الآيتين حق على حقيقته وظاهره ولكن ما حقيقته وظاهره.؟
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم؟
أو يقال: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه. على عرشه فوق جميع خلقه؟
ولا ريب أن القول الأول لا يقتضيه السياق ولا يدل عليه بوجه من الوجوه وذلك لأن المعية هنا أضيفت إلى الله عز وجل وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ولأن المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان وإنما تدل على مطلق مصاحبة ثم تفسر في كل موضع بحسبه (2)--------------------------------------------
(1) مراده ذكر آيتين وليس مثالين متغايرين.
(2) … قال الراغب في المفردات (2/608) :
مع: يقتضي الاجتماع إما في المكان نحو هما معاً في الدار أو في الزمان نحو ولدا معاً، وإما في الشرف والرتبة نحو: هما معاً في العلو ويقتضى معنى النصرة، وأن المضاف إليه لفظ مع هو المنصور نحو قوله: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] أي: الذي مع يضاف إليه في قوله الله معنا هو منصور أي ناصرنا وقوله: {ان الله مع الذين اتقوا} [النحل: 128] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
وتفسير معية الله تعالى لخلقه بما يقتضي الحلول والاختلاط باطل من وجوه:
الأول: أنه مخالف لإجماع السلف فما فسرها أحد منهم بذلك بل كانوا مجمعين على إنكاره (1) .
الثاني: أنه مناف لعلو الله الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف وما كان منافياً لما ثبت بدليل كان باطلاً بما يثبت به ذلك المنافي وعلى هذا فيكون تفسير معية الله لخلقه بالحلول والاختلاط باطلاً بالكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع السلف.
= وقوله: {وهو معكم أينما كنتم} ب الحديد: 4] {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] ، {أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] وقوله عن موسى: {إن معي ربي} [الشعراء: 62] ا. هـ
وقال السمين في عمدة الحفاظ (4/115) : {والله مع الصابرين} ونحوه فالمراد الصحبة بالمعونة والإثبات ا. هـ.
وأطلق أئمة اللغة العربية على أن المراد من المعية الصحبة ثم يفسر في كل موضوع بحسبه ويراجع في ذلك:
الجوهري في الصحاح (3/1286) ، وابن سيدة في المحكم (1/55) وابن منظور في اللسان (13/144) والفيروز آبادي في المحيط ص987، وشرحه للزبيدي (5/514) .--------------------------------------------
(1) وقد أجمع المفسرون على ان المراد بذلك العلم والقدرة أو الحراسة والحفظ ولم يقل أحد أن الله معنا بذاته.
قال الطبري في تفسيره (14/13) : هو فوق العرش وعلمه معهم ا. هـ
وللنظر في أقوال المفسرين يرجع إلى:
النسفي (3/447) ، وأبي حيان (8/217) والرازي (29/187) ، وابن كثير (6/98) والخازن (4/246) وابن عاشور (27/364) ، والشربيني (4/225) ، وابن الجوزي
(8/161) ، والماوردي (5/470) والآلوسي (27/168) ، والبغوي (4/294) ، والثعالبي (3/293) ، وحاشية محي الدين شيخ زاده (4/465) ، والجمل على الجلالين (9/440) ، والقرطبي (17/290) ، والشهاب على البيضاوي (9/121) ، وصديق حسن خان (14/19)
وقال ابن عطية في تفسيره (15/286) ، ان الأمة أجمعت على هذا التأويل ا. هـ
ولا يخفى ان كان مراده من التأويل هنا صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يكون الله معنا بذاته فلا شك أن هذا ليس ظاهراً وقد سبق ان الظاهر هو ما يتبادر إلى الذهن وهو يختلف بحسب السياق، وان كان مراده بالتأويل التفسير فهذا حق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الثالث: أنه مستلزم للوازم باطلة لا تليق بالله سبحانه وتعالى ولا يمكن لمن عرف الله تعالى وقدره حق قدره وعرف مدلول المعية في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن يقول إن حقيقة معية الله
لخلقه تقتضي أن يكون مختلطاً بهم أو حالاً في أمكنتهم فضلاً عن أن تستلزم ذلك ولا يقول ذلك إلا جاهل باللغة جاهل بعظمة الرب جل وعلا.
فإن تبين بطلان هذا القول تعين أن يكون الحق هو القول الثاني وهو أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطاً بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وتدبيراً وسلطاناً وغير ذلك مما تقتضيه ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وهذا هو ظاهر الآيتين بلا ريب لأنهما حق ولا يكون ظاهر الحق إلا حقاً ولا يمكن أن يكون الباطل ظاهر القرآن أبداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (103) ج (5) من مجموع الفتاوى لابن القاسم: " ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها} [الحديد: 4] إلى قوله {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم وهذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه (1) وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته وكذلك في قوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم] إلى قوله: {هو معهم أينما كانوا} [المجادلة:7]
ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: " لا تحزن إن الله معنا " كان هذا أيضاً حقاً على ظاهره ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد ".
ثم قال: " فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع--------------------------------------------
(1) … كان هذا معنى قول السلف إنه معهم بعلمه لأنه إذا كان معلوماً أن الله تعالى معنا مع علوه لم يبق إلا أن يكون مقتضى هذه المعية أنه تعالى عالم بنا مطلع شهيد مهيمن لا أنه معنا بذاته في الأرض، قاله المؤلف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها وإن امتاز كل موضع بخاصية فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها " ا. هـ (1)
ويدل على أنه ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق أن الله تعالى ذكرها في آية المجادلة بين ذكر عموم علمه في أول الآية وآخرها فقال: {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} [المجادلة: 7] فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض أما في آية الحديد فقد ذكرها الله تعالى مسبوقة بذكر استوائه على عرشه
وعموم علمه متلوة ببيان أنه بصير بما يعمل العباد فقال: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعلمون بصير} [الحديد: 4] (2)
فيكون ظاهر الآية أن مقتضى هذه المعية علمه بعباده وبصره بأعمالهم مع علوه عليهم واستوائه على عرشه لا أنه سبحانه مختلط بهم ولا أنه معهم في الأرض وإلا لكان آخر الآية مناقضاً لأولها الدال على علوه واستوائه على عرشه.
. فإذا تبين ذلك علمنا أن مقتضى كونه تعالى مع عباده أنه يعلم أحوالهم ويسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويدبر شؤونهم فيحيى ويميت ويغنى ويفقر ويؤتي--------------------------------------------
(1) انظر شرح الواسطية لزيد بن فياض ص203.
(2) . انظر فتح البيان لصديق حسن خان (13/398) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك مما تقتضيه ربوبيته وكمال سلطانه لا يحجبه عن خلقه شيء ومن كان هذا شأنه فهو مع خلقه حقيقة ولو كان فوقهم على عرشه حقيقة (1) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (142) جـ 3 من مجموع الفتاوى لابن قاسم في فصل الكلام على المعية قال: " وكل هذا الكلام الذي ذكره الله سبحانه من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة"ا. هـ (2)--------------------------------------------
(1) وقد سبق ان المعية في اللغة العربية لا تستلزم الاختلاط أو المصاحبة في المكان.
(2) انظر شروح الواسطية على هذه الآية.
وسئل الشيخ ابن عثيمين:
هل أحد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في أن المعية حقيقية تليق بالله ينزه فيها الباري عن أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم؟ وعن الحديث القدسي " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل … "؟ وعن قول ابن القيم في الصواعق - مختصرها - " فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته " هل هو صحيح وهل سبقه أحد من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم أحداً صرح بذلك لكن الذي يظهر أن الكلام فيها كغيرها من الصفات تفهم على حقيقتها مع تنزيه الله تعالى عما لا يليق به كما يفهم الاستواء والنزول وغيرهما ولهذا لم يتكلم الصحابة فيما أعلم بلفظ الذات في الاستواء والنزول أي لم يقولوا استوى على العرش بذاته أو ينزل إلى السماء الدنيا بذاته لأن ذلك مفهوم من اللفظ فإن الفعل أضيف إلى الله تعالى إما إلى الاسم الظاهر أو الضمير، فإذا أضيف إليه كان الأصل أن يراد به ذات الله عز وجل لكن لما حدث تحريف معنى الاستواء والنزول احتاجوا إلى توكيد الحقيقة بذكر الذات وكذلك لما حدث القول بالحلول وشَبَّه القائلون به بآيات المعية بَيَّن السلف بطلان تلبيسهم وأنه لا يراد بها أنه معهم بذاته مختلطاً بهم كما فهم أولئك الحلولية وأن المراد بها بيان إحاطته بالخلق علماً وذكروا العلم لأنه أهم الصفات متعلقاً ولأنها جاءت في سياقه.
والمهم أن هذه المسألة كغيرها من مسائل الصفات تجرى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل وما ورد عن السلف فإنه داخل في معناها لأنه من لوازمه واقتصروا عليه خوف المحذور وإلا فلا يخفى أن حقيقة المعية أوسع من العلم وأبلغ، ولظهور هذه المسألة وأنها لم تخرج عن نظائرها لم يكن فيها كلام عن الصحابة رضي الله عنهم اللهم إلا ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره عنه، قال هو على العرش، وعلمه معهم، ثم اشتهر ذلك بين السلف حين انتشر تفسير الجهمية لها بالحلول. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
وقال في الفتوى الحموية ص (102-103) جـ (5) من المجموع المذكور:
وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد إتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته ولا يحسب الحاسب أن شيئاً من ذلك يناقض بعضه بعضاً ألبته مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب--------------------------------------------
= وأما سؤالكم عن الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " فأنت ترى أن الله تعالى ذكر في الحديث عبداً ومعبوداً ومتقرباً ومتقرباً إليه، ومحباً ومحبوباً وسائلاً " ومسئولاً ومعطياً ومعطى ومستعيذاً ومستعاذاً به ومعيذاً ومعاذاً فالحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر فإذا كان كذلك لم يكن ظاهر قوله كنت سمعه وبصره ويده ورجله أن الخالق يكون جزءاً من المخلوق أو صفاً فيه تعالى الله عن ذلك وإنما ظاهره وحقيقته أن الله تعالى يسدد هذا العبد في سمعه وبصره وبطشه ومشيه فيكون سمعه لله تعالى إخلاصاً وبه استعانة وفيه شرعاً وإتباعا وهكذا بصره وبطشه ومشيه.
وأما سؤالكم عن قول ابن القيم في الصواعق (مختصرها) فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته فهل يصح؟ وهل سبقه أحد في ذلك؟
فإن ابن القيم يرحمه الله تعالى قاله أخذاً بظاهر قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} فهذه الضمائر (عبادي) (عني) (فإني) (قريب) (أجيب) (دعان) (لى) (بي) كلها تعود إلى الله عز وجل فكما أنه نفسه المعبود المسئول عنه المجيب لدعوة الداعي الواجب الإيمان به فهو القريب كذلك ولا يلزم من ذلك الحلول لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته فهو قريب في علوه.
وقد سبقه إلى مثل ذلك شيخه شخ الإسلام ابن تيمية - يرحمه الله تعالى - حيث قال في شرح النزول ص (508) جـ 5 من مجموع الفتاوى:
" ولهذا لما ذكر الله سبحانه قربه من داعيه وعابديه قال {وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} فهنا هو نفسه سبحانه القريب الذي يجيب دعوة الداع " إلى أن قال ص (510) " وأما قرب الرب قربا يقوم به بفعله القائم بنفسه فهذا تنفيه الكلابية، ومن يمنع قيام الأفعال الاختيارية بذاته وأما السلف وأئمة الحديث والسنة فلا يمنعون ذلك، وكذلك كثير من أهل الكلام " ا. هـ.
ملاحظة: نقلنا فتوى الشيخ زيادة على موطن الشاهد لأن الباقي من الفتوى سيأتي في الأمثلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله تعالى: {وهو معكم} وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه " (1) .
ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 4] .
فأخبر انه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال (2) : " والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه " (3)
ا. هـ--------------------------------------------
(1) رواه البخاري كما طبعة في الفتح (1/307) ومسلم كما في طبعة شرح النووي (5/38) .
(2) الأوعال: جمع وعل: وهو تيس الجبل وأراد بالأوعال: الأشراف والرؤوس شبههم بها لأنها تأوي إلى شعف الجبال، ومنه قول أبي هريرة: لا تقوم الساعة حتى تعلو التحوت وتهلك الوعول قيل وما التحوت؟ قال: سفول الرجال وأهل البيوت الغامضة والوعول: أهل البيوت الصالحة ا. هـ من حاشية الحموية للتويجري ص221
(3) … هذا الحديث المعروف بحديث " الأوعال " قد كثر الكلام حوله وأخرجه الأئمة في دواوينهم ونصه: عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت سحابة فنظر إليها فقال: " ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب. قال " والمزن " قالوا: والمزن قال " والعنان " قالوا والعنان " قال: " هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري. قال: " إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك " حتى عدد سبع سموات: " ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء وسماء ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء وسماء ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك ".
الحديث رواه داود (5/93) رقم 4723، كتاب السنة، باب في الجهمية. وهذا لفظه
والترمذي (5/424) رقم (332) كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحاقة وقال هذا حديث حسن غريب.
وابن ماجه (1/69) رقم 193، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية.
وأحمد (1/206-207) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
واعلم أن تفسير المعية بظاهرها على الحقيقة اللائقة بالله تعالى لا يناقض ما ثبت من علو الله تعالى بذاته على عرشه وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الله تعالى جمع بينهما لنفسه في كتابه المبين المنزه عن التناقض وما جمع الله بينهما في كتابه فلا تناقض بينهما.
وكل شيء في القرآن تظن فيه التناقض فيما يبدو لك فتدبره حتى يتبين
لك لقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا--------------------------------------------
= - وابن أبي عاصم في " السنة " (1/254) رقم 578.
- وابن أبي شيبة في كتاب " العرش " ص55.
- ورواه ابن خزيمة في " التوحيد " (1/334) .
- والدرامي في " الرد على الجهمية) ص24.
- والأجري في " الشريعة " ص292.
واللالكائي في: اعتقاد أهل السنة " (3/390) رقم 651.
والحاكم في " المستدرك " (2/287، 500) وقال: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد أسند هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شعيب بن خالد الرازي، والوليد بن أبي ثور، وعمرو بن ثابت بن أبي المقدم عن سماك بن حرب، ولم يحتج الشيخان بواحد منهم، وقد ذكرت حديث شعيب بن خالد إذ هو أقربهم إلى الاحتجاج به ا. هـ
- والبيهقي في " الأسماء والصفات " (2/142) .
- والعقيلي في " الضعفاء " (2/284) .
- وابن عبد البر في " التمهيد " (7/140) .
- والحافظ أبو نعيم في " أخبار أصبهان " (2/2) .
- والمزي في " تهذيب الكمال " (2/719) .
- وأبو العلاء الهمذاني في " ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف " ص67-68 رقم 19.
- وابن الجوزي في " العلل المتناهية " (1/8) وقد رواه من طريقين وقال: هذا حديث لا يصح ا. هـ
وقال الحافظ المنذري بعد أن ذكر الحديث: وفي إسناده بن أبي ثور ولا يحتج بحديثه ا. هـ مختصر سنن أبي داود (7/93) .
ورد شيخ الإسلام على من طعن في هذا الحديث ا. هـ من حاشية الحموية للتويجرى ص 0224
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
فيه اختلافاً كثيراً} [النساء: 82] فإن لم يتبين لك فعليك بطريق الراسخين في العلم الذين يقولون: {آمنا به كل من عند ربنا} [أل عمران: 7] وكل الأمر إلى منزله الذي يعلمه واعلم أن القصور في علمك أو في فهمك وأن القرآن لا تناقض فيه.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام في قوله فيما سبق: " كما جمع الله بينهما " وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق لابن الموصلي ص (410) ط الإمام في سياق كلامه على المثال التاسع مما قيل إنه مجاز قال: " وقد أخبر الله أنه مع خلقه مع كونه مستوياً على عرشه وقرنبين الأمرين كما قال تعالى - وذكر آية سورة الحديد - ثم قال: " فأخبر أنه خلق السموات والأرض وأنه استوى على عرشه وأنه مع خلقه يبصر أعمالهم من فوق عرشه كما في حديث الأوعال: " والله فوق العرش يرى ما أنتم عليه " فعلوه لا يناقض معيته ومعيته لا تبطل علوه بل كلاهما حق" ا. هـ
الوجه الثاني: أن حقيقة معنى المعية لا يناقض العلو فالاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا ولا يعد ذلك تناقضاً ولا يفهم منه أحد أن القمر نزل في الأرض فإذا كان هذا ممكناً في حق المخلوق ففي حق الخالق المحيط بكل شيء مع علوه سبحانه من باب أولى وذلك لأن حقيقة المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (103) المجلد الخامس من مجموع الفتاوى لابن قاسم حيث قال: " وذلك أن كلمة (مع) في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة " ا. هـ
وصدق رحمه الله تعالى فإن من كان عالماً بك مطلعاً عليك مهيمناً عليك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
يسمع ما تقول ويرى ما تفعل ويدبر جميع أمورك فهو معك حقيقة وإن كان فوق عرشه حقيقة لأن المعية لا تستلزم الاجتماع في المكان.
الوجه الثالث: أنه لو فرض اجتماع المعية والعلو في حق المخلوق لم يلزم أن يكون ذلك ممتنعاً في حق الخالق الذي جمع لنفسه بينهما لأن الله تعالى لا يماثله شيء من مخلوقاته كما قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] .
وإلى هذا الوجه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية ص (143) ج (3) من مجموع الفتاوى حيث قال: " وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته وهو علىّ في دنوه قريب في علوه " ا. هـ (1)
(تتمة) انقسم الناس في معية الله تعالى لخلقه ثلاثة أقسام:
القسم الأول يقولون: " إن معية الله تعالى لخلقه مقتضاها العلم والإحاطة في المعية العامة ومع النصر والتأييد في المعية الخاصة مع ثبوت علوه بذاته واستوائه على عرشه " وهؤلاء هم السلف ومذهبهم هو الحق كما سبق تقريره.
القسم الثاني يقولون: " إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع نفى علوه واستوائه على عرشه ".
وهؤلاء هم الحلولية من قدماء الجهمية وغيرهم ومذهبهم باطل منكر أجمع السلف على بطلانه وإنكاره كما سبق.
القسم الثالث يقولون: " إن معية الله لخلقه مقتضاها أن يكون معهم في الأرض مع ثبوت علوه فوق عرشه " ذكر هذا (2) شيخ الإسلام ابن تيمية ص (229) ج (5) من مجموع الفتاوى.--------------------------------------------
(1) … انظر شرح الواسطية لكل من
الشيخ عبد العزيز الرشيد ص217، وزيد بن فياض ص274 وصالح الفوزان ص 134.
(2) … أي هذه الأقوال وليس معنى ذلك أنه اختيار شيخ الإسلام لأن هذا القول غلطه شيخ الإسلام كما في (5/230) وانظر الأقوال في مجموعة الرسائل والمسائل (1/69)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
وقد زعم هؤلاء أنهم أخذوا بظاهر النصوص في المعية والعلو وكذبوا في ذلك فضلوا فإن نصوص المعية لا تقتضي ما ادعوه من الحلول لأنه باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله باطلاً.
(تنبيه) اعلم أن تفسير السلف لمعية الله تعالى لخلقه بأنه معهم بعلمه لا يقتضي الاقتصار على العلم بل المعية تقتضي أيضاً إحاطته بهم سمعاً وبصراً وقدرة وتدبيراً ونحو ذلك من معاني ربوبيته (1) .--------------------------------------------
(1) وقد سبق أن نقلنا أقوال المفسرين في ذلك.
ملاحظة: بقى قسم رابع لم يذكره المؤلف، وهو قول المعطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين ولا محايث، انظر الروضة الندية ص279.
وفي نوازل العلمي (3/293) :
وسئل سيدي أحمد بن جلال عن مسألة وهي: هل نقول المولى تبارك وتعالى لا داخل في العالم ولا خارج؟
قال السائل: هذا سمعته من بعض شيوخنا واعترضه بأن هذا رفع للنقيضين وقال بعض شيوخنا في هذه المسألة هو الكل أي الذي قام به كل شيء وزعم أنه للإمام الغزالي وأجاب بعضهم بأن هذا السؤال معضل ولا يجوز السؤال عنه وزعم ان ابن مقلاش هكذا أجاب عنه في شرحه للرسالة.
فأجاب: بأنا نقول ذلك ونجزم به ونعتقد أنه لا داخل العالم ولا خارج عن العالم والعجز عن الإدراك إدراك لقيام الدلائل الواضحة على ذلك عقلاً ونقلاً أما النقل فالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فلو كان داخل العالم أو خارجا عنه لكان مماثلاً بيان الملازمة واضح أما الأول فلأنه إن كان فيه صار من جنسه فيجب له ما وجب له
وأما الثاني فلأنه إن كان خارجاً لزم إما اتصاله وإما انفصاله وانفصاله إما بمسافة متناهية أو غير متناهية وذلك يؤدي إلى افتقاره إلى مخصص وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: " كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه " وأما الإجماع فأجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لا جهة له ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام والاعتراض بأنه رفع للنقيضين ساقط لأن التناقض إنما يعتبر حيث يتصف المحل بأحد النقيضين وتواردا عليه، وأما حيث لا يصح تواردهما على المحل ولا يمكن الاتصاف بأحدهما فلا تناقض كما يقال مثلاً الحائط لا أعمى ولا بصير فلا تناقض لصدق النفيين فيه لعدم قبوله لهما وكما يقال الباري لا فوق ولا تحت وقس على ذلك ا. هـ
وهذه هي عقيدة متأخري الأشعرية ولن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا به الخالق جل وعلا كما قال محمود بن سبكتكين ت في غزنة سنة 422هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
(تنبيه آخر) أشرت فيما سبق إلى أن علو الله تعالى ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
- أما الكتاب: فقد تنوعت دلالته على ذلك (1) .
- فتارة بلفظ العلو والفوقية والاستواء على العرش وكونه في السماء كقوله تعالى: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16] وتارة بلفظ صعود الأشياء وعروجها ورفعها إليه كقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] .
- وتارة بلفظ نزول الأشياء منه ونحو ذلك كقوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك} [النحل: 102] {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} [السجدة: 5] .
- وأما السنة: فقد دلت عليه بأنواعها القولية والفعلية والإقرارية في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر وعلى وجوه متنوعة كقوله صلى الله عليه وسلم في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " (2) . وقوله: " إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي" (3) وقوله: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (4) وثبت عنه أنه رفع يديه وهو على المنبر يوم الجمعة يقول: "اللهم أغثنا" (5) وأنه رفع يده إلى السماء وهو يخطب الناس يوم عرفة حين قالوا نشهد أنك قد بلغت--------------------------------------------
(1) انظر ذلك في الروضة الندية لزيد بن فياض ص137 وقد فصلها الإمام ابن القيم في النونية.
(2) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (5/63)
(3) رواه البخاري المطبوع مع الفتح (13/415) ومسلم المطبوع مع شرح النووي (17/67) .
(4) . رواه البخاري المطبوع مع الفتح (7/666) .
(5) رواه مسلم في صحيحه مع شرح النووي (7/192) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)