المثال الرابع عشر: (1)
قوله تعالى:} إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم { [الفتح: 10]
والجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين:
الجملة الأولى: قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك (2) إنما يبايعون الله}
في أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما في قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح:18] .
ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: {إنما يبايعون الله} [الفتح:10] أنهم يبايعون الله نفسه (3) ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته (4) لأول الآية والواقع (5) واستحالته في حق الله تعالى (6) .
وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعة له لأنه رسوله وقد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله لأنه رسوله المبلغ عنه كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله] [النساء: 80] .--------------------------------------------
(1) من الأمثلة التي ادعى المعطلة ان السلف قد أولها.
(2) يعني بيعة الرضوان بالحديبية.
(3) أي أن الله يريده لهم فيبايعونه مباشرة بدون واسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يمكن ان يفهم أحد هذا الفهم.
(4) أي هذا الذي ادعوا انه الظاهر.
(5) لان الواقع أن المبايعة وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(6) لأن هذا ينافي علو الله وهو وصف ذاتي لله وهو سبحانه لا يحل في شيء من مخلوقاته ولا يحل في الأرض فهذا عقيدة الحلولية وأما أهل السنة فيقولون ان الله بائن من خلقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
وفي إضافة مبايعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى من تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
الجملة الثانية: قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] وهذه أيضاً على ظاهرها وحقيقتها فإن يد الله تعالى فوق أيدي المبايعين لأن يده من صفاته وهو سبحانه فوقهم على عرشه فكانت يده فوق أيديهم (1)
وهذا ظاهر اللفظ وحقيقته وهو لتوكيد كون مبايعة النبي صلى الله عليه سلم مبايعة الله عز وجل ولا يلزم منها أن تكون يد الله جل وعلا مباشرة لأيديهم ألا ترى أنه يقال: السماء فوقنا مع أنها مباينة لنا بعيدة عنا فيد الله عز وجل فوق أيدي المبايعين لرسوله صلى الله عليه وسلم مع مباينته تعالى لخلقه وعلوه عليهم.
ولا يمكن لأحد أن يفهم أن المراد بقوله: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] يد النبي صلى الله عليه وسلم (2) ولا أن يدعى أن ذلك ظاهر اللفظ لأن الله تعالى أضاف اليد إلى نفسه ووصفها بأنها فوق أيديهم ويد النبي صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الصحابة لم تكن فوق أيديهم بل كان يبسطها إليهم فيمسك بأيديهم كالمصافح لهم فيده مع أيديهم لا فوق أيديهم.--------------------------------------------
(1) للمفسرين خمسة أقوال في الآية:
أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم.
والثاني:: يد الله في الثواب فوق أيديهم.
والثالث: يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ذكر هذه الأقوال الزجاج.
والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ذكره ابن جرير وابن كيسان لكن إذا كان هذا المعنى مع إثبات اليد فإنه يكون من باب مرأى منا في الآية التي سبقت.
الخامس: ما اختاره المؤلف وهو الذي عليه السلف.
انظر الأقوال في تفسير:
ابن الجوزي (7/427) ، الطبري (13/76) ، ابن كثير (5/342) والآلوسي (26/96) والشهاب (9/521) وابن عطية (13/441) والشربيني (4/42) ، صديق حسن خان (13/93) ، والثعالبي (3/199) ، والبغوي (4/190) ، والجمل (7/212) ، وأبي حيان (8/156) ومحي الدين شيخ زاده (4/357) ، والشوكاني (5/68) .
(2) … انظر تفسير البحر المحيط لأبي حيان (9/92) ، والنسفي (3/335) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
** المثال الخامس عشر (1)
قوله تعالى في الحديث القدسي: " يا بن آدم مرضت فلم تعدني " الحديث
وهذا الحديث رواه مسلم في باب فضل عيادة المريض من كتاب البر والصلة والآداب رقم (43) ص (1990) ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي رواه مسلم (2)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت ان عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ".
والجواب: أن السلف أخذوا بهذا الحديث لم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم وإنما فسروه بما فسره به المتكلم به (3) فقوله--------------------------------------------
(1) حيث زعموا ان ظاهر الحديث ان الله يجوع ويعطش ويمرض وان السلف أولوا الحديث
(2) انظر شرح الحديث في:
النووي (16/125) ، والقرطبي (6/551) ، وشرح الأبي والسنوسي (7/24) .
(3) أشبه اللفظ العام إذا قرن به استثناء أو غاية أو صفة كقوله تعالى {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} ونحو ذلك فان الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفاً كاملة.
انظر موقف المتكلمين للغضن (2/821) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
تعالى: " مرضت واستطعمتك واستسقيتك " بينه الله تعالى بنفسه حيث قال: " أما علمت أن عبدي فلاناً مرض وأنه استطعمك عبدي فلان واستسقاك عبدي فلان " وهو صريح في أن المراد به مرض عبد من عباد الله واستطعام عبد من عباد الله واستسقاء عبد من عباد الله (1) والذي فسره بذلك هو الله المتكلم به وهو اعلم بمراده فإذا فسرنا المرض
المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه والاستسقاء المضاف إليه بمرض العبد واستطعامه واستسقائه لم يكن في ذلك صرف للكلام عن ظاهره لأن ذلك تفسير المتكلم به فهو كما لو تكلم بهذا المعنى ابتداء وإنما أضاف الله ذلك إلى نفسه أولاً للترغيب والحث كقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله} [البقرة: 245]
وهذا الحديث من أكبر الحجج الدامغة لأهل التأويل الذين يحرفون نصوص الصفات عن ظاهرها بلا دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما يحرفونها بشبه باطلة هم فيها متناقضون مضطربون إذ لو كان المراد خلاف ظاهرها كما يقولون لبينه الله تعالى ورسوله ولو كان ظاهرها ممتنعاً على الله - كما زعموا - لبينه الله ورسوله كما في هذا الحديث. ولو كان ظاهرها اللائق بالله ممتنعاً على الله لكان في الكتاب والسنة من وصف الله تعالى بما يمتنع عليه ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا من أكبر المحال ،
ولنكتف بهذا القدر من الأمثلة لتكون نبراساً لغيرها (2) وإلا فالقاعدة--------------------------------------------
(1) قال شيخ الإسلام في التدمرية ص73:
وهذا صريح في (أن) الله سبحانه وتعالى لم يمرض ولم يجع ولكن مرض عبده وجاع عبده فجعل جوعه ومرضه مرضه مفسراً ذلك بأنك (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده) فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.
(2) … ونزيد مثالين على ما ذكر المؤلف كما ورد في كتاب موقف المتكلمين لسليمان الغصن (2/821) .
1 - … قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115]
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
عند أهل السنة والجماعة معروفة وهي إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في قواعد نصوص الصفات والحمد لله رب العالمين.
فقد ورد عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: " قبلة الله فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا إليها ".
وقد احتج النفاة بهذا على أن التأويل وارد عن السلف وذكروا ذلك في مناظرتهم لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ورد عليهم شيخ الإسلام بأن هذا قد صح عن مجاهد والشافعي وهو حق لكن الآية ليست من آيات الصفات حتى يجعل النافية تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع وبين أن من عدها في آيات الصفات فقد غلط، وإن كان فيها ذكر الوجه فالمقصود به في الآية القبلة فإن الوجه في لغة العرب هو الجهة يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي جهة؟ ويقال: قصدت هذا الوجه، وسافرت إلى هذا الوجه أي: إلى هذه الجهة كما قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} [سورة البقرة: 148] وسياق الكلام في الآية يدل على المراد فإنه قال: (ولله المشرق والمغرب) والمشرق والمغرب جهات ثم قال: (فأينما تولوا فثم وجه الله) و" أين " من الظروف، و " تولوا " أي: تستقبلوا.
فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله في المكان الذي يستقبله وأخبر ان الجهات له فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف كأنه قال: جهة الله وقبلة الله.
والغرض أنه إذا قيل: " فثم قبلة الله " لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات ولا هو مما يستدل به على المثبتة فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه.
2 - … قوله تعالى:} يوم يكشف عن ساق { [ن: 42]
فقد ورد عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: " هو الأمر الشديد المفضع من الهول يوم القيامة " وعن عكرمة نحو هذا التفسير وقد احتج بهذا نفاة الصفات من أهل التأويل وجعلوه من أدلتهم لتسويغ التأويل لآي الصفات. والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذه الآية ليست صريحة في إثبات الساق صفة لله عز وجل ولذلك فسرها من فسرها من السلف بالكشف عن أمر شديد كما يقال كشفت الحرب عن ساق، فليس هذا التفسير من باب تأويل الصفات ولذلك نجد السلف رحمهم الله يثبتون صفة الساق كما ورد في التصريح بها في حديث أبي سعيد في الصحيحين وفيه: " فيكشف عن ساقه " يعني الرب سبحانه وتعالى وهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
= يدل على أنهم لم يقصدوا تأويل الصفة وإنما فسروا الآية بما ظهر من معناها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال " يوم يكشف عن ساق " نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل، وإنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف "
وبهذا يتبين لنا أنه لا حجة لنفاة الصفات من أهل التأويل فيما زعموه من أن السلف تأولوا بعض نصوص الصفات.
وقد ظهر مما سبق أن تفسيرات السلف لهذه النصوص موافقة لظواهرها اللائقة بالله تعالى وأن تفسيراتهم هذه قد دلت عليها القرائن الصحيحة المتصلة بالنص أو المنفصلة عنه.
وقد عرفنا فيما مضى أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم " إذا كان مجملاً وظاهراً وقد فسر معناه وبينه كلام آخر متصل به أو منفصل عنه فتفسيره بهذا الكلام الآخر ليس فيه خروج عن كلام الله ورسوله ولا عيب في ذلك ولا نقص "
وليس هو من التأويل المذموم الذي هو مدار النزاع بين أهل السنة ومخالفيهم من أهل التأويل فإن أهل التأويل المذموم يجعلون ظواهر كثير من الألفاظ الشرعية دالة على ما ليست بمدلولة له من الكفر والإلحاد ثم يريدون صرفها عنه فوقعوا في محذورين:
أحدهما: ظنهم الباطل في ظواهر النصوص الشرعية.
والثاني: تحريفهم لمعاني النصوص الحقيقية.
والمقصود أن التأويل ليس كله باطلاً بل منه ما هو باطل ومنه ما هو حق وهو ما توافرت فيه شروط التأويل الصحيح سواء سمى تأويلاً أو تفسيراً أو غير ذلك ومن أمثلته:
قوله تعالى: {الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [النعام: 82] . = = = = = =
فالتأويل الصحيح للظلم هنا هو الشرك كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن لقمان: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان:13] وكما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قال الصحابة: " يعنى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأينا لم يظلم؟ فنزلت: {إن الشرك لظلم عظيم}
ومن هنا نعلم أن النصوص الشرعية يجوز تأويلها وذلك بتخصيص عمومها وتقييد مطلقها وبيان مجملها إذا توافرت في النص شروط التأويل الصحيح واعتمد على أدلة سليمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
الفصل الخامس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
الفصل الخامس
الخاتمة
إذا قال قائل: قد عرفنا بطلان مذهب أهل التأويل في باب الصفات ومن المعلوم أن الأشاعرة من أهل التأويل لأكثر الصفات فكيف يكون مذهبهم باطلاً (1) وقد قيل إنهم يمثلون اليوم خمسة وتسعين بالمئة من المسلمين؟
- وكيف يكون باطلاً وقدوتهم في ذلك أبو الحسن الأشعري؟ (2) .
- وكيف يكون باطلاً وفيهم فلان وفلان من العلماء المعروفين بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؟ (3) .
- قلنا الجواب عن السؤال الأول: أننا لا نسلم أن تكون نسبة الأشاعرة بهذا القدر بالنسبة لسائر فرق المسلمين فإن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات عن طريق الإحصاء الدقيق.
ثم لو سلمنا أنهم بهذا القدر أو أكثر فإنه لا يقتضي عصمتهم من الخطأ لأن العصمة في إجماع المسلمين لا في الأكثر.
ثم نقول: إن إجماع المسلمين قديماً ثابت على خلاف ما كان عليه أهل التأويل فإن السلف الصالح من صدر هذه الأمة وهم الصحابة الذين هم خير القرون والتابعون لهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم كانوا مجمعين على إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات وإجراء النصوص على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.--------------------------------------------
(1) هذا هو السؤال الأول.
(2) هذا هو السؤال الثاني.
(3) هذا هو السؤال الثالث. = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
وهم خير القرون بنص الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماعهم حجة ملزمة لأنه مقتضى الكتاب والسنة وقد سبق نقل الإجماع عنهم في القاعدة الرابعة من قواعد نصوص الصفات.
** والجواب عن السؤال الثاني: أن أبا الحسن الأشعري وغيره من أئمة المسلمين لا يدعون لأنفسهم العصمة من الخطأ بل لم ينالوا الإمامة في الدين إلا حين عرفوا قدر أنفسهم وأنزلوها منزلتها وكان في قلوبهم من تعظيم الكتاب والسنة ما استحقوا به أن يكونوا أئمة قال الله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] وقال عن إبراهيم: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 120، 121] .
ثم إن هؤلاء المتأخرين الذين ينتسبون إليه لم يقتدوا به الاقتداء الذي ينبغي أن يكونوا عليه وذلك أن أبا الحسن كان له مراحل ثلاث في العقيدة المرحلة الأولى - مرحلة الاعتزال: اعتنق مذهب المعتزلة أربعين عاماً يقرره ويناظر عليه ثم رجع عنه وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم. (1) .
المرحلة الثانية: مرحلة بين الاعتزال المحض والسنة المحضة سلك فيها طريق أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ص (471) من المجلد السادس عشر من مجموع الفتاوى لابن قاسم: " والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية أخذوا من هؤلاء كلاماً صحيحاً ومن هؤلاء أصولاً عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة " ا. هـ
المرحلة الثالثة: مرحلة اعتناق مذهب أهل السنة والحديث مقتدياً--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ص72 جـ4، انظر تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص34.
(2) مجموع الفتاوى ص556 جـ 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كما قرره في كتابه (الإبانة عن أصول الديانة) وهو من آخر كتبه أو آخرها (1) .
قال في مقدمته:
" جاءنا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد جمع فيه علم الأولين وأكمل به الفرائض والدين فهو صراط الله المستقيم وحبله المتين من تمسك به نجا ومن خالفه ضل وغوى وفي الجهل تردى وحث الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] إلى أن قال: " فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمرهم بالعمل بكتابه فنبذ كثير ممن غلبت شقوته واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم وعدلوا إلى أسلاف لهم قلدوهم بدينهم ودانوا بديانتهم وأبطلوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفضوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين " ثم ذكر رحمة الله أصولاً من أصول المبتدعة وأشار إلى بطلانها ثم قال:
" فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وما روى عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله--------------------------------------------
(1) وينكر بعض الأشعرية نسبة الكتاب جميعه إلى الإمام أبي الحسن
انظر نظرة علمية في نسبة الإبانة جميعه لأبي الحسن لوهبي غاوجي
وانظر ما كتبه الإمام الأشعري في رسالته المسماه برسالة الثغر بتحقيق كل من الدكتور محمد الجلينيد، وعبد الله الجنيدي، وتقسيم المؤلف أطوار أبي الحسن فيه خلاف بين الباحثين، فانظر الكلام عليه في موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور المحمود (1/361) . = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل ثم أثنى عليه بما أظهر الله على يده من الحق وذكر ثبوت الصفات ومسائل في القدر والشفاعة وبعض السمعيات وقرر ذلك بالأدلة النقلية والعقلية
والمتأخرون الذين ينتسبون إليه أخذوا بالمرحلة الثانية من مراحل عقيدته والتزموا طريق التأويل في عامة الصفات ولم يثبتوا إلا الصفات السبع المذكورة في هذا البيت: = = = = = =
حى عليم قدير والكلام له … إرادة وكذاك السمع والبصر
على خلاف بينهم وبين أهل السنة في كيفية إثباتها.
ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما قيل في شأن الأشعرية ص (359) من المجلد السادس من مجموع الفتاوى لابن قاسم قال:
" ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة " وقال قبل ذلك ص (310) : " وأما ألأشعرية فعكس هؤلاء وقولهم يستلزم التعطيل وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وكلامه معنى واحد ومعنى آية الكرسي وآية الدين والتوراة والإنجيل واحد وهذا معلوم الفساد بالضرورة " ا. هـ
وقال تلميذه ابن القيم في النونية ص (312) من شرح الهراس ط الإمام واعلم بأن طريقهم عكس ****الطريق المستقيم لمن له عينان
إلى أن قال:
فاعجب لعميان البصائر أبصروا … كون المقلد صاحب البرهان
ورأوه بالتقليد أولى من سواه … بغير ما بصر ولا برهان
وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا … معناهما عجباً لذي الحرمان
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان ص (319) جـ2 على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه التي في سورة الأعراف:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
" اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلاً في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث وقالوا يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعاً قال: ولا يخفي على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله تعالى والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قيل له: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] لم يبين حرفاً واحداً من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه وأحرى في العقائد لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق والنبي صلى الله عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة سبحانك هذا بهتان عظيم! ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث قال: " وهل ينكر عاقل أن السابق إلى الفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته لا والله لا ينكر ذلك إلا مكابر. = = = = = =
والجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه فكان هذا الجاهل مشابهاً أولاً ومعطلاً ثانياً فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء ولو كان قلبه عارفاً بالله كما ينبغي معظماً لله كما ينبغي طاهراً من أقذار التشبيه لكان المتبادر عنده
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
السابق إلى فهمه أو صف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فيكون قلبه مستعداً للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11] ا. هـ كلامه رحمه الله.
والأشعري أبو الحسن رحمه الله كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث وهو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف
ولا تمثيل ومذهب الإنسان ما قاله أخيراً إذا صرح بحصر قوله فيه (1)
كما هي الحال في أبي--------------------------------------------
(1) إذا وجد للإنسان قولان مختلفان وعلم المتأخر فله حالان:
أ - أن يصرح بقوله الأخير بالرجوع عن القول الأول فإن الأخير يكون مذهباً له وهذا مراد المؤلف من قوله إذا صرح بحصر قوله فيه، وظاهر كلام الأصوليين ان هذا لا خلاف فيه.
ب - ألا يصرح بالرجوع فجمهور العلماء على ان القول الأخير هو مذهبه وذهب بعض الحنابلة والشافعية إلى أن الأول هو مذهبه ما دام انه لم يصرح بالرجوع
انظر إتحاف ذوي البصائر د. النملة (8/162) .
وقال الطوفي في شرح البلبل (3/625) :
إذا أطلق المجتهد قولين في وقتين فإن علم آخر القولين فهو مذهبه دون الأول فلا يجوز بعد رجوعه عنه أن يفتى به ولا يقلد فيه ولا يعد من الشريعة كالناسخ والمنسوخ في كلام الشارع ويبقى العمل على الناسخ المتأخر ويترك المنسوخ المتقدم من جهة العمل به، لأن نصوص الأئمة بالإضافة إلى مقلديهم كنصوص الشارع بالإضافة إلى الأئمة.
فإن قيل: إذا كان القول القديم المرجوع عنه لا يعد من الشريعة بعد الرجوع إليه فما الفائدة في تدوين الفقهاء للأقوال القديمة عن أئمتهم؟ حتى ربما نقل عن أحدهم في المسألة الواحدة القولان والثلاثة والأربعة.
قيل: قد كان القياس أن لا تدون تلك الأقوال وهو أقرب إلى ضبط الشرع إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه فتدوينه تعب محض لكنها دونت لفائدة أخرى وهي التنبيه على مدارك الأحكام واختلاف القرائح والآراء وأن تلك الأقوال قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات وذلك مؤثر في تقريب الترقي إلى رتبة الاجتهاد المطلق أو المقيد فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ المتقدمين نظر فيها وقابل بينها فاستخرج منها فوائد وربما ظهر له من مجموعها ترجيح بعضها وذلك من المطالب المهمة فهذه فائدة تدوين الأقوال القديمة عن الأئمة ا. هـ = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
الحسن كما يعلم من كلامه في الإبانة وعلى هذا فتمام تقليده إتباع ما كان عليه أخيراً وهو التزام مذهب أهل الحديث والسنة لأنه المذهب الصحيح الواجب الإتباع الذي التزم به أبو الحسن نفسه.
** والجواب عن السؤال الثالث من وجهين:
الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال وإنما يوزن الرجال بالحق هذا هو الميزان الصحيح وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم كما نقبل خبر العدل ونتوقف في خبر الفاسق لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال فالإنسان بشر يفوته من كمال العلم وقوة الفهم ما يفوته فقد يكون الرجل ديناً وذا خلق ولكن يكون ناقص العلم أو ضعيف الفهم فيفوته من الصواب بقدر ما حصل له من النقص والضعف أو يكون قد نشأ على طريق معين أو مذهب معين لا يكاد يعرف غيره فيظن أن الصواب منحصر فيه ونحو ذلك.
الثاني: أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف وجدنا في هذه الطريق من هم أجل وأعظم وأهدى وأقوم من الذين على طريق الأشاعرة فالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة.
وإذا ارتقيت إلى من فوقهم من التابعين لم تجدهم على طريق الأشاعرة.
وإذا علوت إلى عصر الصحابة والخلفاء الأربعة الراشدين لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف.
ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق (1)--------------------------------------------
(1) كالنووي وانظر كتاب الردود والتعقبات على ما وقع للإمام النووي في شرح صحيح مسلم من التأويل في الصفات تأليف مشهور آل سلمان. = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
في الإسلام والذب عنه والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه ولا قبول قولهم في كل ما قالوه ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق.
ولا ننكر أيضاً أن لبعضهم قصداً حسناً فيما ذهب إليه وخفى عليه الحق فيه ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله بل لابد أن يكون موافقاً لشريعة الله عز وجل فإن كان مخالفاً لها وجب رده على قائله كائناً من كان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1)
ثم إن كان قائله معروفاً بالنصيحة والصدق في طلب الحق اعتذر عنه في هذه المخالفة وإلا عومل بما يستحقه بسوء قصده ومخالفته.
حكم أهل التأويل
فإن قال قائل: هل تكفرون أهل التأويل أو تفسقونهم؟ (2)
قلنا: الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا بل هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة فيجب التثبت فيه غاية التثبت فلا يكفر ولا يفسق إلا من دل الكتاب والسنة على كفره أو فسقه.
والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في المطبوع مع شرح النووي (12/16) ، ورواه البخاري بلفظ من أحدث كما في نسخة الفتح (5/355) .
(2) تراجع في هذه المسألة بعض الكتب المهمة المؤلفة فيها مثل منهج ابن تيمية في مسألة التكفير للمشعبي. = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
الثاني: الوقوع فيما نبز به أخاه إن كان سالماً منه ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما " وفي رواية: " إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " (1) وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه " (2)
وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط: أن يكون عالماً بمخالفته (3) التي أوجبت أن يكون كافراً أو فاسقاً لقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} [النساء: 115] وقوله: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [التوبة: 115، 116] ولهذا قال أهل العلم: " لا يكفر جاحد الفرائض إذا كان حديث عهد بإسلام (4) حتى يبين له ".--------------------------------------------
(1) رواه مسلم في المطبوع مع شرح النووي (2/49) وفي لفظ للبخاري المطبوع مع الفتح (10/531) : إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما: ا. هـ.
(2) رواه مسلم في المطبوع مع شرح النووي (2/49) .
(3) وأن يقصد المعين بكلامه المعنى المكفر، وان تقوم عليه الحجة
انظر منهج ابن تيمية ومسألة التكفير (1/207) .
(4) أما إذا لم يكن حديث عهد بالإسلام فإنه يكفر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
ومن الموانع: أن يقع ما يوجب الكفر أو الفسق بغير إرادة منه ولذلك صور (1) :
منها: أن يكره على ذلك فيفعله لداعي الإكراه لا اطمئناناً به فلا يكفر
حينئذ لقوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] .
ومنها: أن يغلق عليه فكره فلا يدري ما يقول لشدة فرح أو حزن أو خوف أو نحو ذلك.
ودليله ما ثبت في صحيح مسلم (2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ص (180) جـ (12) مجموع الفتاوى لابن قاسم: " وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر بل يغفر له خطؤه ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب ثم قد يكون فاسقاً وقد يكون له حسنات ترجح على سيئاته " ا. هـ
وقال في ص (229) جـ (3) من المجموع المذكور في كلام له: "هذا--------------------------------------------
(1) ومن الموانع:
الخطأ، الجهل، العجز، الإكراه كما قال المؤلف.
انظر منهج ابن تيمية في التكفير (1/229) . = = = = = =
(2) رواه مسلم المطبوع مع شرح النووي (17/63) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
مع أني دائماً ومن جالسني يعلم ذلك منى (1) أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه
الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى وعاصياً أخرى وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية (2) والمسائل العملية (3) وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية " وذكر أمثلة ثم قال: " وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين " إلى أن قال: " والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين (4) في الرجل الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فو الله لئن قدر الله على ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله ما حملك على ما فعلت قال خشيتك فغفر له "فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا" ا. هـ
وبهذا علم الفرق بين القول والقائل وبين الفعل والفاعل فليس كل--------------------------------------------
(1) وهي العقائد. = = = = = =
(2) هذه جملة معترضة.
(3) وهي الفروع أي الفقه.
(4) رواه البخاري مع الفتح (13/479) ، ومسلم مع النووي (17/70) وانظر شرح الحديث فيهما واختلاف العلماء في معناه. = = = = = =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
قول أو فعل يكون فسقاً أو كفراً يحكم على قائله أو فاعله بذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ص (165) جـ (35) من مجموع الفتاوى: " وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها " إلى أن قال: " فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان " ا. هـ كلامه.
وبهذا علم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفراً أو فسقاً ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافراً أو فاسقاً إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق أو وجود مانع شرعي يمنع منه ومن تبين له الحق فأصر على مخالفته تبعاً لاعتقاد كان يعتقده أو متبوع كان يعظمه أو دنيا كان يؤثرها فإنه يستحق ما تقتضيه تلك المخالفة من كفر أو فسوق.
فعلى المؤمن أن يبني معتقده وعمله على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيجعلهما إماماً له يستضيء بنورهما ويسير على منهاجهما فإن ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى به في قوله {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 135] .
وليحذر ما يسلكه بعض الناس من كونه يبني معتقده أو عمله على مذهب معين فإذا رأى نصوص الكتاب والسنة على خلافه حاول صرف هذه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
النصوص إلى ما يوافق ذلك المذهب على وجوه متعسفة فيجعل الكتاب والسنة تابعين لا متبوعين وما سواهما إماماً لا تابعاً وهذه طريق من طرق أصحاب الهوى لا أتباع الهدى وقد ذم الله هذه الطريق في قوله: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون} [المؤمنون: 71] .
والناظر في مسالك الناس في هذا الباب يرى العجب العجاب ويعرف شدة افتقاره إلى اللجوء إلى ربه في سؤال الهداية والثبات على الحق والاستعاذة من الضلال والانحراف.
ومن سأل الله تعالى بصدق وافتقار إليه عالماً بغنى ربه عنه وافتقاره هو إلى ربه فهو حرى أن يستجيب الله تعالى له سؤله يقول الله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: 186] .
فنسأل الله أن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه ورأى الباطل باطلاً واجتنبه وأن يجعلنا هداة مهتدين وصلحاء مصلحين وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ويهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبي الرحمة وهادي الأمة إلى صراط العزيز الحميد بإذن ربهم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تم في اليوم الخامس عشر من شهر شوال سنة 1401هـ
بقلم مؤلفه الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)