وأديت ونصحت فقال: " اللهم اشهد " (1) وأنه قال للجارية: "أين الله" قالت في السماء فأقرها وقال لسيدها: "اعتقها فإنها مؤمنة" (2)
- وأما العقل: فقد دل على وجوب صفة الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص والعلو صفة كمال والسفل نقص فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
- وأما الفطرة: فقد دلت على علو الله تعالى دلالة ضرورية فطرية فما من داع أو خائف فزع إلى ربه تعالى إلا وجد في قلبه ضرورة الاتجاه نحو العلو لا يلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة.
واسأل المصلين يقول الواحد منهم في سجوده: " سبحان ربي الأعلى " أين تتجه قلوبهم حينذاك.
- وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله تعالى فوق سمواته مستو على عرشه وكلامهم مشهور في ذلك نصاً وظاهراً قال الأوزاعي: " كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما جاءت به السنة من الصفات (3) وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم ومحال أن يقع في مثل ذلك خلاف وقد تطابقت عليه هذه الأدلة العظيمة التي لا يخالفها إلا مكابر طمس على قلبه واجتالته الشياطين عن فطرته نسأل الله تعالى السلامة والعافية.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري مع الفتح (2/585) ، ومسلم مع شرح النووي (8/184) .
(2) . رواه مسلم مع شرح النووي (5/24) .
(3) رواه البيهقي في الأسماء والصفات (2/150) .
- والذهبي في السير (7/120-121) وذكره الذهبي في " العلو " ص102) من رواية الحاكم، وانظر المختصر ص137-138 ورواه في " تذكرة الحفاظ " (1/181-182) وحكم عليه بالصحة وذكره في كتابه " الأربعين " ص81.
- وصححه شيخ الإسلام أيضاً في الحموية ص (299) وانظر: درء تعارض العقل والنقل (6/262) وكذا ابن القيم في اجتماع الجيوش ص31.
- وذكره الحافظ في الفتح (13/406) وجود إسناده ا. هـ من حاشية الحموية للتويجري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
فعلو الله تعالى بذاته وصفاته من أبين الأشياء وأظهرها دليلاً وأحق الأشياء وأثبتها واقعاً.
(تنبيه ثالث) اعلم أيها القارئ العزيز أنه صدر منى كتابة لبعض الطلبة تتضمن ما قلته في بعض المجالس في معية الله تعالى لخلقه ذكرت فيها: أن عقيدتنا أن لله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شيء علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم بل هو العلي بذاته وصفاته وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله وأن ذلك لا ينافي معيته لأنه تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11] .
وأردت بقولي (ذاتية) توكيد حقيقة معيته تبارك وتعالى. وما أردت أنه مع خلقه سبحانه في الأرض (1) كيف وقد قلت في نفس هذه الكتابة كما ترى إنه سبحانه منزه أن يكون مختلطاً بالخلق أو حالاً في أمكنتهم وأنه العلي بذاته وصفاته وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وقلت فيها أيضاً ما نصه بالحرف الواحد:
" ونرى أن من زعم أن الله بذاته في كل مكان فهو كافر أو ضال إن اعتقده وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة وأئمتها " ا. هـ
ولا يمكن لعاقل عرف الله وقدره حق قدره أن يقول إن الله مع خلقه في الأرض.--------------------------------------------
(1) وفي هذا رد صريح على ما قاله الشيخ على بن عبد الله الحواس في كتابه النقول الصحيحة الواضحة الجلية عن السلف الصالح في معنى المعية الألهية الحقيقية وهو رد على من قال ان معية الله لخلقه معية ذاتية المطبوع سنة 1404هـ وكان رداً على المؤلف وقد قال في ص6 ان هذا القول وصمة كبيرة وزلة خطيرة وفي ص7 ان هذا قول أهل البدع وكذا قال في ص15 ولا أدري كيف اشتط به القلم مع ان كلام المؤلف صريح في إنكار ذلك وهو ما قرره أيضاً في خاتمة كتاب التويجري (إثبات علو الله على خلقه) ص157
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
وما زلت ولا أزال أنكر هذا القول في كل مجلس من مجالسي جرى فيه ذكره. وأسأل الله تعالى أن يثبتني وإخواني المسلمين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة هذا وقد كتبت بعد ذلك مقالاً نشر في مجلة (الدعوة) التي تصدر في الرياض نشر يوم الاثنين الرابع من شهر محرم سنة 1404هـ أربع وأربعمائة وألف برقم (911) قررت فيه ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من أن: معية الله تعالى لخلقه حق على حقيقتها وأن ذلك لا يقتضي الحلول والاختلاط بالخلق فضلاً عن أن يستلزمه ورأيت من الواجب استبعاد كلمة (ذاتية) (1) وبينت أوجه الجمع بين علو الله تعالى وحقيقة المعية.
واعلم أن كل كلمة تستلزم كون الله تعالى في الأرض أو اختلاطه بمخلوقاته أو نفي علوه أو نفي استوائه على عرشه أو غير ذلك مما لا يليق به تعالى فإنها كلمة باطلة يجب إنكارها على قائلها كائناً من كان وبأي لفظ كانت.
وكل كلام يوهم - ولو عند بعض الناس - ما لا يليق بالله تعالى فإن الواجب تجنبه لئلا يظن بالله تعالى ظن السوء لكن ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فالواجب إثباته وبيان بطلان وهم من توهم فيه ما لا يليق بالله عز وجل.
*****--------------------------------------------
(1) … انظر سبب ذلك في المقال المنشور آخر هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
- المثال السابع والثامن (1)
قوله تعالى:} ونحن أقرب إليه من حبل الوريد { [ق: 16] وقوله:} ونحن أقرب إليه منكم { [الواقعة: 85]
حيث فسر القرب فيهما بقرب الملائكة (2) .--------------------------------------------
(1) من الأمثلة التي استشكلها المؤولة واتهموا أهل السنة بالتأويل فزعموا أن أهل السنة الذين أثبتوا صفات الله على ظاهرها يتناقضون فيؤولون أحياناً بعض النصوص
(2) اختلف المفسرون في هذه الآية:
أ - ان المراد بذلك الملائكة وهذا اختيار الطبري (13/209) وابن كثير (6/91)
وانظر فتاوى محمد بن إبراهيم أل الشيخ مفتي المملكة رحمه الله (1/211)
ب - أن المراد به العلم أو القدرة.
وهذا اختيار ابن عطية (13/539) وصديق حسن خان (13/387) والبيضاوي مع الشهاب (8/574) والآلوسي (13/387) ، وابن عاشور (26/300) ، والشربيني (4/83) والثعالبي (3/222) والقرطبي (17/9) وأبي حيان في البحر (8/123) والنسفي (3/364) والماوردي (5/347) ، والجمل (7/262) .
ج_ … وممن ذكر القولين في المسألة:
ابن الجوزي في زاد المسير (9/155) ، محي الدين شيخ زادة على البيضاوي (4/466) ، والخازن (4/223) ، والبغوي (4/291) ، والثعالبي (3/289) ، والشوكاني (5/230) .
ملاحظة: لم يفسر أحد القرب في هذه الآية بالقرب الذاتي لان ذلك مستحيل في حق الله كما سيذكر المؤلف وأما ما ذكره الشيخ عبد اللطيف كما في الدرر السنية في الأجوبة النجدية (3/306) ان هذا القرب لا ينافي علو الله فلم يقصد القرب الذاتي قطعاً بدليل قوله إن القائل ان الله بذاته في كل مكان هو جهمي ا. هـ
وقال شيخ الإسلام في الفتاوى (5/501) :
" أنفسنا منا وهو بذلك أقرب إلينا من حبل الوريد، وكيف لا يكون كذلك وهو أعلم بما توسوس به أنفسنا منا فكيف بحبل الوريد؟ ! وكذلك قال أبو عمرو الطلمنكي قال: ومن سأل عن قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم به والقدرة عليه والدليل من ذلك صدر الآية فقال الله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) لأن الله لما كان عالماً بوسوسته، كان =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
والجواب: أن تفسير القرب فيهما بقرب الملائكة ليس صرفاً للكلام عن ظاهره لمن تدبره.
أما الآية الأولى: فإن القرب مقيد فيها بما يدل على ذلك (1) حيث قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 16-18] ففي قوله {إذ يتلقى} [ق: 17] دليل على أن المراد به قرب الملكين المتلقين (2) .
وأما الآية الثانية: فإن القرب فيها مقيد بحال الاحتضار والذي يحضر الميت عند موته هم الملائكة لقوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدكم الموت
توفته
= اقرب إليه من حبل الوريد، وحبل الوريد لا يعلم ما توسوس به النفس
ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطاً لدم الإنسان ولحمه، وأن لا يجرد الإنسان تسمية المخلوق حتى يقول: خالق ومخلوق، لأن معبوده بزعمه داخل حبل الوريد من الإنسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له.
قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه وتعالى الله عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علواً كبيراً.
قال: وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه الموت وقد قال تعالى: {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} وقال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} .
قلت: وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبي وأبى الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وأما في قوله {ونحن أقرب إليه منكم} فذكر أبو الفرج القولين: إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس وأنه القرب بالعلم وهؤلاء كلهم مقصودهم انه ليس المراد ان ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد العبد ومن الميت ولما ظنوا ان المراد قربه وحده دون قرب الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فإن المراد بقوله {ونحن أقرب إليه منكم} أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية فإنه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر انه ينبئهم يوم القيامة بما عملوا وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى على العرش فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع تفريق القرآن بينهما. ا. هـ--------------------------------------------
(1) أي قرب الملائكة.
(2) لأنه قيد القرب بالظرف أي نحن أقرب إليه وقت تلقي الملكين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
رسلنا (1) وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61] ثم إن في قوله: {ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85] دليلاً بيناً على أنهم الملائكة إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره وهذا يعين أن يكون المراد قرب الملائكة لاستحالة ذلك في حق الله تعالى (2) .
بقى أن يقال فلماذا أضاف الله القرب إليه وهل جاء نحو هذا التعبير مراداً به الملائكة؟ (3) .
فالجواب: أضاف الله تعالى قرب الملائكة إليه لأن قربهم بأمره وهم جنوده ورسله (4) .
وقد جاء نحو هذا التعبير مراداً به الملائكة كقوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} (5) [القيامة: 18] فإن المراد به قراءة جبريل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الله تعالى أضاف القراءة إليه لكن لما كان جبريل يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى
صحت إضافة القراءة إليه تعالى، وكذلك جاء في قوله تعالى: {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} [هود: 74] وإبراهيم إنما كان يجادل الملائكة الذين هم رسل الله تعالى (6) .--------------------------------------------
(1) أي الملائكة فهم الذين يحضرون الوفاة.
(2) أي يستحيل أن يكون الله بذاته عند الميت
(3) . هنا سؤالان يردان على من فسر القرب في الآية بقرب الملائكة:
لماذا أضاف الله القرب إليه؟
هل ورد مثل هذا التعبير في القرآن؟
(4) وهو جار في اللغة العربية فإن الملك يأمر جنوده بالغزو فإذا تم الانتصار يقول: انتصرنا وهزمنا العدو وهو لم يخرج من قصره، وكذلك يقول: نحن عمرنا المساجد والملك لم يباشر.
(5) … اختلف المفسرون في المراد من هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أ - فإذا بيناه فاعمل بما فيه.
ب - إذا أنزلناه فاستمع قرآنه.
أن المراد قراءة الملك والرسول عنا وعليه أكثر المفسرين.
(6) … انظر تفسير السعدي (2/379) ، واختلفوا في الذي جادل به الملائكة على ثلاثة أقوال ذكرها الماوردي في تفسيره (2/486) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
** المثال التاسع والعاشر:
قوله تعالى عن سفينة نوح:} تجري بأعيننا { [القمر: 14] وقوله لموسى:} ولتصنع على عيني { [طه: 39]
والجواب: أن المعنى في هاتين الآيتين على ظاهر الكلام وحقيقته لكن ما ظاهر الكلام وحقيقته هنا؟ (1) .
هل يقال: إن ظاهره وحقيقته أن السفينة تجري في عين الله أو أن موسى عليه الصلاة والسلام يربى فوق عين الله تعالى (2) .
أو يقال: إن ظاهره أن السفينة تجرى وعين الله ترعاها وتكلؤها وكذلك تربية موسى تكون على عين الله تعالى يرعاه ويكلؤه بها (3) .
ولا ريب أن القول الأول باطل من وجهين:
الأول: أنه لا يقتضيه الكلام بمقتضى الخطاب العربي (4) والقرآن إنما نزل بلغة العرب.--------------------------------------------
(1) لقد سبق أن العبرة في فهم ظاهر النص هو السياق والقرائن فلابد أن يتتبع سبب النزول ثم القرائن والسياق.
(2) هذا المعنى لا يتبادر أبداً لأي قارئ لكتاب الله
(3) ذكر الماوردي في تفسيره (5/412) ان للمفسرين أربعة أقوال في {تجري بأعيننا} وهي:
ا- … بمرأى منا.
2 - بأمرنا، قاله الضحاك.
3 - بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها.
4 - بأعين الماء التي أتبعناها في قوله: {وفجرنا الأرض عيوناً} ، وقيل إنها تجري بين ماء الأرض والسماء، وقد كان غطاؤها عن أمر الله سبحانه.
وذكر هذه الأقوال أبو حيان في البحر المحيط (8/176) والخازن (4/219) ، والسيوطي (17/133) ، وصديق حسن خان (13/293) .
(4) إلا ان كان حملهم على ذلك نوع من العجمة وبها عابوا الكلام الفصيح لعجمتهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
قال الله تعالى: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [يوسف:2] وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193-195] ولا أحد يفهم من قول القائل: فلان يسير بعيني أن المعنى أنه يسير داخل عينه ولا من قول القائل: فلان تخرج على عيني أن تخرجه كان وهو راكب على عينه (1) ولو ادعى مدع أن هذا ظاهر اللفظ في هذا الخطاب لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء (2) .
الثاني: أن هذا ممتنع غاية الامتناع ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره أن يفهمه في حق الله تعالى لأن الله تعالى مستو على عرشه بائن (3)--------------------------------------------
(1) وإنما أراد أنني كنت أحفظه وأرعاه إلى أن تخرج.
(2) وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية وهذا هو بطلان كلامهم من الناحية اللفظية.
أما بطلانه من الناحية المعنوية: فإن من المعلوم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} وقال: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} .
ولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره وعلم أنه مستو على عرشه بائن من خلقه ليس حالاً في شيء من مخلوقاته ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.
وعلى هذا فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى يكلؤها بعينه ا. هـ من تقريب التدمرية للمؤلف.
(3) لفظة (بائن) وان لم ترد في الكتاب والسنة ولم تكن معروفة في عهد الصحابة إلا أنه … لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان اقتضى ضرورة البيان أن يتلفظ الأئمة الأعلام بلفظ (بائن) دون أن ينكره أحد منهم.
وممن نص على ذلك عبد الله بن أبي جعفر الرازي، وعالم الرى هشام وإسحاق بن راهويه عالم خراسان وذكره عن ابن المبارك وغير هؤلاء ممن ذكرهم الذهبي في مختصر العلو ونقله الألباني في مقدمته ص18 وانظر أيضاً التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل للمعلمي (2/286) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
من خلقه لا يحل فيه شيء من مخلوقاته ولا هو حال في شيء من مخلوقاته سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
فإذا تبين بطلان هذا من الناحية اللفظية والمعنوية تعين أن يكون ظاهر الكلام هو القول الثاني أن السفينة تجري وعين الله ترعاها وتكلؤها وكذلك تربية موسى تكون على عين الله يرعاه ويكلؤه بها وهذا معنى قول بعض السلف: " بمرأى مني " (1) فإن الله تعالى إذا كان يكلؤه بعينه لزم من ذلك أن يراه ولازم المعنى الصحيح جزء منه كما هو معلوم من دلالة اللفظ حيث تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام (2)
. ---------------------------------------------
(1) وقد نص على ذلك الطبري (13/94) ، والبغوي (4/260) ، والثعالبي (3/265) ، وابن كثير (6/41) ونسب هذا المعنى إلى الجمهور الإمام ابن عطية في تفسيره (14/151) وجرى على هذا القول أيضاً: ابن الجوزي (9/93) ، الرازي (29/36) ، والنسفي (3/404 (، والسمين (6/227) ، والبيضاوي مع محي الدين شيخ زادة (4/421) ، والشهاب (9/31) ، والجمل (7/345) ، والشوكاني (5/175) ، والشربيني (4/146) والآلوسي (27/83) .
(2) وإثبات العين من كون أن الله يحفظه بعينه من دلالة التلازم وقد سبق معناه.
ملاحظة:
أ - يثبت المعطلة لازم المعنى وينفون الصفة
مثاله: ينفي الأشعرية صفة الرحمة ويثبتون لازمها وهو الإنعام وينفون صفة المحبة والغضب ويثبتون لازمها وهو الإحسان، والانتقام فإثبات المعطل لازم الصفة لا يكفي بل لابد أن يثبت الصفة.
فإذا كان من يقول (بمرأى مني) ينفي صفة العين كما نقلنا عن الذي جرى على هذا القول مع ان واقعهم لا يثبتون صفة العين من تفسيراتهم الأخرى فإن هذا من قبيل من ينفى الرحمة ويثبت الإحسان.
ب - نستفيد من ذلك أن الذي يفسر آية باللازم لا يعني أنه معطل للصفة فلا يقال لمن فسر الرحمة بالإحسان أنه معطل حتى نعلم هل هو يثبت صفة الرحمة أم لا وهكذا في بقية الصفات
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
المثال الحادي عشر:
قوله تعالى (1) في الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعادني لأعيذنه "
والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق.
وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟
هل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سمع الولى وبصره ويده ورجله؟ (2)
أو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولى في سمعه وبصره ويده.--------------------------------------------
(1) لم يقل المؤلف قوله صلى الله عليه وسلم وإنما قال: قوله تعالى ثم ساق الحديث القدسي وهذا يدل على أن الحديث القدسي كلام الله لفظاً ومعنى كالقرآن ولهذا يقال فيه: قال الله تعالى فلو كان اللفظ من عند الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقال: قال الله بل يقال قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول هو الذي ذهب إليه كثير من العلماء وذكروا الفروق بينه وبين القرآن وممن فصل في هذه المسألة واستفاض فيها القاسمي في قواعد التحديث ص64، وأبو شهبة في الوسيط ص216.
والقول الثاني في تعريف الحديث القدسي هو أن اللفظ من عند النبي ومعناه من عند الله وهذا التعريف جرى عليه بعض العلماء ومنهم المؤلف حفظه الله في كتابه مصطلح الحديث ص8.
لكن القول الأول هو الأولى لأنه الظاهر وإنما مشى كثيرون على التعريف الثاني لأنهم لا يثبتون الكلام لله إلا معنى وليس منهم المؤلف قطعاً.
(2) لم يقل أحد أن الله يكون رجلاً للعبد ويداً للعبد وسمعاً للعبد 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
ورجله بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟ (1)
ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين:
الأول: أن الله تعالى قال: " وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه وقال: " ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه " فأثبت عبداً ومعبوداً (2) ومتقرباً إليه (3) ومحباً ومحبوباً وسائلا ومسؤولاً ومعطياً ومعطى ومستعيذاً ومستعاذاً به ومعيذاً ومعاذاً فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفاً في الآخر أو جزءاً من أجزائه.
الوجه الثاني: أن سمع الولى وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في مخلوق (4) حادث بعد أن لم يكن ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعاً وبصراً ويداً ورجلاً لمخلوق بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير فكيف يسوغ أن يقال إنه ظاهر الحديث القدسي وأنه قد صرف عن هذا الظاهر؟ سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه تعين القول الثاني وهو أن الله تعالى يسدد هذا الولى في سمعه وبصره وعمله بحيث يكون إدراكه--------------------------------------------
(1) سيأتي شرح المراد من قوله {لله وبالله وفي الله} بعد ذلك.
(2) أي قال عبدي: ففيه عبد ومعبود.
(3) لأنه قال: يتقرب أي أن هناك من يتقرب ومن يتقرب إليه وهكذا.
(4) كلام المؤلف يحتمل أمرين:
أ - أن الأوصاف خاصة بالسمع والبصر، والأجزاء خاصة باليد والرجل وأن فيها نشراً ولفاً مرتباً.
ب - تحمل أن اليد والرجل أجزاء أما السمع والبصر فيمكن أن تكون أوصافاً ويمكن أن تكون أجزاء باعتبار الأذن والعين والمعنى الأول أقرب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصاً (1) وبالله تعالى استعانة (2) وفي الله تعالى شرعاً وإتباعا (3) فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة وهذا غاية التوفيق وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة.
******
***
*
**--------------------------------------------
(1) هذا هو المراد من قوله فيما سبق (يكون لله) أي إخلاصاً.
(2) أي المراد من قوله (بالله) أي يستعين بالله.
(3) أي أن المراد من قوله (وفي الله) أي متابعة الشرع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
المثال الثاني عشر:
قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى (1) أنه قال: " من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشى أتيته هرولة "
وهذا الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (2) من حديث أبي ذر رضي الله عنه وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضاً وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر (3) .
وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية (4) بالله تعالى وأنه سبحانه فعال لما يريد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} (5)
[البقرة: 186] وقوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} (6) [الفجر: 22] وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي--------------------------------------------
(1) سبق ان عبر المؤلف عن الحديث القدسي بقوله (قال الله تعالى في الحديث القدسي) وهنا عبر بتعبير آخر وكل ذلك صيغ وطرق لرواية الحديث القدسي وإنما أراد المؤلف من هذا التنويع تعليم الطالب.
وانظر وسيط أبي شهبة ص221.
(2) … انظر شروح مسلم:
للنووي (17/12) والسيوطي (6/50) والأبي والسنوسي (7/120) .
(3) … انظر فتح الباري (13/395) ، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (1/259) .
(4) سبق معنى ذلك.
(5) الشاهد من الحديث إثبات صفة الإجابة لله وهي صفة فعلية. وكذلك فيها إثبات صفة القرب
انظر الصفات في الكتاب والسنة للسقاف ص40.
(6) الشاهد إثبات صفة المجيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
ربك أو يأتي بعض آيات ربك} (الأنعام: 158] (1) وقوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر " (3) وقوله صلى الله عليه وسلم: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه " (4) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى.
فقوله في هذا الحديث: " تقربت منه وأتيته هرولة " (5)
من هذا الباب.--------------------------------------------
(1) الشاهد إثبات الإتيان.
(2) الشاهد إثبات الاستواء.
(3) الشاهد إثبات النزول وقد سبق الحديث.
(4) الشاهد إثبات صفة الأخذ.
والحديث رواه البخاري برقم 1410وانظر الفتح (3/326) ومسلم بشرح النووي (7/98) .
(5) فنصف الله بالقرب والهرولة ولا يلزم من ذلك قطع المسافة أو شيء من لوازم المخلوق.
وقد ورد في الفتوى (رقم 6932) من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (3/142) ما يلي:
س: هل لله صفة الهرولة؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه … وبعد
ج: نعم صفة الهرولة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به قال تعالى: " إذا تقرب إلي العبد شبراً تقربت إليه ذراعاً وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا أتاني ماشياً أتيته هرولة " رواه: البخاري ومسلم.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ".
وقد وقع على هذه الفتوى كل من المشايخ: عبد العزيز بن باز، عبد الرازق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود.
وفي " الجواب المختار لهداية المحتار " (ص24) للشيخ محمد العثيمين قوله: " صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي … .. (فذكر الحديث وفيه:) وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل لأنه أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأن التكييف قول على الله بغير علم وهو حرام وبدون تمثيل لأن الله يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
والسلف أهل السنة والجماعة يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله عز وجل من غير تكييف ولا تمثيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول ص (466) جـ (5) من مجموع الفتاوى: " وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر " ا. هـ
فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟ .
وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد على الوجه الذي به يليق؟
وذهب بعض الناس (1) إلى أن قوله تعالى في هذا الحديث القدسي: "
= ما ذكره المؤلف حفظه الله من ان المعنى الثاني للحديث هو كناية عن المجازاة بأفضل وأعظم مما يفعل العبد فهذا ما ذكره أكثر شراح الحديث مثل:
القرطبي في المفهم (7/15) ، والعيني على البخاري (25/101) والسيوطي في التوشيح (9/4279) ، والقسطلاني على البخاري (15/429) ، والحافظ في الفتح (13/522) وذكر الشيخ ابن عثيمين ان شيخ الإسلام يميل إلى هذا الرأي، وقد اعترض بعض الناس على المؤلف هذا القول واعتبر ان القول الأول هو قول السلف مع أن المؤلف اعتبر ان القولين للسلف بقوله حفظه الله في شرحه للبخاري ص74 من المخطوط هذا الحديث: " وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت له باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " في هذه الجمل الثلاث بيان فضل الله عز وجل وأنه يعطي أكثر مما فعل من أجله أي يعطي العامل أكثر مما عمل وهذه القاعدة في ثواب الله عز وجل أنه يعطي أكثر مما فعل من أجله جاء في القرآن {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} هذه الجمل الثلاث تدل على هذا المعنى العظيم وأن عطاء الله وثوابه أكثر من عمل العبد وكدحه يقول جل وعلا " إن تقرب إلى بشبر تقربت إليه ذراعاً " الشبر مسافة ما بين طرف الخنصر إلى طرف الإبهام عند مد اليد والذراع مسافة ما بين طرف الأصبع الوسطى إلى عظم المرفق وهذا هو الذي كان يقدر به سابقاً الشبر والذراع والباع وما أشبه ذلك =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
= وقوله: " إن تقرب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً " اختلف العلماء في معنى هذه الجملة وما بعدها:
فقيل إن هذا على حقيقته وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه ذراعاً وعلى هذا فيكون هذا القول في العبادات التي تحتاج إلي مشى كالسعي إلى المساجد والسعي إلى الحج وما أشبه ذلك ويخرج العبادات التي لا يكون فيها مشى ولكنها كالتي تحتاج إلى مشى أي أن الله يعطي العامل أكثر مما عمل.
وقيل إن هذا على سبيل المثال وأن الإنسان إذا تقرب إلى الله بقلبه تقرب الله إليه على كيفية لا نعلمها، نحن بأنفسنا نعلم كيف نتقرب إلى الله لكن تقرب الله إلينا لا نعلمه فالمعنى أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بقلبه فإن الله تعالى يتقرب إليه على كيفية لا تعلم وذلك أن الإنسان يشعر بتقربه إلى الله بالقلب أحياناً يكون قلبه ذاكراً لله عز وجل فيشعر أنه قريب من الله عز وجل وأحياناً يكون غافلاً فالمعنى إذا تقرب الإنسان إلى ربه بالقلب ومن المعلوم ان العبادات تكون سبباً لتقرب القلب إلى الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ولهذا وأنت ساجد بأنك قريب من الله وأن الله في السماء فيكون على هذا القول يكون هذا من باب ضرب المثل وليس على الحقيقة وهذا القول أحسن من الأول لأنه يشمل بدلالة المطابقة جميع العبادات والأول يختص بالعبادات ذات السعي والمشي وكذلك أيضاً قوله: " من تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً " أما قوله " وإن أتاني يمشى أتيه هرولة " فهذا أيضاً اختلف فيه العلماء هل هو على حقيقته أم لا؟ فقيل إنه على حقيقته ونحن إذا مشينا نعرف كيف نمشى أما الله عز وجل فإننا لا نعرف كيفية مشيه ولا مانع من أن الله يمشي يقابل المتجه إليه فيقابله إذا أتاه يمشي يقابله بهرولة ويقال ان الذي يأتي سيأتي على صفة ما ولابد فإذا كان الله يأتي حقيقة فإنه لابد أن يأتي على صفة ما هرولة أو غير هرولة فإذا قال عن نفسه أتيته هرولة قلنا ما الذي يمنع أن يكون إتيانه هرولة إذا كنا نؤمن بأنه يأتي حقيقة ونحن نؤمن بأنه يأتي حقيقة فإذا كان يأتي حقيقة لابد أن يكون إتيانه على صفة من الصفات فإذا أخبرنا بأنه يأتي هرولة قلنا آمنا بالله لكن كيف هذه الهرولة؟ لا يجوز أن نكيفها ولا يجوز أن نتصورها هي فوق ما يتصور وفوق ما يتكلم به ولكن هذا القول يخص هذا الحكم بالعبادات التي يأتي إليها الإنسان مشياً
وتبقى العبادات الأخرى التي يفعلها الإنسان وهو قائم في مكانه تبقى غير مذكورة في هذا الحديث لكنها بمعناها.
يقول هذا من باب التمثيل أي من أسرع إلى رضاي وإلى عبادتي أسرعت إلى ثوابه سرعة أكثر من سرعة عمله وهذا القول يشمل جميع العبادات لأن الإنسان يسرع إلى العبادة إسراعاً بالبدن وأحياناً يسرع بالقلب فقط وهو ثابت في مكانه فالمهم أن لعلماء السلف في هذه المسالة قولين هل نبقيها على ظاهرها وإن كان سيخرج عنا بعض =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
أتيته هرولة " يراد به سرعة قبول الله تعالى وإقباله على عبده المتقرب إلى المساجد ومشاعر الحجج والجهاد في سبيل الله ونحوها وتارة بالركوع والسجود ونحوهما. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " (1) بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه كما قال الله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: " صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " (2) .
قال: فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئاً جازاه الله--------------------------------------------
(1) رواه مسلم كما في شرح النووي (4/200) .
(2) انظر فتح الباري (2/684)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
= العبادات إلا أنها تثبت بالقياس أو نقول إن هذا كناية عن أن فضل الله عز وجل أكثر من عمل العامل وكأن شيخ الإسلام رحمه الله يميل إلى هذا الرأي الأخير أنه من باب ضرب المثال ونؤيد هذا بأنه ليس جميع العبادات تحتاج إلى سعى ومشى وإبقاء الحديث على عمومه المعنوي في جميع العبادات أولى من كوننا نخصه في بعض العبادات التي لا تكون عشر العبادات الأخرى أي العبادات التي تحتاج إلى مشي قليل فكوننا نحمل الحديث على عموم العبادات ونجعل هذا من باب ضرب المثل وما زال الناس يضربون المثل في هذا يقول أنا إذا رأيتك تقبل على فسوف أعطيك بالخطوة خطوتين أو إذا أقبلت مشياً أقبل إليك مسرعاً أو إذا مشيت إلي بالأقدام أمشي إليك بالجفون وهذا أسلوب عربي معروف وما زال إلى يومنا هذا، وبهذا يزول إشكال الحديث إن حملناه على الحقيقة لم يفتنا على هذا الحمل إلا شيء واحد وهو العبادات التي لا تحتاج إلى مشي ولا إلى مسافة وإن حملناه على ضرب المثل عم جميع العبادات وهذا المثل معروف من أساليب اللغة العربية ا. هـ.
تعالى بأكمل من عمله وأفضل وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه.
وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية (1) لم يكن تفسيره به خروجاً به عن ظاهره ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد.
وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق (2) بمذهب السلف.
ويجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى من أتاني يمشى (3) في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة أو من ماهيتها كالطواف والسعي والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) القرينة الشرعية هي التي فهمت من السياق وقد وضح المؤلف ذلك في شرحه على صحيح البخاري كما سبق.
(2) في كلام المؤلف ما يدل على ان القول الثاني سليم لكن عدم التأويل اسلم، وانه ظاهر ولائق لكن تركه أولى وأسلم وأليق لأن أفعل التفضيل يفيد المشاركة وزيادة وعلى كل حال ذكرنا السبب في هذا التأويل وهو القرينة وليس ذلك كتأويل المعطلة كما نسب بعض الناس ذلك للمؤلف بل نقول ان القول الثاني كتفسير المؤلف للأمثلة التي سبقت قبل هذا.
(3) المشي قد يكون:
أ - وسيلة إلى العبادة كالمشي للصلاة.
ب - قد يكون المشي من ماهية العبادة مثل الطواف والسعي.
والخلاصة: ان الحدث خرج مخرج المثال من باب ضرب المثل وإلا فلو تقرب العبد إلى الله واقفاً أو مضطجعاً كان كالمشي 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
** المثال الثالث عشر: (1)
قوله تعالى:} أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً { [يس:71]
والجواب: أن يقال ما هو ظاهر هذه الآية وحقيقتها حتى يقال إنها صرفت عنه؟ هل يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام بيده كما خلق آدم بيده؟ (2) .
أو يقال: إن ظاهرها أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها لم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد والمراد صاحبها معروف في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل القرآن به ألا ترى قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} … [الشورى: 33] وقوله: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41] وقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم} [آل عمران: 182] .
فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده (3) بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي (4) .--------------------------------------------
(1) من الأمثلة التي زعم المعطلة ان السلف يؤولون نصوص الصفات.
(2) هذا السؤال يوجه لمن يثبت اليد أما الذي ينفي اليد فإنه يناقش أولاً في إثبات اليد فإن أبى وقال أنا لا اثبت اليد لكن ألزمك بالتأويل لأنك في هذه الآية صرفتها عن ظاهرها فهنا نجيبه بما ذكره المؤلف.
(3) من جميع الجوارح فأرجلهم وآذانهم وفروجهم وإنما خرج هذا مخرج الأمثال وان العمل أكثر ما يكون باليد لأنها هي التي يكتب ويضرب بها الإنسان ويقتل بها.
(4) فلو قال النجار: عملت هذا الكرسي بيدي لكان المعنى انه باشر العمل بيده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
كما في قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} [البقرة: 79] فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد (1) .
الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية خلقنا لهم بأيدينا أنعاماً (2) كما قال الله تعالى في آدم: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (3) [ص: 75] لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية لقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء} [النحل: 89] .
وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها (4) ولم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد كاضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدى بالباء فتنبه للفرق فإن التنبه للفروق بين المتشابهات (5) من أجود أنواع العلم (6) وبه يزول كثير من الإشكالات (7) .
**--------------------------------------------
(1) … فمدار الأمر على حرف الباء فان عدى الفعل بالباء دل على مباشرة اليد وان لم يعد بالباء لم يدل على المباشرة.
انظر شرح التدمرية لفالح آل مهدي ص174.
(2) … أي يضيف الفعل (خلق) لنفسه ثم يتعدى الفعل بالباء.
(3) … ولم يعترض إبليس على الرب عز وجل ولو كان المراد بذلك القدرة لقال إبليس: وأنا خلقتني بقدرتك.
(4) … أي بقدرته.
(5) … هذا من التشابه النسبي الذي يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض أما التشابه الحقيقي فلا يعلمه إلا الله ككيفية صفاته.
انظر تقريب التدمرية للمؤلف ص94 ،
(6) … وهو ليس خاصاً بالعقائد بل في الفقه أيضاً علم الفروق بين المتشابه من المسائل وقد صنف في كل مذهب وأشهره فروق القرافي.
(7) … قال شيخ الإسلام في التدمرية ص73.
ومما يشبه هذا [القول] أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله كما قيل في قوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} فقيل: هو مثل قوله: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً} فهذا ليس مثل هذا لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهاً بقوله: {فبما كسبت أيديكم} وهناك أضاف الفعل إليه فقال: {لما خلقت} ثم قال: {بيدي} ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)