القائمة بالذات كالعلم والحكمة والسمع والبصر فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد
ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم … . الخ " ا. هـ
وتتمة لهذا الأمر فإننا سنتكلم عن ضابط الأسماء الحسنى.
تحديد ضابط الأسماء الحسنى (1)
لعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها: (الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها)
وهذا التعريف هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك:
أولاً: لموافقته للنص الشرعي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} .
فقوله في التعريف: (هي التي يدعى بها) مأخوذ من قوله تعالى: {فادعوه بها} [الأعراف: 180]
وقوله: (هي التي وردت في الكتاب والسنة) مأخوذ من قوله: {الأسماء} (فالألف واللام هنا للعهد، فالأسماء بذلك تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم (2)
وقوله (وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) مأخوذ من قوله تعالى: {الحسنى} فالحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء وأكملها، (فما كان مسماه منقسماً إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى) (3)--------------------------------------------
(1) معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله د. محمد خليفة التميمي ص35 وما بعده.
(2) المحلي لابن حزم 1/29.
(3) مدارج السالكين 3/416، 415.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
وبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز وهذا وحده يكفي في اختيار هذا التعريف.
ثانياً: مما يؤكد صحة هذا التعريف اشتماله على شرطين للاسم هما:
الشرط الأول: ورود النص من القرآن أو السنة بذلك الاسم.
والشرط الثاني: صحة الإطلاق وذلك أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه.
وهذان الشرطان يحققان للتعريف مقوماته بأن يكون جامعاً لجوانب الشيء ومانعاً من دخول غيره فيه فالشرط الأول يؤكد على كون أسماء الله توقيفية وأنه لا يجوز استعمال القياس فيها.
والشرط الثاني يؤكد على خاصية باب الأسماء وأنه أخص من باب الصفات وباب الإخبار.
ثانياً: تقرير أن أسماء الله أعلام وأوصاف (1) :
اعلم أن دلالة هذه الأسماء الحسنى على صفات الله لا تنافي علميتها الدالة على ذاته إذ أن صفاته مختصة به لا يشركه أحد سواه فهي في خصوصيتها هذه أشبهت العلم في دلالته على تعيين الذات فكان كل منهما مختصاً به تعالى وهذا خلاف ما يعلم من أسماء العباد فإن العلم فيهم يضاد الوصف من كل وجه وجماع ذلك يرجع لأمرين: -
*أحدهما: لغوى وهي أن أسماء الأعلام إما أن تكون مشتقة أو مرتجلة فأما المرتجلة فالأمر فيها واضح فهي جوامد وأما المشتقة منها فإنها لما طرأت عليها العلمية جردت عن الدلالة على الأوصاف وإنما سميت مشتقة عرفاً نحوياً نظراً لأصلها لا لما هي عليه فرجع الأمر إلى الجمود في أسمائهم والمصدر هو الأصل في الاسم وهو من الجوامد والجامد--------------------------------------------
(1) … هذا المبحث مأخوذ من القواعد الكلية للصفات للبريكان بتصرف مع إضافة عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
نقيض المشتق والصفة لا تكون إلا مشتقة ولذا لا يقع المصدر عند النحويين وصفاً لغيره لعدم دلالته على الوصفية لتوغله في الجمود فتبين بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
الثاني: وهو شرعي عقدي فإن صفات العباد مشتركة بينهم فالأمانة مثلاً لا تختص بفرد من أفراد بنى آدم وهكذا الشجاعة والكرم والصدق فإن هذه الصفات يتماثل فيها أفرادها فما من شخص إلا وله نظير فيما اتصف به وهذا المعنى يضاد العلمية فيهم فإنها مختصة لا تقبل الشركة إذ العلم من شرطه أن يعين مسماه مطلقاً وما لا يتعين فيه لا يكون كذلك فبان بذلك أن علميتهم تنافي وصفيتهم من هذا الوجه.
ومما تقدم يتبين لنا خطأ ابن حزم من الظاهرية وضلال المعتزلة القائلين: بأن أسماء الله أعلام محضة جامدة لا دلالة لها على الوصفية البتة واعلم أن أسماء الله لو لم تدل على الوصفية المختصة به للزم من ذلك عدة أمور: -
1 - أن أسماء الله لو كانت جامدة لا تدل على معنى الوصفية لم تكن حسنى لكنها حسنى فلابد من دلالتها على الوصفية.
2 - أن من أسماء الله اسمه الأعظم ولو لم يدل على وصف حسن ومعنى كمال لائق بجلال الله وعظمته لم يكن لقيد العظمة فائدة فلم يكن أعظم إذ هو أفضل الأسماء الحسنى وهو منها فتكون دلالته على الوصف أكمل
3 - قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) [الأعراف: 180] فأثنى بها على نفسه وتمدح بها والجامد لا مدح فيه ولا دلالة له على الثناء فلابد وأن تكون دالة على الوصفية.
4 - يلزم من كونها جامدة عدم تغاير معانيها فمعنى العليم هو معنى السميع مثلاً وهذا أمر يعرف فساده ببداهة العقول إذ لا يعقل عاقل أن معنى الرؤوف هو معنى البصير ولازم القول يدل على فساده وإن لم يدل على لزومه للقائل إذا هو لم يتبين اللازم 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
5 - أن الوصفية من لوازم الاسم المشتق وأسماء الله مشتقة من صفاته فهي تحمل دلالتها على الذات بالعلمية وعلى الصفة بالأصل كما أن ضارب يدل على ذات الضارب وعلى صفة الضرب فكذلك الأسماء: سميع يدل على صفة السمع وبصير يدل على صفة البصر.
6 - أن التنزيل جاء باستعمال الأسماء الحسنى تابعة للفظ الجلالة على أنها صفات له وهذا ليس من شأن الأعلام كما قال تعالي: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: 11] وقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم)
[الحشر:22]
ومما تقدم يتضح أن النسب المعقولة بين الأسماء هي: -
1 - الترادف ومحله دلالة العلم الخاص به تعالى على ذاته جل وعلا
2 - التباين ومحله دلالة الاسم المتضمن على صفته سبحانه وتعالى
وبتطبيق هذا الأصل على أجزائه وأفراده يتبين المراد ويتضح المعنى المطلوب فأسماء الله الحكيم والبصير والعليم يدل على كل منها على الذات بالعلمية وعلى الصفة التى اشتق منها بالوصفية فالحكيم يدل على ذات موصوفة بالحكمة والبصير يدل على ذات موصوفة بالبصر والعليم يدل على ذات موصوفة بالعلم وعند النظر نجد أن الذات المدلول عليها بالأسماء واحدة وهي ذاته العلية، وأن الصفات المدلول عليها بهذه الأسماء قد اختلفت فكل اسم دل على صفته الموافقة له في مادة التصريف وذلك الاتفاق في الذات هو الترادف إذ لا معنى له الا اتفاق أفراده في الدلالة على شيء واحد وهذا الاختلاف والتغاير هو التباين إذ لا معنى للتباين إلا عدم التقاء الألفاظ في معنى من المعاني فاسمه الحكيم هو البصير هو العليم هو الحكيم بالنظر إلى ذاته تعالى والحكيم غير البصير والبصير غير العليم غير الحكيم بالنظر إلى ما يدل عليه كل واحد منها من الصفة الخاصة به ونظير هذا أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم فإنها تدل على معنى واحد ومعانيها مختلفة فنتج من ذلك: -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
1 - أن هذه الأسماء مترادفة في الدلالة على الذات.
2 - أن هذه الأسماء متباينة في الدلالة على الصفات.
3 - أن النسبة المعقولة بين هذه الأسماء هى الترادف والتباين.
4 - أن محل الترادف هو الذات.
5 - أن محل التباين هو الصفات المختصة بكل اسم.
6 - أنه لا تناقض بينها والحالة هذه
7 - أن النظرتين مبنيتان على دلالة الأسماء الحسنى على العلمية والوصفية وتضمنها الدلالة على أحدهما.
8 - أن لحظ العلمية والوصفية مع الترادف والتباين لا يشكل تناقضاً في هذه القاعدة لاختلاف جهة كل واحد منهما.
9 - أنه لا يجوز إطلاق القول بتباين الأسماء أو ترادفها بل لا بد من التفصيل في ذلك ونسبة كل من النسبتين إلى متعلقها.
10 - أن الاطلاق يلزم منه الوقوع في باطل إما بالقول بعلمية الأسماء المحض أو إنكار الأسماء أصلاً.
11 - أن تعدد هذه الأسماء الحسنى لا يستلزم تعدد الذات لكنه يقضي بتعدد الصفات التي تدل عليها الأسماء.
ثالثاً معاني الذات:
ذكر المؤلف كلمة الذات كما سبق وقلنا إن لها معاني حسب أصل الكلمة وهي:
1 - إما أن تكون (ذات) مؤنث ذو الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو.
وعلى هذا المعنى وقعت (ذات) مضافة إلى الجهات، وإلى الأزمان وإلى غيرهما، وتجرى مجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق مثل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
أ - قوله تعالى {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} في سورة الكهف على تأويل جهة.
ب - نقول: لقيته ذات ليلة وذات صباح على تأويل المقدر ساعة أو وقت وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال.
ج - … ومن أمثلة استخدامها بمعنى صاحبة قولنا: امرأة ذات مال أي صاحبة مال.
2 - ويجوز أن تكون ذات أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان فالمعنى: حقيقة الشيء وماهيته كقول الشاعر:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
وهو أحد القولين في تفسير قوله تعالى {وأصلحوا ذات بينكم} كما ذكره أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (3/129) ،
وابن عاشور في تفسيره (9/253) إلا أن هذا محمول على المجاز (1)
لا على حقيقة الذات التي هي ما يقابل الصفة ويرادف النفس إلا أن الاستعمال العرفي صار أن الذات تساوي النفس ونص الراغب في المفردات (1/242) أن ذلك ليس من كلام العرب ونقله السمين الحلبي في عمدة الحفاظ (2/54) .--------------------------------------------
(1) عرف الشيخ ابن عثيمين في كتابه الأصول ص25 المجاز بأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
وللناس في المجاز قولان:
أ - ثبوته
ب - نفيه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه الإمام ابن القيم وسماه طاغوتاً كما في الصواعق ومختصره وأول من قال بإنكاره هو الاسفرائيني.
ملاحظة: نسب بعض الفضلاء المعاصرين إلى الشنقيطي القول بثبوت المجاز في اللغة وإنكاره في القرآن وهذا يخالف ما ذكره في رسالته منع جواز المجاز المطبوع مع أضواء البيان (10/8) حيث قال: أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلاً وهو الحق فعدم المجاز في القرآن واضح ا. هـ.
وانظر رسالة المجاز في اللغة والقرآن الكريم د. عبد العظيم المطعني وإمتاع العقول بروضة الأصول لعبد القادر الحمد ص27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى {وأصلحوا ذات بينكم} أي حال بينكم كما ذكره الشهاب على البيضاوي (4/431) ، والخازن في تفسيره (2/290) ، والجاوي في تفسيره المسمى بمراح لبيد (1/314) وانظر مجمع بحار الأنوار للكجراتي (2/252) ، وكشاف اصطلاح الفنون للتهانوي (2/163) ، وانظر الخلاف في تفسيره بالحقيقة والحال في مجمع البيان للطبراسي (4/426)
وتطلق الذات بمعنى التي على لغة طي كما قال ابن مالك:
وكالتي أيضاً لديهم ذات
وننقل ما قاله الشيخ ابن عثيمين في شرحه لصحيح البخاري وهو مخطوط ص 67:
أما الذات فالذات كلمة اختلف فيها علماء اللغة هل هي فصيحة من العربية أو هي مولدة وليست بعربية؟ وأكثر المحققين على أنها مولدة وليست من العربية في شيء وإنما هي من مصطلح أهل الكلام (1) جعلوها بدلاً عن كلمة النفس فيقول مثلاً جاء زيد نفسه أو جاء زيد ذاته يجعلونها بدلاً عنها ولكنها ليست من كلام العرب العرباء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لأن اصهلا في اللغة لا تستعمل بمعنى النفس وهي في اللغة العربية تستعمل استعمالات متعددة منها: -
1 - أن تكون بمعنى صاحبة كما لو قلت تزوجت امرأة ذات علم أي صاحبة علم ويقابلها في المذكر ذو علم لو قلت اتصل بي رجل ذو علم أي صاحب علم.
تستعمل بمعنى التي عند طيه، طي أصحاب الشمال، جبل طي--------------------------------------------
(1) قال المحبي في كتابه قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل (2/51) نقلاً عن ابن برهان انه لا يصح إطلاق ذات على الله وان هذا جهل من المتكلمين.
وقال النووي في تهذيب اللغات (2/113) ان هذا الإنكار منكر بل الذي قاله المتكلمون صحيح ا. هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
يجعلون الذات بمعنى التي كما يجعلون ذو بمعنى الذي وعليه قول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي … وبئري ذو حفرت وذو طويت
أي بئري الذي حفرت والذي طويت ويقال جاءت ذات أرضعت ولدها أي التي أرضعت ولدها.
2 - تأتي بمعنى جهة ومن ذلك قوله تعالى {ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال} أي جهة اليمين وجهة الشمال ويمكن أن يحمل عليها قول خبيب رضي الله عنه وذلك في ذات الإله وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو قول النبي صلى الله عليه وسلم في إبراهيم كذب ثلاث كذبات في ذات الله أي في جهته والمراد في سبيله وطاعته فتكون بمعنى الجهة.
3 - ان تكون زائدة للتوكيد توكيد التنكير مثل قدمنا مكة ذات يوم فوجدنا المسجد خفيفاً قوله ذات يوم هذه زائدة لتوكيد التنكير فلو قلنا قدمنا مكة يوماً فوجدنا المسجد خفيفاً استقام الكلام وهذا يوجد كثيراً في الحديث خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ذات ليلة وما أشبه ذلك.
هذه أربعة معان للذات في اللغة العربية أما ذات بمعنى نفس الشيء وحقيقة فهذه اختلف فيها علماء اللغة العربية فمنهم من أنكر استعمالها في هذا المعنى ومنهم من أجازها وظاهر صنيع البخاري رحمه الله جواز استعمالها بمعنى النفس فإذا قال قائل ما العلاقة بين هذا الاستعمال وبين المعنى الأصلي في اللغة العربية؟ قلنا المعنى الأصلي في اللغة العربية أن تأتي بمعنى صاحبة فهم يقولون ذات علم أي صاحبة علم والله تعالى ذو علم فأصلها مضارع لكن حذف المضاف ثم بقيت نكرة فعرفت بأل ولهذا
منع بعض العلماء أن تقول ذات بالنسبة لله (1) ، لماذا؟ لأن التاء للتأنيث ولا يجوز استعمال الكلمة المؤنثة بالتاء ولو للمبالغة ولهذا لا يجوز أن تقول إن الله علامة ويجوز أن تقول إن هذا الرجل علامة--------------------------------------------
(1) وهو قول ابن برهان كما نقله المحبي في قصد السبيل (1/51)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
أما الله فتقول علام الغيوب فأنت إذا أتيت بذات تريد الرب عز وجل فإن هذا يعني تأنيث ما يضاف إلى الله وهذا لا يجوز لكن هذا خلاف استعمال جمهور علماء المحققين.
رابعاً: حجة المعطلة والرد عليها
ذكرنا في الحاشية على القاعدة الثانية أن الذين سلبوا معاني الصفات هم المعتزلة ومن تبعهم من أهل الكلام وغيرهم وطريقتهم أنهم يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات ويجعلون الأسماء أعلاماً محضة ثم منهم من يقول إنها مترادفة فالعليم، والقدير والسميع والبصير شيء واحد ومنهم من يقول إنها متباينة ولكنه عليم بلا علم وقدير بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر ونحو ذلك.
وشبهتهم أنهم اعتقدوا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم والأجسام متماثلة فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات فإن كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه فإثبات الأسماء كذلك وإن كان إثبات الأسماء لا يستلزم التشبيه فإثبات الصفات كذلك والتفريق بين هذا وهذا تناقض
فإما أن يثبتوا الجميع فيوافقوا السلف وإما أن ينفوا الجميع فيوافقوا غلاة الجهمية والباطنية وإما أن يفرقوا فيقعوا في التناقض.
الثاني: إن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى وأمرنا بدعائه بها فقال: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) [الأعراف: 180] وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة تكون وسيلة لنا في دعائنا ولا يصح خلوها عنها.
ولو كانت أعلاماً محضة لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى فضلاً عن أن تكون حسنة ووسيلة في الدعاء 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
الثالث: أن الله تعالى أثبت لنفسه الصفات إجمالاً وتفصيلاً مع نفي المماثلة فقال تعالى: (ولله المثل الأعلى) [النحل: 6] وقال: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: 11] وهذا يدل على أن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل ولو كان يستلزم التمثيل لكان كلام الله متناقضاً.
الرابع: إن من لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربا ولا إلهاً ولهذا عاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه باتخاذ ما لا يسمع ولا يبصر إلهاً فقال: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً) [مريم: 42] .
الخامس: أن كل موجود لابد له من صفة ولا يمكن وجود ذات مجردة من الصفات وحينئذ لابد أن يكون الخالق الواجب الوجوب متصفاً بالصفات اللائقة به.
السادس: أن القول " بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط " قول باطل لأن دلالات الكتاب والسنة متظافرة على أن كل اسم منها دال على معناه المختص به مع اتفاقها على مسمى واحد وموصوف واحد فالله تعالى هو الحي القيوم السميع البصير العليم القدير فالمسمى والموصوف واحد والأسماء والصفات متعددة ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد كقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) [الحشر: 23] فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفاً محضاً لكان ذكرها مجتمعة لغواً من القول لعدم الفائدة.
السابع: أن القول " بأن الله تعالى عليم بلا علم وقدير بلا قدرة وسميع بلا سمع ونحو ذلك " قول باطل مخالف لمقتضى اللسان العربي وغير العربي فإن من المعلوم في لغات جميع العالم أن المشتق دال على المعنى المشتق منه وأنه لا يمكن أن يقال عليم لمن لا علم له ولا قدير لمن لا قدرة له ولا سميع لمن لا سمع له ونحو ذلك 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وإذا كان كذلك تعين أن تكون أسماء الله تعالى دالة على ما تقتضيه من الصفات اللائقة به فيتعين إثبات الأسماء والصفات لخالق الأرض والسموات.
الثامن: أن قولهم: لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم ممنوع فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم فإنه يقال: ليل طويل ونهار قصير وبرد شديد وحر خفيف ونحو ذلك وليست هذه أجساما على أن إضافة لفظ الجسم إلى الله تعالى إثباتاً أو نفياً من الطرق البدعية التي يتوصل بها أهل التعطيل إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
التاسع: أن قولهم: " الأجسام متماثلة " باطل ظاهر البطلان فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره ا. هـ من تقريب التدمرية للشيخ ابن عثيمين.
ومما سبق يتبين أمور:
أولاً: وجوب إثبات الأسماء والصفات وأنه الحق الذي هو أصل الإيمان بوجود الرب عز وجل وحقيقته.
ثانياً: أن حقيقة من لا يؤمن بأسماء الله وصفاته أنه لا يؤمن برب مقصود ولا بإله معبود.
ثالثاً: أن صفات الرب عز وجل من مكونات ذاته.
رابعاً: أن الذات ليست صفة لله ولا اسما من أسمائه واستعمالها في باب الخبر عنه تعالى يراد به إثبات ما تدل عليه من مدح وثناء وهو كون الرب جل شأنه موصوفاً بالصفات.
خامساً: أن من نفى الصفات لم يقدر الله حق قدره
سادساً: أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها
سابعاً: أن التعطيل شر من الشرك لأن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو جحد لحقيقة الألوهية
ثامناً: أن الفروض الذهنية التجريدية لا توجد في خارج الذهن بل وجودها في العيان مستحيل ا. هـ من القواعد الكلية للصفات للبريكان بتصرف 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
خامساً: الدهر
ذكرنا أن الدهر ليس من أسماء الله وننقل نص فتوى ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2/491) :
سئل شيخ الإسلام رحمه الله: عن قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية: بينوا لنا ذلك؟
فأجاب: -
الحمد لله قوله لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر: مروى بألفاظ أخر كقوله: " يقول الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وفي لفظ: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار: " وفي لفظ: " يقول ابن آدم يا خيبة الدهر وأنا الدهر "
فقوله في الحديث " بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " يبين أنه ليس المراد به أنا الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل والنهار: فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه كما دل عليه قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يقلب الله الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار) وإزجاء السحاب سوقه والودق المطر.
فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض فإنه سبب الحياة في الأرض فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي، ثم قال: " يقلب الله الليل والنهار " إذ تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر، الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين.
وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله: (وجعل الظلمات والنور) وقوله: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) وقوله: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً) وقوله: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
والنهار لآيات لأولى الألباب) وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان.
ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان فإن الزمان مقدار الحركة والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة والسكون والسواد والبياض.
ولا يقول عاقل أن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها، بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره فكيف يكون هو الخالق؟
ثم أن يستغني بنفسه، وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول. وأهل الإلحاد - القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد - لا يقولون أنه هو الزمان، ولا أنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون هو مجموع العالم، أو حال في مجموع العالم.
فليس في الحديث شبهة لهم، لو لم يكن قد بين فيه انه - سبحانه -
مقلب الليل والنهار، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار.
إذا تبين هذا: فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم.
أحدهما: وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء أن هذا الحديث خرج الكلام فيه لرد ما يقوله أهل الجاهلية، ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان، يقول أحدهم قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا.
وكثيراً ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهر فعلت كذا. وهم يقصدون سب من فعل تلك الأمور، ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السب على الله تعالى: لأنه هو الذي فعل تلك الأمور وأحدثها والدهر مخلوق له، هو الذي يقلبه ويصرفه 0
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
والتقدير: أن أبن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو الله وحده.
وهذا كرجل قضى عليه قاض بحق أو أفتاه مفت بحق، فجعل يقول: لعن الله من قضى بهذا أو أفتى بهذا، ويكون ذلك من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وفتياه فيقع السب عليه، وإن كان الساب - لجهله - أضاف الأمر إلي المبلغ في الحقيقة، والمبلغ له فعل من التبليغ بخلاف الزمان فإن الله يقلبه ويصرفه.
والقول الثاني: قول نعيم بن حماد، وطائفة معه من أهل الحديث
والصوفية: إن الدهر من أسماء الله تعالى ومعناه القديم الأزلي
ورووا في بعض الأدعية: يا دهر!! يا ديهور!! يا ديهار وهذا المعنى صحيح: لأن الله سبحانه هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء فهذا المعنى صحيح إنما النزاع في كونه يسمى دهراً بكل حال فقد اجمع المسلمون - وهو مما علم بالعقل الصريح - أن الله سبحانه وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان، أو ما يجرى مجرى الزمان فإن الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار.
وكذلك ما يجرى ذلك مجرى ذلك في الجنة، كما قال تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) قالوا على مقدار البكرة والعشى في الدنيا و [في] الآخرة يوم الجمعة يوم المزيد والجنة ليس فيها شمس ولا قمر ولكن تعرف الأوقات بأنوار أُخر، قد روى أنها تظهر من تحت العرش، فالزمان هنالك مقدار الحركة التي بها تظهر تلك الأنوار.
وهل وراء ذلك جوهر قائم بنفسه سيال هو الدهر؟ هذا مما تنازع فيه الناس فأثبته طائفة من المتفلسفة من أصحاب أفلاطون، كما أثبتوا الكليات المجردة في الخارج التي تسمى المثل الأفلاطونية (1)--------------------------------------------
(1) المثل الأفلاطونية هي أكثر المذاهب الفلسفية شيوعاً وهي حقائق كلية ثابتة موجودة بالفعل في رأى أفلاطون - وجوداً خارجياً في عالم غير محسوس وأنه هو الأصل وأما =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
والمثل المطلقة وأثبتوا الهيولى (1)
التي هي مادة مجردة عن الصور وأثبتوا الخلاء جوهراً قائماً بنفسه.
وأما جماهير العقلاء من الفلاسفة وغيرهم: فيعلمون ان هذا كله لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي أمور يقدرها الذهن ويفرضها فيظن الغالطون أن هذا الثابت في الأذهان هو بعينه ثابت في الخارج عن الأذهان كما ظنوا مثل ذلك في الوجود المطلق، مع علمهم أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الذهن وليس في الخارج إلا شيء معين وهى الأعيان، وما يقوم بها من الصفات فلا مكان إلا الجسم أو ما يقوم به، ولا زمان إلا مقدار الحركة، ولا مادة مجردة عن الصور بل ولا مادة مقترنة بها غير الجسم الذي يقوم به الأعراض، ولا صورة إلا ما هو عرض قائم بالجسم أو ما هو الجسم يقوم به العرض وهذا وأمثاله مبسوط في غير هذا الموضع ا. هـ.
ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي في غريب الحديث (2/145)
قوله: إن الله هو الدهر وهذا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين وقد رأيت بعض من يتهم بالزندقة والدهرية يحتج بهذا الحديث ويقول: ألا تراه يقول: فإن الله هو الدهر! فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر؟
وتأويله عندي - والله أعلم - أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك.--------------------------------------------
= الأشياء الموجودة مجرد صور أو صدى لهذه المثل.
انظر مدخل إلى الفلسفة د. إمام عبد الفتاح ص254، الفكر الفلسفي د. محمد نصار ص97.
(1) … الهيولى:
في كلام المتكلمين: أصل الشيء، فإن يكن من كلام العرب فهو صحيح الاشتقاق ووزنه فيعولى، أولاً - الصواب أنه لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة وفي الاصطلاح: جوهر في الجسم قابل لما يعرض له من الاتصال والانفصال ا. هـ من المزهر للسيوطي (1/277) .، وشرح التدمرية لفالح آل مهدي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم قال الشاعر يذكر قوماً هلكوا:
فاستأثر الدهر الغداة بهم … والدهر يرميني ولا أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنا … بسراتنا ووقرت في العظم
وسلبتنا ما لست تعقبنا … يا دهر ما أنصفت في الحكم
وقال عمرو بن قميئة:
رمتى بنات الدهر من حيث لا أرى … فكيف بمن يرمي وليس برام
فلو أنها نبل إذاً لاتقيتها … ولكنما أرمي بغير سهام
على الراحتين مرة على العصا … أنوء ثلاثاً بعدهن قيامي
فأخبر أن الدهر فعل به ذلك نصف الهرم. وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه الكريم ثم كذبهم بقولهم فقال (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) وقال الله عز وجل (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر - على تأويل لا تسبوا الذي يفعل لكم هذه الأشياء ويصيبكم بهذه المصائب فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى لأنه عز وجل هو الفاعل لها لا الدهر فهذا وجه الحديث إن شاء الله.
ولإتمام الفائدة ننقل ما سئل عنه الشيخ ابن عثيمين فيما يتعلق بهذا الحديث:
سئل الشيخ غفر الله له: عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي قال الله تعالى " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار "؟
فأجاب قائلاً:
قوله في الحديث المشار إليه في السؤال: " يؤذيني ابن آدم " أي أنه سبحانه يتأذى بما ذكر في الحديث، لكن ليست الأذية التي أثبتها الله لنفسه ليست كأذية المخلوق، بدليل قوله تعالى: (ليس كمثله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
شيء وهو السميع البصير) [الشورى: 11] فقدم نفى المماثلة على الإثبات لأجل أن يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة ويكون الإثبات حينئذ على الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يماثل في صفاته، كما لا يماثل في ذاته، وكل ما وصف الله به نفسه ليس فيه احتمال للتمثيل، إذ لو أجزت احتمال التمثيل في كلامه سبحانه وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات الله لأجزت احتمال الكفر في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لأن تمثيل صفات الله تعالى بصفات المخلوقين كفر لأنه تكذيب لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: 11]
وقوله " وأنا الدهر " أي مدبر الدهر ومصرفه كما قال الله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) [آل عمران: 140] كما قال في هذا الحديث " أقلب الليل والنهار " والليل والنهار هو الدهر.
ولا يقال: بأن الله نفسه هو الدهر، ومن قال ذلك فقد جعل المخلوق خالقاً والمقَّلب مقلِّباَ
فإن قيل أليس المجاز ممنوعاً في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي اللغة؟
أجيب:
بلى، ولكن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وهنا في الكلام محذوف تقديره " وأنا مقلب الدهر " لأنه فسره بقوله " أقلب الليل والنهار " ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول.
سئل الشيخ: هل الدهر من أسماء الله؟
فأجاب بقوله:
الدهر ليس من أسماء الله سبحانه وتعالى، ومن زعم ذلك فقد أخطأ وذلك لسببين:
السبب الأول: أن أسماءه سبحانه وتعالى حسنى، أي بالغة في الحسن أكمله، فلابد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة، ولهذا لا تجد في أسماء الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
تعالى اسما جامداً والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات.
السبب الثاني: أن سياق الحديث يأبى ذلك، لأنه قال: " أقلب الليل والنهار " والليل والنهار هما الدهر فكيف يمكن أن يكون المقلب بفتح اللام - هو المقلب - بكسر اللام -؟!
سئل فضيلة الشيخ: ما حكم سب الدهر؟
فأجاب قائلاً:
سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم فهذا جائز مثل أن يقول تعبنا من شدة الحر هذا اليوم، أو برده وما أشبه ذلك لأن الأعمال بالنيات واللفظ صالح لمجرد الخبر.
القسم الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأنه يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير أو الشر فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً حيث نسب الحوادث إلى غير الله
القسم الثالث: أن يسب الدهر وهو يعتقد أن الفاعل هو الله ولكن يسبه لأنه محل هذه الأمور المكروهة فهذا محرم لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر لأنه ما سب الله مباشرة ولو سب الله مباشرة لكان كافراً.
*******
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
القاعدة الثالثة
أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد (1) تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: - ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل. (2)
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله عز وجل. (3)
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها. (4)
ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد (5) عن قطاع الطريق بالتوبة--------------------------------------------
(1) المتعدي هو الذي يصل إلى المفعول به بنفسه مثل: بريت القلم وسيأتي في الملحق تفصيل ذلك.
(2) أي يقر ويعترف أنه اسم الله تعالى دال على ذاته وصفاته فلا يعارض إثباته بالنفي والإنكار.
(3) … أي الإيمان بما دل عليه من معنى بالدلالة الوضعية اللغوية وهى المطابقة والتضمن والالتزام كما سيأتي في القاعدة الرابعة فلابد من الإقرار والاعتراف الجازم بكل ذلك.
(4) … وهو ما يسمى بالأثر وسيذكر المؤلف في القاعدة السابعة أن الإلحاد في الأسماء يكون بـ:
أ - إنكار الاسم
ب - إنكار الصفة
ت - إنكار الحكم أو المقتضى أو الأثر كما سيأتي: -
ومما ينبغي التنبيه له أن في هذه القاعدة رداً على المعطلة من الجهمية والمعتزلة وغيرهما ووجه ذلك أن ثبوت الاسم فيه رد على الجهمية.
وثبوت الصفة فيه رد على المعتزلة.
أما الأثر فإن المعتزلة يثبتونه فهم يقولون إن لله اسم العليم وليست له صفة العلم لكنه يعلم أي أنهم أثبتوا الأثر إلا أنهم يقولون يعلم بذاته.
(5) … أي حد الحرابه يسقط قبل القدرة عليهم بلا خلاف بين أهل العلم وحد الحرابه هو القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي.
أما حقوق الآدميين من القصاص إن قتل، والجراح إن جرح، ورد المال إن أخذ المال فهذا لا يسقط بالتوبة.
وفي تفسير الجلالين (فاعلموا أن الله غفور لهم ما أتوا، رحيم بهم، عبر بذلك دون أن =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
استدلوا على ذلك بقوله تعالى {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة:34] لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
مثال ذلك: " السميع " يتضمن إثبات السميع اسماً لله تعالى وإثبات السمع صفة له وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى (1) كما قال تعالى: {والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1]
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله عز وجل.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنتها لله عز وجل.
مثال ذلك " الحي " (2) يتضمن إثبات الحي اسماً لله عز وجل (3) وإثبات الحياة صفة له.--------------------------------------------
= تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين، كذا ظهر لي ولم أر من تعرض له والله أعلم ا. هـ
انظر في ذلك في:
تفسير البغوي (2/33) والرازي (11/135) والجمل على الجلالين (2/217) ، وتفسير المظهري (3/91) ، والمغني لابن قدامة (12/483)
(1) … فمعنى الحكم والأثر: أنه سبحانه وسع سمعه الأصوات الجهر والسر والنجوى، ومن ذلك قول الله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} .
وليعلم أن أسماء الله تعالى الحسنى التي تتضمن وصفاً متعدياً منها ما لا يتعلق بكل موجود، بل ببعضها، فكل اسم يتعلق بما يناسبه، كاسمه (السميع) الذي يتعلق بالمسموعات ومنها ما يتعلق بكل شيء كاسمه: (العليم) فإنه يتعلق بكل شيء، إذ كل شيء يصلح أن يكون معلوماً. ذكره شيخ الإسلام في الفتاوى (5/494)
وانظر منهج أهل السنة لخالد نور (2/382)
(2) … وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله (إن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر عنه فعلاً ومصدراً نحو " السميع " " البصير " " القدير " يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو {قد سمع الله} {فقدرنا فنعم القادرون} وهذا إذا كان الفعل متعدياً.
فإن كان لازماً لم يخبر عنه به نحو " الحي " بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال " حيي " ا. هـ من بدائع الفوائد (1/162) .
(3) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (18/311) أن اسم الحي القيوم هو =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)