فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حقٌّ بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات، إذْ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
وفي رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم -والعياذ بالله- التخرص بشيء منها، لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقوله، وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا اهـ.
وقد بيَّن القاضي أبو يعلى نفسه معتقده في الصفات، فقال في كتابه "أخبار الصفات" -كما نقله عنه ابنه في الطبقات (2/ 210) -:
وقد قال الوالد السعيد رضي الله عنه في أخبار الصفات:
المذهب في ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه، وكل ما يقع في الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله سبحانه وتعالى عن ذلك. والله ليس كمثله شيء، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حَدَثهم، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال وأنه الذي لا يتصور في الأوهام، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين (ليس كمثله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
شيء. وهو السميع البصير).
وأما كتابه -قدس الله روحه- في إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبني على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضي تشبيه الباري سبحانه بالمخلوقات. اهـ
قلت: وأما قوله "إن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها. . ." أما المعاني فمعلومة وليس من مذهب أهل السنة تفويضها، وسيأتي الرد عليه.
وأما قوله: ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، فكلام لم يأت ذكره في الكتاب والسنة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو من إحداث أهل الكلام، الذين أكثروا من نفي صفات لم تذكر لا في الكتاب ولا في السنة، مثل قولهم: إنه ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، وليس داخل العالم ولا خارجه، وليس عرض، ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسَّه، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة؟!
أما إذا أثبتوا أثبتوا إجمالًا.
قال شارح الطحاوية بعد ذكره نحو ما سبق: وفي هذه الجملة حقٌّ وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة، وهذا النفي المجرَّد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك-! لأدَّبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا، وإنما تكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
مادحًا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب.
والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده، وأما أهل الحق والسنة والإيمان، فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده.
والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضًا جمليًّا، أو يبينوا حاله تفصيلًا، ويُحكم عليه بالكتاب والسنة اهـ(1).
فالحاصل أن هؤلاء النفاة سلكوا طريقًا غير شرعي، فوقعوا فيما وقعوا فيه، وأكثر نفيهم المذكور ليس متلقي عن الكتاب والسنة بل هو من وضع أهل الكلام.
وقد ظن بعض أهل السنة، صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، فشاركوهم فيها، وذكروها في كتبهم، مع تعظيمهم لمذهب السلف.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في هذا فهو يقول:
فإن قيل: قلتَ إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلَّغوه عن الرسول، ففي النفاة كثيرٌ ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على--------------------------------------------
(1) شرح ابن أبي العز علي الطحاوية (ص 109 - 110)، وانظر "درء تعارض العقل والنقل" (1/ ص 105) وما قبلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنّوه موافقًا لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوِّضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البُستي، وأبي سَعْد السمَّان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي بن المفضِّل المقدسي، وأمثالهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولها الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.
ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار، وعظَّموا مذهب السلف، شاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها. وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فُورَك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
وتارة يفوِّضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلي وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجّحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يُدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذبٌ موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة؟! ولم يكن لهم من الخبرة المفصَّلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة الحديث، فذهب مذهبًا مركَّبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
وهذه طريقة الأشعري وأئمة اتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني وأمثالهما. ولهذا تجد أفضل هؤلاء، كالأشعري، يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها، عالم بتفصيلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقوالهم. وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظنٍّ بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم، كمالك، وعبد العزيز الماجشون، وحماد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون الواسطي، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلَّام ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجَّاج النيسابوري، والدارمِيَّيْن: أبي محمد عبد الله ابن عبد الرحمن، وعثمان بن سعيد، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وأبي داود السجستاني، وأبي بكر الأثرم، وحرب الكرماني، ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.
فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك اهـ(1).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (7/ 32 - 37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فالحاصل من كلام شيخ الإسلام:
أنه مما يؤخذ على القاضي أنه يظن في بعض الأحيان صحة بعض الأصول العقلية لنفاة الصفات، ويقول في بعض نصوص الصفات: إنها تُجري على ظاهرها، وتُحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله أي يفوض علم معناها إلى الله، فيتناقض حيث يثبت لها تأويلا يخالف ظاهرها، ويقول -مع هذا- أنها تحمل على ظاهرها. وتفويض علم المعنى ليس هو طريقة السلف، وإنما طريقتهم تفويض الكيفية فقط. وهذا ما أنكره ابن عقيل على القاضي في كتابه هذا(1).
خلاصة القول:
أن الرجل شيخ من شيوخ الحنابلة، المتبعين لإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهو (أي القاضي) من أهل الإثبات للصفات، والتسليم للنصوص من غير تعطيل ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تأويل، بل كتابه هذا مؤلف للرد على نفاة الصفات والمأولين لها، المحرفين لمعانيها، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن تابعهم.
أما القليل الذي وافق فيه المتكلمين -من نفي أو إثبات أو تفويض- مما يخالف كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو نهج أصحابه ومن تابعهم بإحسان، فنحن لا نقرُّه عليه، بل نردُّه ولا نقبله، والاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يوافق الدليل، والله تعالى أعلم.
وفاته:
توفي ليلة الاثنين بين العشائين، تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور.--------------------------------------------
(1) انظر المصدر السابق (1/ 16 وما قبلها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
قال ابنه في الطبقات (2/ 216): وقيل أنه لم يُر في جنازة -بعد جنازة أبي الحسن القزويني الزاهد- الجمع الذي حضر جنازته، فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد لحقهم الحر الشديد، فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع، وكان قد حضره عالم كثير جدًّا يفوت الإحصاء.
ما رؤي له من المرائي:
يقول ابنه أبو الحسين في طبقاته (2/ 220): وسمعت محمد بن مواهب يقول: سمعت أبا الحسن بن جدًا يقول: كنت نائمًا في داري ليلة مات القاضي أبو يعلى، فهتف لي هاتف وقال:
ما العيش بعدك مستطاب … هيهات أن يغشى لمثلك باب
فانتبهت، فلما أسفر الفجر، سمعت مناديًا ينادي: من أراد الصلاة على القاضي الإمام أبي يعلى، فعلمت أن الهاتف وبيت الشعر لأجله.
فرحم الله القاضي أبي يعلى رحمة واسعة، وغفر له ذنبه، آمين.
مصادر ترجمته:
1 - تاريخ بغداد (2/ 256).
2 - طبقات الحنابلة (2/ 193 - 230).
3 - الأنساب (9/ 246).
4 - مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (520 - 521).
5 - المنتظم له أيضًا (8/ 243 - 244).
6 - الكامل لابن الأثير (10/ 52).
7 - اللباب له أيضًا (2/ 413 - 414).
8 - العبر للذهبي (3/ 243 - 244).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
9 - سير أعلام النبلاء له أيضًا (18/ 89 - 91).
10 - الوافي بالوفيات (3/ 7 - 8).
11 - البداية والنهاية (12/ 94 - 95).
12 - شذرات الذهب (3/ 306 - 307).
13 - كشف الظنون (1/ 3) (2/ 1732).
14 - هدية العارفين (1/ 3) (2/ 1732).
15 - القاضي أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية - تأليف الشيخ محمد عبد القادر أبو فارس - ط الثانية 1403 هـ - مؤسسة الرسالة.
16 - مقدمة أبو يعلى الفراء وكتابه الأحكام السلطانية - تأليف الشيخ محمد عبد القادر أبو فارس - ط الثانية 1403 هـ - مؤسسة الرسالة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
التعريف بكتاب "إبطال التأويلات"
اسم الكتاب: اسمه كما هو مثبت على الورقة الأولى "إبطال التأويلات لأخبار الصفات"، وكذا سماه ابنه في طبقاته. وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض" (5/ 237) (6/ 207) باسم: "إبطال التأويل" وذكره في (1/ 16) باسم "ذم التأويل"، وذكره الذهبي في السير (18/ 9) باسم: "إبطال تأويل الصفات" ولعل ذلك وقع منهما على جهة الاختصار.
نسبة الكتاب للمؤلف:
أولًا: الكتاب منسوب للمؤلف في الورقة الأولى من الكتاب، فقد كتب ناسخه:
الحمد لله وحده، وجد على ظهر أول ورقة من نسخة كتاب إبطال التأويلات التي نسخنا منها هذه النسخة، بخط القاضي أبي الحسين بن القاضي أبي يعلى مؤلف الكتاب ما لفظه: قرأ عليَّ صاحبه الفقيه إسماعيل بن الحسن.
وكتب ناسخه أيضًا: ووجد أيضًا هذا الكتاب مؤلفه القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، القاضي أبو يعلى الفراء البغدادي شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ولد سنة 380، أخذ عنه أبو الوفاء علي ابن عقيل توفي في رمضان سنة 458 هـ.
وكتب أيضًا: دخل في ملك الفقير إلى الله تعالى محمد بن أمين الحسني الشنقيطي سنة 1337 هـ.
ثانيًا: ذكر العلماء له في ضمن مصنفات أبي يعلى، كما تقدم.
نسخة الكتاب: نسخة جيدة بقلم نسخي، وهي من مخطوطات مكتبة عباس العزاوي - العراق، وجاء وصفها في مجلة "المورد" المجلد السابع عشر - العدد الثاني (1408 هـ) (ص 182): "نسخة جيدة كتبها بقلم النسخ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
سنة 1337 هـ - 1918 م صالح بن دخيل الله بن جار الله على نسخة كتبت سنة 657 هـ - 1258 م وعليها قراءة منقولة لأبي الثناء محمد بن سليمان العرباني ومحمد بن علي التميمي على المؤلف، في أولها فهرس لمواضيع الكتاب ومقابلة على الأصل المنقولة عنه وتملك مؤرخ سنة 1337 هـ - 1918 م باسم محمد بن أمين الحسيني الشنقيطي - القياس: 394 ص - 22 × 16 سم - 17 س".
وقد أهداها لي أحد الإخوة في الله تعالى وكانت ناقصة الآخر، ثم لما سافرت إلى المدينة النبوية في عام 1409 هـ والتقيت بشيخنا ووالدنا الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله، أخبرته بأمر الكتاب وإني أعمل في تحقيقه، فقال: إن الكتاب عنده كامل وأذن لي بتصويره، فجزاه الله عنا خيرًا.
مادة الكتاب: الكتاب ألفه القاضي رحمه الله لبيان وشرح أحاديث الصفات، التي يظن بعض المبتدعة أن إثبات هذه الأحاديث ينافي التنزيه، ويوقع في التشبيه. وللرد خصوصًا على ابن فورك في كتابه "مشكل الحديث وبيانه".
وقد ذكر المصنف الدافع له على تأليف هذا الكتاب وخطته فيه فقال: أما بعد، فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات، وصح سنده من غير مطعن فيه، ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها، واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار.
وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن بن فورك الذي سماه "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار وتأولها، فتأملنا ذلك وبينا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله، وأوهم خلاف الحق في تخريجه، ولولا ما أخذ الله على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
العلماء من الميثاق على ترك كتمان العلم، لقد كان التشاغل بغير ذلك أولى. اهـ
إلا أنه يعاب على المصنف إيراده للأحاديث الواهية بل الموضوعة في كتابه هذا -مع أنه ذكرها بالإسناد-، والإطناب في شرحها وبيان غريبها.
وقد أشار إلى هذا -أي وجود بعض الأحاديث الموضوعة- شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" (5/ 237 - 239) فقال: وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في "إبطال التأويل" ردًّا لكتاب ابن فُورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج ونحوه، وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش، رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.
ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي(1) وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ، وشنَّع عليه أعداؤه بأشياء هو منها برئ، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر بن العربي في العواصم كذبٌ عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه(2)، مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز التميمي، المتوفى سنة 448 هـ، أشهر التميميين من أصحاب أحمد (طبقات الحنابلة) (2502 - 251) الذيل لابن رجب (1/ 77 - 85).
(2) يقول أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم (2/ 283): وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء، رئيس الحنابلة ببغداد كان يقول، إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة!! وانظر (2/ 306).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
ما هو كذب عليه، ففي كلامه ما هو مردود نقلًا وتوجيها(1)، وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه، يقول الجمهور: إنه جمع بين النقيضين.
ويقال إن أبا جعفر السمناني(2)، شيخ أبي الوليد الباجي قاضي الموصل، كان يقول عليه ما لم يقله، ويقال عن السمناني إنه كان مُسمَّحا في حكمه وقوله. اهـ
وقال الحافظ الذهبي في السير (18/ 91): ولم تكن له يدٌ طُولى في معرفة الحديث، فربما احتجَّ بالواهي. اهـ.
وكان قد تعرض لفتنة بعد تأليفه لهذا الكتاب، يقول الذهبي في السير (18/ 90): وجمع كتاب "إبطال تأويل الصفات" فقاموا عليه لما فيه من الواهي والموضوع، فخرج إلى العلماء من القادر بالله المعتقد الذي جمعه، وحُمل إلى القادر كتاب "إبطال التأويل" فأعجبه، وجرت أمورٌ وفتن -نسأل الله العافية- ثم أصلح بين الفريقين الوزير: علي بن المسلمة، وقال في الملأ: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تُمَرُّ كما جاءت. اهـ
* * *--------------------------------------------
(1) قلت: ومَن من الأئمة من لا يوجد في كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيهًا؟!
(2) هو محمد بن أحمد بن محمد السمناني، أبو جعفر قاضي حنفي ولد سنة 361 هـ، ولي القضاء بالموصل إلى أن توفي بها سنة 444 هـ، وكان مقدم الأشعرية في وقته، وشنع عليه ابن حزم، له تصانيف في الفقه (انظر تبيين كذب المفتري (ص 259)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
عملي في الكتاب
1 - تحقيق نص الكتاب، وإضافة القواعد الإملائية الحديثة، من وضع الفواصل والنقط وعلامات الاستفهام، وابتداء أوائل الفقرات والجمل من أول السطر وترقيمها، كما وضعت بعض العناوين زيادة في توضيح الكتاب وجعلتها بين معقوفين [].
وقد أبقيتُ أكثر أسماء الرواة على كِتْبتها الإملائية القديمة، ليتم ربط القارئ المسلم بماضيه، فلا يصاب بانفصام عنه، كسفيان وسليمان وإسحاق والحارث، فإنها كانت تكتب سفين وسليمن وإسحق والحرث.
2 - عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم.
3 - خرجت الأحاديث النبوية والآثار من مظانها، مع الحكم عليها صحة وضعفًا حسب قواعد أهل الحديث، وذكر المتابعات والشواهد للحديث إذا كان ضعيفًا، والتزمت الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم كلما ذكر، فإن المصنف يكتب الصلاة دون السلام اختصارًا، وأحيانًا يذكره ولا يكتب شيئًا.
4 - ترجمت للمؤلف فذكرت حياته وشيوخه ومؤلفاته وعقيدته ووفاته رحمه الله.
5 - ترجمت أغلب الأعلام الذين مَرُّوا في الكتاب باختصار.
6 - تعقبت المصنف في أكثر المسائل التي رأيت أنه خالف فيها الصواب -ولا أقول كلها منعًا للتطويل- وذكرت القول الصواب، مدعمًا بالأدلة وبأقوال أئمة السلف في المسألة.
7 - شرحت بعض الكلمات الغريبة التي مرت في النص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
8 - سوف أضع في نهاية الكتاب -إن شاء الله- ثلاثة فهارس لتيسير الاستفادة من الكتاب:
1 - فهرست للأحاديث النبوية.
2 - فهرست للآثار.
3 - فهرست للأعلام.
وختامًا أقول: إنني لا أدعي العصمة من الخطأ في عملي هذا، ولا أقول إنني قد وفيت الكتاب حقه كله، وإنما هو جهد حسب الطاقة، مع ضيق الوقت، وكثرة الشواغل والصوارف، والله الموفق وحده للصواب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام أجمعين والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أبو عبد الله محمد بن حمد الحمود النَّجدي في ضحى الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربع مئة وألف للهجرة النبوية(1).--------------------------------------------
(1) وقد تم الانتهاء من تحقيق الكتاب -بعد تأخره- هذه السنة 1434 هـ، وطبع الكتاب كاملا بدار غراس العامرة بالكويت، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
صورة عنوان الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
صورة الورقة الأولى من المخطوط وفيها بداية الفهرست
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
صورة الورقة الأولى من الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
صورة الورقة الأخيرة من الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
إبْطَالُ التَّأْوِيلَاتِ لِأَخْبَارِ الصِّفَاتِ
تَصْنِيفُ القَاضِي الإمَامِ الأَوْحَد أبي يَعْلَى مُحَمَّد بْن الحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الفَرَّاء
نَوَّرَ اللهُ وَجْهَهُ آمِين
المُتَوَفَّى سَنَة 458 هـ
تَحْقِيقُ وَدِرَاسَة أبي عَبْد الله مُحَمَّد بْن حَمَد الحَمُود النَّجْدِيّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)