عن الأئمة الصادقين الذين هو الأصل، فإنه فقد منذ فترة مبكرة1.
إن كتاب رجال الكشي يضم تراجم بعض الرواة الشيعة من الثقات والمجروحين، وقد رتب التراجم على أساس لقاء الراوي بأحد الائمة المعصومين عند الشيعة وروايته عنه فعندئذ يذكره في أصحاب الإمام، فالكشي يذكر أولا أصحاب علي رضي الله عنه، فأصحاب الحسن، ثم أصحاب الحسين، ثم أصحاب علي بن الحسين وهكذا حتى ينتهي بذكر أصحاب الحسن العسكري. وقد أدى اتباع هذا الترتيب إلى تكرار ترجمة الراوي عندما يروي عن أكثر من إمام فيذكر في أصحابهم جميعا. وتتراوح تراجمه بين بضعة عشر صفحة كترجمة سلمان الفارسي رضي الله عنه وبين السطر والسطرين، وتتضمن الترجمة أخبارا تتقدمها الأسانيد تبين مدى إخلاص صاحب الترجمة للائمة من آل البيت وتذكر ثناء الأئمة عليه أوتجريحهم له، وهذه الأخبار هي التي تحدد توثيق أو تضعيف الراوي في الغالب لأن المؤلف قلما يستعمل عبارات الجرح والتعديل2. وترد خلال الترجمة بعض فتاوى الأئمة والرواة أصحاب التراجم مما يدل على مكانة المترجمين في العلم والفقه، كما أن بعض الأخبار تشير إلى الصفات الخلقية والجسمية للمترجم، ويذكر عقائد بعض الرواة أحيانا كقوله "كان واقفيا"3، وقوله "كان من علبائية"4، وقوله "كان من الطيارة"5. ولا يهتم بذكر الأنساب وقلما يذكر سني الوفيات.--------------------------------------------
1 أحمد الحسيني: مقدمة رجال الكشي، 3-4.
2 الكشي: رجال الكشي، التراجم المرقمة "143"، "490"، "482".
3 المصدر السابق ترجمة رقم "520". والواقفية: تطلق على ثلاثة فرق من الغلاة هي الممطورية والموسوية والرجعية، لوقفهم الإمامة على موسى الكاظم وعدم إرسالها في أولاده "مختصر التحفة الأثني عشرية، ص20".
4 المصدر السابق ترجمة رقم "465". والعلبائية: من الغلاة وهم أصحاب العلباء بن ذراع الدوسي، وكان يفضل عليا على النبي صلى الله عليه وسلم "شهرستاني 2/ 12؛ ومختصر التحفة الاثني عشرية، ص14".
5 المصدر السابق ترجمة رقم "343". والطيارة: من الغلاة السبئية يزعمون أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغلس "البدء والتاريخ 5/ 129".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
3- كتاب الرجال 1:
لأبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي "ت450هـ" وقد ذكر في مقدمة الكتاب أنه أراد به الرد على من يقول من مخالفيهم بأن الشيعة لا سلف لهم ولا مصنف، ولذلك فقد ذكر تراجم من لهم كتب من رجال الشيعة، وقد يورد قائمة طويلة تستغرق صفحة كاملة بأسماء مصنفات صاحب الترجمة، وهو بذلك يقارب كثيرا كتاب الفهرست لابن النديم، فالمصنفات التي ذكرها ليست كلها في العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وإنما فيها أيضا كتب النحو والأدب والشعر والتاريخ والنوادر، ولكن الذي يجعله من كتب الرجال أن التراجم تضمنت التعريف بالراوي بذكر اسمه ونسبته وأحيانا ذكر نسبه وبلده الذي عاش فيه والمدن التي رحل إليها، وربما ذكر بعض شيوخ المترجم وبعض من رووا عنه، وقد يذكر عقيدته كقوله "كان واقفا"2، ومذهبه كقوله "كان زيديا"3، كما يستعمل في كثير من التراجم عبارات الجرح والتعديل مثل "ثقة"4 و"فيه نظر"5 و"كان ضعيفا في حديثه متهوما له"6. وترد في بعض التراجم أخبار تدل على توثيق الأئمة لصاحب الترجمة وتكشف عن صلته بهم وإخلاصه لهم.
وقد نقل بعض هذه الأخبار عن كتب سابقة مثل طبقات ابن سعد وكتاب أبي زرعة الرازي وكتاب الرجال للكشي، ولكن معظم الأخبار جاءت عن طريق شيوخه الكثيرين وتتقدمها الأسانيد في الغالب. وبعض التراجم طويلة بلغت الأربع صفحات وبعضها الآخر لا يتجاوز السطر الواحد.--------------------------------------------
1 طبع بعناية جلال الدين الغروري الآملي طبعة ثانية، ونشره مركز نشر كتاب جابخانة مصطفوي طهران "بدون تاريخ".
2 النجاشي: كتاب الرجال، 23.
3 المصدر السابق، 13.
4، 5، 6 المصدر السابق، 13، 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
4- كتاب الفهرست 1:
لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي "ت460هـ"، وقد ذكر في مقدمته سبب تاليفه ومنهجه في الكتاب، فقد حاول كما فعل معاصره النجاشي استيفاء المؤلفين من الشيعة وذكر مصنفاتهم مع بيان إسناد المؤلف إليهم.
وهو يشير إلى ما قيل في المصنف من التعديل والتجريح وهل يعول على روايته أم لا، وبيان اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له2. وسائر من ذكرهم من الشيعة الإمامية إلا من نص فيه على خلاف ذلك من الرجال الزيدية والفطحية والواقفة وغيرهم3، ويتراوح طول تراجمه بين السطر الواحد والصفحتين وغالبا ما تحدد قائمة مؤلفات المترجم طول ترجمته أو قصرها. وتبدأ الترجمة بذكر نسب الرجل وكنيته ونسبته إلى بلدته وأحيانا إلى قبيلته ثم يذكر روايته عن الأئمة أوبعض شيوخه، ثم يطلق إحدى عبارات الجرح والتعديل عليه، ثم يسرد مصنفاته وبعد ذلك يورد طريق إسناده إليه، وقد ختم بعض التراجم بذكر سني الوفيات.
5- كتاب الرجال:
لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي أيضا وقد ألفه بعد كتابه الفهرست4.
وهو مرتب على الطبقات وإن لم يصرح باسم الطبقات، فقد ذكر--------------------------------------------
1 طبع بعناية محمد صادق آل بحر العلوم، المطبعة الحيدرية بالنجف سنة 1937م.
2 الطوسي: الفهرست، 2.
3 محمد صادق آل بحر العلوم: مقدمة فهرست الطوسي/ س. والزيدية هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وهم يرون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، فيقرون بخلافة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، مع اعتقادهم بأفضلية علي، رضي الله عنه، "شهرستاني 1/ 207". أما الفطحية: فهم الذين قالوا بانتقال الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه عبد الله الأفطح أخي إسماعيل من أبيه وأمه "شهرستاني 2/ 3".
4 المصدر السابق/ و.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
أولا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصحاب الحسن، ثم أصحاب الحسين وهكذا حتى انتهى إلى ذكر أصحاب الحسن العسكري، وهكذا اعتمد اللقيا بين الراوي والإمام أساسا للترتيب. وقد رتب أصحاب كل إمام على حروف المعجم، فإذا انتهى من ذكر الأسماء ذكر من عرف بكنيته من أصحاب الإمام، ثم ذكر بعد ذلك النساء ممن روين عن الإمام. وقد اتبع هذا الترتيب في سائر الكتاب، فلما انتهى من ذكر أصحاب الأئمة عقد بابا ذكر فيه من لم يرو عن واحد من الأئمة لكنه عاد فذكر بعض من كان قد أوردهم في أصحاب الأئمة1.
أما عن طبيعة التراجم فد اقتصر في الغالب على تجريد أسماء الرواة، فلا يزيد على ذكر الاسم واسم الأب والكنية والنسبة وقد يذكر شهوده بدرا أو احدا أو يذكر المصر الذي نزله الصحابي، كما يذكر اشتراك بعض أصحاب علي في الجمل أو صفين، ولم يقصد الكلام عن التوثيق والتجريح وإن أورد أحيانا بعض عبارات الجرح والتعديل وإنما فعل ذلك عندما يكون الرجل مظنة التوثيق وهو عنده مجروح، أو منظة التجريح وهو عنده ثقة فيذكر ما يدل على توثيقه أو تجريحه. وهذه نماذج لما استعمله من عبارات التعديل: ثقة، ثقة، ثقة، ثقة صحيح، ثقة مأمون، من أصحابنا، أحد الأركان الأربعة، جليل القدر، بصير بالفقه، حفظة، مستقيم المذهب، خير، مشكور، مرضي، رجل صالح، فاضل، دين.
وأما عبارات الجرح التي استعملها فمنها ضعيف، فيه نظر، مخلط، خبيث، مجهول، مدلس، ملعون، غالي ملعون، واقفي، يقول بالتفويض من الطيارة.--------------------------------------------
1 رأى البعض أن سبب هذا التناقض التخليط والغلط، وذهب الشيخ عبد الله المامقاني "ت1351هـ" إلى أنه اعتبر في ذلك اللقيا، فإن روي عن الإمام مرة بصورة مباشرة وأخرى بواسطة آخر، فإنه يورده في المرة الأولى ضمن أصحاب الإمام، وفي الثانية فيمن لم يرو عن الأئمة "أنظر محمد صادق آل بحر العلوم: مقدمة كتاب رجال الطوسي، 58".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
أسس تنظيم كتب علم الرجال
التنظيم على النسب
…
أسس تنظيم كتب علم الرجال:
اتبعت كتب علم الرجال في تنظيم مادتها الأسس الأربعة التالية:
1- التنظيم على النسب.
2- التنظيم على الطبقات.
3- التنظيم على المدن.
4- التنظيم على حروف المعجم.
1- التنظيم على النسب:
كان للأنساب أهمية كبيرة عند العرب في الجاهلية فاهتموا بحفظها وكان شعرهم الذي يكون الشطر الأكبر من أدبهم يحتوي على ثروة من علم النسب1، ولا شك أن حياة البداوة التي جعلت من القبيلة أكبر وحدة اجتماعية وسياسية في حياتهم لها دخل كبير في اهتمامهم بالأنساب إذ لابد لأفراد القبيلة من معرفة مفاخر آبائهم وأجدادهم وأصالة أنسابهم، كما لابد لهم منمعرفة مثالب القبائل الأخرى فبذلك يوفرون مادة لأهم أغراض شعرهم: الفخر والهجاء.
وقد استمر الاهتمام بالأنساب بعد ظهور الإسلام وانتشاره وقيام دولته، فلم يمنع الإسلام الاهتمام بالأنساب وإن كان قد قاوم العصبية القبلية، وكل--------------------------------------------
1 أنظر عن احتواء الشعر على الأنساب:
Dentan، The Idea of History in the ancient Near East، p. 246-249.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
عصبية جاهلية ذلك لأن العصبية شيء ومعرفة الأنساب شيء آخر، فقد حث القرآن الكريم الناس على التعارف، ولا يكون التعارف دون معرفة الأنساب1.
وقد نسب النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وحض على تعلم الأنساب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علموا أنسابكم تصلوا أرحامكم" 2.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف أنساب قبائل العرب وربما نسب بعض أصحابه، "قال عمرو بن مرة الجهني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من كان من معد فليقم" فقمت فقال لي: "إجلس" فعل ذلك ثلاثا. قلت يا رسول الله ممن نحن؟ قال: "أنتم من قضاعة بن مالك بن حمت بن سبأ" 3. كما نسب أيضا سعدا حين سأله: من أنا يا رسول الله؟ قال: "أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير ذلك فعليه لعنة الله" 4.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلم قريش بأنسابها شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك5.
وورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله "تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون به ما يحل كم مما يحرم عليكم من النساء، ثم انتهوا" 6.
وقد حدث في حياته صلى الله عليه وسلم أن اجتمع بعض الصحابة على رجل يحدث بالأنساب في المسجد فيذكر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا--------------------------------------------
1 قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} "سورة الحجرات: آية 13".
2 الحاكم: معرفة علوم الحديث، 169؛ وانظر ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، 3.
3 خليفة: الطبقات، 32أ.
4 الحاكم: معرفة علوم الحديث، 169.
5 المصدر السابق، 169.
6 السمعاني: أنساب، 1/ 11. وقوله "ثم انتهوا" أي: عن التفاخر المؤدي إلى العصبية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
جماعة فقال: "ما هذا؟ " قالوا: رجل علامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وما العلامة؟ " قالوا: رجل عالم بأيام الناس وعالم بالعربية وعالم بالأشعار وعالم بالأشعار العرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا علم لا يضر أهله" 1. وبإسناد آخر عن أبي هريرة، أنه قال: "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" 2، وهكذا لم ينههم النبي صلى الله عليه وسلم عن الاجتماع على تعلم الأنساب والأخبار والأشعار، وقد حدث الكلام عنها في مسجده بالذات، وأما قوله: "هذا علم لا ينفع" في رواية أبي هريرة رضي الله عنه فلعله أراد الأشعار والأخبار لأن نفع علم الأنساب ظاهر وقد حض صلى الله عليه وسلم تعلمه3. إذ أن قسما من أحكام الشرع يحتاج تطبيقها إلى معرفة الأنساب، ولذلك كانت معرفة بعض الأنساب فرضا على المسلمين كمعرفة نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة أن الخلافة لا تجوز إلا في قريش فلو جهلت الأنساب لأمكن ادعاء الخلافة لمن لا تحل له، وكمعرفة الأنسان أباه وأمه وكل من يلقاه بنسب في رحم محرمة لما يترتب على ذلك من أحكام الزواج والمواريث4.
لقد رتب ديوان الجند الذي أنشأه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على القبائل، وقد راعى عمر القرابة من النبي صلى الله عليه وسلم في تسلسل القبائل التي سجلها فقدم بني هاشم على غيرهم من العشائر القرشية، وقدم قريش على غيرها من القبائل العربية5، وقد أصبح هذا التسلسل في ترتيب العشائر أساسا اتبعته كتب النسب التي كتبت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري فيما بعد.
ويمكن أن نعتبر ديوان الجند أول تقييد شامل للأنساب وكانت الحاجات العملية للدولة هي التي أدت إلى ظهوره.--------------------------------------------
1 المصدر السابق، 1/ 9.
2 المصدر السابق.
3 يرى ابن حزم أن حديث "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" موضوع لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنظر: جمهرة أنساب العرب، 3-4.
4 ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، 2.
5 ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/ 282-296؛ والطبري: تاريخ الرسل والملوك، 1/ 2749-2750.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
لقد أعطت السابقة في الإسلام والمشاركة في الغزوات الأولى مع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابها مكانة مرموقة بين المسلمين، وهذا ما حدث للمهاجرين الأولين والبدريين والأحديين وأهل بيعة العقبة، وقد امتدت آثار ذلك إلى ابنائهم وأحفادهم فاهتم هؤلاء بحفظ أنسابهم والتعريف بها لما في ذلك من قيمة اجتماعية، وينبغي أن لا ننسى أن أهل السابقة في الجهاد تمتعوا بامتيازات اقتصادية أيضا زمن عمر بن الخطاب1.
وقد ظل التماسك القبلي قويا عندما استقر العرب في الأمصار المفتوحة فكانت خطط الأمصار كالبصرة والكوفة قائمة على أساس قبلي حيث سكنت كل عشيرة في موضع خاص بها2.
وكانت القبيلة هي الوحدة العسكرية في ميادين القتال، كما كانت أساسا للتنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار3.
وهذه العوامل جعلت معرفة الأنساب ضرورة دينية واجتماعية وعسكرية وإدارية فاستمر الاهتمام بها حتى برز في ظل الدولة الإسلامية عدد من كبار النسابين الذين كانوا يعتمدون على ذاكرتهم قبل بدء تدوين الأنساب منهم من جيل الصحابة أبوجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي فهو أحد أربة كانت قريش تأخذ منهم علم النسب4، وقد استمر اهتمامه بالأنساب بعد إسلامه، وجبير بن مطعم بن عدي الذي كان من أعلم الناس بالأنساب5، ودغفل بن حنظلة السدوسي الذي اختاره معاوية بن أبي سفيان لتعليم ابنه يزيد علم الأنساب6 وعبيد بن شرية الذي اشتهر بمعرفة أنساب--------------------------------------------
1 ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/ 296.
2 أنظر أحمد كمال زكي: الحياة الأدبية في البصرة، 27-29.
3 العلي: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة، 38-40.
4 ابن عبد البر: الاستيعاب، 4/ 1623.
5 ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، 5.
6 ابن عبد البر: الاستيعاب، 4/ 1623، وقال: "يقال أن له صحبة ورواية ولا يصح عندي سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
وأخبار اليمن وصحار العبدي والشرقي بن القطامي وغيرهم1 وقد استمر الاهتمام بالأنساب خلال القرنين الأول والثاني الهجريين ولكن التأليف في الأنساب بدأ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ولعل أول من ألف في الأنساب بعد محاولة الزهري التي لم تتم هو أبو اليقظان النسابة "ت190هـ" ومعاصره مؤرج بن عمرو السدوسي "ت195هـ" وهشام بن الكلبي "ت204هـ" ولا غرابة في أن يكون هؤلاء الثلاثة عراقيين فقد تركزت في العراق فعاليات النسابين خلال القرنين الأولين للهجرة في الكوفة والبصرة وهما مركزان نشيطان للقبال العربية2.
ولم يقتصر الاهتمام بالأنساب على النسابين الذين كانت الأنساب مادتهم الرئيسية فقد اهتم المحدثون أيضا منذ القرون الأولى بالأنساب فلا نجد محدثا كبيرا إلا وله علم بالنسب وممن عرف بذلك سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين، وقد تابعه في الاهتمام بالأنساب ابنه محمد بن سعيد3 وتلميذه محمد بن شهاب الزهري الذي يقول: "ما خططت سوداء في بيضاء إلا نسب قومي"4 وقتادة بن دعامة السدوسي الذي قال فيه أبو عمرو بن العلاء: "أنه كان من أنسب الناس"5، والقاسم بن ربيعة وكان الحسن البصري إذا سئل النسب، قال: "عليكم بالقاسم بن ربيعة"6.
وترجع عناية المحدثين بالأنساب إلى أهميتها في معرفة رواة الحديث ولذلك فقد استمر الاهتمام بالأنساب في أوساط المحدثين خلال القرن الثاني الهجري وعندما ظهرت المصنفات في رجال الحديث احتوت مادة غزيرة في--------------------------------------------
1 ابن النديم: الفهرست، 137-138.
2 الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب، 34.
3 ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، 5.
4 الرامهرمزي: المحدث الفاصل، 52.
5 الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1/ 123.
6 ابن سعد: الطبقات الكبرى، 7/ 152.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
النسب. وليست مادة النسب هذه دخيلة على علم الرجال، فالأصل في كتب الرجال التعريف بالرواة بذكر أنساب آبائهم وأمهاتهم، وقد انتقد ابن الأثير كتابي أبي عبد الله بن مندة وأبي نعيم الأصبهانيين في معرفة الصحابة لأنهما أكثرا ذكر الأحاديث والكلام عليها وبيان عللها ولم يطيلا نسب الشخص وأخباره وأحواله مما يعرف به، وامتدح من ناحية كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر القرطبي لأنه استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه وكل ما يعرف به حتى أنه يقول هو ابن أخي فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية، وكان هذا هو المطلوب من التعريف أما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه1.
وهكذا أوضح ابن الأثير أن النسب من المادة الأساسية في كتب الرجال، فلا عجب إذا وجدنا بعض المصنفين في علم الرجال يرتبون مادتهم على النسب.
والترتيب على النسب يعني أن المصنف يجمع الرواة الذين هم من عشيرة أو قبيلة واحدة في موضع واحد يقدم لهم مثلا بقوله: ومن قريش ثم من بني هاشم فلان وفلان.. ويذكرهم، ثم يتبع نسقا معينا في عرض القبائل والعشائر بأن يبدأ بمضر ثم قحطان، ولا يقدم قحطان على مضر، كذلك يبدا من مضر بقريش ثم بقية قبائل مضر وهذا التقديم قائم على أساس القرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق القول أن أول من اتبع هذا التسلسل عند سرد الأنساب عمر بن الخطاب في تدوين الديوان، ولما ظهرت كتب الأنساب تقيدت بهذا التسلسل، ثم امتد هذا التنظيم إلى كتب الرجال التي نظمت مادتها على النسب، بل امتد أيضا إلى بعض المسانيد الحديثية التي رتبت الشيوخ على القبائل2. ومن هذا يتضح أن تنظيم القبائل بهذا الشكل إسلامي بحت ولا يرجع إلى أصول جاهلية.--------------------------------------------
1 ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، 1/ 5.
2 السيوطي: تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، 354-355.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
إن أقدم من أخذ بالترتيب على النسب من المصنفين في الرجال هما خليفة ابن خياط "ت240هـ" في "الطبقات" ومحمد بن سعد "ت230هـ" في "الطبقات الكبرى".
فأما خليفة فقد كان أكثر التزاما بالترتيب على النسب حيث جعل النسب هو الأساس الوحيد في ترتيب الصحابة في المدينة، ولم يعتبر السابقة في الإسلام ولا تقدم سنة الوفاة، ولا التفاضل بين الصحابة، وبهذا استطاع أن يعرض الرواة من الصحابة على أساس العشائر دون إخلال بهذا الأساس سواء في ما كتبه عن الصحابة في المدينة أو ما كتبه عن الصحابة في الأمصار كالكوفة والبصرة، وكذلك فعل عند كلامه عن الصحابة الذين نزلوا بلاد الشام.
ويستمر التقسيم على النسب ظاهرا في طبقات خليفة عند كلامه عن التابعين في الكوفة والبصرة والمدينة، ولا يتجاوز هذا الأساس إلا في موضع واحد فقط عند ذكره للطبقة الثانية من التابعين في المدينة، فقد قدم ابناء المهاجرين على غيرهم معتبرا السابقة في الإسلام، ولكنه عاد بعد ذلك إلى الترتيب النسبي.
وقد حافظ خليفة بن خياط على النسق الذي اتبعه في تسلسل القبائل من بداية كتابه حتى يتلاشى عنده الترتيب على النسب بعد التابعين، مما يؤكد أن تسلسل القبائل عنده لم يكن مجرد ترتيب عرضي بل هو أمر مقصود قائم على فكرة القرابة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو بذلك يتابع كتب الأنساب.
إن الترتيب على النسب يختفي بعد طبقة التابعين، ولا يعود إلى الظهور إلا في القسم الأخير الذي خصصه للنساء.
أما محمد بن سعد فقد مزج بين الترتيب حسب السابقة في الإسلام وحسب النسب في القسم الذي خصصه للصحابة في المدينة1، حيث اعتبر السابقة في الإسلام الأساس الأول، فوضع البدريين طبقة أولى، وجعل من له إسلام قديم وهاجر إلى الحبشة أو شهد أحدا ثم من أسلم قبل فتح مكة طبقة--------------------------------------------
1 وهما المجلدان الثالث والرابع من طبعة بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
ثانية من الصحابة، ولم يسم الطبقة الثالثة من الصحابة وهم من أسلم بعد الفتح، غير أنه رتب الرجال ضمن الطبقة الواحدة على اساس النسب، فهو يبدأ في طبقة البدريين مثلا ببني هاشم ثم بقية بطون قريش ثم مضر فالأوس فالخزرج.. إن اعتبار ابن سعد السابقة في الإسلام جعله يقسم الصحابة إلى ثلاث طبقات1. ومن ثم فلم يعد بإمكانه المحافظة على الترتيب النسبي بصورة دقيقة كما فعل خليفة بن خياط الذي اعتبر الصحابة طبقة واحدة، فترجمة العباس بن عبد المطلب مثلا تأتي عند خليفة بن خياط بعد ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة في حين تتقدمها عند ابن سعد تراجم الكثيرين من الذين شهدوا بدرا ولا تأتي ترجمة العباس عنده إلا في الطبقة الثانية من الصحابة.
وبينما يمتد الترتيب على النسب في طبقات خليفة إلى الصحابة في الأمصار وإلى طبقة التابعين فغن ابن سعد يقتصر في استعمال الترتيب النسبي على الصحابة والصحابيات2 في المدينة.
إن خليفة وابن سعد اهتما بالترتيب على النسب في القسم الذي خصصاه للصحابة من كتابيهما في الطبقات، في حين تقل مراعاتهم لذلك في بقية أقسام كتابيهما، وقد ألفت كتب كثيرة في معرفة الصحابة منذ أوائل القرن الثالث الهجري، ولكن لم يصل إلينا منها إلا القليل، وأقدم ما وصل إلينا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لعلي بن المديني "ت234هـ" ورغم أنه لا يرتب كتابه على النسب--------------------------------------------
1 ذهب البعض إلى أنه جعلهم خمس طبقات "العراقي: فتح المغيث، 4/ 53". ولعل ذلك باعتبار البدريين طبق أولى. ومن له إسلام قديم أوهاجر إلى الحبشة طبقة ثانية، ومن شهد أحدا طبقة ثالثة، ومن أسلم قبل الفتح طبقة رابعة، ومن أسلم بعد الفتح طبقة خامسة، لكن الفصل بين من له إسلام قديم أو هاجر إلى الحبشة وبين من شهد أحدا ومن أسلم قبل الفتح وجعلهم ثلاث طبقات غير واضح عند ابن سعد.
2 خصص ابن سعد المجلد الثامن للنساء الصحابيات، ولا يظهر فيه الترتيب على النسب واضحا، ولكن ملاحظة تعاقب التراجم يدل على أنه جمع النسوة من العشيرة الواحدة في موضع واحد متبعا النسق التقليدي في تسلسل العشائر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
بل اعتبر في الترتيب السابقة في الإسلام والفضل إلا أن أثر الترتيب النسبي يظهر في ذكر ابناء الصحابة وأحفادهم بصورة مجتمعة.
وأما كتاب "معرفة الصحابة" لأبي عبد الله بن مندة "ت395هـ" فهو مرتب على حروف المعجم، وكذلك كتاب "معرفة الصحابة" لأبي نعيم "ت430هـ". وكتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر "ت463هـ".
ومن الكتب المتأخرة التي اعتمدت على كتب المتقدمين وحفظت لنا بعض مادتها كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير الجزري "ت630هـ" وقد جمع فيه كتب ابن مندة وأبي نعيم وابن عبد البر ونقل عن أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني "ت518هـ" الذي استدرك على ابن مندة، وعن أبي علي الغساني الذي استدرك على ابن عبد البر، كما نقل عن آخرين أيضا لم يذكرهم في قائمة مصادره منهم جعفر بن محمد المستغفري "ت432هـ" ولكن ابن الأثير لم يذكر شيا عن ترتيب هذه المؤلفات، أما كتاب ابن الأثير نفسه فقد رتبه على حروف المعجم. وكذلك رتب العسقلاني "ت852هـ" كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" على حروف المعجم أيضا.
وهكذا فإن سائر ما وصل إلينا من كتب الصحابة مرتب على حروف المعجم إلا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لابن المديني، كما يشير السخاوي إلى أن كتاب أبي أحمد العسكري "ت382هـ" في "معرفة الصحابة" مرتب على القبائل1.
وخلاصة القول، أنه لا يوجد ما يشير إلى استمرار الترتيب على النسب بصورته الدقيقة كما استعمله ابن سعد وخليفة بن خياط، ويمكن القول أن معظم المصنفين في "معرفة الصحابة" تركوا الترتيب على النسب لأنه يجعل تناول الكتاب والإفادة منه من الصعوبة بمكان خاصة وأنهم لم يكونوا يستعملون--------------------------------------------
1 السخاوي: الاعلان بالتوبيخ، 542.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
فهارس مفصلة كالتي نجدها في المصادر المطبوعة في وقتنا الحاضر، ولذلك فقد لجأوا إلى الترتيب على حروف المعجم.
وأخيرا فليس من الغريب أن لا نجد أثرا للترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى فإن الترتيب على النسب كما تمثل بدقة عند ابن سعد، وخليفة إنما يتعلق بالقسم الخاص بالصحابة وأنساب الصحابة معلومة، فإذا تخلت كتب معرفة الصحابة عن الترتيب على النسب فكيف نتوقع استمرار الترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى التي تشتمل على كثيرين من الموالي أو العرب الذين لم تضبط أنسابهم كما ضبطت أنساب الصحابة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
2- التنظيم على الطبقات:
لم يستعمل القرآن الكريم لفظ "الطبقة" ولكنه استمعل "طبق" و"طباق" قال تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق} 1. وقال: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} 2.وتذكر معاجم اللغة كلمة "الطبقة" في مادة "طبق". وطبق من الناس أي جماعة، والمطابقة: الموافقة، وطبقات الناس مراتبهم3. قال ابن الأعرابي: "الطبق الجماعة من الناس يعدلون جماعة مثلهم"4. وقد حاول اللغويون المتقدمون تحديد الطبقة زمنيا فذكر الهجري عن ابن عباس: الطبقة عشرون سنة5. ولكننا إذا قبلنا مثل هذا التحديد فإن من الصعوبة أن نسلم بظهور فكرة الطبقات بهذا الوضوح والدقة في جيل ابن عباس. ولا يمكن في هذا المجال أن نعول على حديث "أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة--------------------------------------------
1 سورة الانشقاق: آية 19.
2 سورة الملك: آية3، سورة نوح: آية 14.
3 الجوهري: الصحاح، 4/ 1512.
4 ابن منظور: لسان العرب، 12/ 79.
5 المصدر السابق، 15/ 80؛ وانظر الزبيدي: تاج العروس، 6/ 414.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
أهل تراحم وتواصل ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج النجا النجا"1. فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات2.
وقد أطلقت الطبقة على القرن مجازا، إذا اقتصرنا على تحديد معين للقرن وهو الجيل3.
ورغم هذه المحاولات في تحديد الطبقة زمنيا فإن استعمال الطبقة كوحدة زمنية ثابتة لم يظهر إلا في فترة متأخرة جدا وذلك حينما استعملها الذهبي وجعلها تساوي عشر سنين4.
ويرى روزنثال أن تقسم الطبقات إسلامي أصيل وأنه أقدم تقسيم وجد في التفكير التاريخي الإسلامي وأنه نتيجة طبيعة لفكرة صحابة الرسول فالتابعون … إلخ، ولا علاقة له بمؤثرات خارجية5. ومما يؤيد هذا الرأي حديث أورده البخاري ونصه "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"6، فخير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين7. على أن للقرن تعاريف متباينة منها أنه مائة سنة وقد بين الحافظ ابن حجر أنه التحديد المشهور، وقال: "والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها"8.--------------------------------------------
1 ابن ماجة: السنن، 2/ 1349.
2 المصدر السابق، السنن، 2/ 1349؛ أنظر الحاشية منها.
3 ابن منظور: لسان العرب، 12/ 80؛ وانظر الزبيدي: تاج العروس، 6/ 414.
4 الذهبي في تاريخ الإسلام.
5 روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، 133-134.
6 البخاري: الصحيح، 5/ 2-3.
7 العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 16/ 170.
8 فتح الباري، 7/ 3-4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
إن أبسط أشكال التقسيم على الطبقات هواستعمالها بمعنى جيل، وقد استعمل بعض المصنفين كلمة قرن بدل طبقة، فعل ذلك بحشل في "تاريخ واسط" الذي ألفه سنة 288هـ، رغم ان استعمال الطبقات كان معروفا في عصره1، بل أن بحشل نفسه استعمله في مؤلفه مرة2. وقد قسم الرواة من أهل واسط حتى طبقة شيوخه إلى أربعة قرون3.
إن استعمال الطبقة للدلالة على الجيل يتمثل بصورة واضحة في مصنفات ابن حبان البستي "ت354هـ" ففي كتابيه" الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار" قسم الرواة إلى أربع طبقات هي الصحابة والتابعون وأتباع التابعين وتبع الأتباع. وكذلك فعل الحاكم النيسابوري "ت404هـ" في تاريخ نيسابور حيث قسم الرواة إلى صحابة، تابعين، أتباع التابعين. فلما انتهى من ذكر أتباع التابعين، قال: "ثم الأتباع وهو القرن الرابع بعد النبوة والثالث بعد الصحابة"4، وهكذا استعمل الحاكم الطبقة والقرن والجيل كمترادفات.
ولكن أقدم استعمال للطبقة لم يكن بمعنى الجيل كما لم يكن بسيطا كما استعمله ابن حبان فيما بعد وإن كان التقسيم إلى صحابة … تابعين. أتباع التابعين واضحا تمام الوضوح في أقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات ولكنه بمثابة إطار يحتوي على تقسيمات أصغر ضمنه. فقد قسم الصحابة وحدهم إلى عدة طبقات بلغت أحيانا اثنتي عشر طبقة بالنظر إلى السبق في الإسلام والهجرة وشهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم5. وقد قسمهم البعض إلى أكثر من اثنتي عشر طبقة6. وكذلك قسم كل من التابعين وأتباع التابعين إلى عدة طبقات.
وقد تباين عدد طبقات كل من الصحابة والتابعين والأتباع في كتب الرجال لأن--------------------------------------------
1 روزنثال: علم التاريخ عند المسلمين، 229.
2 بحشل: تاريخ واسطن 122، 131.
3 المصدر السابق، 47، 85، 151، 218.
4 تاريخ نيشابور، 175.
5 الحاكم: معرفة علم الحديث، 22-25.
6 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
ذلك يتصل بذوق المصنف واجتهاده، وأقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد وكتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "ت261هـ". وتسمية هذه الكتب بالطبقات يدل على تأصل نظام الطبقة في هذه الفترة المبكرة.
أما خليفة بن خياط فقد اعتبر الصحابة كلهم طبقة واحدة إذ لم يعتبر شرطا غير كونهم صحابة فلم يأبه إلى السابقة في الإسلام أوالفضل كما يفعل معاصره محمد بن سعد.
أما التابعون والأتباع فقد قسمهم إلى عدة طبقات يتباين عددها بين المدن ولم يميز بين طبقات التابعين وطبقات الأتباع ومن بعدهم بل ذكر طبقات الرواة بتعاقب حتى عصره.
وأما محمد بن سعد فقد جعل الصحابة ثلاث طبقات1، ويرى البعض أنه جعلهم خمس طبقات2 وقد اعتبر في تقسيمهم السابقة في الإسلام فقد جعل البدريين طبقة أولى والمسلمين الأوائل ممن شهد أحدا وما بعدها من المشاهد طبقة ثانية وألحق بهم من أسلم قبل الفتح3، ولم يذكر ابن سعد من أسلم بعد الفتح حيث يكونون حسب ترتيبه الطبقة الثالثة. أما التابعون فتختلف طبقاتهم بين المدن ولكنه بصورةعامة جعلهم ثلاث طبقات وربما بلغ بهم أربع طبقات4، ولكن التمييز بين التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في طبقات ابن سعد عسير إلا على من له معرفة واسعة بالرجال، لأنه سرد طبقاتهم جميعا بتعاقب ولم يفصل بينهم كما فعل في تمييز الصحابة عن غيرهم5.--------------------------------------------
1 ابن الصلاح: مقدمة، 121.
2 العراقي: فتح المغيث، 4/ 53.
3 مبدأ اعتبار السابقة في الإسلام والفضل في تقسيم الصحابة اتبعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توزيع العطاء.
4 العراقي: فتح المغيث، 4/ 53.
5 في الطبقات الكبرى "ليدن" تجد في آخر الطبقة السابعة من أهل المدينة قوله "آخر طبقات التابعين" وهذا خطأ لأن فيهم من توفي سنة 229هـ ولا أعلم مصدر هذا الوهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
ويحق هنا أن نتساءل عن مفهوم الطبقة عند خليفة بن خياط ومحمد بن سعد؟ هل للطبقة عندهما مفهوم زمني معين؟
إن التمحيص يدل على أن خليفة بن خياط ومحمد بن سعد كليهما لم يعتبرا سني الوفيات أساسا يعتمدانه في التقسيم على الطبقات. فالتداخل كبير بين سني وفيات تراجم الطبقات المتتالية، ففي طبقات خليفة نجد أن وفيات الطبقة الرابعة من البصريين مثلا تتراوح بين "110-115هـ" بينما وفيات الطبقة الخامسة تتراوح بين "128-132هـ" كذلك تتراوح وفيات الطبقة السادسة منهم بين "136-156هـ" في حين تترواح وفيات الطبقة السابعة منهم بين "149-115هـ" وأما في طبقات ابن سعد فتتراوح وفيات الطبقة الأولى من الكوفيين مثلا بين "62-115هـ" وتترواح وفيات الطبقة الثانية منهم "83-111هـ" وهكذا جعل في الطبقة الأولى من تأخرت وفياتهم عن أهل الطبقة الثانية. فالتقسيم على الطبقات إذ لا يقوم على اعتبار سني الوفيات في هذه الفترة المبكرة فعلى أي أساس يقوم إذا؟
لقد ذكرت أن أساس تقسيم الصحابة إلى طبقات عند ابن سعد هو اعتبار السابقة في الإسلام، أما طبقات التابعين ومن بعدهم فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل، وهم الطبقة الأولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك فإن من روى عن سعيد بن المسيب وغيره من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الأولى من أتباع التابعين.
إن كتابي خليفة بن خياط ومحمد بن سعد في تراجم المحدثين قد وضعا لخدمة علم الحديث ومن ثم فقد جاء ترتيب كتابيهما على الطبقات ملائما لهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
الغرض حيث استعملا الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاء والسن وبعبارة أدق من حيث تقاربهم في السن وفي الشيوخ الذين أخذوا عنهم.
وذكر التقارب في السن هنا لا يتناقض مع قولي أن الطبقات لم تعتبر الوفيات أساسا تقوم عليه إذ من الطبيعي أن من يلقى كبار الصحابة يكون متقدما في السن وتتقدم وفاته في العادة على وفاة من يلقى صغار الصحابة، ولذلك نجد أن وفيات الطبقة الأولى غالب ما تتقدم على وفيات الطبقات التالية.
إن عدم اعتبار سني الوفيات أساسا للتقسيم على الطبقات هو الذي جعل الطبقة في فترة النشأة لا تتخذ مفهوم الوحدة الزمنية الثابتة، فمرة تكون حوالي العشر سنوات، وأخرى تقارب العشرين سنة، وثالثة في حدود الجيل وربما تجاوزته.
إن التمييز بين طبقات الصحابة والتابعين ومن بعدهم لها علاقة بنقد إسناد الحديث فهي وسيلة لمعرفة ما في الحديث من غرسال أو انقطاع1 أو عضل أو تدليس2. وبمعرفة طبقات الرواة أيضا يمكن التمييز بين السماء المتشابهة والمتفقة، فقد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر، فإذا أردنا التمييز بينهما فينبغي معرفة طبقتيهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الإسم لا يروي عمن روى عنه الآخر فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روي عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ والمعرفة3.--------------------------------------------
1 ابن الصلاح: مقدمة، 123.
2 المرسل: هو ما سقط من إسناده إسم الصحابي. "انظر ابن كثير: الباعث، ص47".
المنقطع: هو أن يسقط من السند رجل ليس بصحابي. "انظر: الباعث، ص47".
المعضل: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا. "الباعث، ص51".
المدلس: أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه سمعه منه. "ابن كثير: الباعث الحثيث، ص53".
3 العراقي: فتح المغيث / 161.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)