وقد تأول بعض الكرامية1 حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فقالوا: نحن نكذب له لا عليه ومن ثم فقد ذهبوا إلى جواز وضع الحديث ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا لهم عن المعصية2.
وقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل سور القرآن الكريم ترغيب للناس في قراءتها وقد ًُُسأل عبد الرحمن بن مهدي ميسرة بن عبد ربه من أين جاء بأحاديث من قرأ كذا فله كذا فأجابه وضعتها أرغب الناس فيها3.
وقد اعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي بوضع الحديث في فضائل القرآن وسوره وذلك لإعراض الناس عن القرآن واشتغالهم بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق4.
وقد أودعت كتب التفسير أحاديث فضائل السور الموضوعة كالواحدي والثعلبي والزمخشري فمنهم من ذكرها بأسانيد كالثعلبي والواحدي والثعلبي ومنهم من لم يسندها كالزمخشري وهذا خطا أفحش5 وبسبب ما وضع في فضائل السور قال الإمام أحمد بن حنبل "ثلاثة كتب ليس لها أصول المغازي والتفسير والملاحم" قال العسقلاني "ينبغي أن يضاف إليها الفضائل"6 ولا يعني ما سبق--------------------------------------------
1 الكرامية: أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام. وقد أثبت الصفات وانتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه (الشهرستاني الممل والنحل، ص99".
2 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 2/ 23أ.
العراقي: فتح المغيث/ 132-133.
السيوطي: تدريب الراوي/ 185.
3 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 2/ 23أ.
وابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5أ.
4 ابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5أ.
5 العراقي: فتح المغيث/ 130.
6 العسقلاني: لسان الميزان 1/ 13. وكلام الإمام أحمد ينبغي أن لا يؤخذ على إطلاقه فالمغازي والتفسير لهما أصول معتبرة وإنما قصد التحذير من المدخول عليهما. وقد فهم الخطيب قول أحمد على أنه قصد كتبا بعينها اشهرها كتابان للكلبي ومقاتل بن سليمان. وقد قال الإمام أحمد في تفسير الكلبي: من أوله إلى آخره كذب لا يحل النظر فيه. وحمل كثير من أهل العلم كلام الإمام أحمد على أنه ما صح في التفسير قليل بالنسبة لما لم يصحن، وقد ثبتت أحاديث التفسير في أمهات الكتب الصحيحة كالبخاري ومسلم والموطأ والترمذي. "السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص184".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أن سائر الأحاديث الواردة في فضائل السور هي من الموضوعات بل صحت الأحاديث في ذلك وقد جمع السيوطي في ذلك كتابا سماه "خمائل الزهر في فضائل السور"1.
وقد أدرك العلماء خطر قيام الصالحين بوضع الأحاديث فهي تلقى رواجا لحسن ظن الناس بهم وعدم تفطنهم إلى احتمال كذبهم، فنبه العلماء على ذلك محذرين فقال أبوعاصم النبيل "ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث"2 وكان يحيى بن سعيد القطان يقول طما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد"3. وقد فسر الإمام مسلم ذلك "بأن الكذب يجري على لسانهم ولا يتعمدونه"4.
وقال العراقي: "يريد والله أعلم المنسوبين للصلاح بغير علم يفرقون به بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم أو أن الصالحين عند حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب"5.--------------------------------------------
1 السيوطي: تدريب الراوي/ 190.
2 ابن عدي: الكامل 1/ 46أ.
3 المصدر السابق 1/ 46أوابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5أوالخطيب: تاريخ بغداد 2/ 98 لكنه يذكر "ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث".
4 مسلم: مقدمة الصحيح 1/ 18.
5 العراقي: فتح الغيث/ 130.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
دور العصبية للمدن والجنس والإمام:
ولعبت العصبية دورا في ظهور الأحاديث الموضوعة سواء كانت عصبية للمكان الذي يسكنه الوضاعون أو للجنس الذي ينتمون إليه أو للإمام الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
يتبعون مذهبه الفقهي فأما العصبية للمدن فقد ظهرت بعد استقرار العرب في المدن المفتوحة واختلاط قبائلهم ببعضها من جهة وبالأعاجم من جهة أخرى حيث حدث تداخل وتصاهر بين الأجناس العديدة التي ضمتها المدينة الإسلامية وقد ضعف نتيجة ذك الشعور بالقبيلة تدريجيا وظهر بجانبه التعصب للمدينة والانتساب إليها مع القبيلة وحل الفخر بالمدينة مكان الفخر بالقبيلة وقد أدت العصبية والمنافسة بين المدن إلى وضع أحاديث كثيرة في فضائل بعض المدن وفي ذم مدن أخرى حتى لا تكاد تخلو مدينة من المدن الإسلامية من أحاديث وضعت لها أو عليها. وقد وضع الكديمي حديثا في فضل البصرة "إني لأعرف أرضا يقال لها البصرة أقومها قبلة وأكثرها مساجد ومؤذنين، يدفع عنها البلاء ما لا يدفع عن سائر البلاد"1.
ووضع محمد بن معبد الرحمن بن البيلماني حديث "يأتي على الناس زمان يكون أفضل الرباط رباط جدة"2 ووضع ميسرة بن عبد ربه نحو أربعين حديثا في فضائل قزوين3. ووضع أحمد بن كنانة الشامي حديث "إذا ذهب الإيمان من الأرض وجد ببطن الأردن"4 ووضع أبو عصمة حديثا طويلا في فضائل مدن خراسان واحدة واحدة5 أما الأحاديث التي وضعت في ذم بعض المدن من قبل المدن المنافسة لها فهي كثيرة جدا أيضا ومن ذلك ما وضعه عمار بن زربي في ذم البصرة وأنه سيكون بها خسف ومسخ6 وما وضعه أبان بن أبي عياش "الجفاء والبغي في الشام"7 ومن الأحاديث ما وضع في مدح مدن مجتمعة أو ذم مدن مجتمعة، ولعل ذلك يلقي في بضع الأحياء ضوءا على العلاقات بين المدن--------------------------------------------
1 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 58.
2 المصدر السابق 2/ 46.
3 ابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5أ.
4 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 57.
5 المصدر السابق 2/ 47-48.
6 المصدر السابق أيضا 2/ 50.
7 المصدر السابق 2/ 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
مثل حديث "بابان مفتوحان في الدنيا للجنة عبادان وقزوين"1، فلعله دليل على حسن العلاقة بين سكان المدينتين، وفي كتب الجغرافية والبلدان ككتاب الأعلاق النفيسة لابن رسته والبلدان لابن الفقيه الهمذاني وغيرهما نماذج كثيرة للأحاديث الموضوعة في فضال المدن.
وأما العصبية للجنس فتظهر في بعض الأحاديث الموضوعة مثل "دعوني من السودان إما الأسود لبطنه وفرجه" وقد وضعه يحيى بن أبي سليمان المديني2. وحديث "الزنجي إذا شبع زنى، وإذا جاع سرق، وإن فيهم لسماحة ونجدة" وقد وضعه عنبسة البصري3 ولعل وضع الأحاديث في ذم الزنج يعكس كراهية أهل البصرة لهم.
ومن مظاهر العصبية للجنس وضع حديث "أبغض الكلام إلى الله تعالى بالفارسية وكلام الشيطان الخوزية وكلام أهل النار البخارية، وكلام أهل الجنة العربية" وقد وضعه إسماعيل بن زيادة بن غالب القطان4.
وقد لعبت العصبية لأئمة المذاهب دورا في إنماء الأحاديث الموضوعة، ويظهر ذلك في أحاديث كثيرة منها "سيأتي من بعدي رجل يقال له النعمان بن ثابت، ويكنى أبا حنيفة ليحيين دين الله وسنتي على يديه"5. وقيل للمأمون ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان فقال حدثنا أحمد وذكر إسناد حديث "يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي"6.--------------------------------------------
1 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 59.
2، 3 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 31.
4 السيوطي: اللآلئ المصنوعة 1/ 11.
5 الخطيب: تاريخ بغداد 2/ 289 وابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 30.
6 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 30 والخطيب: تاريخ بغداد 5/ 309 لكنه ينقل عن الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري أن المتهم بوضعه هو محمد البورقي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
ومن ذلك أيضا ما وضعه إسحاق بن محمشاد أحد الكرامية في مدح إمامه "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام يحي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة"1.
وهكذا لعبت العصبية للمدن والجنس والأئمة دورا في حركة الوضع في الحديث.--------------------------------------------
1 ابن عراق: تنزيه الشريعة 2/ 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الوضع لأغراض خاصة:
وكان من عوامل الوضع أيضا الأغراض الخاصة لبعض قليلي الورع من الناس كأن يضعوا أحاديث تقربهم من الحكام والأكابر مثل غياث بن إبراهيم الذي دخل على المهدي فوجد عنده حماما فوضع حديث "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو جناح" فأمر له المهدي بجائزة فلما خرج ذكر المهدي كذبه وأمر بذبح الحمام! 1 وكان الأولى أن يعاقب هذا الكذاب بدل أن يصله بجائزة.
ومن ذلك أيضا أن هارون الرشيد لما قدم إلى المدينة المنورة أعظم أن يرتقي منبر النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قباء ومنطقة، فتطوع القاضي أبو البختري بذكر حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسهما. وقد كان يحي بن معين -أحد أئمة المحدثين- حاضرا فكذبه على رؤوس الأشهاد2.
ومثل سعد بن طريق الإسكافي الذي ضرب المعلم ابنه فوضع حديث "معلموا صبيانكم شراركم"3 وكان البعض يتكسب بالحديث وروايته مثل أبي داؤد الأعمى الذي كان سائلا يتكفف الناس ويحدث عن البراء وزيد بن--------------------------------------------
1 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 23-ب، وابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5ب.
2 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 23 أ-ب، وابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5ب.
3 السيوطي: اللآلئ المصنوعة 1/ 263 والخطيب: تاريخ بغداد 13/ 453.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
أرقم ولم يسمع منها1 ولذلك حذر شعبة من الرواية عن الفقراء بقوله "لا تأخذوا الحديث عن هؤلاء الفقراء فإنهم يكذبون لكم" وكان شعبة آنذاك أفقر الناس2. ولعل الأحاديث في فضل الأرز والعدس والباذنجان والهريسة هي من وضع باعة هذه الأطعمة يتكسبون بها3.
ومنهم من كان يضع الحديث لإظهار العلم والبراعة في إجابة من يسأله4 كما أن بعضهم كان يتذوق حلاوة الكذب قال الأصمعي لأعرابي:
"ما حملك على الكذب" فأجابه: لو ذقت حلاوته ما نسيته5 وقد أدرك العلماء فتنة الحديث لضعاف الإيمان فقال الثوري "فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة...."6.--------------------------------------------
1 مسلم: مقدمة الصحيح 1/ 21.
2 ابن عدي: الكامل 1/ 50ب.
3 السيوطي: تدريب الراوي/ 190.
4 مثل ابراهيم بن أبي يحيى سئل عن رجل أعطى الغزل إلى الحائك فنسج له وفضل منه خيوط فتنازع صاحب الثوب والنساج في أخذها فقال إبراهيم حدثني ابن جريج عن عطاء قال إن كان صاحب الثوب أعطاه للأردهالج فالخيوط له وإلا فهو للحائك "أنظر ابن حبان المجروحين من المحدثين 1/ 23ب وابن الجوزي: الأحاديث الموضوعة 1/ 5ب".
5، 6 ابن عدي: الكامل 1/ 46 أ-ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
جهود العلماء في مقاومة الوضع:
تظافرت العوامل العديدة التي ذكرتها في إنماء كمية الأحاديث الموضوعة وهددت السنة بالتشويه والتحريف لولا الجهود الجبارة التي بذلها العلماء في تنقية السنة. وتمييز الصحيح من السقيم، فقاموا بمجهود رائع تمثل في التأكيد على الإسناد، والرحلة في طلب العلم، وتدوين الحديث، ووضع علوم الحديث المختلفة، وسيتناول هذا البحث ظهور الإسناد وأهميته وما يتصل بمعرفة رجال السند وهو أحد علوم الحديث المهمة، ويطلق عليه "علم الرجال". ثم يتناول رحلة العلماء في طلب العلم وجهودهم في تدوين الحديث.
الإسناد وظهور علم الرجال:
"معرفة الرجال نصف العلم":
علي بن المديني:
يراد بالإسناد الطريق الموصل إلى المتن، فالحديث إنما يروى عن طريق سلسلة من الرواة تبدأ بالراوي الذي يحدث بالحديث وتنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين الإسناد والسند عند الجمهور، وعند غيرهم أن الإسناد رفع الحديث إلى قائله وكأنه من أسند في الجبل إذا صعد فيه وعلا على سفحه، والسند للأخبار عن طريق المتن الذي من معانيه ما صلب من الأرض وارتفع منها1.--------------------------------------------
1 انظر لسان العرب مادة "سند". وابن ناصر الدين: تدريس الحديث/ 71.
والسخاوي: فتح المغيث 1/ 11.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
وقد بدأ الاهتمام بالإسناد والسؤال عنه في فترة مبكرة، وذلك في أعقاب الفتن التي بدأت منذ خلافة عثمان رضي الله عنه وأدت إلى التمزق والانفلاق الضخم في كيان المجتمع الإسلامي وظهور الأهواء السياسية المتعارضة والآراء المتعصبة المتدافعة مما أدى إلى ظهور الكذب في الحديث وجعل العلماء يتثبتون في مصادر الرواية ويسألون عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها قال محمد بن سيرين "ت110هـ" "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وبنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"1. وهكذا اعتبر ابن سيرين الفتنة زمن عثمان بداية السؤال عن الإسناد لظهور الوضع وبروز الانشقاقات عن الجماعة حيث عبر ابن سيرين عن المنشقين باسم "أهل البدع" وقد رأى شاخت أن المقصود ليس الفتنة زمن عثمان بل فتنة مقتل الوليد بن يزيد "ت126هـ" معتمدا على التوافق في استعمال كلمة "الفتنة" بين قول ابن سيرين ونص ورد في الطبري حيث قال في حوادث سنة 126هـ "اضطرب أمر بني مروان وهاجت الفتنة" وقد جر هذا الافتراض شاخت إلى اعتبار كلام ابن سيرين موضوعا عليه لأنه توفي سنة 110هـ أي قبل الفتنة2.
على أنه لا يمكن أن ننفي نسبة قول ابن سيرين إليه فقد أوردته المصادر المعتمدة، ولم يقل بوضعه أحد من النقاد بل قد روي عن ابن سيرين نفسه ما يؤكد ذلك حيث قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف فما خف لها منهم مائة"3، وهناك أدلة تؤيد أن السؤال عن الإسناد بدا في فترة مبكرة في أعقاب الفتنة الأولى التي بدأت زمن عثمان وقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى ابراهيم النخعي أنه قال: إنما سئل عن الإسناد أيام المختار وسبب--------------------------------------------
1 مسلم: الصحيح 1/ 15، وابن عدي: الكامل 1/ 39أ، وابن حبان: المجروحين من المحدثين 2/ 27ب-28ب والرامهرمزي: المحدث الفاصل 1/ 12، والخطيب الكفاية/ 122.
2 Chacht، The Origins of Muhammadan Jurisprudence، p. 36-37
3 الذهبي: المنتقى من منهاج الاعتدال 389.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
هذا أنه كثر الكذب على علي في تلك الأيام1 ولكن هذا لا يعني أن سائر الأحاديث كانت تروى باسانيد تامة، فالصحابة لم يلتزموا ذكر إسناد الحديث عندما لا يكون الصحابي قد سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة بل من صحابي آخر وقد صرح بذلك قول البراء "ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، منه ما سمعناه منه، ومنه ما حدثنا أصحابنا ونحن لا نكذب"2 فهم إذا لم يكونوا يميزون بين ما نقلوه عن النبي مباشرة وما نقلوه عنه بواسطة من سمعه منه من الصحابة لعدم إسنادهم للحديث وقد علل البراء ذلك بعدم وقوع الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أصحابه فكان الصحابي يستمع الحديث من صحابي آخر فكانه سمعه بأذنيه من النبي صلى الله عليه وسلم. ومع وثوق الناس بالصحابة فقد كانوا يسألونهم أحيانا عن إسناد أحاديثهم، ولكن السؤال عن الإسناد في البدء لم يكن مستساغا بل قد يكون مدعاة لغضب الصحابي "وكان أنس بن مالك إذا سئل عن حديث أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب ويقول ما كان بعضنا يكذب على بعض"3، وقد ازداد السؤال عن الإسناد في جيل التابعين فسئل الحسن البصري "ت110هـ" عن إسناد مراسيله "قال رجل للحسن إنك تحدثنا فتقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كنت تسند إلى من حدثك؟ فقال له أنا والله ما كذبنا ولا كذبنا، ولقد غزوت غزوة إلى خراسان ومعنا ثلثمائة من أصحاب محمد"4، فالحسن البصري اعتذر عن عدم إسناده لحديثه بأنه تلقى ذلك عن الصحابة الكثيرين الذين لقيهم وهم أهل صدق وورع وما داموا جميعا لا يكذبون فإن عدم ذكرهم لا يقلل من أهمية الرواية.--------------------------------------------
1 شرح علل الترمذي 82-83 ط. د. عتر.
2 ابن عدي: الكامل 1/ 50 ب. وقول البراء هذا من طريق الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء، والسبيعي مدلس من الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين عند الحافظ ابن حجر وقد عنعن، وكذلك الأعمش فإنه مدلس. وله شاهد من حديث أنس رواه ابن عدي في الكامل 1/ 248 "ط. صبحي البدري" وفي إسناده أحمد بن الحارث بن مسكين أنكر عليه الطحاوي روايته عن أبيه، وهذه الرواية مما رواه عن أبيه.
3 ابن الصلاح: مقدمة/ 38 والعراقي: فتح المغيث 1/ 125.
4 ابن عدي. الكامل 1/ 51 ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ويرى يحيى بن سعيد القطان أن أول من فتش عن الإسناد هو عامر الشعبي (17-103هـ) سيد التابعين فقد "قرأ الربيع بن خيثم عليه حديثا قال الشعبي فقلت من حدثك؟ قال عمرو بن ميمون وقلت له من حدثك؟ فقال أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحيى بن سعيد: وهذا أول ما فتش عن الإسناد"1.
وهكذا كان التفتيش عن الإسناد في زمن كبار التابعين، ونلمح استجابة أكثر في ذكر الإسناد عندما يسأل المحدث عنه، ولكن التأكد على الإسناد والإلحاح في طلبه ازداد بعد جيل الصحابة وكبار التابعين بسبب شيوع الوضع واتساع نطاقه على مر الزمن فأصبح الإسناد ضرورة لا مناص للمحدث من ذكره إذا أراد لرواياته القبول حتى أن الزهري أحد صغار التابعين (ت124هـ) اعتبر إغفال الإسناد جرأة على الله تعالى "حدث عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة وعنده الزهري. قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الزهري، قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما جرأك على الله لا تسند حديثك؟ تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة"2.
وبسبب تأكيد الزهري على الإسناد والتزامه به قال مالك "أن أول من أسند الحديث الزهري"3 ولعله قصد بذلك في بلاد الشام فقد "ذكر الوليد بن مسلم أن الزهري قال: يا أهل الشام ما لي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم؟ وتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ"4.--------------------------------------------
1 الرامهرمزي: المحدث الفاصل 1/ 12. وقد توفي الربيع بن خثيم في ولاية عبيد الله ن زياد على الكوفة (ابن سعد ج6 ص193) .
2 الحاكم: معرفة علوم الحديث/ 6.
3 ابن أبي حاتم: تقدمة المعرفة/ 20.
4 السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي/ 393 ينقل ذلك عن ابن عساكر دون الإشارة إلى موضع وردود النص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وتوجيه الكلام إلى أهل الشام يوحي بأن التزام الإسناد في مراكز العلم الأخرى كان أكثر بحيث بدا أهل الشام متساهلين في ذلك فنبههم الزهري إلى تقصيرهم فأصبحوا يسندون أحاديثهم، ولا يعني هذا أن الإسناد لم يكن موجودا قبل الزهري، فقد كان بدء السؤال عن الإسناد في عهد الصحابة ثم عند كبار التابعين. لكنه في جيل الزهري أصبح الالتزام بالإسناد قويا، لذلك فإن تفسير شاخت للفتنة التي وردت في قول ان سيرين بأنها الفتنة في زمن الوليد بن يزيد سنة 126هـ تخمين ترفضه الأدلة. وقد رفض روبسون هذا التفسير للفتنة وذهب إلى أن المقصود فتنة ابن الزبير (في حدود سنة 72هـ) عندما أعلن نفسه خليفة، ويستند روبسون على إطلاق مالك كلمة "الفتنة" على حركة ابن الزبير (الموطأ: كتاب الحج 99". وهذا التفسير -في رأيه- يتفق مع عمر بن سيرين الذي كانت ولادته سنة 33هـ مما يجعله -عند حدوث فتنة ابن الزبير- بعمر يمكنه من الكلام بإدراك وإطلاع عما حدث في هذه الفترة، ويرى روبسون أن ما توصل إليه في تفسير الفتنة يؤيد نظرية هوروفتس التي تقول بأن الإسناد أدخل في أدب الحديث في الثلث الأخير من القرن الأول1.
ورغم أن ما ذهب إليه روبسون في تفسير الفتنة معقول أكثر من رأي شاخت فقد قدم روبسون ظهور الإسناد نصف قرن عما حدده شاخت إلا أن ما استند إليه روبسون من أدلة لا يمكن أن يعتبر قاطعا، فالتوافق في استعمال الفتنة في كلام ابن سيرين ومالك لا يمكن أن يتخذ دليلا؛ لأن كلمة الفتنة أطلقت على كثير من الانشقاقات والحروب الداخلية بين المسلمين، كذلك فإن تقدير عمر بن سيرين للإفادة منه في تفسير كلامه لا يمكن الاعتماد عليه فابن سيرين قد يتكلم عن أحداث بعيدة عن عصره معتمدا على دراسته لتأريخ الذي عني به كثيرا.--------------------------------------------
1 Robson، The Isnad in muslim Tradition، p. 21-22.
وهو مقال نشرته له مجلة:
Glasgow univ. Or. Soc. Trans. 15 (1953-54) . PP. 15-26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وأما رأي هوروفتس الذي لخصه روبسون فهو يتفق مع رأي كايتاني الذي يعتقد أن الإسناد لم يكن موجودا قبل سنة 75هـ1 وقد تابعهما في ذلك سزكين عندما قرر أن الإسناد بدأ بالزهري2، إلا أن روبسون يعود فينقل في موضع آخر رأي هوروفتس أيضا في أن الإسناد بدأ قبل الزهري، وأنه لا يوافق كايتاني وشبرنجر في القول بأن أسانيد عروة بن الزبير (ت93هـ) مختلفة ألصقها به المصنفون المتأخرون ويبدو هوروفتس متحفظا فيقول بأن معرفة عروة للإسناد لا تزال موضع نزاع وجدل3.
على أن هوروفتس يقرر في موضع آخر بأن الإسناد في الفترة التي سبقت الزهري كان عادة لكنه لم يكن ضربة لازب4.
إن التزام الزهري بالإسناد وإشتهاره بذلك هو الذي أدى إلى توهم أن الإسناد وجد لأول وهلة عند الزهري أو في جيله. وعلى أية حال فإن الالتزام بالإسناد أصبح الطابع العام الذي سلكه المحدثون في جيل الزهري حتى أن بعض من كان يحدث دون إسناد أصبح يلتزم بذكره، فهذا قتادة (ت118هـ) كان يحدث بالبصرة دون إسناد اختصارا للوقت وتسهيلا على الطالب، وكان يلقى أسئلة من تلاميذه عن إسناد اختصارا للوقت وتسهيلا على الطالب، وكان يلقى أسئلة من تلاميذه عن إسناد أحاديثه وكأنها اعتراض على طريقه، فكان شعبة بن الحجاج يوقفه ليسأله عن الإسناد وكذلك كان يفعل معمر بن راشد وآخرون من الأحداث ممن كانوا يحضرون مجلسه وكان الشيوخ يعترضون عليهم وينهونهم عن سؤاله عن الإسناد، ولعل ذلك بسبب طول استماع الشيوخ إليه وقدم عهدهم به فعرفوا أسانيد حديثه فإذا أعاد الأحاديث لم يسندها فيطالبه--------------------------------------------
1 عن: Schacht، The Origins of Muhammadan Jurisprudence، p. 37.
وأنظر:
Robson The Isnad in Muslim Tradition، p. 18.
2 Fuad Sezgin، Buharinin Kaymaklari. p. 20
3 Robson. The Isnad in Muslim Tradition. p. 19
4 هوروفتس: المغازي الأولى ومؤلفوها/ 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الأحداث بها وينكر الشيوخ عليهم إضاعة الوقت. ولم يكن قتادة يجهل الأسانيد فقد فاز شعبة منه بذكرها إذ تبين لقتادة أنه جدير بذلك فأخذ يسند له، ولكن قتادة لم يعدل عن طريقته في التحديث دون إسناد حتى قدم إلى البصرة حماد بن أبي سليمان وهو كوفي كان يلتزم ذكر الإسناد، فحدث بالإسناد فعندئذ أخذ قتادة بذكر أسانيد حديثه1، وذلك دليل أيضا على معرفة قتادة بالأسانيد عندما كان لا يذكرها وأن عدم ذكره لها كان اختصارا للوقت.
وهكذا طغى الإسناد في أوائل القرن الثاني الهجري والتزم به المحدثون، ويعكس لنا أهمية الإسناد في هذه الفترة ما قاله نقاد الحديث وأئمته مثل محمد بن سيرين (ت110هـ) الذي رأى أن "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"2، واعتباره الإسناد من الدين لأن الإسناد وسيلة لتمييز الأحاديث ومعرفة الصحيح من الموضوع مما يترتب عليه أحكام وتعاليم الدين وهو ما عناه ابن سيرين بقوله الآخر "أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"3 وقوله أيضا "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد"4. ويتردد هذا المعنى بوضوح أيضا عند المعاصرين لابن سيرين، فقد أكدوا بأقوالهم على أهمية الإسناد كما التزموا به في منهجهم في التحديث، فكان الأعمش ربما حدث بالحديث ثم يقول "بقي رأس المال حدثني فلان قال ثنا فلان عن فلان"5.
لقد اعتبر الأعمش الإسناد جزءا مهما من الحديث إذ لا يمكن قبول المتن دون إسناد ومن ثم فقد عقب على المتن بذكر إسناده. وقد أصبح قبول الحديث--------------------------------------------
1 ابن سعد: الطبقات 7/ 230-231. وابن أبي حاتم: تقدمة المعرفة/ 166.
2 مسلم: الصحيح 1/ 15 وابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 9أوالرامهرمزي: المحدث الفاصل 1/ 12 وفي تاريخ بغداد للخطيب 6/ 166 نسب هذا القول لعبد الله بن المبارك، وأوضح عبدان -رواية عنه- أنه قاله عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث.
3 مسلم: الصحيح 1/ 14 (المقدمة) .
4 المصدر السابق 1/ 15 (المقدمة) .
5 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 9ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
منوطا بذكر الإسناد قال شعبة (ت160هـ) : "كل حديث ليس فيه أنا وثنا فهو خل وبقل"1. أي أنه كالطعام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وفي هذا المعنى قال شعبة أيضا: "كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام"2.
فكما أن ذلك الرجل لا يستطيع توجيه بعيره فكذلك لا يستطيع المحدث ضبط الحديث وتمييزه ومعرفته دون إسناد، فالإسناد هو الوسيلة إلى نقد الحديث ومعرفته ولذلك قال سفيان الثوري "الإسناد سلاح المؤمن إذا لم ين معه سلاح فبأي شيء يقاتل"3.
ولذلك فإن الحديث الذي لا إسناد له يعتبر مرفوضا قال بهز بن أسد: "لا تأخذوا الحديث عمن لا يقول ثنا"4.
فلا غرابة إذا ما أصبح السؤال عن الإسناد أمرا شائعا لا يقتصر على أرباب العلم بل يهتم به غيرهم أيضا، فهذا أعرابي قدم على سفيان بن عيينة يسأله ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟ فأجابه سفيان: تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت. فقال الأعرابي: هل من قدوة؟ قال: نعم عائشة حاضت قبل أن تطوف بالبيت فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف. قال الأعرابي: هل من بلاغ عنها؟ قال: نعم حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك. قال الأعرابي: ولقد استسمنت القدوة وأحسنت البلاغ والله لك بالرشاد"5. وهكذا لم يكتف الأعرابي حتى سأل عن سند الرواية كاملا، ولم يجد ابن عيينة في سؤاله بأسا، بل أجابه عما سأله عنه. ومن طريف ما يذكر مما له دلالة على أهمية الإسناد أن المأمون وجه إلى محمد بن عبد الله الأنصاري خمسين ألف درهم وأمره أن يقسمها بين الفقهاء بالبصرة فكان هلال بن مسلم يتكلم عن أصحابه--------------------------------------------
1 الخطيب: الكفاية/ 283.
2، 3، 4 ابن حبان: المجروحين من المحدثين 1/ 9ب.
5 الخطيب: الكفاية 403-404.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
والأنصاري عن أصحابه فاختلفا بينهما فيمن يستحق المال فسأل الأنصاري هلالا كيف يتشهد؟ فتشهد هلال على حديث ابن مسعود. فقال له الأنصاري: من حدثك به؟ ومن أين ثبت عندك؟ فسكت هلال ولم يجبه. فقال الأنصاري: تصلي في كل يوم وليلة خمس صلوات، وتردد فيها هذا الكلام وأنت لا تدري من رواه عن نبيك صلى الله عليه وسلم قد باعد الله بينك وبين الفقه، فقسمها الأنصاري في أصحابه1.
لقد كان ذكر الإسناد مبعثا للطمأنينة والارتياح، وعبارة بهز بن أسد التالية تنطق بذلك فقد كان يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح "هذه شهادات الرجال العدول المرضيين بعضهم على بعض"2.
أن الراوي يجد في ذكر الإسناد مشاركة في تحمل مسؤولية نقل الحديث إذ لا يستقل وحده بحمل تبعته بل يشاركه شيوخه وشيوخ شيوخه ثم التابعون والصحابة، ولا تعدو تبعته النقل الأمين لما سمعه عن شيخ ثقة ثبت، وكذلك يطمئن السامعون إلى قبول الحديث والعمل به وهم يجدون أمامهم سلسلة من الرواة المرضيين كلهم يشهد أنه سمعه عمن قبله حتى يصل الإسناد إلى الصحابي فالرسول صلى الله عليه وسلم3.
وقد عبر بعض الشعراء من أهل الحديث أو محييهم عن ارتياحهم ونشوتهم بذكر الإسناد فقال أحدهم:
يا لذة العيش لما قلت حدثنا … عوف وبشر عن الشعبي والحسن4
وقال الحطيم يمتدح سفيان بن عيينة:
يضم عمرا إلى الزهري يسنده … وبعد عمرو إلى الزهري صفوانا--------------------------------------------
1 الرامهرمزي: المحدث الفاصل 1/ 12-13 والخطيب: تاريخ بغداد 5/ 409.
والذهبي: سير أعلام النبلاء 9/ 536، وقد بين الذهبي أن راويها المنقري: واه.
2 ابن عدي: الكامل 1/ 47ب.
3 ناصر الدين الأسد: مصادر الشعر الجاهلي 258-259.
4 الرامهرمزي: المدث الفاصل 2/ 18ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
وعبدة وعبيد الله ضمهما … وابن السبيعي أيضا وابن جدعانا
فعنهم عن رسول الله يوسعنا … علما وحكما وتأويلا وتبيانا1
وقال الأصمعي يرثي سفيان بن عيينة أيضا:
من للحديث عن الزهري يسنده … وللأحاديث عن عمرو بن دينار
ما قام من بعده من قال حدثنا … الزهري في أهل بدو أو بأحضار2
ونتيجة التأكيد على الإسناد وما حظي به من اهتمام كبير فقد التزمت به كتب الحديث التي دونت منذ النصف الأول من القرن الثاني الهجري والتي أطلق عليها إسم "المسانيد" وهو إسم واضح العلاقة بفكرة الإسناد، وقد وصل إلينا بعض هذه المسانيد مثل مسند معمر بن راشد "ت152هـ" ومسند الطيالسي "ت204هـ"، وقد كونت هذه المسانيد مادة أساسية اعتمدتها الكتب الستة التي ظهرت خلال القرن الثالث الهجري3 والتي نجد فيها التزاما دقيقا بذكر الأسانيد التامة مما يلقي ضوءا على الموارد التي استقت منها والتي ظهرت كما أسلفت خلال القرن الثاني الهجري.
إن الاختلاف في التحديد الزمني لبدء استعمال الأسانيد يبدو أقل أهمية حين يتقرر أن الأسانيد التي يرى البعض ظهورها في التحديدات الزمنية المتفاوتة كانت معروفة عند حفاظ الحديث من الصحابة والتابعين لكن الالتزام بذكرها قبل كل حديث لم يحدث إلا عقب ظهور الوضع في الحديث والحاجة إلى التحقق من صحة الأحاديث، وهذا يعني خطأ ما ذهب إليه كايتاني وشاخت من أن القسم الأعظم من الأسانيد اختلقه المحدثون في فترة متأخرة يحددها كايتاني بنهاية القرن الثاني ويحتمل أن تكون -في رأيه- في القرن الثالث4. ويرى--------------------------------------------
1 المصدر السابق 2/ 18أ.
2 المصدر السابق أيضا 2/ 18ب.
3 أنظر: Sezgiu، Buharinin Kayniklari. p. 48
4 عن Robson، The Isnad In Muslim Tradition p.18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
شاخت أيضا أن الأسانيد المتصلة متأخرة1 وضعها اصحا المذاهب الفقهية رغبة في إرجاع آرائهم إلى الصحابة، ومن ثم فإن تحسن الأسانيد استمر حتى عصر الكتابة حيث ظهرت الأسانيد بصورتها الكاملة، وقد استشهد شاخت بأسانيد وردت مرسلة أو منقطعة في موطأ مالك أو في كتاب الرسالة للشافعي ثم وردت في الكتب الستة المتأخرة عن مالك متصلة مسندة مما يدل -في رأي شاخت- على أن الأقسام العليا من الأسانيد (أسماء التابعين فالصحابة) مختلفة وضعت فيما بعد من قبل أصحاب المذاهب2.
لقد أغفل شاخت أن احتجاج مالك بالمرسل هو سبب عدم عنايته بوصل أحاديث الموطأ3، ولذلك فإن طريقته في استعمال الإسناد لبست طابعا عاما لعصره إذ وردت الأسانيد المتصلة في كتب المسانيد المصنفة في القرن الثاني الهجري وبعضها صنف قبل الموطأ مثل مسند معمر بن راشد.
إن ورود الأحاديث مرة مرسلة وأخرى متصلة لا يقطع بوضعها أو بإكمال أسانيدها في فترة متأخرة فقد يروي العالم الحديث الواحد مرة بإسناد متصل وأخرى بإرسال أو انقطاع للاختصار أو بسب النسيان، على أن هذا لا يعني عدم وقوع الخطأ في الأسانيد بزيادة رجل فيها أو تبديل إسم بآخر بل ووضع أسانيد كاملة لأحاديث موضوعة مما بينته كتب مصطلح الحديث4، ولكن إطلاق القول باختلاق الأسانيد المتصلة مجازفة كبيرة لا تقل عما في إتهام المذاهب--------------------------------------------
1 يذهب روبسون إلى أن إعطاء سند متصل لم يصبح تقليدا ملزما إلا في النصف الأخير من القرن الثاني الهجري انظر:
The Encyclopedia of Islam vol III، P 23. 1965.
2 Schacht، The Origins Of Muhhamadan Jurisprudence، P. 163، 165، 166k 167
3 انظر عن احتجاج مالك بالمرسل ابن كثير: الباعث الحثيث، ص48.
4 الخطيب: الكفاية 409، وابن كثير: الباعث الحثيث 176، وابن حبان: المجروحين من المحدثين2/ 25ب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
الفقهية بوضع هذه الأسانيد المتصلة من مجازفة، فقد اعتمد الشافعي على مراسيل سعيد بن المسيب واعتمد أبو حنيفة على مراسيل شيوخه ولم يقوما بوصل هذه المراسيل ولا فكر أتباعهما بوصلها فبقيت في كتبهم على حالها من الإرسال1.
إن اختلاق الأسانيد قام به الوضاعون الذين دفعتهم أغراض عديدة إلى الوضع، سبق تفصيلها، ولا يمكن إتهام أصحاب المذاهب بذلك، وهم الأمناء على الشريعة، والحافظون للأحاديث من أن يدخلها الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عرفنا صحيح الحديث من ضعيفه ولا صدقه من كذبه ولا تعديل الرواة أو جرحهم إلا من طريق هؤلاء الأعلام فكيف يسوغ لدى الباحث المنصف والمؤرخ الناقد أن يتهم هؤلاء الأئمة الأخيار.
وقد ذهب فؤاد سزكين إلى القول بأن الإسناد بدأ يفقد مكانته منذ أن ألف البخاري صحيحه فأكثر فيه التعاليق والفقرات اللغوية والتاريخية دون إسناد2، ولكن هذه التعليقات التي أوردها البخاري دون إسناد ليست من "الجامع المسند الصحيح المختصر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه" وهو العنوان الذي ربما اختاره البخاري لكتابه ليكون أول تنبيه على عدم اعتبار التعليقات منه حتى لو صحت أسانيدها من طرق أخرى غير طريق البخاري.
إن الأحاديث المسندة الموصولة التي أوردها البخاري هي التي تكون "الجامع المسند الصحيح" الذي يتمثل فيه منهج البخاري وتنطبق عليه شروطه المعرفة، وفيها تظهر الأسانيد بأكمل صورها وأعلى طرقها وأدقها، فلا يصح القول بأن الإسناد "بدأ من البخاري يفقد مكانته" خاصة وأن من صنف في الحديث بعد البخاري -وخاصة بقية أصحاب الكتب الستة- اهتموا بالإسناد المتصل أيضا.--------------------------------------------
1 يقول روبسون أن بعض المستشرقين فطنوا إلى أن ما يروى عن كبار الصحابة من الحديث أقل بكثير مما يروي عن صغارهم وقد رأى أن ذلك يحمل على الاعتقاد بصحة ما نقله المحدثون أكثر مما نتصور -أي مما يتصوره المستشرقون- إذ لو اختلق المحدثون الأسانيد لكان بإمكانهم جعلها تعود إلى كبار الصحابة.
عن Robson، The Island in Muslim Tradition، p. 26
2 سزكين: تاريخ التراث العربي 1/ 249.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)