الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة(1). فشيخ الإسلام هنا، لم يشهد للأشعري فقط أنه من أهل السنة، بل شهد لجميع من تابعه من الأشاعرة الذين يعتقدون بما في الإبانة. وهذا يدل على مكانة الكتاب العلمية والتاريخية.
خامساً: أن عدداً من الأعلام قد أثنوا على هذا الكتاب، ومنهم:
1 ـ ابن عساكر، عندما ألف كتابه التبيين وأثنى فيه على الأشعري ورد على شانئيه، لم يجد خيراً من الإبانة دليلاً له على ذلك، فقال: فإذا كان أبو الحسن رحمه الله كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستوصب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن نحكي عنه معتقده وجهه بالأمانة، ونجتنب أن نزيد فيه، أو ننقص منه، تركاً للخيانة، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة فإنه قال: ثم شرع في نقل نصوص من الإبانة تجاوزت العشر صفحات ثم قال بعدها: «فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحه وبينه وانظروا سهولة لفظه فما أوضحه وأحسنه!»(2).--------------------------------------------
(1) انظر مجموع الفتاوى 6/ 359.
(2) انظر التبيين 152 - 163 والعلو للذهبي 2/ 1253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
2 ـ الصابوني، حيث ذكر ابن عساكر أن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به ويقول ما الذي يُنْكَر على من هذا الكتاب شرح مذهبه؟ فهذا قول الإمام أبي عثمان، وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان(1).
3 ـ الحافظ بن الطباخ، حيث نقل شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه كان يعتمد على كتاب الإبانة، وكان يقول: هذا مذهبي وإليه أذهب، وكان يقول لله من صفة(2).
4 ـ الحافظ أبو بكر السمعاني، حيث اعتمد كتاب الإبانة وحكى عنه في مواضع من كتابه الاعتقاد(3).
5 ـ نصر الدين المقدسي، حيث أَلَّفَ كتاباً في الأصول نقل فيه فصولاً من كتاب الإبانة(4).
6 ـ أبو العباس الطرقي، حيث ذكر ابن تيمية عنه: أنه استفاد من--------------------------------------------
(1) انظر تبيين كذب المفتري 389 وبيان تلبيس الجهمية 1/ 139.
(2) انظر بيان تلبيس الجهمية 1/ 142.
(3) انظر بيان تلبيس الجهمية السابق 1/ 136.
(4) انظر بيان تلبيس الجهمية 1/ 141.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
كتاب الإبانة في مسألة إثبات الاستواء، في الرد على الجهمية(1).
7 ـ الإمام النووي، حيث نسخه بخطه نقل ذلك عنه الذهبي(2).
8 ـ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث نقل من هذا الكتاب في العديد من كتبه، بل نقل عنه في بيان تلبيس الجهمية العديد من الصفحات تجاوزت العشرات، وكذلك نقل منه في الدرء والتسعينية، والحموية، وهذا يدل على مكانة الكتاب عنده رحمه الله(3).
9 ـ الإمام ابن القيم، حيث نقل منه في كتبه، ومن ذلك ما نقله عنه في (اجتماع الجيوش الإسلامية) حيث نقل منه عدة صفحات(4).
10 ـ الإمام الذهبي، حيث قال: وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف--------------------------------------------
(1) انظر: بيان التلبيس 1/ 140.
(2) انظر العلو 2/ 1248.
(3) وما يدل على مكانة الكتاب عنده أنه نقل منه في العديد من كتبه ومن ذلك الدرء. انظر: 5/ 6، 6/ 297 - 201 - 204، 205، 7/ 301، 219، والتسعينية 1/ 266، 2/ 454، 3/ 1007، 1008، 1037، والمنهاج 2/ 228 وشرح الأصبهانية 327، والفتاوى 3/ 224، 226، 5/ 144، 188، وبيان تلبيس الجهمية 1/ 65، 103، 131، 133، 135 و 2/ 156، 586 ـ 604، 3/ 310، 354، 377، 378، 477، 479، 741، 748 و 4/ 486 و 5/ 74 ـ 77، 283، 365، 366، 516 و 5/ 74 ـ 77، 283، 365، 366، 516 و 8/ 20 ـ 28، 120، 147 ـ 149، 182 ـ 187، 189.
(4) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص 168 - 174 ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
أبي الحسن ثم قال: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه ولزموها لأحسنوا(1). بل ونقل منه نصوصاً.
11 - الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، حيث قال: … (هذا المرجع النفيس الذى يتضمن أصول العقيدة السلفية التى كان عليها الإمام أبوالحسن الأشعرى رحمه الله وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. مقدمة الإبانة ص 3.
12 - جلال موسى، حيث قال: إن الأشعري فعلاً كان واسع الأفق دقيق النظر، يجيد التأليف، ويشهد بذلك كتابه الإبانة(2).
13 ـ الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود: حيث ذكر بأنه من أهم كتب الأشعري، وأكثرها إثارة للجدل، لأنه يحوي جوانب من العقيدة، تخالف ما عليه مُتَأَخِّرُو الأشعرية، خاصة في مسائل الصفات الخبرية والعلو والاستواء(3).
14 ـ وبالجملة إن هذا الكتاب نال منزلة واسعة وقيمة عالية، وهو يستحق أن يشرح ويدرس، ومما يدل على أهميته أيضاً أن ثلاث جامعات--------------------------------------------
(1) العلو 2/ 1248 و 1255. وانظر كتابه العرش 2/ 294.
(2) انظر نشأة الأشاعرة وتطورها ص 170.
(3) انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة 1/ 348.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
قد عنيت بهذا الكتاب، فجامعتا الإمام والجامعة الإسلامية في المدينة، قامتا بإعادة طباعته ولكن من دون تحقيق علمي، كذلك قامت جامعة الأزهر بتحقيق هذا الكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية، عن مَدَى القيمة العلمية التي استحقَّها هذا الكتاب. وهو من الكتب القيمة التي يُنْصَح بشرحها وتوزيعها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
المبحث السابع
نقد الكتاب
لا تخلو كتب البشر مهما بلغوا من نقص فالكمال ليس لهم، وإنما لكتاب الله عز وجل ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة عنه، وليس معنى الإقدام على نقد كتاب لأحد من العلماء يعد تقليلاً من قدره، أو تنقيصاً لمكانته أو قدر كتابه، بل، ولا يدل هذا على أن الناقد أعلى منه وأرفع، بل قد يكون ما يراه الناقد خطأً هو الصواب، لأن هذه لا تعدو أن تكون ملاحظات يجتهد فيها الإنسان وتختلف فيها الأفهام، وإن من أعظم مزايا أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون العصمة لأحد سوى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذا كان من منهجهم عرض الأقوال على الكتاب والسنة، وما كان من صواب قبلوه، وما كان من خطأ ردوه وأوضحوا الحق وبينوه، وبذلوا الجهد والغاية في الاعتذار للمخطئ متى ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، من غير تكلف، بل هم من أسس منهج الجرح والتعديل، وطالما أكدوا على قاعدتي العدل والورع، وإذا انخرمت هذه القاعدة نتج عنها فساد عريض من الجهل والظلم، وعندما أذكر بعض الملاحظات على هذا الكتاب فهي لا تعدو أن تكون ملاحظات يسيرة بالنسبة لتلك الحسنات العظيمة التي بذلها في كتابه هذا، ولعل أبرز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
الملاحظات التي سأذكرها(1)، وهي كالآتي:
1 - لم يكن الإمام رحمه الله صريحاً في قضايا إثبات بعض الصفات. فهو مثلاً عندما يثبت صفة النزول والمجيء، أو صفة الكلام، فإنه يورد هذه الصفات ويستدل بها، ولكنه لا يصرح التصريح الذي يزيل اللبس، خاصة عند من قرأ كُتبه السابقة، مع أنه في هذا الكتاب من المثبتة، ولكن الخلفية السابقة عنه قد تدفع بعض نفاة الصفات على حملها على أفهامهم بناءً على ما أسسه في كتبه السابقة على هذا الكتاب، كذلك قد نَدْفَعُ بعض المثبتة على مثل هذا، فيظن به التأويل والتعطيل.
2 - استعماله لبعض الألفاظ التي قد تحتمل معنىً غير مقصده بل قد يفسرها البعض على حسب فهمه. فمثلاً: في مسألة الصورة قال: وليست له صورة تقال. وهذا لفظ مبهم، فيحمله المثبت على نفي الكيفية، ويحملها المعطل على نفي الصفة، كذلك قوله: (إذا لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفاً، استحال أن يكن لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً)، فإثباته لصفة الكلام كإثباته لصفة العلم.--------------------------------------------
(1) وليست مبنية في ترتيبها على الأهم فالأهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
قد يفهم منه أن الكلام أزلي كالعلم. فهذا الكلام حَمَّالُ أوجه، فقد يفهم منه من جعله من المثبتة أنه يحتج على المعتزلة بحجة عقلية فيما سبق، وهي: أنه طالما أثبت صفة العلم، فعليكم أن تثبتوا صفة الكلام، ولا يقصدُ من خلاله أن الصفتين سواء بسواء، كما قد يحمله من لا يراه من المثبتة أنه يقصد أن صفة الكلام قديمة كصفة العلم، وبأن الله غير متكلم متى شاء. فهذا الكلام الموهم منه رحمه الله تكرر في غير موطن في كتابه الإبانة.
3 - كما أن من الملاحظات أنه نفى صفة السكوت عن الله عز وجل مع ثبوتها حيث قال رحمه الله في معرض كلام عن الكلام: ( … لأن خلاف الكلام الذي لا يكون كلام إنما سكوت أو آفة) وصفة السكوت ثابت لله عز وجل. كما صح في السنة النبوية الصحيحة؛ بل هي محل إجماع(1). وهذه قد تحمل على نفيه السكوت الدائم رداً على من نفوا أنه ـ عزل وجل ـ متكلم، وقد تحمل على المعنى المخالف لإجماع أهل السُنة، وهو نفي صفة السكوت، فعبارته حمّالة أوجه.
4 - لم يسلك الإمام الأشعري في كتابه هذا ما سلكه علماء--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى 6/ 179.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
عصره. من إيراد الأحاديث بالأسانيد، فلا تجد له في هذا الكتاب حديثاً مسنداً، وهذا مخالف لما سلكه مصنفو زمانه، وقد يعزى هذا؛ لأنه عاش مع المعتزلة غالب حياته، مما حرمه من الاستفادة من علماء الحديث. فخلى كتابه هذا وكتبه الأخرى المتداولة بيننا من هذه المزية.
5 - اعتمد الأشعري في كتابه هذا على الأحاديث والآثار، وبعضها مصادرها ضعيفة، مع أن أصلها في الصحيحين، وإنك لتعجب من عدم نقله أو عزوه للصحيحين مع أن الأمة تلقتهما بالقبول في زمنه، بل إن الإمام مسلم رحمه الله قد مات وعمر الأشعري سنة، وكتابه مع كتاب البخاري قد تلقاهما الناس بالقبول فلم ينقل منهما، وكان غالب نقله من كتب غير معروفة، بل لم ينقل من الكتب المعروفة إلا من كتابي الموطأ ومصنف بن أبي شيبة، أما الكتب الستة ومسند الإمام أحمد فلم ينقل منهما قط - مع توافرهما في زمنه، وإن كان غالب الأحاديث التي أوردها في كتابه هذا موجودة أصولها في هذه الكتب كما سبق أن بينت. ولعل في ذلك كالعلة التي قبلها، بأن ذلك عائد لعدم اتصاله بأهل الحديث، وعدم معرفته بدواوينه. ولعل هذه أبرز الملاحظات التي وجدتها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
وهي كما ذكرت ملاحظات لم تأخذ حيزاً مقارنة بحسنات الكتاب العظيمة. فقد غمرت هذه الملاحظات في بحر الحسنات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة.
المبحث الثاني: من أثرت فيهم الإبانة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة
إن من الأمور المهمة، معرفة موقف الأشاعرة من الإبانة، ومدى تأثيره عليهم، ومدى الصِّلة بين الأشعري والأشاعرة الذين انتسبوا إليه، وبيان صدق هذه النسبة من زيفها. لأن مواقفهم من هذا الكتاب مختلفة ومتباينة وسوف أورد بعض هذه المواقف حتى يتم التوصل إلى نتيجة، وهي مدى تأثير كتاب الإبانة عليهم، من خلال ذكر بعض مواقفهم من الكتاب من خلال المباحث الآتية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة.
المطلب الأول: هناك من أنكر نسبة الإبانة للأشعري. ومثل هذا لا يشك في أنه لن يكون للكتاب أي أثر عليه.
أ- ما ذكره ابن درباس في كتابه رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري: - أن كتاب الإبانة قد عُرض على عظيم من عظماء الجهمية، المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ـ ببيت المقدس ـ فأنكرها وجحده وقال: ما سمعنا به قط ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخر في إعمال رؤيته ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته «لعله ألفها لما كان حشوياً»، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء؟ أم من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها(1). فهذا أنكر كتاب الإبانة، أو على الأقل أنكر أن يكون آخر أطواره، ومن ثم فلن يكون للكتاب تأثيرٌ عليه.
ب- وهناك من الأشاعرة من أنكر بعض ما جاء في الإبانة بحجة أن فيها إضافات ليست من قول الإمام الأشعري. وهذه الإضافات هي نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، ومن هؤلاء مثلاً عناية علي حيدر--------------------------------------------
(1) انظر رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري ص 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الأبادي(1) وبين بأن في إيراد هذا القول ونسبته للإمام أبي حنيفة كافياً لرد هذه الزيادات واستدل على قوله بما يلي:
الشبهة الأولى: أن العلماء الأحناف مُتَّفِقُون على عدم خلق القرآن وعلى تكفير القائمين بخلقه (2).
قلت: ولا شك بأن هذا هو المعروف عن الأئمة الأحناف والمشهور عنهم، وقد تتابع العلماء على نقل ذلك عنهم. فمثلاً: الإمام الطحاوي رحمه الله أثبت في عقيدته بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية(3). وهو من أئمة الأحناف، كذلك قال أبو يوسف(4). حيث قال: من قال: القرآن مخلوق ففرض منابذته(5)، كذلك نقل هذا القول عن محمد بن--------------------------------------------
(1) بحثت عن ترجمته فلم أجد، ولكن الأقرب ما ذكر في معجم المؤلفين بأنه حيدر بن علي بن محمد الفيض أبادي، الهندي الحنفي المتكلم فقيه، من آثاره (منتهى الكلام) في الرد على الشيعة في مجلدين ضخمين، توفي سنة 1250 هـ. انظر معجم المؤلفين 4/ 92.
(2) انظر الضميمة ص 4.
(3) انظر شرح العقيدة الطحاوية 1/ 254.
(4) هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المعروف بأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ولي القضاء لثلاثة خلفاء: المهدي ـ والهادي ـ والرشيد، قال عنه الإمام أحمد والإمام يحيى بن معين: ثقة. توفي رحمه الله في بغداد سنة 182 هـ ـ وقيل 181 هـ. انظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية 3/ 612، ووفيات الأعيان 6/ 387، والنجوم الزاهرة 2/ 107.
(5) أخرجه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة 2/ 79، والخطيب في تاريخه 14/ 253، كما أورده الذهبي في العلو 2/ 1002.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
الحسن(1)، حيث قال: القرآن كلام الله، وليس من الله شيء مخلوق، وروي عنه أنه قال: من قال أن القرآن مخلوق فلا تُصَلُّوا خَلْفَه(2)، وأقوال علماء الأحناف ـ ولله الحمد ـ لا تختلف عن بقية علماء أهل السنة. ولا يعني إيراده آثار ضعيفة أنه يؤيدها بل قد يكون مقصده التنبيه إليها كى لا يعتمد عليها أحد، وهذا مسلك معروف عند أهل العلم عندما يوردون الروايات بأسانيد ضعيفة.
الشبهة الثانية: أن الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) أورد آثاراً يبين من خلالها أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، حيث قال: بأن أبا يوسف سئل أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله، ولا أنا أقوله فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ قال: لا. ولا أنا أقوله(3). كذلك أورد قول أبي يوسف: كلمت أبا حنيفة سنة في أن--------------------------------------------
(1) هو العلامة فقيه العراق محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة ولد بواسط، تلقى العلم على يد أبي حنيفة ثم تمم ذلك على يد أبي يوسف، ولي القضاء للرشيد بعد أبي يوسف. قال الشافعي: ما ناظرت سميناً أذكى منه، قال ابن معين كتبت عنه الجامع الصغير، توفي رحمه الله سنة 187 وله من العمر 58 سنة. انظر: سير أعلام النبلاء 9/ 134 والجواهر المضية 3/ 122.
(2) انظر أصول الاعتقاد للالكائي 1/ 270 ـ 271 الأثر رقم 475 والعلو للذهبي 2/ 105. وقال محققه الدكتور/ عبدالله البراك: إسناده صحيح.
(3) أخرجه البيهقي في الاعتقاد 203، والأسماء والصفات 1/ 611 وقال عنه رواته ثقات، كذلك أخرجه اللالكائي 2/ 269، حديث 471. وقال محققه الدكتور أحمد سعد حمدان عقب تخريجه: وهذا يناقض ما رمى به أبو حنيفة رحمه الله من أنه كان يقول بخلق القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
القرآن مخلوق أم لا، فاتفق رأيه ورأي على أن من قال: أن القرآن مخلوق فهو كافر(1) فقال الحيدري بعد ذلك: يثبت من هذه الروايات للبيهقي أمران:
الأمر الأول: أن تلك الروايات تدل بألفاظها وعباراتها على أن هذه العقيدة القبيحة ما خطرت في قلب الإمام ولا في قلوب أصحابه.
الأمر الثاني: أننا إذا صرفنا النظر عن تلك الدلالة للروايات ورفعناها من البين فوقوعه في ذلك المقام يؤيد المقصد تأييداً بليغاً. بيانه: أن تلك الروايات في باب هو موضوع لسرد الروايات عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في كون القرآن غير مخلوق ـ لأن مقصود البيهقي إثبات المطلب والاحتجاج على المقصد الذي هو عدم كون القرآن مخلوقاً ـ لأن من روى عنه البيهقي في هذا الباب يكون من أئمة المسلمين ومحال أن يكون الكافر من أئمة المسلمين ـ فإن كان أبو حنيفة قائلاً بهذا القول يقتضي كفره ـ، ولكن هذه الروايات تنفي نسبة هذه العقيدة القبيحة إلى الإمام.--------------------------------------------
(1) انظر الأسماء والصفات، قال البيهقي: وقال أبو عبد الله ـ يعنى الحاكم ـ: رواته كلهم ثقات 1/ 611.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الشبهة الثالثة: قال الحيدري: دلت هذه الروايات ـ روايات البيهقي ـ أن روايات الإبانة واهية، بل موضوعة مختلقة؛ لأمور:
أ ـ أن الإمام أبا حنيفة لم يكن معتقداً بخلق القرآن في زمن من الأزمان، لأن أبا يوسف عندما سُئل: أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله(1).
ب ـ أما الرواية الأخرى التي أوردها البيهقي بأنه كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق، فاتفق الرأيان على أن من يقول بأنه مخلوق كافر(2). فليس فيها دلالة أن الإمام قائل بخلق القرآن قبل المباحثة كما يظهر من روايات الإبانة ثم رجع عنه، بل لعل الظاهر بأن القصد من هذا البحث من أجل أن يصير الأمر محكماً.
جـ ـ البيهقي هو إمام المحدثين وكتابه الأسماء والصفات خزانة للروايات المسندة، والأشعري هو إمام أهل السنة في الكلام وكتابه هذا مخزن للاستدلالات الكلامية، ومن المسلمات أن يُتَبع كل قائل في الفن الذي غلب عليه، فكيف يُرجح ما نقله الأشعري من مرويات دون أن يوثق رواته أو يوثقهم غيره ويقدم على ما رواه البيهقي بسنده وَوَثَّقَ رواته!!--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه ص 355.
(2) سبق تخريجه ص 356.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
د ـ إن عدم إيراد البيهقي لروايات الإبانة دليلٌ على كونها موضوعة؛ لأن هذا موضعها في هذا الكتاب لو صحت، وإغفاله عنها دليلٌ على عدم صحتها.
هـ ـ البيهقي، احتج بأقوال الإمام وأصحابه في عدم خلق القرآن، واحتج الأشعري بمن أنكر على الإمام عقيدة الخلق، فالإمام أبو حنيفة ممدوح في كتاب البيهقي ومُحْتَجٌ به، أمّا في كتاب الأشعري الإبانة، فإنه مذموم غير محتج به، بل مُنكرٌ عليه، فهذان الصَّنِيْعَانِ للبيهقي والأشعري متضادان متدافعان، فتكون روايات البيهقي دافعة لروايات الأشعري.
و ـ البيهقي قال في آخر كتابه: وقد تركت من الأحاديث التي رُوِيَت في أمثال ما أوردته ما دخل معناه فيما نقلته، أو وجدته بإسناد ضعيف لا يثبت مثله خشية التطويل(1). وهذه الروايات التي تركها لا يمكن أن يكون تركها لدخول معناها في روايات أخرى، إنما تركها لشدة الضعف في إسنادها بحيث لا يثبت بمثل هذا الضعف شيء.
ز ـ رواية محمد بن الحسن(2) تُوهِنُ هذه الروايات وتجعلها مخدوشة--------------------------------------------
(1) انظر الأسماء والصفات 2/ 495.
(2) سبق تخريجها ص 355 وهناك رواية أخرى أوردها البيهقي حيث ذكر بإسناده أن محمد بن الحسن قال: من قال: القرآن مخلوق فلا تصلوا خلفه. انظر الأسماء والصفات 1/ 610 وضعف محققه الحاشدي الإسناد رقم 8 أثر 549.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وتقوي كونها مفتراة على الإمام أبي حنيفة وتجعلها مَقْدُوحة، وذلك بوجهين:
الوجه الأول: أن هذه الروايات ليست في الإبانة، أي الروايات المنقولة عن محمد بن الحسن ـ مع أن العادة أنه يُذكر في معرض الاحتجاج وموضع الاستدلال غالب أقوال العلماء الذي يتقاربون ويتماثلون في العلم، ومع ذلك أهملت روايته مع أنه أبلغ في تشنيع القائلين بخلق القرآن مبلغاً عظيماً، وهناك احتمال أن تكون هذه الروايات في الكتاب ـ الإبانة ـ ولكنها أخرجت وألحقت هذه الروايات ـ عن أبي حنيفة ـ بدلاً منها لكونها قادحة فيه.
الوجه الثاني: أن أَمْرَ الإمام محمد بن الحسن الناس بالتشنيع على من يقول بخلق القرآن ـ ولو فرضنا أن الإمام أبا حنيفة قال هذا القول، فكيف تتلمذ محمد بن الحسن عليه، بل واقتدى اقتداءً كلياً بمن قال أن القرآن مخلوق(1). ومناقشة هذه الشُبَة من وجوه:
أولاً: ليس محل النزاع اعتبار الإمام البيهقي من خزانات السنة النبوية أو عدم اعتباره، فهذا أمر لا يختلف عليه، وليس محل النزاع، وإنما محل النزاع هو. هل هناك من دَسَّ في الإبانة ما ليس فيها ونسب للإمام الأشعري ما لم يقله أم لا؟ وهي روايات أن الإمام أبا حنيفة كان يقول--------------------------------------------
(1) انظر: الضميمة 3 ـ 9 باختصار وتصرف يسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
بخلق القرآن، فأراد عناية الله الحيدري التشكيك في الإبانة لهذا السبب، مع أنه قد أوجد تبريرات تجعل ما أورده الأشعري بالإبانة مقبولاً وليس قادحاً في كلا الإمامين، وهي توجيهات واحتمالات مقبولة، وسوف أورد ما أورده صاحب الضميمة كرد مقنع يرد به بنفسه على نفسه مما يلغي تشكيكه حيث جعل أن هناك احتمالات تجعل قبول هذا الكلام الذي أورده الإمام الأشعري في الإبانة مقبولاً دون القدح في الإبانة بعلل واهية سلكها هو بنفسه حيث ذكر عللاً منها:
1 ـ إذا وردت الروايات الكثيرة لإثبات مقصد، لا يلزم منه صحة كل واحد من تلك الروايات، وعدم كونها مقدوحة مخدوشة، لاسيما إذا لم يكن الكتاب كتاب رواية يبحث فيه عن نفس الروايات، فمن أين يثبت أن تكون رواية خلق القرآن المنسوبة إلى الإمام ـ أبي حنيفة ـ المصدرة بلفظ ذكر صحيحه؟ وبعدم تسليمها يَخْتَلُّ ما هو بصدد إثباته.
2 ـ ليس في الإبانة لفظ يثبت منه أن هذه الرواية صحيحة عند الأشعري، ولا سياق يتحقق منه أنه ألزم نفسه أن يكون كل ما يورده من الروايات صحيحاً لا مجال فيه للقدح، بل هو بصدد أن يثبت منه مقصده، ويؤيد به نوع تأييد للباب السابق، ويجعل هذا الباب مُتَمِّماً لذلك الباب وَمُكَمِّلاً له.
3 ـ سوق الأشعري لتلك الرواية وذكرها ليس لبيان مذهب الإمام أبي حنيفة، بل لإظهار إنكار أمرٍ وقع على مذهب لإمام من الأئمة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)