تيمية رحمه الله حيث قال: والأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهار الموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه، ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوي مردودة شرعا وعقلا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواقع - تبين له قطعة أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه، لئلا يقال إنهم خالفوه، مع كون ماذهبوا إليه من السنة، قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون (1). والحافظ ابن عساكر (2) ما يلي:
أ- إن الإنسان لا يمكنه أن يتخلى عن عقيدته و أن يؤلف كتابا يضاد عقيدته، مع أنه على زعمهم لا يعتقد بصحة ما فيه، خاصة وقد كبرت--------------------------------------------
(1) انظر: ص 227.
(2) انظر: ص 169.
(3) انظر: التيسير ص 338.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
سنه وهو في آخر أيام حياته. وفي هذا قدح به واتهام له بأنه منافق.
ب ـ لم يعرف عن الأشعري الجبن والخوف، وقد مكث معتزلياً عشرات السنين، ولم يؤلف في تلك الفترة ما يخالف الفكر المعتزلي. تقيةً من الحنابلة، مع أنهم في فترة كونه معتزلياً كانوا في أوج مكانتهم ـ أي الحنابلة ـ، فكيف يقال أنه ألف هذا الكتاب وقاية منهم ـ أي الحنابلة ـ؟ وفي هذا قدح في أبي الحسن، وبأنه منافق وإلا فمن يثبت بأن بينه وبين الحنابلة عداوة؛ بل هو أثبت في الإبانة وفي المقالات بأنه تابع للإمام أحمد رحمه الله فلو كان منافقاً لما كرر الكلام في كثير من المواطن، فلقد كان يكفيه أن يقول ذلك مرة واحدة، ويعلن الانتساب دون نصر المذهب.
جـ ـ ثبات الأشعري على الاعتزال عشرات السنين في وقت ضعفت فيه مكانة المعتزلة دليل على أن الرجل لا ينافق ولا يمالئ ولا يخادع. وهذه حجة ينقطع دونها كلام الحاقدين على الرجل الطاعنين في دينه.
د ـ لم ينقل هذا الخبر عن أحد مِنْ أتباع الأشعري، وإنما روج له أحد خصومه الذين انبرى لهم أحد الأشاعرة الذين لا يشك أحد بأشعريتهم، وهو الحافظ ابن عساكر(1) فلو كان ما قاله صحيحاً لأقره ابن عساكر أو سكت عنه أو على الأقل لم يرد على هذه الفرية.--------------------------------------------
(1) انظر التبيين، ص: 388.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
هـ ـ أن الذين نقلوا هذه الفِرية أظهروا أن الحنابلة لم يقبلوا من الأشعري حتى كتابه الإبانة، كما أظهروا أن البربهاري لم يقبله منه، ولذا قال الذهبي: - فقيل(1): وهذه دلالة على شكه في أصل القصة، فهذه القصة فيما يظهر غير ثابتة.
و ـ أظهر مروجو فرية أن الحنابلة كانوا مستبدين، الحنابلة بغير صورتهم الحقيقية، فقد أظهروا أهل العلم والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعقيدة السلفية الصافية بما ليس واقعاً، ولو كان الأمر كما ذكروا لكانت محاربة المعتزلة، بل ومحاربة من هم أشر من المعتزلة، كالرافضة والخوارج أولى عند الحنابلة، ولوجدنا أتباع تلك المذاهب يتقربون إليهم ويتزلفون. ويؤلفون الكتب التي تناقض مذاهبهم قربة وتقية ووقاية من الحنابلة وهذا لم يحدث، ولكن أصحاب الكذب البارد، وأصحاب الإفك والبهتان لا يتوقفون عن إفكهم وبهتانهم ولا يتوقفون عن كذبهم.
ز ـ إن الحقائق التاريخية، لم تظهر أو تعلن مثل هذه الأسباب، ولم تذكر عن الحنابلة مثل هذه المكانة عند الحاكم. بل إن من أعظم المؤكدات على هذه الفرية أن شيخ الحنابلة في ذلك الوقت، والذي قيل بأن الأشعري قد ألفه وقاية منه ومجاملة له، تعرض للابتلاءات والمحن، فلم يعش رحمه الله--------------------------------------------
(1) انظر سير أعلام النبلاء 15/ 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
قريباً من السلطة كما يزعمون، ومؤثراً على الحاكم كما يدعون، بل لوحق وتوبع، وهاهي كتب التاريخ تشهد بذلك وتنطق. ومن ذلك ما ذكر الذهبي وغيره. أنه كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أراد السلطان حبسه، فاختفى. وأُخذ كبار أصحابه، وحُملوا إلى البصرة فعاقب الله الوزير وأعاد الله البربهاري إلى حشمته، وكثر أصحابه، فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة فأُخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة تُوحِّشُ قلب الراضي حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى حتى مات. ودفن بدار اخته توزون فقيل إنه لما كفن وعنده الخادم صلى عليه وحده، فنظرت هي من الروشن فرأت البيت مُلِئَ رجالاً في ثياب بيض يصلون عليه فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن الباب لم يفتح(1). فهل هذا الشيخ الجليل المهيب الذي لا ينجو من أذى حاكم إلا ويتلقاه حاكم آخر يصور بأن له هذه المكانة وهذه الحظوة التي تجعل رجلاً بمكانة الإمام الأشعري يُغَيِّرُ عقيدته من أجله؟! فأصحاب هذا الباطل يروحون لمثل هذه الأكاذيب لأهداف خبيثة من أجل أن يكذبوا على الناس بقولهم إن التجهم والاعتزال لم يقمع ولم يحذر مه وينهى عنه--------------------------------------------
(1) انظر سير أعلام النبلاء 15/ 91، 92 والمنتظم 14/ 14، وشذرات الذهب 4/ 158.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
إلا لخلافات سياسية وليس لأنه مضاد للدين، كذلك يسعون لزرع الكره في قلوب العامة والخاصة لأهل الاعتقاد السليم، وإظهارهم بصورة الاستبداد، ولكن {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(1). وأقول: إنه الحق، ولا شيء غير الحق، الذي آمن به الأشعري واعتقده والهداية من الله هي التي دفعت الإمام الأشعري رحمه الله لتأليف هذا الكتاب، ولم يكن للحنابلة ولا للحكام وِصَاية على الأشعري ولا إكراه حتى يؤلف ما لا يعتقد.--------------------------------------------
(1) سورة الأنفال، آية: 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
المطلب الثالث: من شكك في المطبوع واتهم بأن بها إضافات.
هناك من لا ينكر أصل كتاب الإبانة، ولكن شكك في المطبوع منه، فمثلاً: محمد زاهد الكوثري علق على كتاب الإبانة في حاشية كتاب التبيين وقال: والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة، نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها من أصل وثيق(1). فالكوثري هنا، ليست المشكلة عنده ما وقع فيه من أخطاء مطبعية، لكان معه في هذا الحق، وإنما المشكلة عنده أنها على منهج السلف الصالح في الإثبات. وإلا فطبعة الهند مليئة بالأخطاء المطبعية كما قال. ولكن هذه الأخطاء لم تخالف جوهر الموضوع، وهي لا تعدو أخطاءً مطبعية لسوء قراءة المخطوطة من قبل ناسخها الأول.--------------------------------------------
(1) انظر التبيين ص 35 هامش 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
المبحث الثاني من أثرت فيهم الإبانة
المطلب الأول: من أثرت عليهم من العلماء القدماء.
لم أجد بعد بحث مضني، والسؤال، والتحري، أن أحداً من الأشاعرة المعروفين بأشعريتهم قد نقل من هذا الكتاب مباشرة. مع النسبة إليه إلى الإمام البيهقي رحمه الله، والذي لا يشك بأشعريته فقد نقل من الإبانة مباشرة في مواطن عدة. في كتابه الاعتقاد مستدلاً بها مؤيداً لها، وهذا يدل على تأثير الكتاب عليه، وسوف أذكر في هذه الجزئية مسألتين:
المسألة الأولى: إثبات أشعرية البيهقي، حيث يعتبر الإمام البيهقي من الأئمة الأعلام وهذا مما لا شك فيه، ولكنه مع جلالة قدره وعلمه وفضله، إلا أنه تأثر تأثراً واضحاً بالمذهب الأشعري ولعل ذلك من تأثير شيخه الإمام ابن فورك رحمه الله. ومما يؤكد أشعريته ما قاله رحمه الله: يجب أن يعلم أن استواء - الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه، لكنه مستوٍ على عرشه، كما أخبر بلا كيف، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقله، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
بِحَدَقة(1). وله في كُتبه أمثلة من هذا الكلام الذي لا يُقر عليه على وجه العموم؛ بل يحتاج إلى تفصيل في بعضها، وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله بأن البيهقي من الأشاعرة، وقال: ويميل إليهم فضلاءُ الأشعرية، كالباقلاني والبيهقي(2). كما قام الدكتور أحمد الغامدي بدراسة عقيدة الأشعري في كتاب ماتع أسماه (البيهقي وموقفه من الإلهيات) فقال في موضع: أما البيهقي وأصحابه الأشاعرة(3).
المسألة الثانية: نقل البيهقي وتأثره بالإبانة، حيث نقل في كتابه الاعتقاد من كتاب الإبانة معتمداً عليه مستدلاً به وسوف أناقش هذا في جزئيتين:
الجزئية الأولى: نقله منه مباشرة وذكره باسمه. فقال عن مسألة أن القرآن كلام الله غير مخلوق: (وهو مذهب كافة أهل العلم قديماً وحديثاً، ثم قال: وبمعناه ذكره أيضاً على بن إسماعيل في كتابه الإبانة، ثم قال: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل - رحمه الله تعالى - في كتابه: فإن قال قائل: حَدِّثونا / أتقولون: إن كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ؟ قيل له: تقول ذلك؛ (لأن الله) قال: {بَلْ--------------------------------------------
(1) انظر الاعتقاد ص 62.
(2) انظر مجموع الفتاوى 6/ 53.
(3) انظر البيهقي وموقفه من الإلهيات ص 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)}(1) فالقرآن في اللوح المحفوظ(2).
الجزئية الثانية: تأثره المباشر ونقله من الإبانة من غير عزو، وهذا واضح وجلي في كتابه (الاعتقاد) وأذكر من ذلك نموذجاً واحداً لأن المسألة ليست مسألة استقراء مذهب الإمام البيهقي، وإنما ذكر نموذج من تأثره بالإبانة حيث نقل منه بحروفه ومعانيه معتمداً عليه مستدلاً به في كتابه (الاعتقاد)، ومن ذلك قوله رحمه الله: (باب القول في إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار)، قال الله عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)}(3) يعني يوم القيامة: «ناضرة» يعني مشرقة: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)}، وليس يخلو النظر من وجوه، إما أن يكون الله عز وجل عنى به نظر الاعتبار كقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)}(4). أو يكون عنى نظر الانتظار كقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً}(5)، أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة، كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ}(6)، أو يكون عنى نظر الرؤية،--------------------------------------------
(1) سورة البروج، الآيتان: 21، 22.
(2) انظر الاعتقاد ص 204 - 205.
(3) سورة القيامة، آية: 22.
(4) سورة الغاشية، آية: 17.
(5) سورة يس، آية: 49.
(6) سورة آل عمرا، آية: 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
كقوله: {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}(1). ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)} نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنقيص وتكوير، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)}. نظر الانتظار، ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمناه نظر العينين اللتين في الوجه. ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو: أن معنى قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} أنها رائية ترى الله عز وجل. ومما يدل على ذلك قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}(2). فلما كان الله قادراً على أن يجعل الجبل مستقراً كان قادراً على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يُريَ نفسه عباده المؤمنين، وأنه جائز رؤيته(3). وقد حرصت على نقل هذا--------------------------------------------
(1) سورة محمد، آية: 20.
(2) سورة الأعراف، الآية: 143.
(3) انظر الاعتقاد ص 123 - 125. وقارن هذا الكلام بما في ص 489 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
المقطع الطويل لكي يتبين للقارئ أن ما نقله الإمام البيهقي من كتاب الإبانة دليل على تأثره به، وتأثيره عليه. مما يؤكد على قيمة هذا الكتاب وأهميته عند متقدمي الأشاعرة ومحدثيهم، والذين قاربوا السلف في الكثير من المسائل، وبهذا يتبين أن الذين نفوا نسبة الكتاب للأشعري قد انقطعت حجتهم. فها هو أحد أعلام الأشاعرة يثبته وينقل منه، فعسى الله أن يهدينا جميعاً لما يحبه ويرضى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
المطلب الثاني: من أثرت عليهم من المعاصرين.
كما أن هناك من أثرت عليهم ودعوا لإعادة النظر وذلك بعد اقتناعهم بما أقره الأشعري بالإبانة. ومن الأمثلة على ذلك الدكتورة: فوقية حسين محمود ـ رحمها الله ـ حيث قالت: من قال أن الأشعري صاحب موقف وسط فحكمه خاطئ من أساسه، بل الأشعري من أهل الاتباع ويدين بديانة السلف الصالح، وهذا المعيار الجديد الذي تبين بالنسبة للأشعري يسوق إلى إعادة النظر في آرائه على اختلافها، وهو ما يجب أن يتم في دراسات مقبلة - بإذن الله تعالى -. كما أنه يجب إخضاع المنتمين إلى مدرسة الأشعري لنفس المعيار لتبين صحة صدق انتمائهم إلى هذا الإمام، والفرق بينهما وبين من لم ينتم إليه(1). بل وردت على من شككوا في الكتاب؛ لقوله بالإثبات، وقالت: إن هذا التشكيك الذي يترتب عليه استبعاد أهم فصول من فصوله، وهو الذي يؤكد فيه انتماءه إلى السلف، بإعلان انتمائه إلى ابن حنبل، هذا الإعلان الذي يتفق تماما مع تفاصيل موقفه في مختلف المسائل التي عالجها، لأن موقفه يعتمد على نفس الأصول التي يعتمد عليها ابن حنبل - وهي إعطاء مكان الصدارة للنص المتنزل قرآناً أو سنة، وتطبيق أصول التفسير--------------------------------------------
(1) انظر الإبانة بتحقيقها ص 133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
الصحيح التي لا تخرج النص عن تأويله، على نحو ما كان عليه السلف الصالح، على نحو ما هو مبين في الحديث(1).--------------------------------------------
(1) انظر تحقيقها للإبانة ص 76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
المطلب الثالث: من أثرت فيهم تأثيراً غير مباشر.
بعد محاولة استقراء وبذل جهد لم أجد من أثرت عليه الإبانة تأثيراً واضحاً إلا البيهقي، بل ولم أجد من اتباع الأشعري المعروفين غيره من نص عليها، وغاية ما وجدت ما ذكره ابن كثير في طبقات الفقهاء الشافعيين بأن القاضي الباقلاني قام بشرحها(1). وقد بذلت جهداً بالحصول عليه ولم أجد له أثراً لا مطبوعاً ولا مخطوطاً. ووجدت أن شيخ الإسلام رحمه الله قد أثنى على الإمام أبي بكر الباقلاني وقال: هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده. قال في (كتاب الإبانة) تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27] وقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]. فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. وقال: فإن قال: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5] وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وقال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16)}--------------------------------------------
(1) انظر طبق ات الفقهاء الشافعيين 1/ 199.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
[الملك 16] قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها؛ ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها مالم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا والى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات الله ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: هي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء، والوجه والعينان واليدان، والغضب والرضا(1). وقد نقل شيخ الإسلام رحمه الله من هذا الكتاب في كثير من كتبه(2). كما نص على الإبانة للباقلاني الإمام ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وبين رحمه الله أن الأشعري أثبت لله في هذا الكتاب صفة الوجه واليدين والعينين(3). فهنا الإمام الباقلاني من المثبتة، بل وله كتاب أشهر من هذا الكتاب، وهو كتابه (التمهيد) الذي نقل منه شيخ الإسلام في الكثير من كتبه(4). ففي--------------------------------------------
(1) انظر الفتوى الحموية ص 96 - 97.
(2) فنقل منه في تلبيس الجهمية 4/ 486 وفي الدرء 3/ 382، 6/ 206 - 207 والتسعينية 3/ 892.
(3) انظر: (اجتماع الجيوش) 178.
(4) انظر على سبيل المثال بيان التلبيس 3/ 474 - 477 وفي الدرء 3/ 382، 6/ 206 وفي التسعينية 3/ 892 - 895 وبالفتاوى 3/ 262 - 721 - 154 والحموية ص 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
التمهيد يظهر للمطلع أن الباقلاني من المثبتة بالجملة، فهو لا يقتصر على الصفات السبع، كعامة من جاء من الأشاعرة بعد الأشعري. وقسم الصفات إلى صفات ذات، وصفات فعل، ويثبت الصفات الخبرية، كالوجه والدين والعينين، كما يثبت صفات العلو والاستواء لله تعالى - ويرد على اليدين يؤولون الاستواء بالاستيلاء(1). وذكر جلال موسى بأن الباقلاني، استدل بنفس أدلة الأشعري في مسألة الاستواء - وبنفي أن يكون هو الاستيلاء، ثم قال: إن الباقلاني تابع شيخه بإثبات الاستواء بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة(2).--------------------------------------------
(1) انظر التمهيد 26 - 29 - 261 - 262 - 263 وقد طبع التمهيد بطبعتين مختلفتين: إحداهما بتحقيق محمود الخضيري ومحمود أبو ريدة وقد تجنبا في تحقيقها على الكتاب وعلى شيخ الإسلام وتلميذه بأن شيخ الإسلام وتلميذه نسبا للباقلاني مالم يقله وتجنياً على الكتاب بحذفهما منه ما نقله شيخا الإسلام رحمهما الله متبعين بذلك إمامهم الكوثري، وقد حقق الكتاب أحد النصاري وهو (مكارثي) من عدة نسخ خطية، وأثبت فيه ما ذكره الباقلاني، ونقله عنه شيخا الإسلام حيث حقق وطبع سنة 1407 ونشرته مؤسسة الكتب الثقافية، وقد انتقد جلال موسى، وهو من مخالفي ابن تيمية ضيع المحققين. وقال بعد كلام طويل: إن المقارنة بين نص الباقلاني وبين ما نقله ابن تيمية وابن القيم عنه يؤكد لنا صحة النقل حَرْفِياً، ودون أي تحيز. انظر: نشأة الأشعرية ص 331.
(2) انظر نشأة الأشعرية 330 - 331.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
والخلاصة أن مسألة تأثر الأشاعرة بالإبانة تأثراً مباشراً معلناً عنه، فغير موجود بعد بحث واستقصاء بذلتُ فيه الجهد والطاقة إلا عند البيهقي وكفى به إمام، ولكن تأثيرها غير المباشر ومنهج مؤلفها فظاهر في عامة ما يذكره أبرز أتباعه، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله، أما عامة أتباع الأشعري فهم يخالفون شيخهم في كثير من الأمور، فيؤولون صفات الأفعال ويؤول علو الله بأنه علو المكانة والقدر، وكونه بالسماء، فهو بمعنى القهر والتدبير(1). ومن أولئك: ابن فُورك، حيث خالف شيخه في الكثير من المسائل، مما يؤكد عدم تأثره بها، أو أنه اطلع عليها فأعرض عنها، لأنه يميل إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ما جاء في الإثبات(2). ولم تختلف آراء عامة الأشاعرة، أو تخرج عما سلكه ابن فورك، مما يدل على عدم تأثيرها عليهم. ولذا أدعو عامة الأشاعرة إذا كانوا حقاً ينتسبون لهذا الإمام فعليهم أن يثبتوا ذلك بالاعتماد على آخر ما سَطَّر. أو يدعوا بالانتساب إليه ظلماً وزوراً، بل وصل الحال ببعضهم إلى التجهُّم والاعتزال ولا حول ولا قوة إلا بالله.--------------------------------------------
(1) انظر مشكل الحديث ص 74 - 85.
(2) انظر بيان التلبيس 1/ 145 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
القسم الثاني
ويشمل
1 - الطبعات السابقة للكتاب.
2 - وصف النسخ الخطية.
3 - النص المحقق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
الطبعات السابقة للكتاب
يوجد للكتاب عدة طبعات متداولة ومن أهمها وأشهرها ما يلي:
(1) طبعة الدكتورة فوقية محمود وهي أشهر الطبعات وفيها كغيرها مزايا وعيوب، وقد تميزت هذه الطبعة بما يلي:
1 - أنها حازت قصب السبق في تحقيق هذا المخطوط النفيس.
2 - بذلت - رحمها الله - جهداً كبيراً بالتعريف بالإمام الأشعري رحمه الله وذكرت مؤلفاته.
3 - ترجمت لغالب الأعلام باختصار شديد.
4 - قامت بتخريج الكثير من الأحاديث تخريجاً مختصراً مع عدم الحكم عليها.
5 - لها تعليقات لا بأس بها.
وأما العيوب فهي:
الأول: كثرة الأخطاء والتحريفات، إما بسبب الطباعة، أو بسبب الخطأ في قراءة بعض الكلمات أو الجمل، وقد يوضع ما هو خطأ حتمًا في الأصل، ثم تجد الصواب في الحاشية جاءت به إحدى النسخ الخطية، ولأجل هذه الملاحظات أصبحت قراءة النص متعبة وتحتاج إلى أن تكون لديك بعض الطبعات الأخرى حتى تستطيع التأكد من صحة العبارة.
الثاني: فيهون الأول أمامه، ألا وهو اعتماد إحدى النسخ الخطية التي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
انفردت بزيادات ليست موجودة في النسخ الأخرى، وقد أثبتت هذه الزيادات في النص الأصلي وتشير إليها في الحاشية. وهذه النسخة حفلت بزيادات من نوع خاص - وهو ما يضفي ظلالاً من الشك عليها - وقد أثار هذا انتباه المحققة فقالت في حديثها عن هذه النسخة في الدراسة: «وقد اعتبرتها النسخة الأم؛ لأنها تخلو من التقديم والتأخير المخلين بالمعنى، وليس بها خروم ذات قيمة، بخلاف النسخ الأخرى، ولأن ناسخها كان يضبط الألفاظ إلى حد كبير، غير أنه يجب أن يلاحظ أن ما بها من زيادات في حاجة إلى المراجعة الدقيقة، لاستبعاد ما علق بها من عبارات مدسوسة. ورغم أن هذه الزيادات تؤكد بصفة عامة اتجاه السلف فقد ظهر تصريح يخالف هذا الاتجاه.
مثال ذلك ما ورد في صفحة (81) لتفسير الاستواء من أنه بالقهر والقدرة، فهذا تصريح لابد وأنه بيد أحد قراء المخطوط الميالين إلى الاعتزال والذين هم في نفس الوقت على جهل بحقيقة الأمور. ويؤكد هذا تعليقه بصفحة (82) نصها [وهي في المطبوعة في الحاشية ص 120]: «قف على هذا الباب، فإن المؤلف تسامح في إيراده هذه العبارات فإنها تدل على الجهات تصريحًا وعلى الجسمية ضمنًا» يدل الكلام هنا على أن صاحبه يتجه إلى التنزيه المطلق الذي يقول به المعتزلة(1)، والذي ترتب--------------------------------------------
(1) المعتزلة هي فرقة من الفرق الإسلامية، ويسمون بأصحاب العدل والتوحيد ويلقبون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)