المعاصرين له، وللتنبيه بأن أولئك المنكرون كانوا من أشد الرادين على القائلين بهذا القول المنكر.
4 ـ يظهر أن الأشعري ليس في صدد إثبات نسبة هذه العقيدة إلى الإمام أبي حنيفة ولا أنه ثابت عنده ـ إنه يقول بخلق القرآن ـ، بل يحتمل أن يكون نسبة هذا القول إلى الإمام أبي حنيفة غير ثابت عنده من مقتضى تلك الروايات نفسها أو من أمور أخرى، ولكنه ذكرها مضمومة ملحوظة مع الرواية الأخرى، لكونها مثبتة للطلب بصورتها الإنكارية المقتضية لإثبات عدم خلق القرآن، فإدراجها في روايات أخرى إنما هو لكونها على تلك الصورة وكل هذه أمور نفسية للروايات تُوهِنُ الروايات وتجعلها ساقطة من الاعتبار لا يمكن أن تنسب معها هذه العقيدة إلى الإمام.
5 ـ أما الأمور التي هي خارجة من الرواية تقلع بنيانها وتجعلها خاوية على عروشها. فمن جملتها أن الأشعري ذكر الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي ومالك، والإمام ابن المبارك فيمن يقولون بعدم خلق القرآن ويكفرون القائل بخلقه، وقال بعده: ولم نجد أحداً ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار ويأثم به المؤتَمُّون من أهل العلم، يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس(1) وجهال من جهالهم لا موقع لهم(2).--------------------------------------------
(1) أي سقاطهم وسفلتهم، انظر لسان العرب 8/ 128.
(2) انظر ص 355 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
والأئمة المذكورون كلهم يبالغون في منقبة الإمام ومدحه، وهذا يفضي إلى كفر الأئمة المذكورين، حيث بالغوا في مدح مثل هذا الرجل، كأنهم رضوا بعقيدته أعاذنا الله من هذا القول فيهم، ولكن الأشعري إما أنه لم يقف على مدحهم للإمام أو أنه وقف، ولكنه لم يقدر أن يفهم من ذلك المدح أنه ينفي نسبة هذه الأمور إلى الإمام ويوضح كون أمثال هذه الروايات كذباً مختلقاً وأن في نسبة هذا الأمر إلى الإمام يقع مادحوه في ورطة عظيمة لا ينجون منها(1).
الوجه الثاني: فليت الشيخ عناية الله الحيدري اكتفى بهذا الكلام الطيب، خاصة أن من يرون بالأسانيد قد يوردوا روايات ليست ثابتة عندهم، ولكن من باب الإشارة أن هذه الروايات وصلت إليهم وهم على علم بها، وإنما يوردونها من باب التحذير. أو جعل العهدة على القارئ، لدراسة أسانيدها خاصة إذا لم يلتزم المحدث بالأ يورد في كتابه إلا الصحيح، وإيراد الإمام الأشعري لهذه الروايات ليست دليلاً أنها ثابتة عنده، وهذا يقتضي ألا تكون قادحة في صحة نسبة كتابه إليه، ولو سلكنا هذا المسلك لنُسفت العشرات من دواوين الإسلام، فليس من المنطق أن أي كتاب يقدح في الأحناف موضوع، أو مشكوك فيه أو أقحم في الكتاب من غير علم صاحبه، فهل سيلغى عناية الله بعض كتب السنة والتاريخ--------------------------------------------
(1) انظر ضميمة الإبانة لمحمد عنايات علي أبادي ص 2 ـ 4 باختصار وتصرف يسير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)
لوجود أحاديث موضوعة أو ضعيفة فيها؟ هذا ليس مقبولاً إنما المقبول أن يكتفى بالحكم على تلك الروايات، مع عدم التشكيك في صحة نسبة الكتاب للمؤلف، وهذا هو المسلك الصحيح وليت الشيخ عناية الله حيدر أبادي سلكه.
ثالثاً: ذكر عناية الله الحيدري: بأن عدم إيراد قول محمد بن الحسن رحمه الله يشير إلى شيء ما، وكأنه يقصد أن الكتاب فيه تَحَامُلٌ على الأئمة الأحناف رحمهم الله، بل وأعلن بأن هناك احتمالاً أن الأشعري قد أورد قول محمد بن الحسن ولكنه أُخرج من كتابه الإبانة من قبل بعض الآثمين، وكنت أتمنى أنه لم يسلك هذا المسلك لأمور.
1 ـ أن هذا قول بلا دليل ولا برهان، وما أدري من أين جاء بهذا الاحتمال؟! فإذا خلا الكلام من برهانه، فإنه غير مقبول، ولكن مع الأسف هذا منهج غالب المتكلمة إذا خالف كتاب منهجهم وكان المؤلف معتبراً عندهم قدحوا بالكتاب وشككوا به دونما دليل ولا برهان.
2 ـ ليس غرض الأشعري إيراد جميع نقول العلماء وإلا لَتَحَوَّل الكتاب إلى مجلدات ضخمة، بل أعلن أن هدفه إبانة قول الحق مجملاً. ومع أن الكتاب مختصر إلا أن الإمام الأشعري رحمه الله لم يهمل نقل روايات عن بعض الأحناف تفيد في عدم قولهم في خلق القرآن، فمثلاً
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
ذكر قول عبد الله بن المبارك(1) إنَّا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية(2)، فما أدري لماذا لم تخرج هذه الرواية من الإبانة كما أخرجت روايات محمد بن الحسن الشيباني المزعومة؟ بل نقل الأشعري قول أبي يوسف بأنه ناظر أبا حنيفة شهرين حتى رجع عن خلق القرآن(3). فهذا وإن كان في ظاهره القدح في أبي حنيفة إلا أن فيه الثناء على أبي يوسف وهو من أئمة الأحناف. فالمؤلف إذاً ما كان يقصد عداوة الأحناف وهو ينقل عن أئمتهم كفر من قال بخلق القرآن.
3 ـ الإمام الأشعري ليس ملزماً أن ينقل أقوال الإمام محمد بن الحسن أو غيره، وعدم نقله أقوال الإمام محمد بن الحسن ليس قادحاً لا في الإمام محمد بن الحسن ولا في الإبانة.
4 ـ الإمام اللالكائي ذكر قول محمد بن الحسن، وذكر قول الإمام أبي حنيفة، وقول أبو يوسف، فهل نُشَكِّك بجزء منه ونثبت جزءاً آخر؟--------------------------------------------
(1) هو شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ولد سنة 118 تلقى العلم على الأعمش والثوري والحمادين وأبي حنيفة، وحدث عنه معمر بن أبي شيبة وغيرهم وحديثه حجة بالإجماع توفي سنة 181 وله 63 سنة. انظر سير أعلام النبلاء 8/ 378 حيث ترجم له ترجمة مطولة فاقت الأربعين صفحة والجواهر المضية 2/ 324.
(2) انظر ص 527 من هذه الرسالة.
(3) انظر ص 531 من هذه الرسالة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
رابعاً: احتجاج عناية الله الحيدري بأن ما في الإبانة ليس صحيحاً، وذلك بأن محمد بن الحسن قد شَنَّعَ على من قالوا بخلق القرآن، فكيف تتلمذ على أحد القائلين به؟
قلت: لا شك بأن هذا حجة قوية على عدم صحة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، وليست حجةً على أن ما في الإبانة حول مسألة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة رحمه الله أُقْحِمَ فيها من غير علم صاحبه ولم يتفوه به. وذلك لأن في الإبانة روايات مختلفة، بعضها صحيح وبعضها ضعيف، بل وبعضها بلا إسناد.
خامساً: من العجيب أن عناية الله الحيدري قد رفض ما في الإبانة بحجة عدم إيراد البيهقي للآثار التي نسبت للإمام أبي حنيفة القول بخلق القرآن، وكأن الآثار محصورة مصادرها على كتاب الأسماء والصفات للإمام للبيهقي رحمه الله بل أظن بأن البيهقي لو أورد هذه الروايات لقدح في كتابه أيضاً، مع أن رواية البيهقي بأن أبا يوسف كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق؟(1) توحي بأن هذا كان رأي أبي حنيفة، لكنه اقتنع بقول أبي يوسف ولكن هذه الرواية ليست صحيحة ـ ولله الحمد ـ ومحاولات عناية الله الحيدري بيان أن هذه الرواية ليست قادحة في أبي حنيفة، وإنما المقصود في طول المحاورة هو قوة الاحتجاج من أجل أن--------------------------------------------
(1) سبق تخريجها ص 356.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
يصير الأمر محكماً حتى يثبتوا كفر القائل بالخلق بعدما بذلا أقصى جهدهما في تحقيق المسألة(1) ليس مقبولاً البتة. وهل تحتاج هذه المسألة التي دل عليها القرآن وذكرها خير الأنام صلى الله عليه وسلم وآمن بها الصحابة ومن تبعهم بإحسان كل هذا الجهد. فالرواية لو صحت لكانت دلالة على صحة نسبة القول لأبي حنيفة، لكنها لم تصح ولله الحمد، ولذا كان عليه رفضها من خلال سندها ومتنها لا التكلف بتأويلها.
سادساً: لقد حاول عناية الله الحيدري، أن يجعل الصراع والخلاف بين كتابي البيهقي والإبانة وهذا أمر عجيب؛ لأن كلاً منهما يبحث المسألة من خلال المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وليس الموضع موضع عرض الروايات بعضها على بعض، فليت الشيخ الحيدري كما سبق أن ذكرت اقتصر في الحكم على الروايات دون الطعن في بعض ما جاء في كتاب الإبانة.
الشبهة الرابعة: احتجَّ الحيدري بأن ما في الإبانة موضوع بقوله: بأن البيهقي روى عن البخاري رحمه الله أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق عليه أدركنا علماء الحجاز ومكة والمدينة وأهل الكوفة والبصرة وأهل الشام ومصر وعلماء خراسان(2)، فالبخاري بين أن هذه--------------------------------------------
(1) انظر الضميمة ص 6.
(2) انظر الأسماء والصفات 1/ 616، وانظر خلق أفعال العباد 2/ 115 ـ 116.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
أقوال العلماء وأهل الأمصار من غير أن يفيد أن جماعة معينة أو فرداً معيناً من تلك الجماعة كان يعتقد أولاً خلق القرآن ثم رجع عنه، فيكون الإمام أبوحنيفة الكوفي ابتداؤه وانتهاؤه على أن القرآن غير مخلوق(1). وأيده على هذا القول وهيبي سليمان غاوجي، حيث قال: لو كان الإمام أبو حنيفة قائلاً بخلق القرآن لذكره الإمام البخاري رحمه الله(2).
قلت: كنت أتمنى ألا يجعلوا محل النزاع على صحة نسبة الإبانة: لمؤلفها سببه ما نسبه الأشعري فيها للإمام أبي حنيفة واحتجاجهم بأن ما في الإبانة موضوع بدليل عدم إيراد البخاري له مردود بأن البخاري رحمه الله نسب هذا القول لأبي حنيفة، بل أشنع قول أورده الأشعري في الإبانة. أورده البخاري في كتابه التاريخ الكبير، حيث قال بسنده، بأن سفيان قال: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه، قال: وكان يقول: القرآن مخلوق(3). فهل رجعتما عن هذا القول أم ستجعلون هذا قادحاً في كتاب التاريخ الكبير للبخاري رحمه الله لأنه مقحم فيه فعلة القدح بالإبانة توفرت في التاريخ الكبير أيضاً فيكون التاريخ الكبير إما مفترى على البخاري، أو أدخلت روايات ليست من قول مؤلفه؟ بل وإليهم ما هو أشد وهو ما صنعه الإمام--------------------------------------------
(1) انظر الضميمة ص 10.
(2) انظر نظرة علمية في كتاب الإبانة ص 14.
(3) انظر التاريخ الكبير 4/ 127.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
أبو بكر بن شيبة صاحب المصنف حيث أورد في مصنفه كتاباً بأكمله يرد فيه على الإمام ويعنونه بقوله: كتاب الرد على أبي حنيفة في 124 مسألة(1) فهل يشك بالمصنف أيضاً أو يقدح بمؤلفه؟! فلا يقول بهذا باحث منصف، وما أظن هذا مسلك المنصفين؛ لأن في هذا تشكيك في دواوين أهل الإسلام. والمفترض أن يتم التعامل مع ما في المؤلفات من الأحاديث والآثار وفق القواعد التي وضعها أئمة الجرح والتعديل لا جعل الهوى والتعصب المذهبي هو الحاكم.
الشبهة الخامسة: ذكر عناية الله الحيدري ثناء العلماء على أبي حنيفة ومنهم الحافظ الذهبي رحمه الله (2)، وقال وهبي غاوجي بأن الذهبي قد خص الإمام وصاحبيه بترجمة خاصة، وأثنى عليهم، ولم يذكر نسبة القول الشنيع إليهم(3). والرد على هذه الشبهة بما يلي:
1 - ثناء الإمام الذهبي على الإمام وصاحبيه غير مُسْتَغْرَبٍ، وهم يستحقون ذلك وأكثر، ولكن هذا المدح والثناء من الذهبي على الإمام وصاحبيه ليس مبرراً للقدح في الإبانة.--------------------------------------------
(1) انظر المصنف 8/ 363 - 432.
(2) انظر الضميمة ص 13.
(3) انظر نظرة علمية في كتاب الإبانة ص 14.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
2 - الإمام الذهبي رحمه الله الذي احتججتم بثنائه على الإمام وصاحبيه ـ ذكر في كتاب العلو قول أبي يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر(1). فهذا الأثر لو صح لاستدل به الشأن على أبي حنيفة بأنه كان يقول بخلق القرآن، أما المنصف فقد يحمله على أمر آخر، وهو أن أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، وإنما كان الخلاف بينه وبين مخالفيه بماذا يحكم على القائل بالخلق وأما مسالة القرآن، هل هو مخلوق أم مُنَزَّل؟ فما كانت موضع نقاش، وإنما محل النزاع هو الحكم على القائل بالخلق، فهل هذه الرواية التي أوردها الإمام الذهبي ستكون قادحة به؟ أم في كتابه؟ أم أنها أقحمت فيه فيشكك في كتابه كما شكك في الإبانة، وهكذا سيضع أتباع كل مذهب يقدحون في أي مؤلف لا ينسجم مع أهوائهم.
3 - أما مسألة: هل قال أبو حنيفة بخلق القرآن أم لا؟ فهذه من المسائل التي تطرق لها العلماء في القديم والحديث، وهي لا شك محل خلاف وموطن نزاع ولعلي أتطرق إليها في عُجَالةٍ من أمري من خلال المسائل التالية:
المسألة الأولى: إن المسلم يفرح ويسعد بسلامة اعتقاد أي إنسان.--------------------------------------------
(1) انظر العلو 2/ 1001 وهذا قريب من اللفظ الذي أورده البيهقي في الأسماء والصفات، وقال عنه: قال أبو عبد الله ـ يعني الحاكم ـ رواته كلهم ثقات، وانظر: الأسماء والصفات 1/ 611 حديث 551.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
فكيف إذا كان هذا اعتقاد إمام من أئمة الإسلام! ويتبع مذهبه عشرات الملايين من المسلمين في عامة الأمصار، فالسعادة تكون أشد، والفرح يكون أعظم.
المسألة الثانية: إن الحكم على الإنسان ينبغي أن يكون مما ذكره في كتبه، أو نقله أتباعه أو نقله الثقات الأثبات عنه وعندما تسلك هذا المسلك نجد الإمام أبا حنيفة رأيه في مسألة عدم خلق القرآن لا يخرج ـ ولله الحمد ـ عن أقوال أئمة أهل السنة للروايات الآتية:
1 ـ ما كتبه الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر(1). حيث قال: والقرآن غير مخلوق(2)، فهذا كلام الإمام في كتبه. وهذا لوحده كافٍ لبيان موقفه.
2 ـ نقل البغدادي في تاريخه بأن أبا حنفية كان يقول: جهم بن صفوان كافر(3). ولا شك بأن حكمه على صاحب القول بخلق القرآن بالكفر دليل على كفر القائل بهذا القول عنده.--------------------------------------------
(1) وهذا الكتاب اختلف البعض في صحة نسبته إلى أبي حنيفة فهناك من أثبته وهناك من فصل المسألة، وهناك من نفاه. انظر براءة الأئمة الأربعة مما نسب إليهم ص 46 ـ 71 وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة 116 ـ 123.
(2) انظر الفقه الأكبر ص 2.
(3) انظر تاريخ بغداد 15/ 515، وقال بشار عواد في تحقيقه إسناده حسن 15/ 515.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
3 ـ ونقل أيضاً عن بشر بن الوليد قول أبي يوسف رحمه الله أن أبا حنيفة رحمه الله كان يذم جهماً ويعيب قوله(1).
4 ـ ونقل أيضاً بأن سفيان الثوري والنعمان بن ثابت ـ أبي حنيفة ـ كانا يقولان: القرآن كلام الله غير مخلوق(2).
5 ـ نقل أيضاً قدوم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبَّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له: جهم، قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفة: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)} [الكهف](3).
6 ـ بل وذكر أتباع الإمام أبي حنيفة عقيدته صراحة أيضاً بقولهم، أنه قال: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق(4)، وهي عقيدة صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف(5). فإذا كان هذا كلام الإمام في كتابه وكتب أصحابه، فكان من المفترض الاقتصار عليها، ولكن لوجود--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ بغداد 15/ 514. وقال محققه بشار عواد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
(2) تاريخ بغداد 15/ 517 وقال بشار عواد: إسناده حسن.
(3) انظر تاريخ بغداد 15/ 517.
(4) انظر الجواهر المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة ص 10 نقلاً عن أصول الدين ص 334، وهذا الكلام سبق أن نقلته عنه في الفقه الأكبر ص 2.
(5) انظر: الأسماء والصفات 1/ 610، وشرح الاعتقاد 1/ 270 ـ 271، 2/ 269 أثر 471، 2/ 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
بعض الروايات والنقول التي تخالف ما ذكر في هذه المصادر، كان لابد من أن يزاد الأمر توثيقاً وإيضاحاً.
7 ـ نقل ابن عبد البر في كتابه الانتقاء قوله: سمعت أبا يوسف يقول: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكة، فاختلف الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطاناً تصور في صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا، فسألنا عنها وسأل بعضنا بعضاً، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا: ليس شيخنا حاضراً، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدئ بالكلام. فلما قدم أبو حنيفة قلنا له بعد أن تمكنا منه رضي الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟ فكأنه كان في قلوبنا وأنكر وجهه، وظن أنه وقعت مسألة مُعْنِيته وأنا قد تكلمنا فيها بشيء. فقال ما هي؟ قلنا: كذا وكذا، فأمسك ساكناً ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قلنا لم نتكلم فيها بشيء، وخشينا أن نتكلم فيها بشيء فتنكره فسري عنه، وقال: جزاكم الله خيراً، احفظوا عني وصيتي: لا تكلموا فيها، ولا تسألوا عنها أبداً، انتهوا إلى أنه كلام الله عز وجل بلا زيادة حرفٍ واحد، ما أحب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون، ولا يقعدون! أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم(1).--------------------------------------------
(1) انظر الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص 317 ـ 318.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
8 ـ وقال أبو يوسف: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر، قال له ابنه: يا أبت هل تُخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا عهدي به، وما علمت منه غير هذا، ولو علمت منه غير هذا لم أصحبه. قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه فقهاً وعلماً وورعاً، قال: وكان أبو حنيفة محنةً يُعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم فأبى(1). فانظر إلى قول أبي يوسف: ولو كان هذا قوله ما صحبته، وهذا يدل أن هؤلاء يعلمون قول إمامهم، ويعلمون بأنه لا يرى القرآن مخلوقاً وقول الإمام أبي حنيفة ونقول تلامذته عنه مقدم على أقوال غيرهم، بل وانظر إلى ما قال ابن المبارك رحمه الله، سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً. يقولون: من قال القرآن مخلوقاً فامرأته طالق ثلاثاً(2). ومعلوم أن عبد الله المبارك من ألصق تلامذة أبي حنيفة فلو كان شيخه على غير هذا النهج لما صحبه.
9 ـ كذلك نقل الثقات من أصحابه عقيدته، كالإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله عندما نقل معتقد إمامه حيث قال: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد--------------------------------------------
(1) انظر الانتقاء ص 319.
(2) انظرالحجة في بيان المحجة 1/ 368 واللالكائي 2/ 244 الأثر رقم 405.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
كفر(1). فها هو الإمام الطحاوي يبين من خلال هذا الكلام عقيدته وعقيدة إمامه الذي يتبعه.
10 ـ بل ها هو إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يذكر بأن بعض أصحاب أبي حنيفة تابعوا جهماً بالقول بخلق القرآن(2). فهنا يبين الإمام أحمد وهو من أعلم الناس بالرجال بأن القائل بخلق القرآن هم بعض أصحاب أبي حنيفة ولو كان الإمام أبو حنيفة قائلاً بمثل هذا القول لذكره الإمام عنه. وما قصر الذكر على بعض أصحابه.
11 ـ بل ها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يشهد للإمام أبي حنيفة بالبراءة من هذا القول بما رواه النخعي(3)، قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق(4). فهذا الإمام أحمد الذي امتحن في--------------------------------------------
(1) انظر شرح العقيدة الطحاوية 1/ 254.
(2) انظر: الرد على الجهمية ص 104 ـ 105.
(3) هو: الإمام الحافظ إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي، روى عنه القاضي شريح وأبي عبدالرحمن السلمي، وخلق من كبار التابعين، وكان بصيراً بعلم ابن مسعود رضي الله عنه وكان مفتى أهل الكوفة، توفي وله تسع وأربعون سنة، سنة ست وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء 4/ 520 ـ 529، وطبقات ابن سعد 6/ 270.
(4) انظر: تاريخ بغداد 15/ 517 وقال بشار عواد في تحقيقه لتاريخ بغداد إسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
قضية خلق القرآن، وأكثر المدافعين عن السنة يشهد ببراءة الإمام أبي حنيفة ويبين عدم صحة نسبة هذا القول له وهي وربي كافية ببيان براءته، فكيف إذا اقترنت بشهادة غيره!
12 ـ كالإمام النخعي رحمه الله حيث قال: ما تَكَلَّم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا محمد، ولا أحدٌ من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي، وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة(1).
13 ـ بل وهذا الإمام اللالكائي يبين في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بأن معتقد الإمام أبي حنيفة هو القول بعدم خلق القرآن، بل ويبين بأن الإمام أبا حنيفة ممن يقولون بكفر من قال بأن القرآن مخلوق، حيث قال: ومن الطبقة الأولى من الفقهاء سفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت أبو حنيفة، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن إلى آخر من ذكر(2).
14 ـ وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يبين عقيدةَ الإمام أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن، حيث قال رحمه الله: إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن كلام الله--------------------------------------------
(1) ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه 15/ 518، وقال محققه بشار عواد: إسناده صحيح.
(2) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة 2/ 277.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يُرى في الآخرة. هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل: مالك بن أنس والثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل(1) فشيخ الإسلام يبين من خلال هذا الكلام بأن معتقد الإمام أبي حنيفة كغيره من الأئمة، بل وبين في موطن آخر بأن هذا المعتقد ليس معتقد الإمام ولا أصحابه المعروفين، بل هو معتقد بعض المنتسبين إليه في الفقه من المعتزلة(2).
15 ـ بل وبين الحافظ ابن حجر رحمه الله في لسان الميزان بأن ما نسب إلى الإمام في مسألة خلق القرآن كذب حيث قال عند ترجمته لإسماعيل بن حماد بن النعمان(3). وهو من دعاة المأمون في المحنة بخلق القرآن، وكان يقول بدار المأمون: القرآن مخلوق هو ديني ودين أبي وجدي، وكذب عليهم(4).
16 ـ كما بين كذب إسماعيل بن حماد على أبي حنيفة الإمام بشر بن--------------------------------------------
(1) انظر منهاج السنة 2/ 106 باختصار.
(2) انظر مجموعة الرسائل والمسائل 3/ 360.
(3) هو: إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت ولي القضاء سنة عشر ومائتين وعزل عنه سريعاً وعرف بذكائه قال عنه ابن عدي: ضعيف ونقل الإمام الطبري أنه كان جهمياً غير ثقة ألف الجامع في الفقه والرد على القدرية مات سنة 212 هـ. انظر تاريخ بغداد 7/ 216 والجواهر المضية 1/ 400 ولسان الميزان 1/ 517.
(4) لسان الميزان 1/ 517.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الوليد(1)، حيث قال: كنا عند أمير المؤمنين، وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: القرآن مخلوق وهو رأيي ورأي آبائي. فقلت له، أي ـ بشر بن الوليد ـ أما رأيك فنعم أما رأي آبائك فلا(2).
17 ـ ذكر الإمام الألباني(3) رحمه الله بأن في التاريخ للخطيب روايات عِدّة تُبين بأن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، إلا أنه دَقَّقَ النظر في بعضها فوجدها لا تخلو من قادح، ثم قال: ولعل سائرها كذلك، لاسيما وقد روى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: لم يصح عندنا أن أبا--------------------------------------------
(1) قال عنه الذهبي بشر بن الوليد بن خالد الإمام العلامة المحدث الصادق قاضي العراق أبو الوليد الحنفي، ولد سنة 150، وسمع من مالك بن أنس وحماد بن زيد وحدث عنه البغوي وأبو يعلى، روى عنه أبو داود وابن ماجه ووثقه أبو زرعة، مات سنة 240 هـ، انظر: سير أعلام النبلاء 10/ 673، والنجوم الزاهرة 2/ 292.
(2) انظر الانتقاء لابن عبد البر ص 318.
(3) هو الإمام المحدث محمد بن ناصر الدين بن نوح بن آدم الألباني، ولد سنة 1332 هـ في ألبانيا، ثم هاجر مع أسرته إلى سوريا فراراً بدينهم. تلقى العلم على يد والده، وعلى الشيخ سعيد البرهاني، وعلى العلامة محمد راغب الطباخ، وقد برع رحمه الله في علم الحديث، عمل أستاذاً في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. له العديد من المؤلفات منها: سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتحريم آلات الطرب، سجن رحمه الله في سجن القلعة بسبب وشاية بعض مشايخ الصوفية. توفي رحمه الله سنة 1420 هـ في عمان، الأردن. انظر صفحات مشرقة من حياة العلامة الألباني لإبراهيم الهاشمي. وانظر: مقدمة الاختيارات الفقهية للإمام الألباني 9 ـ 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
حنيفة كان يقول بأن القرآن مخلوق(1)، وهذا هو الظن بالإمام أبي حنيفة وعلمه رحمه الله فإن صح عنه خلافه فلعل ذلك كان قبل أن يناظره أبو يوسف(2).
18 ـ لو كان الإمام قائلٌ به لشنع عليه أهل عصره كما شنع على ابن أبي دؤاد وغيره، بل ولكان الإمام أبو حنيفة هو مبتدع هذا القول وليس الجعد ولا الجهم والعلماء على أن هؤلاء هم أول من قال بخلق القرآن، وما ذكر أحد السلف أن أبا حنيفة أول من قال بخلق القرآن مع أنه وجد قبل هؤلاء الضلال الجهمية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: إن القرآن مخلوق الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان(3).
19 ـ هل يترك قول هؤلاء الثقات الأعلام من أجل روايات واهية لا تثبت، وأصح هذه الروايات يدل على أن المناظرة كانت حول الحكم--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) انظر مختصر العلو ص 156، بل وبين بشار عواد بأن جميع هذه الروايات ضعيفة كذلك ففي هذا القول الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد الرحمن الخميس، في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص 334، والشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة ص 301 كذلك محقق التاريخ الكبير 4/ 127، كذلك الدكتور/ أحمد سعد حمدان. انظر: شرح أصول الاعتقاد 2/ 239، هامش 4.
(3) انظر: التسعينية 1/ 284 وشرح أصول اعتقاد أهل السنة 2/ 312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
على القائل لا على القول. وبهذا يتبين أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، كما يتبين بأن طعن صاحب الضميمة ومن وافقه حول الإبانة منشؤه على قول واهٍ؛ وذلك لأن نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة لم ينفرد فيه الأشعري وحده، بل سبقه إليها الإمام البخاري في تاريخه الكبير، ونقله اللالكائي والخطيب وغيرهم، مع أن انفراد الأشعري لو حصل لما قبل القدح فكيف مع عدم انفراده بهذا القول؟! والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
المطلب الثاني: مَنْ شكك في هدف التأليف:
هناك من جعل هدف الأشعري في التأليف وقاية من الحنابلة، ومجاملة لهم، وأول من قال بهذه العبارة، هو عدو الأشعري الأهوازي (1) ثم تلقفها بعض المستشرقين حيث قال ماكدونالدز: - إن الأشعري اضطر إلى كتابة الإبانة وهو لا يؤمن بما فيها وذلك على سبيل التقية من الحنابلة، أصحاب النفوذ في بغداد في أخريات أيامه (2). وتلقف هذه الشبهة والإفك المبين بعض الأشاعرة، فحمودة غرابة مثلاً نقل كلام ماكدونالدز ثم عقب بعده بقوله: ولعل ما يشهد لذلك قول بعضهم: - إن الأشاعرة قد جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية، ولكن السادة السلفية لا يرضيهم هذا التعليل (3).
ومستند هؤلاء القصة التى ذكرت للأشعري مع البربهاري شيخ الحنابلة في بغداد أن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، رددت على النصارى. فقال أبو محمد: لا أدرى ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (4)، ويضاف إلى هذا رد شيخ الإسلام ابن--------------------------------------------
(1) انظر التبيين ص 188.
(2) انظر القضاء والقدر 2/ 316.
(3) انظر كتاب اللمع بتصحيح حمودة غرابة ص 7.
(4) انظر سير أعلام النبلاء 15/ 90، وطبقات الحنابلة 2/ 18، والوافي 12/ 246، وتبين كذب المفترى 390، 391. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص 391 وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة ولم ينكر تأخر الإبانة انظر موقف ابن تيمية 1/ 382. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)