الوجه الثالث: ذكر ابن تيمية علة أخرى، وهي أن ابن فورك وذويه، كانوا يميلون إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، وقد نقل عن ابن كُلاب كلاماً فتصرف في كلامه تصرفاً، لذا كان هواه في النفي يمنعه من تَتَبُّعِ ما جاء في الإثبات من كلام أئمته وغيرهم، ولذا نقل عن الأشعري كلاماً زاد فيه ونقص. وفعله هذا سببه أنه يظن أن هذا هو الحق، وقد رأيت في مصنفات من ينقلون عن الأئمة شيئاً لم ينقله أحد عنهم لاعتقادهم أنه حق، فهذا أصل ينبغي أن يعرف(1). فابن فورك لم يذكر الإبانة لأنها من كتب الإثبات التي تخالف منهجه التأويلي.
الوجه الرابع: ظهر لي بعد تحقيق الإبانة اتفاق عامة النساخ على عامة ما ورد فيها، لا من حيث الترتيب، ولا من حيث الأبواب والمسائل والأجوبة والألفاظ، وإنما الخلاف في الغالب لا يتعدى أمور لا علاقة لها في صلب الموضوع. ومن أمثلة ذلك: أن غالب الفروق لا تعدو أن يصلي الناسخ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يورد النبي من غير الصلاة عليه، وقد يحدث العكس وهو الغالب، وهناك من يصلي عليه في موضع ولا يصلي عليه في موضع آخر، وكذلك الترضي--------------------------------------------
(1) انظر بيان تلبيس الجهمية 1/ 145، 147 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
على الصحابة رضوان الله عليهم. كما أن من الفروق عند ورود لفظ الجلالة نجد في بعض النسخ لفظ (تعالى) وبعضهم عز وجل، أمَّا الخلافات الجوهرية، أو المحيلة للمعنى فإنها من أندر النوادر، إن لم تكن معدومة إلا في موضع لا يتعدى ثلاثة أسطر، انفردت به نسخة عن باقي النسخ الست، مما يؤكد أنها زيادة من الناسخ، وذكرت الأدلة على ذلك في موضعها في الرسالة، وأما ماعدا ذلك فلا فرق يذكر، وهذا التطابق في الألفاظ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن هذا الكتاب ألفه الإمام الأشعري، وأما دعوى المدعين، بأن أيدٍ آثمة قد عبثت به، أو أنه ليس من تصنيفه، دعوى ليس لها برهان.
الوجه الخامس: مما يؤكد صحة نسبة الكتاب للإمام الأشعري رحمه الله أننا نجد نفس الألفاظ والعبارات الموجودة في نسخته الخطية موجودة أيضاً فيما نقله الأئمة الأثبات عنه بحروفها وألفاظها ومعانيها، كالإمام البيهقي، والحافظ ابن عساكر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، الذي أكثر من النقل منه، كذا تلميذه ابن القيم، وكذلك الحافظ الذهبي، سواء في كتابه العلو، أو في كتابه العرش، وما أدري هل عَبَثَتِ الأيدي الآثمة، التي يدعيها الكوثري ومن سار في فلكه في هذه الكتب والمخطوطات أيضاً؟ أم إنها دعوى كغيرها بلا دليل والله المستعان.
الوجه السادس: إن المتأمل لما كتبه الأشعري في الإبانة يجد أنه في غالبه موجود في كتبه الأخرى، كمقالات الإسلاميين، أو رسالته إلى أهل الثغر. فهل اتفاق هذه الكتب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
في غالب الأصول وفي عامة الأبواب والمسائل عبثت بها الأيدي الآثمة التي اخترعها الكوثري وتَلَقَّفَهَا عنه محبوه بلا أدنى تثبت، أم إن الدافع الحقيقي نقد الإبانة والمقالات وردهما؛ لأنهما من كتب الإثبات؟ وما فيهما من الإثبات وخاصة الإبانة يناقض ما عليه متأخروا الأشاعرة، ولذا يحاول بعضهم عبثاً، وهم قلة ـ ولله الحمد ـ الطعن بصحة ما في هذه الكتب ونفيها عن الإمام الأشعري، وتأويل ما يستطيعون تأويله، لأن ما فيها كما ذكرت يناقض ما هم عليه من معتقدات مخالفة لمعتقد إمامهم رحمه الله، لأن ما أثبته في الإبانة موافق لما عليه أهل السنة وما عليه متأخري الأشاعرة من التجهم والاعتزال الشيء الكثير.
والخلاصة، أن عدم إيراد ابن فورك لكتاب الإبانة ليس مسوغ لنفي الكتاب، خاصة وقد ظهر بالأدلة أن ابن فورك لم يستقص كتب الأشعري، وما كان الاستقصاء هدفه، ولو كان هدفه الاستقصاء لكان عدم ذكره لكتاب الإبانة لا يعدوا أن يكون سهوًا أو خطأً، لا أنه دليل على عدم تأليف الإمام الأشعري له خاصة، وابن فورك لم يورده ولم ينفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الثالث
تاريخ تأليفه
لقد سبق وأن مر معنا أن الأشعري مر بثلاثة أطوار، وكان الطور الأخير هو انتماؤه للسلف الصالح، وفي هذا الطور ألف كتاب الإبانة، والتي هي آخر مؤلفاته، وقد سبق ذكرها في مسألة الأطوار وفي مسألة نسبة الكتاب وأذكرها هنا باختصار.
1 - أن ابن فورك لم يذكرها في كتبه التي صنفها قبل العشرين وثلاثمائة، فدل على أنها مما كتبها بعد العشرين والثلاثمائة لاستحالة أنها كتبت بعد الرجوع مباشرة لأنها لو كانت ألفت بعد رجوعه عن الاعتزال مباشرة لأَوْرَدَها الأشعري في كتابه العمد والذي نقل منه ابن فورك، وكذلك لأَوْرَدَتْهَا الرواياتُ التاريخية في كتب التراجم التي ذكرت الكتب التي ألفها بعد الرجوع والتي لم تذكر هذا الكتاب لا باسمه ولا بمعناه.
2 - أن عدداً من الأعلام قد نَصُّوا على أنها آخر كتبه كابن تيمية وابن القيم، وابن كثير وابن العماد الحنبلي وعدد من الأعلام سبق ذكرهم في مسألة أيهما أسبق: الإبانة أم اللمع؟
3 ـ نص شيخ الإسلام على أنه صنفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة(1) فهذا نص صريح من شيخ الإسلام أنه ألَّفه في آخر عمره.
4 - ومن خلال ما سبق يتبين بأن هذا الكتاب قد ألف ما بين 320 - 324 والله أعلم.
1 ـ قال ابن عساكر: الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماماً ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، فبعد ذلك خرج إلى الجامع، فصعد المنبر» وقال: «معاشر الناس! إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة، لأني نظرت فَتَكَافَأَتْ عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق، فاستهديت الله تبارك وتعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب «الُّلمَع»--------------------------------------------
(1) انظر: بيان التلبيس (1/ 143).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب كشف الأسرار وهتك الأستار وغيرهما (1). فأنت تلحظ هنا أن الأشعري قد ألف اللمع في مرحلة ما بعد الاعتزال مباشرة، وهذا دليل على أن الإبانة متأخرة عنه، وقد كتبت بعده لأنها قطعا، ليست من مؤلفاته قبل الاعتزال وما قال أحد بذلك، ولم تكن من الكتب التي دفعها للناس بعد تحوله مباشرة، فدل ذلك على تأخر تأليفها.
ثالثًا: أن الأشعري، لما ذكر مؤلفاته في كتابه العمد لم يذكر منها الإبانة، مع أن ابن فورك قد بين أن هذه المؤلفات التي أوردها في العمد ألفها إلى سنة عشرين وثلاثمائة. فلو كانت من ضمنها لذكرها، ولما أضاف ابن فورك ما ألفه بعد ذلك لم يذكر من ضمنها الإبانة. وابن عساكر قد نقل نصوصا من الإبانة، وإن لم يذكرها ضمن ما استدركه على ابن فورك بسبب أنه نقل نصوصا منها فرآها كافية لإثباتها ولبيان معرفته بها، بل النقل منها أقوى من مجرد ذكر عنوان الكتاب بأسلوب السرد الخالي من التفصيل.
رابعًا: أن من المؤكدات القوية أيضًا على تأخر تأليف كتاب الإبانة قصة الأشعري مع البربهاري (2) شيخ الحنابلة، وذلك أن الأشعري، لما--------------------------------------------
(1) انظر التبيين ص 39.
(2) هو شيخ الحنابلة القدوة الإمام الحسن بن علي ابن خلف البربهاري، قال عنه ابن كثير: هو العالم الزاهد الفقيه، الحنبلي الواعظ وقد بلغ من زهده وورعه أنه تنزه عن ميراث أبيه وكان سبعين ألفا لأمر كرهه. وكان شديدة على أهل البدع والمعاصي. صحب المروزي وسهلا التستري، توفي رحمه الله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. انظر المنتظم 14/ 14 والبداية والنهاية 15/ 137، وسير أعلام النبلاء 15/ 90.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (1). وهذه القصة دليل على تأخر كتاب الإبانة.
خامسًا: نجد في الإبانة إثبات الصفات الخبرية والعقلية الاستواء، بل ونجد فيها الاعتماد على الوحيين ونبذ التأويل، ولا يتحدث فيها الأشعري عن القضايا الكلامية التي ذكرها في اللمع، وهذا دليل على تدرجه بالتخلي عن علم الكلام؛ لأن معرفته في هذه المرحلة لعلم الكلام أكثر من معرفته لمنهج أهل الحديث، لذا كان اللمع أقرب لمنهج المتكلمة من منهج أهل الحديث كحال مؤلفه في تلك الفترة.--------------------------------------------
(1) انظر سير أعلام النبلاء 90/ 15 وطبقات الحنابلة 2/ 18، والوافي 12/ 246، وتبيين كذب المفتري 390، 391. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل دليل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص 391 وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة ولم ينكر تأخر الإبانة انظر موقف ابن تيمية 1/ 382. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
سادسًا: عددًا من الأعلام قالوا: بأن الإبانة هي آخر مؤلفاته، ومنهم:
1 - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال في بيان التلبيس: وهذا الكتاب - يعني الإبانة - هو من أشهر تأليف الأشعري وآخرها" (1).
وقال في موضع آخر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه الإبانة: وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه، وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه) (2) وقال في موطن آخر: الإبانة صنفها الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك (3). وقال في موطن آخر: هذا آخر كتبه وقد صفه في بغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة (4).
2 - ابن درباس (5):- حيث قال رحمه الله في رسالته في الذب عن الأشعري: أما بعد، فاعلموا معاشر الإخوان، وفقنا الله وإياكم للدين القويم، وهدانا أجمعين، للصراط المستقيم بأن كتاب الإبانة عن أصول--------------------------------------------
(1) انظر: بيان تلبيس الجهمية 1/ 136.
(2) مجموع الفتاوي 5/ 93.
(3) مجموع الفتاوى 6/ 359.
(4) انظر: بيان تلبيس الجهمية (1/ 143).
(5) هو قاضي الديار المصرية، الإمام الأوحد صدر الدين، عبد الملك بن عيسى بن درباس الكردي الشافعي. ولد بالموصل سنة عشرة وخمسمائة. سمع من الحافظ، ابن عساكر، وروى عنه الحافظ المنذري، توفي رحمه الله في سنة خمس وستمائة، انظر: سير أعلام النبلاء 21/ 474.، والنجوم الزاهرة 6/ 175.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقرَّ عليه أمره فيما كان يعتقده (1).
3 - ابن العماد الحنبلي، حيث قال: الإبانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه وعليه يعتمد أصحابه، في الذب عنه، عند من يطعن عليه (2).
4 - الحافظ بن كثير، حيث قال: وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا (3).
5 - نعمان الألوسي (4)، حيث قال: - تحت عنوان عقيدة الأشعري، "روي غير واحد من المصنفين عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال في كتابه الإبانة في أصول الديانة" وهو آخر كتاب صنفه (5).--------------------------------------------
(1) انظر رسالته في الذب عن أبي الحسن الأشعري، ص 115.
(2) انظر طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير 1/ 199، إتحاف السادة المتقين 2/ 6.
(3) انظر شذرات الذهب 4/ 131.
(4) هو: نعمان بن محمود بن عبد الله الألوسي، أبو البركات خير الدين، ولد ببغداد سنة 1252 م، وكان فقيها، ولي القضاء في العديد من البلدان، من آثاره: كتاب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، وغاية المواعظ. توفي سنة 1317 هـ. انظر: معجم المؤلفين
13/ 107، ومقدمة تحقيق جلاء العينين 3/ 6.
(5) انظر جلاء العينين ص 462.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
6 - خالد النقشبندي (1)، حيث قال: نري كتب الأشعري في العقائد مشحونة بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة، والخوض في كثير من التأويلات والتدقيقات، ثم اعتذر في كتابة الإبانة عن أصول الديانة، الذي هو آخر مؤلفاته، وعليها التأويل في مذهب الأشعري (2).
7 - حافظ حكمي، حيث قال: وأما أبو الحسن الأشعري رحمه الله فالذي قرره في كتابه الإبانة الذي هو من آخر ما صنف (3).
8 - محب الدين الخطيب، حيث قال: وكتب بذلك كتبه الأخيرة، ومنها في أيدي الناس كتاب الإبانة وقد نص مترجموه على أنها آخر
كتبه (4).
9 - الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود، حيث قال: هذه خلاصة أدلة الذين يقولون بتأخر الإبانة عن اللمع، وهي كما يلاحظ أدلة علمية--------------------------------------------
(1) هو خالد بن أحمد بن حسين أبو البهاء، ضياء الدين النقشبندي، ولد في سنة 1190 هاجر في صباه إلى بغداد، ورحل إلى الشام حيث توفي بدمشق في الطاعون عام 1242 هـ له العديد من المؤلفات منها شرح العقائد العضدية ورسالة في إثبات مسألة الإرادة الجزئية، واسمها العقد الجوهري في الفرق بين كسب الماتريدي والأشعري انظر الأعلام 2/ 294، ومعجم المؤلفين
4/ 95.
(2) انظر جلاء العينين ص 157، حيث نقل الألوسي كلام النقشبندي وقال: وقال العلامة شيخ مشايخنا الشيخ خالد النقشبندي. (3) انظر: معارج القبول ص 310.
(4) انظر المنتقي ص 44 هامش 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
تعتمد على نقل العلماء وأقوالهم. أما أدلة القول الأول فليس في واحد منها ما يَنُصُّ على تأخر اللمع وتقدم الإبانة؛ فعبارة ابن خلكان مجملة، وجميع الذين يميلون إلى المذهب الأشعري يقولون: إن كتبه كلها تسير على طريقة الفقهاء والمحدثين، لا يفرقون بين الإبانة واللمع، أما الدليل النفسي وأن الإنسان عند انتقاله يكون متحمسا فيقابله دليل نفسي آخر وهو التدرج الذي ورد في أدلة القول الآخر، أما مسألة النضج، ففي الإبانة مناقشات للمعتزلة لا تقل قوة عما في اللمع، فيتبين بذلك أن الإبانة آخر مؤلفات الأشعري (1).
10 - عبد الفتاح أحمد (2)، حيث ذكر الخلاف حول أيهما الذي صنفه الأشعري بعد طور الاعتزال، وذكر أنه يرجح أن كتاب اللمع هو الذي ألفه الأشعري في تلك الفترة لأنه هاجم المعتزلة هجوما شديدا، لكنه لم يتحول دفعة واحدة إلى مذهب السلف، فلم يذكر في اللمع الإمام أحمد، وإنما كان هذا الطور بمثابة مرحلة و طى بين علماء السلف وبين المتكلمين المناصرين للسنة، خاصة ابن كلاب (3).--------------------------------------------
(1) موقف ابن تيمية 1/ 384، 385.
(2) الدكتور عبد الفتاح أحمد فؤاد أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بكلية التربية بجامعة الإسكندرية بمصر - وبحثت عن ترجمة له فلم أجد والسبب في ذلك أنه معاصر وغالب المعاصرين لا توجد لهم تراجم.
(3) الفرق الإسلامية وأصولها الإيمانية 1/ 132 باختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
11 - أحمد بن حجر آل بوطامي، حيث قال: فإن قال قائل بأي دليل تُرَجِّحُون قولكم: إن الإبانة متأخر عن كتابه اللمع وأمثاله. فالجواب:
أ- أنه اللائق بإمامته وجلالة قدره.
ب - إن الذين كتبوا عنه من المؤرخين ذكروا عنه هذا المعتقد الصحيح، ثم قال: فلو كان الإمام استقرت عقيدته على التأويل في آخر الأمور، لذكر ابن عساكر وغيره من المؤرخين (1).
12 - راجح الكردي، حيث قال: ولكن الواقع أن الرأي الذي انتهى إليه هو اعتبارها صفات، وخاصة في كتابه الأخير كتاب الإبانة عن أصول الديانة (2). وهذا القول قال به عدد كبير من الباحثين أيضًا (3).
ومن خلال ما سبق يتبين بأن هذا الكتاب قد ألف ما بين 320 - 324، لذا فهو يعد آخر كتب الإمام الأشعري رحمه الله وذلك أن الأشعري، لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: ---------------------------------------------
(1) انظر العقائد السلفية 157 - 158 باختصار.
(2) انظر علاقة صفات الله بذاته ص 128.
(3) ومنهم الشيخ إبراهيم الحلبي في كتابه اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد ص 57 والشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني كما في القول الجلي ص 36، ومحمد أحمد محمود في كتابه الحنابلة في بغداد ص 168 ورضا نعمان في علاقات الإثبات والتفويض ص 41، 44، نقلًا عن موقف شيخ الإسلام 1/ 384.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
رددت على الجبائي، رددت على المجوس، وعلى النصارى. فقال أبومحمد: لا أدري ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (1). والله اعلم.--------------------------------------------
(1) انظر سير أعلام النبلاء 15/ 90 وطبقات الحنابلة 2/ 18، والوافي 12/ 246، وتبيين كذب المفتري 390، 391. وقد ضعف ابن عساكر هذه القصة حيث قال: وأدل دليل على بطلانها قوله: أنه لم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها، وهو بعد إذ صار إليها لم يفارقها ولا رحل عنها فإن بها كانت منيته وفيها قبره وتربته انظر التبيين ص 391 وقال الشيخ المحمود: إن ابن عساكر أنكر القصة، ولم ينكر تأخر الإبانة، انظر: موقف ابن تيمية 1/ 382. قلت: وهو الظاهر من كلامه والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
المبحث الرابع
مصادر الأشعري في كتابه
من أهم الأمور التي تلفت النظر، والتي تميز بها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة قلة المصادر التي يستقي منها، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن المؤلف يؤسس لِمَنْهَجٍ عَقَدِيٍّ يناقش من خلاله المعتزلة والجهمية أصحاب المذهب العقلي الفاسد، فحرص على مقارعة الحجة بالحجة، ومع تميزه عنهم بسلامة منهج الاستدلال العقلي عنده؛ لأنه استقى ذلك من الكتاب والسنة. ومن هنا أستطيع القول: أن مصادر الإمام الأشعري هي:
أولاً: القرآن الكريم: حيث يلحظ القارئ أن الأشعري قد اعتمد على المئات من الآيات القرآنية في الاستدلال؛ محتجاً بها على خصومه.
ثانياً: السنة المطهرة: كما أن من مصادره التي اعتمد عليها السنة النبوية، حيث أورد العشرات من الأحاديث، وإن كان لم يعتمد على المصادر الأساسية في غالب نقوله. فلم ينقل من صحيحي البخاري ومسلم، ولا من بقية الكتب الستة. وإن كانت غالب الأحاديث التي اعتمد عليها أصولها في الصحيحين وبقية الكتب الستة. ولعلي هنا أذكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة مع عدم عزوه إليها، وهي:
أ - موطأ الإمام مالك رحمه الله، حيث نقل منه في موطن واحد بسند مالك. حيث قال: وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أورد الحديث. وذلك عند كلامه عند ذكر الروايات في القدر، ولم يذكر الموطأ باسمه.
ب - وروى عن الإمام أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه حديثاً واحداً، وذكره بسنده كما عند ابن أبي شيبة في المصنف دون أن يذكر اسم المصنف صراحة، حيث قال: وروى أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ولم ينقل عنه إلا في هذا الموطن.
ج - أما بقية كتب السنة فلم ينقل عنها، بل ينقل بكثرة عن معاوية ابن عمر، وموسى بن عمرو، وعفان بن مسلم، وليست لهم كتب معروفة، ولعل العلة في ذلك قلة اطلاعه على كتب السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
ثالثاً: كتب التفسير، حيث نقل من كتب التفسير من كتاب واحد، وهو من تفسير سنيد بن داود المصيصي. حيث نقل عنه قول قتادة. في أن القرآن غير مخلوق، ولم يذكره باسمه، وتفسير سنيد مفقود.
رابعاً: العقل، حيث تجلى في هذا الكتاب منهج الاستدلال العقلي السليم وأثره في قمع الحجج الباطلة بالحجج العقلية مع أولئك الذين ما قدروا الله حق قدره، وما جعلوا لنصوص الوحيين قدراً أمام عقولهم الفاسدة، فحاكموا النصوص على عقولهم.
خامساً: ديوان امرئ القيس: ونقل منه بيتاً واحداً.
سادساً: ديوان الخنساء: ونقل منه بيتاً واحداً. فهذه هي أهم المصادر التي اعتمد عليها الإمام الأشعري في كتابه الإبانة فيما ظهر لي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
المبحث الخامس
منهجه في الكتاب
يتبين القارئ لهذا الكتاب من الوهلة الأولى أن الإمام الأشعري في كتابه هذا يسلك مسلك أهل السنة والجماعة، وأنه سائر على نهجهم مقتفٍ لأثرهم، ولعل أبرز سمات منهجه ما يلي:
1 - اعتماده على القرآن الكريم كمصدر أول يستقي منه الحجيج ويرد به على الخصوم، وذلك في معرض إثباته للصفات فهو يعطي للنص القرآني الأولوية ولا تجده يخالفه أو يعارضه بأدلة عقلية، فجعله المصدر الأول له في تقرير العقيدة، وهذا هو منهج السلف عليهم رحمة الله.
2 - كما اعتمد الأشعري رحمه الله على السنة كمصدر ثانٍ بإيراد حجج الإثبات ورد شبه النفاة.
3 - اعتمد الأشعري على منهج وفهم السلف أئمة الحديث للوحيين، الكتاب والسنة، كالإمام أحمد وابن المبارك وغيرهما، وعلى ما أجمعوا عليه كمصدر ثالثٍ يعتمد عليه في الإثبات ونفي التعطيل، ويلاحظ أيضاً إيراده للعديد من المسائل التي أجمع عليها السلف، مما يدل على اتباعه لهم.
4 - ومن السمات البارزة في كتابه أيضاً اعتماد الأشعري على مسائل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الإجماع ودقة نقله لهذه المسائل، بل لم أجده نقل الإجماع في مسألة ولم يصح، أو وجد له مخالف من أهل السنة. مما يدل على دقته وتحريه للنقل في مثل هذه المسائل.
5 - استخدم الأشعري منهج الاستدلال العقلي الذي لا يتعارض مع الوحيين، بل يكون مؤيداً لهما عند جداله ومناقشته للخصوم، ولقد برزت قدرته على استخدام الدليل العقلي في الاستدلال بقوة واضحة، وقد يكون ذلك عائداً لمعرفته المسبقة بمنهج المعتزلة، وَسَبْرِه لأغوارهم، ومعرفته لمناهجهم.
6 - وسلك في الكتاب مسلك الاعتماد على آثار الصحابة والتابعين، وحفظه للكثير من الآثار التي نقل عنهم في معرض استدلاله وإثباتاته دليل على اتباعه لهم.
7 - كما كان منهجه في هذا الكتاب قائماً على إيراد أصول مسائل الاعتقاد، حيث أورد في كتابه مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى بالإبصار في الآخرة. وهي من أهم المسائل التي خالف فيها المعتزلة والجهمية الحق- وتطرق لمسألة أن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، وأطال فيها النفس، لأنها من أهم مسائل العقيدة التي خالف فيها أهل الأهواء، والتي امتحن بسببها الإمام أحمد، فأجاد رحمه الله وأفاد، وحشد العشرات من الأدلة للرد على خصومه في هذه المسألة، كما تطرق في كتابه لعلو الله على خلقه واستوائه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
على عرشه، ورد على حجج أولئك الذين فسروا الاستواء بالاستيلاء بحجج عقلية ونقلية، كما رد في هذا الباب على المعتزلة والجهمية، ومن سلك منهجهم الفاسد، بأن الله في كل مكان وأثبت في هذا الباب أيضاً مسألة النزول الإلهي إلى السماء الدنيا كما تطرق الأشعري رحمه الله في كتابه على إثبات صفات الوجه والعينين واليدين، والسمع والبصر، واستخدم في هذه المسألة أيضاً منهجه القويم بالاعتماد على الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح لهما، وكان منهجه العقلي في هذا الباب ظاهراً بوضوح. كما أثبت أيضاً صفة العلم لله، وصفة القدرة، وصفة الإرادة. كما تطرق إلى خلق الله لأفعال العباد ورد على المخالفين في ذلك، وذكر العديد من الروايات الثابتة في القدر، وتطرق لمسألة الشفاعة، وخروج العصاة، وأهل الكبائر من النار، ورد على حجج أهل الأهواء الذين رأوا خلودهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. وتطرق لمسألة إثبات عذاب القبر وإثبات الحوض، واختتم كتابه كما هو منهج السلف في الكلام عن إمامة الصديق رضي الله عنه وبقية الخلفاء - رضوان الله عليهم - مبيناً أفضليتهم على الترتيب، وأثنى على العشرة، وعلى بقية الصحابة مُتَرَضِّياً عليهم جميعاً متبعاً لمنهج السلف الصالح في هذه المسألة ومخالفاً لمناهج أهل الأهواء، الذين طعنوا في الصحابة، كالخوارج والرافضة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ومن سار على مناهجهم الضالة، فأنت تلحظ أن منهجه في هذا الكتاب، مع حرصه على عدم الإطالة. قد قام على احتواء أهم هذه المسائل، والتي يحتاج إليها الناس في كل زمان ومكان، ورد على الفرق المخالفة كالجهمية والخوارج والمعتزلة والرافضة.
8 - ابتعد في هذا الكتاب عن أساليب الكلامية والألفاظ المنطقية، فلا يوجد له في هذا الكتاب من ألفاظ المنطقيين إلا عبارات يسيرة.
9 - صاغ كتابه هذا على سبيل المناظرات في ردوده.
10 - لقد وافق منهج الأشعري في هذا الكتاب هدفه الذي قصده من تأليف هذا الكتاب، حيث وافق عنوان الكتاب مضمونه. حيث أبان منهج السلف الصالح الذي سَلَكَهُ في هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
المبحث السادس
منزلة الكتاب عند العلماء
لهذا الكتاب قيمة علمية كبرى، وذلك لأمور.
أولاً: أن الذي ألفه إمام ينتسب إليه عدد كبير، في معظم البلاد الإسلامية، فمثل هذه الشخصية إذا صنفت أو ألفت، فإن الناس يقبلون على تصانيفهم.
ثانياً: أن مصنفه قد صنفه بعد مرحلة نضج واستقرار، وقد ألف قبله العشرات من الكتب فلا بد أن يكون هذا الكتاب خلاصة تجربة وثمرة حياة، وهو لابد قد حرص على أن يتلافى فيه الأخطاء التي وقع فيها في مؤلفاته السابقة. فكان كما أراد، كتاب أبان فيه منهج السلف الصالح.
ثالثاً: أن القضية التي يناقشها هذا الكتاب هي أهم القضايا في حياة المسلم، كيف لا وهي في قضية عقدية في أصول الدين، ذكر من خلالها. مجمل اعتقادات أهل السنة والجماعة، كمسألة رؤيا الرب جل وعلا، والاستواء على العرش، وإثبات الصفات الذاتية، إلى غيرها من المواضع العقدية الهامة.
رابعاً: أن هذا الكتاب، فصل بين أطوار مر بها المؤلف فانتقل بهذا الكتاب من منهج المعتزلة، وموافقة الكُلابية، إلى منهج السلف الصالح فَبتَأْلِيفِهِ هذا المصنف، اعتبر الأشعري سلفياً، ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن من قال من الأشعرية بكتاب الإبانة الذي صنفه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)