فقد أنكر شعبة سماع من روى سماعه ولكن لم يثبته كسماع مجاهد من عائشة، وسماع أبي عبد الرحمن السلمي من عثمان وابن مسعود، وقال شعبة: أدرك أبو العالية علياً ولم يسمع منه، ومراده: أنه لم يرد سماعه منه ولم يكتف بإدراكه فإن أبا العالية سمع (ممن هو أقدم موتاً من علي، فإنه قيل انه سمع) من أبي بكر وعمر ـ رضي الله عن هما ـ.
وما ذكره مسلم من رواية عبد الله بن يزيد ومن سماه بعده، فالقول فيها كالقول في غيرها. وقد قال أبو زرعة في روايات أبي أمامة بن سهل عن عمر هي مرسلة، مع أنه له أيضاً رؤية.
فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث، وترك الاحتجاج بها، قيل من ههنا عظم ذلك على مسلم رحمه الله والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقى، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد، وقد سبق ذكر ذلك في المرسل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 597)
ويرد على ما ذكره (مسلم) أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا أولى، لأن هؤلاء، ثبت لهم اللقى، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع.
ويلزمه أيضاً الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئاً، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث، والله أعلم.
(ثم إن بعض ما مثل به مسلم ليس كما ذكره، فقوله: إن عبد الله بن يزيد، وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد ولم يرد التصريح بسماعهم منهما ليس كما قال. فإن مسلماً رحمه الله خرج في صحيحه التصريح بسماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد في حديثين في صفة الجنة، وفي حديث (أنا فرطكم) على الحوض".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 598)
وأما سماع عبد الله بن يزيد وقيس بن (أبي حازم من) أبي مسعود فقد وقع مصرحاً به في صحيح البخاري، والله أعلم.
ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة ويحيى وأحمد وعلي ومن بعدهم التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان من فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحدهم قط: لم يعاصره. وإذا قال بعضهم: لم يدركه، فمرادهم الاستدلال على عدم السماع منه بعدم الإدراك. فإن قيل فقد قال أحمد، في رواية ابن مشيش وسئل عن أبي ريحانة: سمع من سفينة؟ قال: ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر. قيل: لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا.
"صيغ الأداء"
واعلم أن الراوي في روايته تارة يصرح بالسماع أو التحديث أو الإخبار وتارة يقول: (عن) ولا يصرح بشيء من ذلك، وقد ذكرنا حكم هذا كله آنفاً. وتارة يقول قال فلان كذا، فهذا له ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يكون القائل لذلك ممن يعلم منه عدم التدليس، فتكون روايته مقبولة محتجاً بها، كهمام، وحماد بن زيد، وشعبة، وحجاج
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 599)
ابن محمد، وغيرهم.
قال همام: ما قلت: قال قتادة، فأنا سمعته من قتادة، وقال حماد بن زيد: إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب حديثاً أن أقول: قال أيوب كذا وكذا فيظن أني قد سمعته.
وقال شعبة: لأن أزني أحب إلى من أن أقول: قال فلان، ولم أسمعه منه.
(وكذلك حجاج بن محمد كان إذا قال: قال ابن جريج فقد سمعه منه) .
والحال الثاني: أن يكون القائل لذلك معروفاً بالتدليس فحكم قوله: قال فلان حكم قوله "عن فلان" كما سبق.
وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج.
قال أحمد: كل شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء.
وقال أيضاً: إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان، فلم يسمعه منه.
الحال الثالث: أن يكون حاله مجهولاً، فهل يحمل على الاتصال، أم لا قد ذكر الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي خلافاً في الصحابي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحمل على السماع أم لا؟ وأن الأصح حمله على السماع.
وحكى ابن عبد البر عن الجمهور من العلماء أن من روى عمن صح له لقيه والسماع منه، قال قال فلان، حمل على الاتصال، بل كلامه يدل على أنه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 600)
إجماع منهم) وذكر الإجماع على أن قول الصحابي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كله سواء ولكن هذا قد يبنى على أن مرسل الصحابي حجة.
"المؤنن"
فأما قول الراوي: أن فلان قال:
فهل يحمل على الاتصال، أم لا؟.
فهذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك القول المحكى عن فلان، أو الفعل المحكى عنه بالقول، مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده، وسمعه منه، فهذا حكمه حكم قول الراوي: قال فلان كذا، أو فعل فلان كذا على ما سبق ذكره.
والقسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكى عن المروي عنه أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فهل هو مرسل لعدم الإتيان بما يبين أنه رواه عن عائشة أم هو متصل، لأن عروة قد عرف بالرواية عن عائشة؟ فالظاهر أنه سمع ذلك منها. هذا فيه خلاف.
قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله، يعني أحمد، قال: كان مالك
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 601)
ـ زعموا أنه ـ يرى "عن فلان"، و "أن فلاناً" سواء. وذكر أحمد مثل حديث جابر: أن سليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وعن جابر، عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب.
قال: وسمعت أحمد، قيل له: إن رجلاً قال: عن عروة، قالت عائشة يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة، سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء.
فذكر أحمد القسمين اللذين أشرنا إليهما.
فأما رواية جابر: أن (سليكا) جاء والنبي صلى الله عليه وسلم ـ
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 602)
يخطب، (وروايته عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب) فهذا من القسم الأول، لأنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك، وحضره، ويمكن أن يكون رواه عن سليك.
ومثل هذا كثير في الحديث، مثل رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر كذا وكذا في أحاديث متعددة، وروى بعضها عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر، جعله من مسند ابن عمر، ومن رواه عن ابن عمر عن عمر، جعله من مسند عمر.
ولكن كان القدماء كثيراً ما يقولون: "عن فلان" ويريدون به الحكاية عن قصته، والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه.
وقد حكى الدارقطني، عن موسى بن هارون (الحافظ) ، أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.
وقد ذكرنا كلامه في كتاب الحج في باب الصيد للمحرم.
وأما إذا روى الزهري مثلاً عن سعيد بن المسيب ثم قال مرة: إن سعيد بن المسيب قال، فهذا محمول على الرواية عنه، دون الانقطاع، ولعل هذا هو مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه ولم يخالفه.
وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور العلماء.
وحكى عن البرديجي خلاف ذلك، وأنه قال: هو محمول على الانقطاع،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 603)
إلا أن يعلم اتصاله من وجه آخر، وقال: لا وجه لذلك، ولم يذكر لفظ البرديجي فلعله قال ذلك في القسم الثاني، كما سنذكره.
وأما رواية "عروة عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم" وعروة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا هو القسم الثاني وهو الذي أنكر أحمد التسوية بينهما.
والحفاظ كثيراً ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافاً في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيراً في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني وغيرهم من الأئمة.
ومن الناس من يقول: هما سواء، كما ذكر ذلك لأحمد.
وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة مع عائشة، أما من لم يعرف له سماع منه، فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا (عند من يكتفي) بإمكان اللقى.
والبخاري قد يخرج من هذا القسم في صحيحه، كحديث عكرمة "أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة امرأة رفاعة، وقد ذكرناه في كتاب النكاح، هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة.
وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضاً أنهم كانوا يتساهلون في ذلك، مع قوله: إنهما ليسا سواء، وان حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح، وعدم التحرير.
قال أحمد، في رواية الأثرم، في حديث سفيان، عن أبي النضر، عن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 604)
سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة.
قال أحمد: هو مرسل. سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. قال: (وهم كانوا يتساهلون بين: (عن) عبد الله بن حذافة) ، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة.
قيل له: وحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر: عن أبي رافع؟ قال: نعم وذاك أيضاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 605)
"معنى الحسن عند الترمذي"
وأما الحديث الحسن فقد بين الترمذي مراده بالحسن: وهو ما كان حسن الإسناد.
وفسر حسن الإسناد: بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه نحوه، فكل حديث كان (كذلك) فهو عنده حديث حسن.
وقد تقدم أن الرواة منهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يغلب على حديثه الوهم والغلط، ومنهم الثقة الذي يقل غلطه، ومنهم الثقة الذي يكثر غلطه.
فعلى ما ذكره الترمذي: كلما كان في إسناده متهم فليس بحسن، وما عداه فهو حسن، بشرط أن لا يكون شاذاً.
والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه بشرط أن لا يكون شاذاً.
وبشرط أن يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهماً، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذاً، مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة.
فإن كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ، فالحديث حينئذ "حسن صحيح".
وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق، الذين في حديثهم وهم وغلط، إما كثير، أو غالب عليهم، فهو حسن، ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 606)
وعلى هذا فلا يشكل قوله: "حديث حسن غريب"، ولا قوله: صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه.
وهذا كما في حديث "الأعمال بالبينات" فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح.
"الرد على ابن الصلاح فيما ذهب إليه"
وبمعنى هذا الذي ذكرناه فسر ابن الصلاح كلام الترمذي في معنى الحسن، غير أنه زاد: أن لا يكون من رواية مغفل كثير الخطأ. وهذا (لا) يدل عليه كلام الترمذي، لأنه إنما اعتبر أن لا يكون راويه متهماً فقط. لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا، أن من كان مغفلاً كثير الخطأ، لا يحتج بحديثه ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين.
"معنى قول الترمذي: ويروى من غير وجه نحو ذلك"
وقول الترمذي رحمه الله يروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون مراده عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه، ولو موقوفاً، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به.
وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي، أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحاً.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 607)
وعلى هذا التفسير الذي ذكرناه لكلام الترمذي إنما يكون الحديث صحيحاً حسناً إذا صح إسناده، برواية الثقات العدول، ولم يكن شاذاً، وروى نحوه من غير وجه وأما الصحيح المجرد فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه، لكن لا بد أن لا يكون ـ أيضاً ـ شاذاً، (وهو ما روت الثقات بخلافه على ما يقوله الشافعي والترمذي) فيكون حينئذ الصحيح الحسن أقوى من الصحيح المجرد.
وقد يقال: إن الترمذي إنما يريد الحسن ما فسره به ههنا، إذا ذكر الحسن مجرداً عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج (إلى) أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر، والله أعلم.
"تخريج قول الترمذي: حسن صحيح وحسن غريب"
وقد اضطرب الناس في جمع الترمذي بين الحسن والصحيح، لأن الحسن دون الصحيح، فكيف يجتمع الحسن والصحة، وكذلك جمعه بين الحسن والغريب (فإن الحسن عنده ما تعددت مخارجه، والغريب) ، ما لم يرو إلا من وجه واحد.
"المذهب الأول":
فمنهم من قال: إن مراده أنا لحديث حسن لثقة رجاله، وارتقى من الحسن إلى درجة الصحة، لأن رواته في نهاية مراتب الثقة، فحديثهم (حسن صحيح) ، لجمعهم بين صفات من يحسن حديثه، وصفات من يصحح حديثه، وعلى هذا فكل صحيح حسن، ولا عكس، ولهذا لا يكاد يفرد الصحة عن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 608)
الحسن إلا نادراً (وعلى هذا التفسير) فالحسن ما تقاصر عن درجة الصحيح، لكون رجاله لم يبلغوا من الصدق والحفظ درجة رواة الصحيح، وهم الطبقة الثانية من الثقات، الذين ذكرهم مسلم في مقدمة كتابه، وقيل: إنه خرج حديثهم في المتابعات، وهذا الحسن هو (الذي) أراده أبو داود في كتابه بقوله: خرجت في كتابي الصحيح، وما يشبهه وما يقاربه.
وذكر ابن الصلاح أن تفسير الحسن بهذا (المعنى) هو قول الخطابي، وليس هو قول الترمذي، وذكر أن الحسن نوعان:
أحدهما: ما ذكره الترمذي وهو أن يكون راويه غير متهم، ولا مغفلاً كثير الخطأ، ولا صاحب فسق، ويكون متن الحديث قد اعتضد بشاهد آخر له، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذاً أو منكراً.
والثاني: وهو قول الخطابي: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح، لتقصيرهم عنهم في الاتقان والحفظ، ولا يكون الحديث شاذاً ولا منكراً ولا معللاً.
"مذهب ابن الصلاح":
وذكر أن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روي بإسنادين، أحدهما حسن، والآخر صحيح.
وهذا فيه نظر، لأنه يقول كثيراً: "حسن صحيح، غريب، (لا نعرفه) إلا من هذا الوجه".
وقد أجاب عن ذلك بعض أكابر المتأخرين بأنه قد يكون أصل الحديث غريباً ثم تتعدد طرقه عن بعض رواته، أما التابعي، أو من بعده. فإن كانت تلك الطرق
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 609)
كلها صحيحة فهو "صحيح غريب" (وإن كانت كلها حسنة فهو "حسن غريب" وإن كان بعضها صحيحاً وبعضها حسناً فهو "صحيح حسن غريب"، إذ الحسن عند الترمذي ما تعددت طرقه وليس فيها متهم، وليس شاذاً، فإذا قال مع ذلك: إنه غريب لا يعرف إلا من ذلك الوجه حمل على أحد شيئين:
إما أن (تكون) طرقه قد تعددت إلى أحد رواته الأصليين، فيكون أصله غريباً ثم صار حسناً، وإما أن يكون إسناده غريباً، بحيث لا يعرف بذلك الإسناد إلا من هذا الوجه، ومتنه حسناً بحيث روي من وجهين (وأكثر) ، كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن، وإن كان إسناده غريباً.
وفي بعض هذا نظر، وهو بعيد من مراد الترمذي، لمن تأمل كلامه.
"المذهب الثالث":
ومن المتأخرين من قال: إن الحسن الصحيح عند الترمذي دون الصحيح المفرد، فإذا قال: "صحيح" فقد جزم بصحته، وإذا قال: حسن صحيح، فمراده أنه جمع طرفاً من الصحة وطرفاً من الحسن، وليس بصحيح محض، بل حسن مشرب بصحة، كما يقال في المز: إنه حلو حامض، باعتبار أن فيه حلاوة وحموضة، وهذا بعيد جداً، فإن الترمذي يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة، المتفق على صحتها، والتي أسانيدها في أعلى درجة الصحة، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، والزهري، عن سالم، عن أبيه.
ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادراً.
وليس ما أفرد فيه الصحة بأقوى مما جمع فيه بين الصحة والحسن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 610)
"المذهب الرابع":
ومن المتأخرين ـ أيضاً ـ من قال: مراد الترمذي في الحسن أن كلاً من الأوصاف الثلاثة التي ذكرها في الحسن، وهي سلامة الإسناد من المتهم، وسلامته من الشذوذ، وتعدد طرقه، ولو كانت واهية، موجب لحسن الحديث عنده.
"المذهب المختار":
وهذا بعيد جداً، وكلام الترمذي وإنما يدل على أنه لا يكون حسناً حتى يجتمع فيه الأوصاف الثلاثة. وتسمية الحديث الواهي التي تعددت طرقه حسناً لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه.
"شرط الترمذي في الرجال مع عرض لشرط غيره من الأئمة"
واعلم أن الترمذي رحمه الله خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب كما سيأتي.
والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالباً ولا يسكت عنه.
ولا أعلمه خرج عن متهم بالكذب، متفق على اتهامه حديثاً بإسناد منفرد إلا أنه قد يخرج حديثاً مروياً من (طرق) ، أو مختلفاً في إسناده، وفي بعض طرقه متهم.
وعلى هذا الوجه خرج (حديث) محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 611)
نعم، قد يخرج عن سيىء الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالباً، ولا يسكت عنه.
وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة، مع السكوت على حديثهم، كإسحاق بن أبي فروة، وغيره.
وقد قال أبو داود، في رسالته إلى أهل مكة:
ليس في كتاب السنن الذي صنفته (عن رجل) متروك الحديث، سيىء الحفظ، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
ومراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث، عنده، على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه، فإنه قد خرج لمن قيل: "إنه متروك"، ومن قيل "إنه متهم بالكذب".
وقد كان أحمد بن صالح المصري وغيره لا يتركون إلا حديث من (اجتمع) على ترك حديثه.
وحكي مثله عن النسائي.
والترمذي رحمه الله يخرج حديث الثقة الضابط، ومن يهم قليلاً، ومن يهم كثيراً، ومن يغلب عليه الوهم، يخرج حديثه نادراً، ويبين ذلك، ولا يسكت عنه.
وقد خرج حديث كثير بن عبد الله المزني، ولم يجمع على ترك حديثه، بل قد قواه قوم، وقدم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب، وقد ذكرنا ذلك (في مواضع) . وقد حكى الترمذي في العلل، عن البخاري، أنه قال في حديثه
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 612)
"في تكبيرة صلاة العيدين": هو أصح حديث في هذا الباب، قال: وأنا أذهب إليه.
وأبو داود قريب من الترمذي في هذا، بل هو اشد انتقاداً للرجال منه.
وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه، وكثر.
وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه.
وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه. وإن كان قد اعترض عليه في بعض من خرج عنه.
ونذكر لذلك مثالاً: وهو أن أصحاب الزهري خمس طبقات:
الطبقة الأولى: جمعت الحفظ والاتقان، وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك، وابن عيينة، وعبيد الله بن عمر، ومعمر، ويونس وعقيل، وشعيب، وغيرهم، وهؤلاء متفق على تخريج حديثهم عن الزهري.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 613)
الطبقة الثانية: أهل حفظ واتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري، وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في اتقانه دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والنعمان بن راشد ونحوهم.
وهؤلاء يخرج لهم مسلم عن الزهري.
الطبقة الثالثة: لازموا الزهري، وصحبوه، ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم كسفيان بن حسين، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ونحوهم.
وهؤلاء يخرج لهم أبو داود، والترمذي والنسائي، وقد يخرج مسلم لبعضهم متابعة.
الطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري، من غير ملازمة، ولا طول صحبة، ومع ذلك تكلم فيهم، مثل إسحاق بن يحيى الكلبي،
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 614)
ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.
وهؤلاء قد يخرج الترمذي لبعضهم.
الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب وبحر السقاء، ونحوهم.
فلم يخرج لهم الترمذي، ولا أبو داود، ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين.
أصحاب نافع.
قسمهم ابن المديني تسع طبقات:
الطبقة الأولى: أيوب، وعبيد الله بن عمر، ومالك، وعمر بن نافع.
قال: فهؤلاء أثبت أصحابه، وأثبتهم ـ عندي ـ أيوب. قال: وسمعت يحيى يقول: ليس ابن جريج بدونهم فيما سمع من نافع.
الطبقة الثانية: عبد الله بن عون، ويحيى الأنصاري، وابن جريج.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 615)
الطبقة الثالثة: أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وسليمان بن موسى، وسعد بن إبراهيم.
الطبقة الرابعة: موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وداود بن الحصين.
الطبقة الخامسة: محمد بن عجلان، والضحاك بن عثمان، وأسامة بن زيد الليثي، ومالك بن مغول.
الطبقة السادسة: ليث بن سعد، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وسليمان بن مساحق، وابن غنج المصري.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 616)