ثم لما قام بعض ولده مقامه سيّر ابن أخيه هولاكو الخبيث مع جنود كثيرة إلى بلاد المسلمين، فاستولى على البلاد التي استولى عليها جده وعبر الشط وفتح دار السلام وقتل الخليفة وهو [المستعصم] العباسي وكثيرا من المسلمين. واستولى على بلاد العرب، سوى الحرمين زادهما الله تعالى شرفا وكرامة، وبلاد الشام. وقتل من المسلمين ما لا يحصي عددهم إلا الله تعالى. فحينئذ أظهرت الرافضة مذهبهم حتى رجع بعض ملوكهم إلى مذهب أهل الحق وعقيدتهم، وهو القان غازان بن أرغون بن بغا بن هولاكو بن طلوس بن جنكيزخان، وسماه من هداه إلى الصراط المستقيم بسلطان أحمد، ودعى أهله وجنوده إلى الإسلام وطريق الحق فلبوه جميعا. فانكسرت شوكة الرافضة وستروا مذهبهم حينئذ، وذلك سنة أربع وستين وتسعين وستمائة. فلما مات السلطان قام أخوه أولجاييق مقامه، وكان يحب العمران مشغوفا باللعب والملاهي غافلا عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
الأوامر والنواهي، وكان على مذهب أهل السنة، حتى اجتمع به تاج الدين، وكان من دعاة الرافضة، فدعاه إلى مذهبه وجدّ في إضلاله وجمع علماء الرافضة عنده، ومنهم ابن المطهر الحلي، وكان أخبثهم وأضلهم عن سواء السبيل. فذكروا عنده مطاعن الصحابة وأن الخلفاء غصبوا حق أهل البيت والصحابة خذلوهم وأضاعوا وصية نبيهم في وصيّه وأخيه وابن عمه وصهره وارتدوا على أعقابهم. وكان ابن المطهر الدجال والمبتدع الضال يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله حتى ملأ قلبه من الوسوسة والشبهة الواهية، فترفض بعد سنة من ولايته وترك ما كان عليه من الهداية في بدايته، ودعى أهله إلى الباطل فأطاعوه ورغبوا إليه رغبة عن الحق واتبعوه. فأضل الرجل قومه وما هدى وأوقعهم في غيابة جب الردى. ولم يعصم الله من هذه الوصمة إلا القليل ممن لا تحركه عواصف الأباطيل. وألّف ابن المطهر له نهج الحق ومنهج الكرامة في مطاعن الصحابة ومثالب أهل السنة وإبطال مذهبهم وأنهم عن الحق بمعزل. ثم دعى السلطان إليه قومه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
وجنوده ورعاياه، فأطاعه كل منهم ولباه. ثم سيّر جمعا من أتباعه إلى البلاد ليدعوا المؤمنين إليه ويعولوا في أمر مذهبهم عليه. فأطاعه الأرجاس وأبى عما دعى إليه كثير من الناس.
وقاتلهم أهل أصبهان ومن حذا حذوهم فقتلوا كثيرا منهم. وكان بعض أعاظم أمرائه عاونهم ونصرهم حتى كف السلطان عن الإكراه. وكثرت الرافضة وأعلنوا مذهبهم. وصنف علماؤهم كتبا جمة في الأصول والفروع والتفسير والحديث. وألف ابن المطهر بعد أن فرغ من كتابيه السابق ذكرهما شرح التجريد والاستبصار والنهاية والخلاصة والمبادئ في الأصول وغيرها كتاب الألفين، وأورد فيه ألفي دليل لإثبات مذهبه وترويج خزعبلاته، وزعم أنه أبطل مذهب أهل الحق بما أورد من شبهاته. وقد ردها فحول علماء السنة أحسن الرد وألقموا ذلك النباح حجر النكد. فعادت هاتيك الخرافات والشبه الواهيات لا تروج ولو على ابن يوم ولا يخفى فسادها على أحد من القوم. ولم يزل ابن الحلي يجادل بباطله أهل الحق ولم يرتدع عن غيه بعد أن ظهر له الصواب أثناء المناظرة كالفلق حتى مات على التحير والوله. ومن يضلل الله فلا هادي له. والسلطان قبل موت هذا الخبيث عاد إلى مذهب أهل السنة بإرشاد بعض العلماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
الأجلة. وضربت على ابن الحلي وأتباعه المذلة بعد أن سكن في الحلة، فحينئذ ضعفت الرافضة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتفرقوا شذر مذر وفرت علماؤهم خوفا من أهل السنة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. ولم يزل مذهب أهل السنة يتقوى والحق يعلو، وذلك سنة عشر وسبعمائة، حتى استولى بعد مدة بعض التراكمة من فرقة الاثني عشرية على ديار بكر وما حولها من القرى والأمصار سنة ستين وثمانمائة ورجعت الرافضة إلى ديارهم وإلى ما كانوا عليه، وبقي الملك فيهم قريبا من خمسين سنة.
ولما أضلتهم الضالة وانتشبت فيهم أنياب المنون، وذلك سنة عشر وتسعمائة، تولى الملك أول سلاطين الحيدرية، وكانوا من غلاة الاثني عشرية. ولما شاع خبرهم في البلاد أتته الرافضة من كل فج عميق وأقبلوا إليه من كل مرمى سحيق. فاستفحل أمره شيئا فشيئا حتى استولى على عراق العجم وفارس وكرمان ومازندران وأذربيجان وخراسان. ووفد عليه رجل من علماء الفرقة الهالكة وكان يزعم أنه نائب صاحب الزمان، فسجد له وقربه ووقره، فحثه الرجل على أن يُكره المؤمنين على قبول مذهب الاثني عشرية ويقتل من أبى وينهى الناس عن الجمعة والجماعة ويحول القبلة إلى اليسار ويخرب المساجد ويأمر الخطباء والأرذال أن يلعنوا عائشة الصديقة وحفصة أمي المؤمنين وكبراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين على المنابر والطرق والأسواق. وصنف في وجوب لعنهم كتابا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
اشتمل على دلائل أوهى من نسيج العنكبوت. فأذعن السلطان لقوله وأكره المؤمنين على الرفض وقال لهم أجيبوا إلى ما دعاكم إليه وإلا صببت عليكم العذاب صبا. فأجابت دعوته جماعو وأبت أخرى، وقتل الأرفاض جما غفيرا من علماء أهل السنة ومشائخهم ومن أبى عن إجابتهم والإذعان إليهم، ونهى المصلين عن الجماعة والجمعة، وخربت المساجد وحول القبلة إلى الجنوب. وأمر جنوده أن ينبشوا قبور كبراء أهل السنة ويحرقوا عظامهم، ففعلوا ما أمرهم، فنبشوا قبور جمع من العلماء الأعلام والمشائح العظام إلا قبر شيخ الإسلام أبي الحسن الجامي النامي النامقي والشيخ أبي يزيد البسطامي والشيخ أبي الحسن الخرقاني وشيخ الإسلام عبد الله بن أبي منصور الأنصاري الهروي وسائر مشايخ هراة وغيرهم. ولما فتح هراة دعى أهلها إلى ما دعى إليه غيرهم، فأبوا أن يجيبوا دعوته، فقتل منهم جما غفيرا من العلماء والشرفاء. وتبعه أخوه فوقع في أبي جاد وخطب بأمره في جامع هراة كما أمره به من ذكر الأئمة الاثني عشر ولعن من يوجبون لعنه من الصحابة. وخالفه ابنه فهرب إلى ما وراء النهر كما هرب كثير من علماء خراسان وبعض علماء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
فارس وأصفها وغيرهما من البلاد. فعاش برهة من الدهر وله من السلطان مكان.
ولما استولى على جميع بلاد خراسان رجع إلى مستقره وولاها أمراءه، فغزاهم خاقان الترك فغلبوا واستولوا على خراسان وقتل من الرافضة ما لا يحصى عددا وهرب أكثرهم. ثم لما قضى نحبه رجعوا وقاتلوا الأتراك وغلبوا واستولوا على خراسان مرة أخرى. ثم جاهدهم من قام مقام الخاقان وفتح بلاد خراسان عنوة. ولما مات استولوا مرة أخرى واستقر لهم الملك، غير أن خواقين ما وراء النهر وأمراء بلخ لا يزالون يغزونهم ويقتلون فريقا منهم ويأسرون فريقا، ويجاهدهم قياصرة الروم وملوك الهند وخوارزم. وأسر ملك خوارزم في بعض غزواته [جمعا] من الأمراء وأبنائهم ونسائهم وعمة السلطان وبنات الأمراء والأعيان، وكانوا يسيرون مع الركب العراقي وقد أفاضوا من أصفهان يريدون زيارة مشهد طوس، ونهب أموالهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
وبقي الملك فيهم مع المنازع مائتي سنة، ثم ضعفت شوكتهم ووهنت قوتهم، فاستولى عليهم أرذل الرعايا وأقلهم مالا وعددا من أهل السنة وقاتلوهم فانهزموا واستولوا على بلاد سجستان وقندهار وقرة، ثم حاصروا أصبهان وكان ملك الرافضة يسكن فيها، فسير أمراءه من حكام البلاد جنودهم رسلا ليدعوهم إلى محاربتهم فأتاه أكثر من مائة ألف فارس وجمع لا يكاد يحصى من الرجالة، وكان مع من خرج عليه اثنا عشر ألف فارس ولم يكن معهم من الرجالة إلا شرذمة قليلة، فغلبوهم بإذن الله وقتلوا من الرافضة جمعا لا يحصى عددهم وهرب من بقي منهم، فخلت ربوعهم وتفرقت جموعهم وتشتت شملهم وذوى فرعهم وأصلهم. وتحصن السلطان ومن معه من الأمراء والأهالي في البلد، فحاصرهم أهل السنة وضيقوا عليهم أنفاسهم فضاقت عليهم الأرض، حتى اضطروا إلى أكل أوراق الأشجار، بل إلى أكل الميتة ولحم الخنزير. فاضطر السلطان إلى أخذ العهد بأن لا يصل إليه ضرر، وسلم الملك إلى أمير الجيش وأهل السنة، فدخل البلد وجلس على سرير السلطنة وسجن السلطان مع ولده وأهله في دار من أحسن الدور، وعين له خدما ومؤنة وافية وأعزه غاية الإعزاز وتزوج بنته. ثم فتح سائر بلاد فارس والعراق وأذربيجان وغيره وولى الوزراة وزير السلطان وأقر كثيرا من الأمراء على ما كانوا عليه من المناصب. فاجتمع من كان في قلبه مرض في دار بعض الأمراء وشاوره على قتل الملك، فلما عزم الأمر تفرقوا، فأخبر الملك بما أسروا من المكر فقتلهم جميعا وقتل سلطانهم مع من كان معه من الرجال، وكتب إلى أمرائه وسائر البلاد أن يقتلوا كل من وجدوه من أولي الشوكة منهم فقتلوهم وقتلوا كثيرا من روافض فارس وقم وكاشان وهمدان وبعض بلاد خراسان وشروان. ونهض جمع كثير من رعايا هراة وأمروا عليهم بعض رؤسائهم وجاهدوا الروافض، فقتلوهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
قتلا ذريعا واستولوا على البلدة وما حولها من القرى والبلدان كجام وخاف وصاف وباخرز وغيرها. ثم بايعوه وتوجوه بتاج السلطنة. ولما استقر لهم الملك أمر بإحراق ما وجد من كتب الرافضة، وهرب جمع من الرافضة ومن اختفى من جندهم. وأورث الله تعالى ديارهم المؤمنين، فما بكت عليهم السماء والأرض إنهم كانوا قوم سوء فاسقين.
وكان مدة أهل السنة فيهم ما يزيد على عشرين سنة. هذا وقد كان لما جنح السلطان الذي قتل إلى السلم هرب شاب من البلد وادعى أنه من ولد السلطان، وأخذ يسير في الأرض هائما حتى وجد خفيرا فسار معه إلى طوس، فقطن ريثما مات ملك أصفهان واستولى على الملك ابن عمه، وكان فظا غليظ القلب فاسقا سفاحا، فانفض من حوله كثير من شجعان قومه فركدت ريحه. وكان في عراق العجم رجل من أهل نيسابور من الدعاة العارفين فنون الحرب، فقدم أصبهان والملك مشغول بالملاهي غافل عن تدبير الملك، وقد علم أن أبسال جنوده تفرقوا أيادي سبأ، فأزمع الشخوص إلى طوس. فلما قدمه دخل على الشاب الذي يدعي أنه ابن السلطان وأخبره بما رأى وشجعه وحثه على القتال وحشد له العساكر وجعل نفسه قائد جنوده وأميرا على أمرائه، فكان عندهم وجيها فنهضوا للقتال. فلما التقى الجمعان وقامت الحرب على ساق تغلبوا على ملك أصفهان فهرب، فاستولوا على أكثر البلاد وملك بعضا آخر منها أخو الفاتح لأصفهان عنوة من أهل السنة.
ثم إن الرافضة حبست سلطانهم لما رأوا منه الظلم والجور والاشتغال بالملاهي ونهب أموال الناس وغصب نسائهم واللواطة في أبنائهم وبناتهم. وأقام القائد ولده الرضيع ماقمه وحاربهم الروم وغلبوا عليهم وقهروهم وانتزعوا كثيرا من البلدان من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
أيديهم، وحاصروا من هرب منهم في الحرب وتحصنوا بالقلاع وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب فهرب فريق وقتل فريق آخر على أيدي الروم، وهم جنود القيصر نيفا وخمسين ألفا وحرقوا كثيرا من حصونهم الحصينة بأيديهم حتى فتح الروم البلد عنوة وقتلوا من أهله ما قتلوا ونهبوا ما وجدوا من الأموال النفيسة. فوقع من بقي من الرافضة في ضيق عظيم. ثم فتحوا سائر بلاد أذربيجان ولم يألوا جهدا في القتل والأسر والنهب وتخريب العمارات حتى صرا كثير من قراها بلاقع.
ثم قصد قهرمان القيصر أصبهان فاستقبله قائد السلطان فقاتلهم فغلب وسالمهم. ورجع إلى أصبهان وسمت نفسه إلى الزعامة الكبرى، فجلس على سرير السلطنة ثم قال: أيها الناس اعلموا أني من أهل السنة والجماعة ولست من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فايم الله ذي الجلال والإكرام إن من سب أحدا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأجعلن الأغلال في عنقه ثم لأقطعن منه الوتين ثم لأصلبنه في جذوع النخل لما تفوه بهذا الكلام. وأمر بقتل من سب بعض الصحابة الكرام. فحسبت الفرقة الناجية أنه على الحق والرافضة زعمت أنه ليس منهم ولكن يؤلف قلوبهم بذلك، ولا غرو في ذلك فإنهم أهل الكذب والبهتان. فكثرت بذلك جنوده وأتباعه. ولم تزل الفرقة الاثنى عشرية إلى يومنا هذا ذليلين صاغرين. نسأله تعالى أن يخذلهم إلى يوم الدين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
الفصل الخامس في بيان دعاة الرافضة وفرقهم
اعلم أن لكل فرقة من فرقة الرافضة دعاة كانوا يدعون الناس إلى باطلهم وينصبون حبائل الحيل ليوقعوا الناس في شرك الضلال، كلهم أروغ من ثعلب وأهدى من القطا في طريق الضلال والغي.
والدعاة ثلاث فرق: الفرقة الأولى المنافقون. الفرقة الثانية الفجرة الصواغون. الفرقة الثالثة المؤمنون المخدوعون. وكل منهم إما عالم يدعو الناس إلى مذهبه بإقامة الدلائل والشبه الواهية على حقيقته وذم مذهب غيره، وربما يؤلف قلوبهم ببذل الأموال يأخذها من أغنياء شيعته أو بالمواعيد الكاذبة ويريهم أنه أعطف عليهم من أبيهم وأمهم، فيطيعه ويتبعه بذلك كل من أعمى الله تعالى عين بصيرته وختم على قلبه؛ وإما ذو ثروة وفضل يدعو الناس إليه بأمرين: بذل المال وإقامة الدليل؛ وإما ذو شوكة يدعو الناس إليه بالوعد والوعيد؛ وإما غير ذلك ممن اتصف بشيء يوجب اجتماع الناس عليه.
ثم الداعي للدعاة على الدعوى أمور:
الأول تضليل الأمة وتفريق شملهم. والداعي لذلك الأمر هو المنافق اللعين كعبد الله بن سبأ والعلباء وبيان النهدي وغيرهم ممن تقدم ذكره، وكان أولهم ابن سبأ فإنه كان منافقا قصارى بغيته تفريق جماعة المسلمين وتضليل المؤمنين.
الثاني تكثير سواد مذهبه. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا مقلدا للمذهب.
الثالث حب الجاه والمال. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا الغاوي المضل. ومن هذه الفرقة من ادعى السفارة بين الإمامية الاثني عشرية وبين صاحب الزمان وادعى المكاتبة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
معه والرواية عن الأئمة ليتأسى به الشيعة ويجعلوه قدوة لهم ويبذلوا له أموالهم ويجعلوا له أمهات أولادهم وسائر جواريهم.
الرابع إرضاء ملك أو ذي ثروة يحب أن يكثر أهل مذهبه. والداعي لذلك الأمر لا يكون إلا من يشتري الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فيضل الناس ليرضى عنه سلطانه أو ذو الثروة.
الخامس رجاء نيل المثوبة من الله تعالى. والداعي لذلك الأمر هو الذي يعتقد أن مذهب الرافضة حق وما عداه باطل، فيدعو الناس لينال أجرا عظيما من عند الله سبحانه.
السادس أداء ما أوجب الله تعالى بزعمه من الأمر بالمعروف والهداية إلى طريق الحق. والداعي إنما العالم المخطئ.
السابع الشفقة على ذوي القربى وغيرهم من المسلمين والرأفة بهم ظنا منه أن غير أهل مذهبه يعذبون بالنار. والداعي لذلك هو المنخدع أو المخطئ أو المقلد لهما بغير علم ولا بصيرة في المذهب.
الثامن إيقاع العداوة والبغضاء بين الرجل وأسرته وأقاربه وعشيرته. والداعي لذلك خبيث النفس لئيم الطبيعة.
وأول داعية كل فرقة من ابتدع المذهب. وأول من دعى الناس على الرفض والقول بألوهية علي بن أبي طالب عبد الله بن سبأ. وقد أشرنا سابقا في كيفية إضلاله وجلب الناس إلى زيغه وباطله. وقد أعاد صاحب الأصل ذلك البحث في هذا المقام مع زيادة في بسط الكلام، وقد أعرضت عن ذكره لئلا يطول المقام واعتمادا على فهم ذوي البراعة وأهل الكمال.
ثم لما استشهد السبط الجليل أبو عبد الله الحسين بن علي المرتضى رضي الله تعالى عنهما، اختلفت الشيعة في تعيين الإمام. فزعم كيسان أن الإمام بعد علي ابنه محمد بن الحنفية وأنكر إمامة السبطين ودعى الناس إليه، فتبعه جمع كثيرون، إلا أن أكثرهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
رجعوا عن مذهبه بسبب إنكاره إمامة السبطين. وقالوا إن محمد بن علي بن أبي طالب إمام هذه الأمة بعد أخويه. وارتضى هذا القول سائر الكيسانية، وقدوتهم مختار بن أبي عبيد الثقفي. ولما ولي الكوفة وما حولها دعى الناس إلى مذهبه فتبعه جمع كثيرون من الشيعة لسلطانه وإحسانه إليهم وقوله بإمامة السبطين وادعائه أن محمد بن علي بن أبي طالب استخلفه لطلب ثأر أخيه والجهاد مع النواصب من آل مروان وتابعيهم وإدارة البلاد التي تفتح. ودفع إلى رؤساء الشيعة كتابا منه إليهم بخطه وطبع عليه بطابعه فإذا فيه: "من محمد بن علي أمير المؤمنين إلى فلان وفلان وفلان وأتباعهم، يا معشر الشيعة اعلموا أني قد جعلت مختار بن أبي عبيد الثقفي خليفتي، فأطيعوا أمره وجاهدوا معه الأعداء بأموالكم وأنفسكم وحثوا أتباعكم على مقاتلتهم وعلى إطاعة المختار فيما يأمر وينهى، والسلام على من اتبع الهدى". فلما قرأوا الكتاب أطاعوه من غير توقف. وحاربوا أول من كان بالكوفة ممن قاتل السبط الشهيد وقتلوهم حيث وجدوهم، وهرب أمير الكوفة، فآتاه الله الملك. ثم أرسل إبراهيم بن مالك بن الأشتر إلى جهاد من كان في بلاد العراق من النواصب وقتل من وجد من محاربي السبط الجليل ومن نصرهم ووالاهم، وأمره [بأن] يثخن في الأرض. فخرج إبراهيم من الكوفة وقتل من وجد منهم، وفتح بلاد العراق والأهواز وديار
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
بكر وأذربيجان. ثم قصد دمشق، فأخبر به ابن مروان فسير إليه عبيد الله بن زياد مع مائة ألف فارس، واستقبله إبراهيم ومعه اثنا عشر ألف فارس. فقالتهم فقتل إبراهيمُ عبيد الله بن زياد ودوخ من كان معه من الجنود. وقد بلغ عدد القتلى في حروب المختار مائة وأربعين ألف رجل. فارتفع قدر المختار إذ ذاك واستشفت الشيعة المخلصون وغيرهم بقتل ابن زياد وأعداء أهل البيت وانهزام جيش العدوان، وشكروا صنيع المختار وأثنوا على إبراهيم ومن معه.
وأتت الشيعة تسعى إلى المختار من كل فج. واختار مذهبه جمع لا يحصى منهم. ولقب أهل مذهبه بالمختارية، وأبقوا في أحسن حال وأرفه عيش نحو اثنتي عشرة سنة. ثم ادعى أنه يوحى إليه. فقاتله ابن الزبير فنصره الله تعالى عليه، فغلبه وقتله بعد أن أسره. وتفرقت حينئذ أتباعه وجنوده. ورجع الكيسانية عن مذهبه واختلفت كلمتهم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
تعيين الإمام بعد محمد كما سبق.
ثم تعين هشام الأحول وهشام بن سالم وأحول آخر يلقب بشيطان الطاق. فطفق كل منهم مع من وافقهم يدعون الناس إلى إمامة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم إلى إمامة محمد بن علي الباقر. فتبعهم جمع من التفضيلية والمختارية، ورجعت جماعة كثيرة من الشيعة إلى مذهبهم. وهؤلاء الرهط أسلاف الشيعة الإمامية وقدماء دعاتهم ورواة أخبارهم ومتكلميهم، مع أنهم قد بلغوا في الضلال ما علمت واتبعوا أهواءهم من دون الله فضلوا وأضلوا. والأئمة الذين يدعون هؤلاء أنهم يروون عنهم أحكام الدين كانوا يتبرؤون منهم ويكذبون ما يروون عنهم من العقائد الباطلة والهفوات الزائغة ويدعون عليهم بالهلاك. وقد ثبت ذلك بالآثار الصحيحة المروية من طريق الإمامية أيضا كما سيجيء إن شاء الله تعالى ذكره في غير موضع من هذا الكتاب.
ودعى أصحاب زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب جمعا من الشيعة إلى إمامته لما بايعه جمع كثير سرا. ونهض يطلب الخلافة. وكان الإمام أبو حنيفة تعالى يحض الناس على إمامته ويقول: "لولا ودائع الناس عندي لجاهدت الأعداء معه". فقاتل أمير العراقين. ولما أخبر به عبد الملك بن مروان جهز إليه خمسة آلاف مقاتل، فقتلوه وغلبوا في مواطن كثيرة. ثم رفضه الجم الغفير من أهل الكوفة ممن ينتحلون حب جده ويزعمون أنهم من خلص الشيعة.
ومن دعاة الزيدية يحيى بن زيد بن علي. ومنهم أبو عبد الله يحيى بن الحسين بن القاسم الحسيني، من ولد الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب بالهادي، وكان فاضلا نبيلا وعالما جليلا. استولى على بلاد اليمن سنة ثمان ومائتين، ثم استولى على الحجاز. وصنف كتابا في فقه الزيدية سماه الأحكام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
ومنهم ابنه محمد الملقب بالمرتضى، وحفيده حسن بن أحمد، ويحيى بن أحمد وغيرهم من الزيدية. ومنهم من غيّر مذهبه، كجارود وسليمان بن جرير التبر التومي وحسن بن صالح ونعيم بن اليمان ويعقوب. وكل منهم يدعو الزيدية إلى مذهبه بعد أن ابتدعوا في المذهب أمورا كما سبق.
ولما كان الهشامان وشيطان الطاق أكثر دعاة الإمامية كيدا وأعلمهم وأوفرهم خداعا، تبعهم جمع لا يحصى ومن ثم كثرت فرقة الإمامية وزادت على سائر فرق الرافضة.
ثم إن الإمامية لما افترقت إلى فرق كثيرة كما سلف كثر دعاة كل فرقة منهم وتصدر جمع من كل فريق واتبعهم جمع من سفهاء الأحلام. وكان كل فرقة تقول بإمامة رجل من أهل البيت ثم بعد وفاته بإمامة ولد من ولده أو بإمامة أخيه أو تنكر موته وتزعم أنه اختفى وسيظهر بعد حين، إلى أن قالوا بإمامة الحسن بن علي العسكري واختفائه بعد موته. فادعى جمع أن حسنا لم يخلف ولدا وأن الإمام بعده أخوه جعفر فسمّ فمات ولم يخلف ولدا، فزعموا أنه خاتم الأئمة وكانوا شرذمة قليلة. وزعمت جماعة أخرى منهم أن الحسن بن علي خلف ولدا وهو المهدي الموعود وهو خاتم الأئمة، لكنه اختفى من خوف الأعداء. واستقرت أراؤهم على انحصار الأئمة في الاثني عشر رجلا، فلقبوا بالاثني عشرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
وكثرت دعاتهم، وأولهم ادعى السفارة بينه وبين شيعته، وذلك سنة ست وستين ومائتين، ثم بعده خلفاؤه إلى أن أفضت نوبة السفارة سنة ست عشرة وثلاثمائة إلى علي بن محمد، وهو خاتم الدعاة من السفرة، وعاش إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومن دعاتهم من ادعى الكتابة، فكان يظهر للشيعة كتابا يزعم أنه خط الإمام الحجة قد بعثه جوابا نمقه إليه. ومن هؤلاء من يثبت الواسطة بينه وبين صاحب الزمان. ومنهم من لا يثبت كما سيجيء إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم علماؤهم الذين صنفوا الكتب أو تصدروا لتعليم الفقه والكلام. وسيجيء ذكر عيون مصنفيهم ومشاهير علمائهم إن شاء الله تعالى. ومن دعاتهم من يروي الأخبار عن الأئمة الأخيار وأصحابهم بواسطة أو بغير واسطة في الأصول والفروع وفضائل الأعمال. ومن دعاتهم بعض من استولى على البلاد من الزائغين. وأنكر بعضهم إمامة موسى بن جعفر ومن بعده من ولده، فزعم بعضهم أن جعفر بن محمد الصادق لم يمت ولكنه غاب وسيظهر بعد حين، وهو المهدي المنتظر، ورووا عنه في ذلك آثارا ودعى الشيعة إليه، منهم عبد الله بن ناؤس. وادعى بعضهم أنه بعد جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي، مع أنه مات قبل أبيه في المدينة ودفن في بقيع الغرقد باتفاق المؤرخين والإخباريين من أهل السنة وجماهير الشيعة. وزعموا أنه لم يمت ولكنه غاب وهو القائم المنتظر الموعود. وأول دعاة هؤلاء الضلال مبارك ثم خلفاؤه.
وذهب بعضهم إلى أن الإمام بعد الصادق ابنه محمد ودعى الناس إلى إمامته. وزعم بعضهم أن الإمام بعد جعفر محمد بن إسماعيل بنص الصادق عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
وهذه الفرق الثلاثة كانوا شرذمة قليلة ودعاتهم من ابتدع المذهب وأصحابه. وأولهم حمدان قرمط. وزعم بعضهم أن إسماعيل بن جعفر مات بعد أبيه، والإمامة بعد جعفر لإسماعيل وبعده لأولاده بنص السابق على اللاحق كما سبق. ودعاتهم عبد الله بن ميمون وحدان قرمط ويحيى بن أبي الشمط وخلف وأحمد وخلفاؤهم. وادعى محمد بن عبد الله بن عبد الله الذي لقب بالمهدي أنه من ولده وأنه إمام هذه الأمة. فانخدع جمع من السفهاء من أهل المغرب وصدقوه وبايعوه وكثرت أتباعه. ونهض لطلب الملك فحارب من ولاه المقتدر العباسي فغُلب، وغلب المهدي على إفريقية وهي من مشاهير بلاد المغرب. وانتشرت دعاته إلى بلاد المغرب وأورث الولاية أولاده وفتحوا مصر. ومال إلى مذهبهم علماء السوء وعلموا الناس مذهب العبيدية وكثرت دعاتهم من العلماء. منهم نعمان بن محمد بن منصور وعلي بن نعمان ومحمد بن نعمان وعبد العزيز ومحمد بن المسيب والمقلد بن المسيب العقيلي وأبو الفتوح برحوان ومحمد بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
عماد الكتامي الملقب بأمين الدين وغيرهم. ومن دعاتهم زمن المستنصر عامر بن عبد الله الزواحي. ومن أكابر دعاتهم في ذلك الزمان علي بن محمد الصليحي، وكان أبوه قاضيا في اليمن سني المذهب عالما ورعا، وكان علي الداعي خليفة عامر المذور في الدعوة، وذلك أن عامر الداعي كان يركب إلى القاضي ويلاطفه لرئاسته وصلاحه وعلمه وسؤدده وفضله، وكان يرى لولده علي مخايل النجابة، فلم يزل عامر يتردد إليه حتى استمال قلب ولده وهو يومئذ دون البلوغ.
وقال بعض أئمة التاريخ كان عند عامر حلية علي الصليحي في كتاب الصور، وهو من الذخائر العظيمة، فأوثقه منه على تنقل حاله وجزيل ماله وأطلعه على ذلك من غير علم أبيه وأهله، ثم مات عامر بعيد ذلك وأوصى له بكتبه وعلومه ورسخ في ذهنه من كلام عامر ما رسخ، فعكف على الدرس وكان ذكيا، فلم يبلغ الحلم إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم العربية والكلامية والحكمية والفقهية، وصار فقيها في مذهب الدولة العبيدية، ثم صار يحج بالناس دليلا على طريق السراة والطائف خمس عشرة سنة. وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة رقى قلعة منيعة من جبال اليمن، وكان معه ستون رجلا قد حالفهم بمكة في موسم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة على الموت والقيام على الدعوة إلى مذهب المهدوية وبيعة المستنصر العبيدي، وكل منهم له أتباع كثيرون. وبنى فيها حصنا حصينا واستفحل أمره شيئا فشيئا. وكان يدعو للمستنصر خفيا ويخاف من نجاح صاحب تهامة ويلاطفه ويستكن لأمره ظاهرا وهو يسعى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
في قتله باطنا، حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها إليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وهرب أبناؤه، وملك تهامة. وفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة كتب إلى المستنصر في إظهار الدعوة، فأذن له. فطوى بلاد اليمن وفتح الحصون وملك بلاد اليمن كلها في أقل من سنتين، وأخذ البيعة من كافة أهل اليمن وأضل منهم خلقا كثيرا. وعزم على الحج سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وتوجه في ألفي فارس فيهم من أهله مائة وستون رجلا، حتى إذا كان في النهجر نزل في ظاهره بضيعة يقال لها بئر أم معبد، وكان سعيد وخباس ابنا صاحب تهامة مستترين في زبيد، فلما أخبرا أن الصليحي توجه من مكة خرجا ومعهما سبعون رجلا كلهم مشاة ليس معهم سوى الجريد وفي رؤسها مسامير، وتركوا جادة الطريق وسلكوا طريق الساحل. وكان الصليحي قد سمع بخروجهم فسير جمعا ممن في ركابهم لقتالهم، واختلفوا في الطريق فوصل سعيد ومن معه قريب بئر أم معبد، فظن الناس من الصليحيين أنهم من عبيد عسكرهم فلم يكترثوا منهم، وإن حذرهم منهم بعض دعاتهم ونصحهم، فهجموا عليهم بغتة فقتلوه وجزوا رأسه بسيفه وقتلوا أخاه وسائر الصليحيين في تلك السنة فقطع دابرهم.
ومن أكابر دعاتهم [الطلائع بن زريك] الأرمني وزير الفائز بن الظافر العبيدي،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
وكان يرغب الناس في التشيع ويدعوهم إلى مذهب العبيدية.
وممن يرغبهم في المذهب ويدعوهم إلى مذهب المهدوية الفقيه عمارة اليمني الشاعر المشهور صاحب تاريخ اليمن، وكان شافعي المذهب لم يكن منهم، وكان يمدح الفائز والصالح ويثني عليهما بما ليس فيهما، حتى قال في قصيدة يمدحهما بها:
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما … وزيره الصالح الفرّاج للغمم
مع اعتقادده فساد مذهبهما، وذلك لكثره إحسانهما إليه.
ولما انقضت دولتهم وذهبت ريحهم وملك صلاح الدين مصر، اتفق الفقيه عمارة اليمني مع جماعة من رؤساء مصر على التعصب لهم وإعادة دولتهم، وكانوا ثمانية من الأعيان من جملتهم الفقيه عمارة، وكاتبوا الإفرنج واستدعوا بهم إلى السلطان حتى يجلسوا ولد العاضد مكانه، فأحس بهم السلطان فقبضهم وصلبهم ودمر العبيدية وعاش عيشا رغدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)