والمروي حتى يتبين لك صحته إن كنت من أهل العلم بالحديث القادرين على التمييز بين الصحيح وغيره.
ومنها الكتب التي التزم أصحابها تخريج الصحيح مثل صحيح ابن خزيمة1، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي2، ومثل المستدرك للحاكم أبي عبد الله3.
ومما ينبغي أن يعلم أن صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح أبي حاتم بن حبان لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، وأما ابن حبان فهو من المتساهلين في التصحيح، وكذلك الحاكم يتساهل في الحكم بالصحة، وتساهله أشد من تساهل ابن حبان ولذلك لا ينبغي أن تعتمد تصحيحهما إلا بعد البحث والتحري أو أن نجد من وافقه على التصحيح من أئمة هذا العلم.
ومن مظان الصحيح الكتب المستخرجة4 على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي بكر الإسماعيلي "على البخاري"، وكتاب أبي بكر البرقاني5 "على البخاري أيضا"، وكتاب أبي عوانة الإسفراييني "على صحيح مسلم" وكتاب أبي نعيم الأصفهاني "عليهما" وغيرها6.--------------------------------------------
1 هو الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة شيخ ابن حبان توفي سنة 311هـ، وله كتاب الصحيح.
2 هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي شيخ الحاكم توفي سنة 354هـ له كتاب "التقاسيم والأنواع".
3 هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم توفي سنة 405هـ، له "المستدرك على الصحيحين".
4 الاستخراج: أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى صحيح البخاري أو مسلم مثلا، فيورد أحاديثه بأسانيد لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة من غير طريق البخاري أو مسلم إلى أن يلتقي مع صاحب الكتاب في شيخه أو من فوقه، والكتاب يسمى "المستخرَج" بفتح الراء، ومؤلفه يسمى "المستخرِج" بكسر الراء وفائدة المستخرجات:
1- ما يقع فيها من الزيادات في الأحاديث التي لم تكن في الأصل المستخرج علنية.
2- علو الإسناد.
3- تكثير طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض.
5 هو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد "الخوارزمي" اليرقاني الشافعي المتوفى سنة خمس وعشرين وأربعمائة. تذكرة الحفاظ ج3 ص807.
6 من أراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي أعلام المحدثين من ص332-342 فقد ترجمت لأصحاب المستخرجات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ومنها كتاب "المختارة" للشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة 643هـ، وقد قال ابن كثير فيه: "كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم"، ولعل مراده ببعض مشايخه الإمام ابن تيمية.
ومنها كتب "المسانيد" كمسند الإمام الجلي أحمد1 ومسند أبي يعلى، والبزار، وعبد بن حميد وكذا يوجد في معجمي الطبراني2 الكبير والأوسط، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد، والأجزاء.
ولا بد في كتب المسانيد، والمعاجم، ونحوها من أن ينص المخرج للحديث على صحته أو ينص على ذلك إمام معتبر آخر، فإن لم يوجد فلا بد لك من البحث والتحري، حتى تتحقق أنه صحيح إن كنت من أهل الحديث والعلم به سندا ومتنا.--------------------------------------------
1 هو الإمام الجليل شيخ الإسلام ومحيي السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ولد سنة 164هـ وتوفي سنة 241هـ، وله كتاب "المسند" المشهور، ومعنى المسند الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر لوحدة الموضوع، وقد رتب فيه الصحابة على حسب الفضل.
2 الطبراني هو الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الشامي المتوفى سنة ستين وثلاثمائة، وهو منسوب إلى طبرية على غير قياس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
"تعقيبات وتنبيهات":
"الأول" إذا علمت أن كتب السنن جمعت بين الصحيح وغيره تبين لك أن صنيع الحاكم أبي عبد الله، والخطيب البغدادي في تسميتها كتاب الترمذي، "الجامع الصحيح" فيه تساهل منهما؛ لأن فيه الصحيح والحسن والضعيف، وفيه أحاديث منكرة بل وأحاديث موضوعة -على قلة- ولا سيما في الفضائل.
"الثاني" وكذلك ما قاله الحافظ أبو علي بن السكن، والخطيب البغدادي في كتاب "السنن" للنسائي: إنه صحيح، وإن له شرطا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
في الرجال أشد من شرط مسلم، غير مسلم، وهو تساهل منهما أيضا لأن في سنن النسائي الصحيح وغيره، وفيه أحاديث ضعيفة، ومعللة ومنكرة، كما أن في رواته رجالا مجهولين إما عينا أو حالا، بل وفيهم المجروح.
"الثالث": وكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة، وهي:
1- صحيح البخاري.
2- وصحيح مسلم.
3- وسنن أبي داود.
4- وسنن الترمذي.
5- وسنن النسائي.
"إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب" تساهل منه، وكلامه مسلم في الصحيحين أما في السنن الثلاث فلا.
وقد حاول الإمام العراقي الإجابة عن السلفي، وتصحيح كلامه فقال: "إنما قال السلفي بصحة أصولها ولا يلزم من أن يكون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا"1.
"الرابع": مما ينبغي أن يعلم أن الكتب الخمسة المذكورة وهي الصحيحان، والسنن الثلاث أعلى مرتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي2 وغيرهم؛ لأن عادة أصحاب المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به، فلهذا تأخرت مرتبتها -وإن جلت لجلالة مؤلفيها- عن مرتبة الكتب الخمسة، وما التحق بها من الكتب المؤلفة على الأبواب.
"الخامس": كتاب "الموطأ" للإمام مالك بن أنس من العلماء من قدمه على الصحيحين كالإمام أبي بكر العربي، ومنهم من جعله في درجتهما، وإليه يشير كلام الدهلوي في "حجة الله البالغة" ومنهم من جعله في مرتبة دونهما وإليه يميل كلام ابن الصلاح في مقدمته3، وابن--------------------------------------------
1 شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص47.
2 قد قدمت ما يتعلق بمسند أبي داود الطيالسي، وأنه من جمع من بعده "التدريب ص102" ط المحققة.
3 علوم الحديث لابن الصلاح ص25 ط العاصمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
حزم في مقالة له رتب فيها كتب الحديث بحسب درجتها، وقال بعض العلماء المتأخرين: "الحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها، وهي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأما ما فيه من المراسيل، والبلاغات1، وغيرها فيعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى".
وإنما لم يعده بعض العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه من المراسيل، والبلاغات والمنقطعات وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك وغيره2.
أما إفاضة القول في "الموطأ" ففي كتابي "أعلام المحدثين3" فليرجع إليه من يشاء.--------------------------------------------
1 البلاغات: هي ما يقول فيها الإمام مالك: بلغني عن فلان مثل قوله: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته".
2 الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ص30 هامش.
3 ص59، 60.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
"الحديث الحسن":
تعريفه:
اختلف العلماء في تعريف الحسن، وإليك أقوالهم في هذا مع نقدها وبيان المقبول منها:
1- قال الإمام الخطابي في تعريفه:
الحسن: هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي قبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
شرح التعريف: المخرج -على وزن مفعل بفتح العين- مكان الخروج، والمراد به هنا: رواة الحديث وبهذا يخرج المنقطع، والمعضل، والمرسل، والمدلس قبل بيانه ومعنى "واشتهر رجاله" أي بالعدالة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
والضبط إلى أن هذا الاشتهار دون اشتهار الصحيح، ومعنى: "عليه مدار أكثر الحديث"، أي أن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح، وإنما قال: ويقبله أكثر العلماء؛ لأن بعضهم لا يقبله روي عن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث، فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟ قال: لا، أما الصحيح فيقبله عامة العلماء.
ومعنى: "ويستعمله عامة الفقهاء" أي يحتجون به ويعملون.
"نقد التعريف": وانتقد هذا التعريف بأنه غير جامع لقسمي الحسن وهما: الحسن لذاته والحسن لغيره، وهذا ينطبق على الحسن لذاته فحسب.
كما انتقد أيضًا بأنه غير مانع؛ لأن الصحيح كذلك وأجبت عن هذا بأن المراد بالاشتهار في التعريف شهرة دون شهرة الصحيح فيكون مانعًا من دخول الصحيح وبأن قوله: ويقبله أكثر العلماء يخرج الصحيح أيضًا؛ لأنه يقبله كل العلماء لا أكثرهم.
كما انتقد أيضًا بأن فيه إبهامًا وعدم وضوح، وشرط التعريف الصحيح أن يكون جامعًا مانعًا لا خفاء فيه ولا غموض.
2- قال الترمذي في كتابه: "العلل" الذي هو في آخر جامعه:
"الحديث الحسن: هو الحديث الذي لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون حديثا شاذا ويروى من غير وجه نحو ذاك".
شرح التعريف: "أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب" يشمل حديث المستور والمجهول ونحوهما بخلاف الصحيح، فلا بد أن يكون رواته ثقات أي عدولا ضابطين.
ومعنى "ويروى من غير وجه نحو ذاك" أن يكون مرويًّا من وجهين أو أكثر، ولا يشترط فيه أن يكون وروده من طريق آخر بلفظه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
بل يكفي وروده ولو بمعناه.
نقد تعريف الترمذي:
وقد انتقد هذا التعريف بأنه غير جامع فقد عرف الحسن لغيره، ولم يعرف الحسن لذاته والتعريف لا بد أن يكون جامعًا.
وانتقد أيضًا بأنه غير مانع لدخول الصحيح في تعريفه، وهذا الانتقاد مردود لما بينا في شرح التعريف من أن الحسن يكتفي فيه برواية المستور بخلاف الصحيح فلا بد فيه من ثقات الراوة، وأيضًا فالحسن عند الترمذي لا بد من مجيئه من وجه آخر، ولم يشترط أحد في الصحيح ذلك فالحق أن التعريف مانع، وانتقد أيضًا ابن كثير بأن الترمذي كثيرًا ما يقول في كتابه هذا: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والجواب عن ذلك ما أشرت إليه في شرح التعريف من أن شرط مجيئه من غير وجه يتحقق بمجيئه بلفظه أو معناه، وعلى هذا يحمل قوله: لا نعرفه إلا من هذا الوجه يعني بلفظه فلا ينافي أن يكون معروفا بمعناه من وجه آخر.
3- قال بعض المتأخرين، وهو أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة:
"هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل".
وانتقد هذا التعريف بأن ما ذكره ليس مضبوطًا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره فهو مقول بالتشكيك، والتعريف بالمشكك غير جائز؛ لأنه لا يحصل به التمييز عن غيره.
وقال ابن الصلاح بعد ذكر هذه التعريفات:
وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وقد أمعنت النظر في ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
والبحث، فتنفتح لي، واتضح أن الحديث الحسن قسمان، وإليك خلاصة ما ذكره ابن الصلاح مع التصرف، قال:
أحدهما: وهو الحسن لذاته:
أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا. قال: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي.
الثاني: الحسن لغيره:
هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا أو منكرا، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، وكأن كلا من الخطابي والترمذي اقتصر على أحد القسمين دون الآخر أو ذكر البعض، وغفل عن الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
"تنبيهات وتعقيبات":
"التنبيه الأول":
وينبغي أن يلاحظ في كلا التعريفين شرط اتصال السند، فهو مراد، وإن لم يصرح به في القسمين، وعلى هذا فشرط الاتصال لا بد منه في الحسن بقسميه، فهو شرط مشترك بين الصحيح والحسن.
وكذا العدالة لا بد منها في الصحيح والحسن لذاته وأما الضبط فيشترط في الصحيح الضبط التام بخلاف الحسن لذاته فيكتفى فيه بالضبط القاصر عن الكمال وأما الحسن لغيره فيكتفى فيه بأدنى درجات الضبط كما يكتفي فيه برواية المستور، وعلى هذا يكون الحسن لغيره قاصرا عن الصحيح بقسميه في العدالة والضبط، وكذا عدم الشذوذ وعدم العلة لا بد منهما في الصحيح والحسن بقسميه، ومما ذكرنا تعرف الفرق بين الصحيح والحسن بقسميه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
"تنبيه آخر":
لا تظن أيها القارئ الفهم أن كل حديث ضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة أنه يرتقي إلى درجة الحسن بل الضعيف في ذلك قسمان.
1- ضعف لا يزول بتعدد الطرق كرواية الكذابين والمتروكين أو المتهمين بالكذب أو الفسق، فتعدد الطرق برواية أمثالهم لا يزيد الضعيف إلا ضعفا وذلك كحديث: "الأذنان من الرأس"، فقد روي من طرق عدة إلا أنها كلها ضعيفة1.
2- ضعف يزول بتعدد الطرق كما إذا كان راويه سيئ الحفظ مع كونه من أهل الصدق، والديانة، فإذا ما رأينا أن الحديث جاء من طرق أخرى عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه، وكذا إذا كان ضعفه جاء من جهة الإرسال أو التدليس، فإنه يزول بالمتابعات، وذلك كالحديث الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قريب يزول بروايته من وجه آخر، فكل هذا يرتقي إلى درجة الحسن لغيره لا لذاته.
وكذلك يرتقي الحسن لذاته إلى درجة الصحيح لغيره إذا جاء من طرق عدة فالصحيح لغيره أصله حديث حسن لذاته، ثم جاء من طرق فارتقى إليه.--------------------------------------------
1 علوم الحديث بشرح العراقي ص37، واختصار علوم الحديث لابن كثير ص41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
"تنبيه ثالث":
جرت عادة بعض الحفاظ وأئمة الحديث أن يقولوا: هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم: حديث صحيح أو حديث حسن فلماذا؟
والسبب في هذا أن الإسناد قد يكون صحيحا أو حسنا، أي رواته رواة الصحيح أو رواة الحسن، ولا يكون المتن صحيحا ولا حسنا، وذلك لكونه شاذا أو معللا في متنه دون سنده؛ لأن العلة كما تكون في السند تكون في المتن غير أن الحافظ المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله: حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد ولم يذكر له علة ولم يطعن فيه بأي وجه من وجوه الطعن فالظاهر أن الحديث صحيح أو حسن في ذاته؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
"تنبيه رابع":
ما صار إليه الإمام البغوي1 صاحب "كتاب المصابيح" من تقسيم أحاديثه إلى نوعين:
1- الصحاح.
2- والحسان.
مريدا بالصحاح ما خرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه أبو داود، والترمذي وأشباههما في كتبهم، هو اصطلاح له خاص.
وقد أنكر عليه العلامة ابن الصلاح، والإمام النووي وغيرهما من أئمة الحديث هذا الصنيع؛ لأن هذه الكتب -السنن- فيها الصحيح والحسن، والضعيف والمنكر، بل والموضوع على ندرة، وقد أجابوا عن البغوي أنه يبين الغريب والضعيف غالبا، فقد قال في خطبة "مصابيحه": "وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه".
ولكنه يبقى عليه من الاعتراض والمؤاخذة مزجه صحيح السنن بحسنها من غير تمييز، اللهم إلا أن يقال: الخطب في ذلك سهل، فالصحيح والحسن كلاهما محتج به2.--------------------------------------------
1 البغوي: هو الإمام الحافظ محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي نسبة إلى "بغا" المتوفى سنة ست عشرة وخمسمائة "516هـ"، واسم كتابه بالكامل "مصابيح السنة".
2 علوم الحديث لابن الصلاح بتعليق العراقي ص41.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
الاحتجاج بالحديث الحسن:
الحسن وإن تقاصر عن الصحيح في درجته وشروطه لكن يشارك الصحيح في العمل به، والاحتجاج عند جميع الفقهاء، وعند أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم، وهو بقسميه ملحق بالصحيح في الاحتجاج به، ومن العلماء من يلحق بالصحيح الحسن لذاته، وأما الحسن لغيره، فينبغي أن ينظر فيه فما كثرت طرقه، وركنت إليه النفس يحتج به، وإلا فلا1.
"مظان الحسن":
من مظان الحديث الحسن كتاب الترمذي، وهو أصل في معرفة الحسن، وهو الذي نوه به وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه كالإمامين أحمد والبخاري والطبقة التي قبل طبقة مشياخه كالإمام الشافعي.
ومن مظانه أيضا سنن أبي داود روي عنه أنه قال: "ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه2، ويقاربه3، وما كان فيه من وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضه أصح من بعض".
قال ابن الصلاح ما توضيحه: فعلى ذلك ما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا أي من غير تنصيص عليه بصحة أو ضعف وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يعتمد عليه في التصحيح، ولا ضعفه هو في غير السنن، ولا أحد غيره، فهو من الحسن عند أبي داود وذلك على سبيل الاحتياط، لأن قوله: "فهو صالح" دائر بين--------------------------------------------
1 توجيه النظر إلى علوم الأثر ص148.
2 لعل مراده به الحسن لذاته.
3 لعل مراده به الحسن لغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
الصحيح والحسن فأخذنا بالأقل احتياطا1، وإن ثبت ما نقله ابن كثير عن أبي داود أنه قال: "وما سكت عنه فهو حسن"2 يكن ما ذكره ابن الصلاح استنتاجا هو المتعين بالنص.
ومن مظانه أيضا مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارقطني فقد نص على كثير منه في سننه.
"قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح":
استشكل العلماء قول الترمذي في سننه: هذا حديث حسن صحيح؛ لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح كما سبق بيانه، فالجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته، وهو محال فما الجواب؟
أجيب عن ذلك بأجوبة:
1- أن ذلك باعتبار إسنادين بأن يكون الحديث روي بإسناد حسن والآخر صحيح فلك أن تقول: إنه حسن بالنسبة إلى أحدهما صحيح بالنسبة إلى الآخر فلا تناقض إذا، ولكن هذا الجواب لا يستقيم في بعض الأحاديث التي يقول فيها الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
2- وقال بعضهم: مراده حسن باعتبار المتن صحيح باعتبار الإسناد، وغرض هذا القائل من حسن المتن الحسن اللغوي3 لا الحسن الاصطلاحي حتى يكون في الكلام تناقض ورد هذا الجواب أيضا بأن الترمذي يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم والحدود والقصاص، ونحو ذلك من أحاديث الترهيب، وبأنه يلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ حسنا أيضا، وهو ما لم يقل به--------------------------------------------
1 علوم الحديث بشرح العراقي ص52، 53 ط العاصمة.
2 اختصار علوم الحديث ص41.
3 وهو التعبير بالكلام العذب عن المعنى المرغوب فيه كأحاديث الترغيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
أحد من المحدثين.
3- وذهب ابن كثير في الجواب إلى أن ما قيل فيه حسن صحيح قسم ثالث مزج من القسمين يقال في الحديث الذي فيه شبه لم يتمحض لأحدهما، وأنه درجة متوسطة بين الصحيح والحسن فما قيل فيه: حسن صحيح فوق ما قيل فيه: حسن، ودون ما قيل فيه: صحيح، وانتقد بأن هذا تحكم لا دليل عليه1.
4- وأحسن الأجوبة ما ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها، قال ما خلاصته: "إنه إن كان للحديث إسنادان فأكثر فوصفه بالصحة والحسن راجع إلى أنه صحيح بإسناد حسن بإسناد آخر، وغاية ما هنالك أنه حذف حرف العطف، وكان الأولى أن يقول: حسن وصحيح وعليه، فيكون ما يقول فيه حسن صحيح فوق ما يقول فيه صحيح فقط؛ لأن كثرة الطرق تقوي.
وأما إذا لم يكن له إلا إسناد واحد فالجمع بينهما للتردد الحاصل من الإمام المجتهد في الحديث: أهو جامع لأوصاف الصحيح أم هو قاصر عنها؟ ولا يترجح أحدهما عنده فاقتضاه الأمر إلى التعبير بهذا، وغاية ما في التعبير أنه حذف منه حرف التردد، وكان حقه أن يقول: حسن أو صحيح، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قال فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد2.
"جمع الترمذي بين الحسن والغرابة":
قد يقال: إن الترمذي قد صرح في كلامه بأن شرط الحديث الحسن أن يروى من غير وجه نحوه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن--------------------------------------------
1 الباعث الحثيث ص43، 44.
2 النخبة وشرحها وحاشيتها للقارئ ص73-75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والجواب -كما قال الحافظ ابن حجر- أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا، وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه حسن من غير ضم صفة أخرى، ذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حسن، وفي بعضها صحيح، وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته في آخر جامعه ترشد إلى ذلك حيث قال: "وما قلنا في كتابنا: حديث حسن فإنما أردنا حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن"، فعرف بهذا أنه يعرف ما يقول فيه: حسن فقط، أما ما يقول: حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب، فلم يعرج تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل الفن، واقتصر على ما يقول فيه: حسن فقط، إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: "عندنا" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي، وبهذا التقرير يندفع كثير الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلم1.
أنواع أخرى: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمجود، والثابت، قال الإمام السيوطي في تدريبه2.--------------------------------------------
1 المرجع السابق 75-77.
2 ص58، 59 ط القديمة وص104، 105 ط المحققة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
خاتمة:
من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد، والقوي، والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والمحود، والثابت.
فأما الجيد، فقال شيخ الإسلام -يعني الحافظ ابن حجر- في الكلام على أصح الإسناد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل، أن أصحها: الزهري، عن سالم، عن أبيه1، عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا أخرجه عنه الحاكم.
قال -يعني الحافظ: "وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى التسوية بين الجيد والصحيح" ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك: "من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة، وفي جامع الترمذي في "الطب" هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد وصحيح عندهم إلا أن الجهبذ2 منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي.
وأما الصالح: فهو شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار يعني: المتابعات والشواهد.
وأما المعروف: فهو مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي تقرير ذلك في نوعيهما، إن شاء الله تعالى.
وأما المجود، والثابت فيشملان أيضا الصحيح والحسن.
قال السيوطي: ومن ألفاظهم المشبه وهو يطلق على الحسن وما يقاربه فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح، قال أبو حاتم: أخرج عمرو ابن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم أخرج بعد أحاديث موضوعه، فأفسد علينا ما كتبنا.--------------------------------------------
1 هو عبد الله بن عمر وسالم ابنه.
2 الجهبذ: بكسر الجيم وسكون الهاء وكسر الباء الموحدة: الناقد البصير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الحديث الضعيف
أقسام الضعيف
…
"الحديث الضعيف":
هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن ويمكن إجمال شروط الصحيح والحسن بقسميه في ستة شروط:
1- اتصال السند.
2- عدالة الرواة.
3- السلامة من كثرة الخطأ والغفلة وهو الضبط.
4- السلامة من الشذوذ.
5- السلامة من العلة.
6- مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متهما، ولا كثير الغلط على ما ذكرنا في الحسن لغيره.
فكل حديث فقدت فيه بعض هذه الشروط أو كلها هو حديث ضعيف.
"أقسام الضعيف":
وينقسم الضعيف إلى أقسام كثيرة أوصلها بعضهم، بحسب القسمة العقلية والتشقيقات النظرية إلى ثلاثمائة وإحدى وثمانين صورة، وأما بحسب القسمة الواقعية فهي تسعة وأربعون نوعا كلها داخلة تحت هذا التعريف، كما قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
ثم إن من هذه الأقسام ما ليس له اسم خاص، فيكون له اللقب العام، وهو الضعيف، ومنها ما له لقب خاص به كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلق، والمدلس، والشاذ، والمنكر، والمتروك، والمعل، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع، وهو شر أنواع الضعيف وأرذلها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
"حكم الحديث الضعيف رواية وعملا":
الحديث الموضوع أو الساقط أو الذي لا أصل له لا تجوز روايته إلا مقترنًا ببيان وضعه، أو سقوطه، أو أنه لا أصل له، ومن روى شيئًا من ذلك من غير بيان، وهو يعلم، فهو آثم أشد الإثم كما أنه لا يجوز العمل بالموضوع، وما شاكله قط لا في الحلال والحرام، ولا في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ولا في التفسير؛ لأنه مختلق مكذوب فمن عمل به، فقد زاد في الشرع ما ليس منه.
أما الضعيف الذي لم يصل إلى حد السقوط والوضع، وهو الضعيف المحتمل فقد اختلفت فيه أنظار العلماء وإليك آراءهم في هذا:
قال ابن الصلاح: يجوز رواية ما عدا الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها فيهما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص، وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد1.
ومقتضى ذلك العمل به فيما ذكر قال: وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما.
والمراد بفضائل الأعمال: الأعمال الفاضلة الثابتة قبلُ بالأحاديث الصحيحة، بمعنى أنه إذا ورد حديث ضعيف دال على ثواب مخصوص من الأعمال الثابتة قبل، فإن أصل العمل ثابت استحبابا من دليل آخر، ولم يثبت بالضعيف إلا الثواب المرتب على هذا العمل، وحينئذ لم يثبت حكم شرعي بالحديث الضعيف.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص113 ط العلمية بحلب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)