وقال الإمام ابن العربي المالكي1: لا يعمل به مطلقا لا في الحلال والحرام ولا في الفضائل ونحوها.
وأجاز بعض الأئمة رواية الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به، ولكن بشروط:
1- أن يكون الحديث في القصص، أو المواعظ، أو فضائل الأعمال، أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله، وما يجوز له، وما يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام، وغيرهما.
2- أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج حديث من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، والذين فحش غلطهم في الرواية، والحديث الذي كثرت طرقه، ولم تخل طريق منها من شدة الضعف.
3- أن يكون ما ثبت به مندرجًا تحت أصل من أصول الشريعة لئلا يثبت ما لم يثبت شرعًا به، وحينئذ يكون الضعيف مؤكدًا لما ثبت بذاك الأصل الكلي.
4- أن لا يعتقد العامل به ثبوته بل يقصد الاحتياط والخروج من العهدة.
5- أن لا يعارضه دليل آخر أقوى منه2.
والحق أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا مقترنًا ببيان ضعفه وبخاصة--------------------------------------------
1 هو الإمام الحافظ العلامة القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي، ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، رحل مع أبيه إلى المشرق، وسمع من كثير من علماء عصره، وسمع عنه الكثيرون، أثنى عليه ابن بشكوال وقال: أخبرني أنه رحل إلى المشرق سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وسمعت بإشبيلية منه وقرطبة كثيرًا، وكان أبوه من علماء الوزراء، وكان فصيحًا مفوهًا شاعرًا، ولما مات أبوه بمصر رجع إمامنا إلى الأندلس، وقد قيل: إنه بلغ مرتبة الاجتهاد، صنف في الحديث، والفقه، والأصول، وعلوم القرآن، والأدب، والنحو والتواريخ، وكانت وفاته بالعدوة بفاس سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
2 الباعث الحثيث ص91، والتدريب ص196، والأسلوب الحديث في علوم الحديث لشيخنا الشيخ أمين الشيخ، بحث العمل بالضعيف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
في هذه العصور التي قلت معرفة الناس فيها بالأحاديث، وعدم القدرة على معرفة درجة الأحاديث، ومن هذه الشروط تستخلص أن الضعيف قسمان:
1- ضعيف منجبر بغيره كتعدد الطرق أو نحوها، وهو الذي يعمل به في الفضائل وما شابهها، والانجبار إنما يكون بمساو أو بأقوى، أما بما هو أقل منه فلا.
2- ضعيف غير منجبر، ولا يشهد له أصل شرعي، وهذا لا يعمل به قط لا في الفضائل ولا غيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
"فائدة":
قال أئمة الحديث: من نقل حديثا صحيحا بغير إسناده، وجب أن يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحوه.
ويقبح جدا أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث لئلا يقع في نفس القارئ أو السامع أنه حديث غير صحيح.
وأما إذا نقل حديثا ضعيفا بغير إسناد أو حديثا لا يعلم حاله -سواء أكان صحيحا أو ضعيفا- فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: روي عن رسول الله كذا، أو ذكر، أو بلغنا، أو نحوها.
والأولى والأحوط لمن يتيقن ضعف حديث أن يبين أنه ضعيف؛ لئلا يَغْتَر به القارئ أو السامع الذي لا يعلم هذا الاصطلاح، ولا يجوز للناقل له أن يذكره بصيغة الجزم؛ لأنه يوهم أن الحديث صحيح، ولا سيما إذا كان الناقل من أهل العلم بالحديث الذي يثق الناس بنقلهم.
وهذا نوع من الأمانة والدقة اللذين امتاز بهما علماء الحديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
"المرسل":
تعريفه:
المرسل: لغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} 1 أي سلَّطناهم عليهم، ولم نمنعهم منهم، ويقال: أرسلت الطائر إذا أطلقته وأرسلت الكلام إذا أطلقته من غير تقييده، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ مخصوص معروف.
وأما في الاصطلاح فقد اختلفت في تعريفه أنظار العلماء، وإليك أقوالهم في هذا:
تعريف جمهور المحدثين: هو ما رواه التابعي، سواء أكان كبيرا أم صغيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو تقريره، ولا بد من قيد ذكره الحافظ ابن حجر، وهو أن يكون التابعي سمعه من غير النبي صلى الله عليه وسلم فإن سمعه من النبي حال كفره، ثم أسلم بعد ذلك ورفع الحديث فإن حديثه يكون متصلا لا مرسلا كالتنوحي رسول هرقل فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
والمراد بالتابعي الكبير من لقي كثيرا من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم كسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وأمثالهم.
والصغير: هو من لم يلق من الصحابة إلا العدد اليسير أو لقي جماعة ولكن جل روايته عن التابعين كالزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حازم، وأمثالهم.
ومن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق، فإنه صحابي، ولكن روايته حكم المرسل لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل فيه مراسيل الصحابة؛ لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعين بخلاف--------------------------------------------
1 سورة مريم: 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الصحابي الذي أدرك، وسمع فإن احتمال روايته عن التابعي بعيدة جدا.
وبعض المحدثين يقصر المرسل على ما رواه التابعي الكبير عن رسول الله وأما ما رواه التابعي الصغير فيسمونه منقطعا لا مرسلا، والأول هو الراجح وعليه معول أهل هذا الفن.
مثال المرسل: روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا 1 عن الصلاة" ، وعطاء من التابعين.
روى يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم" ، وسعيد من التابعين.
تعريف الفقهاء والأصوليين: المرسل: هو قول التابعي أو من دونه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا … أو فعل كذا … مثلا، فالمرسل عندهم يشمل المرسل عند المحدثين، والمنقطع بل والمعضل فهو يطلقونه على ما لم يتصل إسناده، قال ابن الحاجب في مختصره: "المرسل قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" … وبمثل هذا القول قال الخطيب من المحدثين إلا أنه قال: إن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
نقد التعريف: وقد انتقد هذا التعريف: بأنه يشمل قول من قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان في عصرنا، وهو ما لم يقل به أحد، وبأنه يلزم عليه دخول المنقطع، والمعضل في المرسل، وأهل الفن في الحديث على التفرقة بينهما. نعم قد يقال: هذا اصطلاح لهم بخاصة ولا مشاحة في الاصطلاح.
وقد جرى على هذا الاصطلاح بعض المحدثين فأطلق على المعلق،--------------------------------------------
1 الإبراد: تأخير صلاة الظهر حتى تنكسر حدة الحر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
والمنقطع، إنه مرسل كالبيهقي، وأبي نعيم، والدارقطني، وعلى هذا مشى الإمام أبو داود صاحب "السنن" في كتابه "المراسيل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
"حكم المرسل عند المحدثين":
الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث الضعيف للجهل بحال المحذوف؛ لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن الصحابي، بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر، وهو يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي، وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا الاحتمال إما بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية، وإما بالاستقراء، فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض1، ومتى احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفا، فقد سقط عن درجة الاحتجاج به. قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر، فوروده من وجه آخر يدل على صحة مخرج المرسل … وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم "المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة".
وقد حكى هذا القول عن جماعة أهل الحديث ابن عبد البر حافظ المغرب2.
"حكم المرسل عند الفقهاء":
أما حكم المرسل عند الفقهاء فقد احتج به مالك وأبو حنيفة--------------------------------------------
1 نخبة الفكر بشرحها للحافظ ابن حجر، وشرحها للقاري ص111.
2 علوم الحديث لابن الصلاح ص73 ط العاصمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
وأصحابهما، وقد حكي عن الإمام أحمد الاحتجاج به في رواية1. قال في التدريب: "قال النووي في "شرح المهذب": وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا كان من أرسله لا يرسل عن غير الثقات، فإن كان، فلا خلاف في رده، وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، فإن كان من غيرهم، فلا؛ لحديث: "ثم يفشو الكذب" 2، رواه النسائي وصححه.
ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات، وغيرهم: أن مرسله لا يقبل اتفاقا، وأما إذا لم يعلم حاله، فمرسله مقبول اتفاقا عند الحنفية والمالكية.
أقول: ولعل وجهة نظر هؤلاء تحسين الظن بالراوي، وأن الشأن فيه أن لا يروي إلا عن ثقة، وإذا كان الأمر كذلك عند الحنفية والمالكية على ما ذكره الرازي والباجي، فينبغي أن يقيد احتجاجهما به بذلك.
وقد حكى ابن جرير إجماع التابعين على قبول المرسل، وأنه لم يأت عن أحد منهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة إلى رأس المائتين الذين هم من أهل القرون الفاضلة، المشهود لهم من المشرع صلوات الله وسلامه عليه بالخيرية.
وقد بالغ بعضهم فقواه على المسند3 معللا ذلك بأن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك4 وهو توجيه كما ترى!!
وأما الإمام الشافعي رضي الله عنه فقد احتج به بشروط،--------------------------------------------
1 التدريب ص120.
2 المصدر السابق.
3 أي الذي ذكر له إسناد متصل.
4 أحالك: أي على البحث عن الرواة ومعرفة عدالتهم وضبطهم. تكفل لك: أي ضمن لك عدالتهم وضبطهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
قال في كتابه "الرسالة": "إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها".
وقد قيل: إن الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ لأنه تتبعها فوجدها مسندة من وجوه أخر، وقد حقق الإمام النووي أن الإطلاق في النفي والإثبات غير صحيح، وأن الصحيح أنه يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب وغيره إذا استكملت الشروط التي ذكرناها، وليس لابن المسيب ميزة في هذا إلا أنه أصح التابعين إرسالا، على أن في مراسيله ما لم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح.
وقد اعتمد الإمام النووي في هذا على ما قاله إمامان جليلان1 حافظان فقيهان شافعيان متضلعان في الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه2.
ومما ينبغي أن يعلم أن بعض التابعين قد يرسل الحديث لكونه سمعه عن كثير من الصحابة، أو لغير ذلك من الأغراض، فإرسال مثل هذا لا يطعن في روايته المرسلة. روي عن الحسن البصري أنه قال: "إنما أطلقه -أي المرسل- إذ سمعته من سبعين من الصحابة"، وكان يحذف اسم علي رضي الله عنه لخوف الفتنة.
"مرسل الصحابي":
هو ما يرويه صغار الصحابة وأحداثهم كابن عباس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله، أو تقريره، ولم يسمعوه منه أو يشاهدوه.--------------------------------------------
1 الإمامان الخطيب البغدادي، والبيهقي.
2 التدريب شرح التقريب ص67، 68 ط بولاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
مثاله: حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي، رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ فعائشة رضي الله عنها لم تشهد القصة، ولم تكن ولدت حينئذ فهي إما أن تكون سمعت الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، أو يكون بعض الصحابة أخبرها به فيكون من مراسيل الصحابة، وعلى هذا الاحتمال الثاني يكون الاستدلال بالحديث.
"حكمه" أنه حجة عند المحدثين والفقهاء، وهو في حكم الموصول المسند؛ لأن أكثر روايتهم عن الصحابة1، والجهالة بالصحابة لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول، ثم إن بعض العلماء ذكر أن الاحتجاج به موضع إجماع، وقد ذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا في الاحتجاج به عند الفقهاء، ويحكى عدم قبوله عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني لاحتمال تلقيه عن بعض التابعين.
وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين كابن عباس، وبقية العبادلة، فقد رووا عن كعب الأحبار بعض المرويات، ولكن فيما لا يتعلق بالحلال والحرام، وكعب من التابعين وقد صنف الخطيب وغيره في رواية الصحابة عن التابعين، فذكر جملة من الأحاديث، والحق أن روايات الصحابة عن التابعين قليلة نادرة، وأنها على قلتها ليست أحاديث مرفوعة، وإنما هو من الإسرائيليات، أو قصص وحكايات، أو موقوفا2.--------------------------------------------
1 ذكر الغزالي في "المستصفي" أن عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، وهو قول غريب عجيب، وقد قلده في مقالته من غير بحث جماعة، وقال محمد بن جعفر المعروف بغندر: إنها عشرة، وقال يحيى بن معين وأبو داود: إنها تسعة. وهو قول غير مقبول أيضا، وذكر بعض المتأخرين: إنها دون العشرين، لكنها من طرق صحاح، وقد اعتنى الحافظ ابن حجر بجميع الصحاح والحسان منها، فزادت عنده على الأربعين، وهذا سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل حدث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. "فتح الباري ج11، ص483" أقول: وهذا الذي وصل إليه الحافظ الكبير هو الحق ولا يلتفت لما سواه.
2 التدريب شرح التقريب ص71.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
"المنقطع":
تعريفه:
قد اختلفت آراء العلماء في تعريف المنقطع، وهاك آراءهم في ذلك:
"الأول" تعريف الحاكم أبي عبد الله:
المنقطع: هو ما سقط فيه قبل الوصول إلى التابعي راوٍ في موضع أو في مواضع، أو ذكر فيه بعض الراوة بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ مثلًا.
فالفرق بينه وبين المرسل عنده أن المرسل ما رواه التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصحابي.
وانتقد تعريف الحاكم: بأن الصحيح أن يقال: "إلى الصحابي"؛ لأن ما سقط منه التابعي يسمى معضلًا لا منقطعًا.
وبأن ما روي عن شخص مبهم لا يوافقه عليه الأكثرون من العلماء، فإنهم لا يسمونه منقطعًا بل هو متصل في إسناده مجهول كما نبه على ذلك الإمام العراقي في تعليقاته على "علوم الحديث" لابن الصلاح.
مثال ما حذف فيه راوٍ واحد في أكثر من موضع ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يُثَيْع1 عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وليتموها أبا بكر فقويّ أمين … " الحديث.
فهذا إسناد ظاهره الاتصال، ولكن إذا تأمل فيه الماهر في صنعة الحديث وجده منقطعًا في موضعين؛ لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجندي2 عن الثوري؛ ولأن الثوري لم يسمعه أيضًا من أبي إسحاق، إنما رواه عن شريك عن أبي إسحاق، ومثال--------------------------------------------
1 بضم الياء التحتية وفتح الثاء وإسكان الياء التحتية، ويقال: أثيع بهمزة بدل الياء.
2 بفتح الجيم والنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
الثاني: الحديث الذي رواه أبو العلاء بن الشِّخِّير1 عن رجلين عن شداد بن أوس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء في الصلاة: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمور وعزيمة الرشد، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأستغفرك لما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأسألك من خير ما تعلم". قال الحاكم: هذا مثال لنوع من المنقطع لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخير، وشداد بن أوس.
أقول: وقد علمت الحق في مثل هذا آنفا.
الثاني: تعريف الفقهاء وبعض المحدثين كالخطيب وابن عبد البر:
المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان سواء أكان الساقط منه الصحابي أو غيره، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال عند الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التابعي عن الصحابي، وسواء أكان من أول السند أو وسطه أو آخره، وسواء أكان الساقط واحدا أم أكثر. قال ابن الصلاح في مقدمته: "وهذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر في كفايته"2.
ولعلك على ذكر مما ذكرناه لك في تعريف المرسل عند الفقهاء، وعلى ذلك يكون المنقطع والمرسل عندهم عند الإطلاق سواء، وتكون النسبة بينهما التوافق.
"مثاله": مالك عن ابن عمر … فإن مالكا رضي الله عنه لم--------------------------------------------
1 بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة.
2 هكذا في "علوم الحديث" ص46، وفي مختصره لابن كثير في كتابيه، وللخطيب كتابان في علوم الحديث: أحدهما يسمى "الكفاية في قوانين الرواية"، والثاني يسمى: "الجامع لآداب الشيخ والسامع". فلعل المراد الأول المسمى بالكفاية على ما في المقدمة، أو هما معا كما في المختصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
يسمع من ابن عمر، وإنما سمع من نافع عن ابن عمر، ومن أمثلته التعاليق التي في صحيح البخاري ومسلم عن غير شيوخهما، ومراسيل أبي داود ونحوها.
"القول الثالث": المنقطع: هو ما روي عن التابعي، أو من دونه قولا كان أو فعلا، وهذا القول غريب ضعيف لأن المعروف أن ذلك يسمى مقطوعا لا منقطعا وبينهما فرق.
"تعريف المحققين من المحدثين":
ذهب المحققون من المحدثين كالحافظين العراقي وابن حجر وغيرهما إلى ما يأتي:
المنقطع: هو ما سقط منه قبل الصحابي راوٍ واحد في موضع أو في مواضع، فإن سقط منه واحد في موضع قيل له: منقطع، فإن سقط منه اثنان في موضعين قيل له: منقطع في موضعين وهكذا.
أما إن سقط منه الصحابي فهو المرسل، وإن سقط منه اثنان على التوالي فهو المعضل، وعلى هذا تكون النسبة بين المرسل والمنقطع، والمعضل التباين، ولو استبعدنا من تعريف الحاكم ما ذكرنا فيه أحد الرواة بلفظ مبهم، لكان تعريفه موافقا لتعريف المحققين من المحدثين.
ومثال المنقطع عند المحدثين المثال الذي ذكرناه أولا.
"بم يعرف الانقطاع؟ ":
يعرف الانقطاع بين الراوي والمروي عنه؛ إما بعدم المعاصرة، أو بعدم الاجتماع به واللقى، ولم تكن له منه إجازة، وذلك يعرف من جهة علم "تاريخ الرجال" المبين لمواليد الرواة ووفياتهم وتعيين أوقات طلبهم، وارتحالهم ولقاءاتهم، ولذلك عني المحدثون بعلم تاريخ الرجال عناية فائقة، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة وواسعة ذكروا فيها كل راوٍ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
بما له، وما عليه، وشرحوهم فيها تشريحا دقيقا عادل لا تحيف فيه، ولا غبن.
ثم إن الانقطاع قد يكون ظاهرا، وقد يكون خفيا، فلا يدركه إلا أهل المعرفة والإتقان، وقد يعرف بمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
"فائدة تتعلق بالمنقطع":
ذكر الرشيد العطار أن في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج بضعة عشر حديثا في سندها انقطاع، وهذا مشكل؛ لأن المنقطع من قبيل الضعيف عند المحدثين كما ذكرنا ومسلم إنما التزم في صحيحه تخريج الأحاديث المسندة المتصلة!!
وقد أجاب عنها بأنها جاءت متصلة إما من وجه آخر عنده أو من ذلك الوجه عند غيره ومن هذه الأحاديث: "حديث حميد الطويل عن أبي رافع أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة … " الحديث. وصوابه: حميد عن أبي بكر المزني عن أبي رافع كما أخرجه الخمسة، وأحمد، وابن أبي شيبة في مسنديهما ومنها:
حديث السائب بن يزيد عن عبد الله السعدي عن عمر في العطاء، وصوابه: السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى، عن ابن السعدي كما أخرجه البخاري والنسائي، ومن أراد استقصاء الأحاديث المنقطعة كلها، فليرجع إلى التدريب1.--------------------------------------------
1 التدريب ص71، 72 ط بولاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
"المعضل":
تعريفه:
المعضل لغة: مأخوذ من أعضله الأمر بمعنى أعياه فهو من أعضل المتعدي لا من أعضل القاصر بمعنى استغلق، وأشكل؛ لأن اسم المفعول في مثل هذا إنما يأتي من المتعدي لا من القاصر وأعضل المتعدي منقول من عضل اللازم، فالهمزة للتعدية، وعلى ذلك يكون عضل لازما وأعضل يأتي لازما ومتعديا.
ومما يدل على وجود عضل قاصرا ورود فعيل -بمعنى فاعل- منه كقولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، ومثل ذلك "ظلم الليل، وأظلم الليل، وأظلم الله الليل"، وبذلك ظهر أن لا إشكال في استعمال المحدثين لهذه الكلمة من حيث اللغة، وكأن الراوي بإعضال الحديث قد أعياه وأضعفه، فلم ينتفع به من يرويه عنه.
وفي الاصطلاح: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا على التوالي. وهذا هو المعتبر عند المحدثين وبذلك يتميز عن المرسل: الذي سقط منه الصحابي، والمنقطع: الذي سقط منه راوٍ واحد في موضع أو في أكثر.
ومن العلماء من يسميه مرسلا كالخطيب، ومنهم من يجعله نوعا من أنواع المنقطع ويقول: كل معضل منقطع، ولا عكس، وهذا إنما يتمشى على مذهب من يرى أن المرسل والمنقطع يطلقان على كل ما لم يتصل إسناده، وهم الفقهاء ومن وافقهم، مثاله: ما يرويه تابع التابعي قائلا فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم … كذا، أو فعل كذا، وكذلك ما يرويه من دون تابع التابعي عن رسول الله أو عن أبي بكر، وعمر وغيرهما غير ذاكر للوسائط بينه وبينهم.
ومن ذلك قول الإمام مالك في "الموطأ" بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من الأعمال إلا ما يطيق". فقد سقط بين مالك وأبي هريرة اثنان، وذلك أن مالكا قد روى هذا الحديث متصلا خارج الموطأ، فرواه عن محمد بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
عجلان عن أبيه عن أبي هريرة فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه1، ومن ذلك قول المصنفين من الفقهاء، وغيرهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
ومما يلحق بالمعضل -كما قال ابن الصلاح- أن يروي تابع التابعي عن التابعي حديثا موقوفا عليه، وهو حديث متصل مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جعله الحاكم أبو عبد الله نوعا من المعضل.
مثاله: ما روى الأعمش عن الشعبي قال: "يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملته، فيختم على فيه فتنطق جوارحه، أو لسانه فيقول لجوارحه أبعدكم الله ما خاصمت إلا فيكن".
فقد أعضله الأعمش، وهو عند الشعبي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلا مسندا وبذلك يكون المحذوف منه اثنان: الصحابي ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظ ابن حجر: إن ما ذكره ابن الصلاح له شرطان.
1- أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فهو مرسل.
2- أن يروى مسندا من طريق الذي وُقِف عليه وإلا فهو موقوف على التابعين لا معضل لاحتمال أنه قاله من عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين2.--------------------------------------------
1 قال السيوطي في التدريب: بل ذكر النسائي في التمييز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أبيه، بل رواه عن بكير عن عجلان.
2 التدريب ص131، 132 ط المحققة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
"فائدتان":
"الأولى": قال السيوطي: قال شيخنا الإمام الشمني: خص التبريزي المنقطع والمعضل بما ليس في أول الإسناد، فأما ما كان في أوله فمعلق وكلام ابن الصلاح أعم.
"الثانية": من مظان المعضل، والمنقطع، والمرسل كتاب السنن لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
"تفريعات":
"الأول": الإسناد المعنعن: وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان. ما حكمه؟ أهو محمول على الاتصال؟ أم هو من قبيل المرسل والمنقطع؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع، وهو الذي ذهب إليه جماهير العلماء من المحدثين وغيرهم، وادعى أبو عمرو الداني1 المقرئ، وابن عبد البر حافظ المغرب إجماع أهل العلم على هذا.
وقد اشترطوا لإفادته الاتصال شرطين:
1- معاصرة الراوي لمن روى عنه مع ثبوت اللقاء.
2- البراءة من وصمة التدريس2، وقد اكتفى الإمام مسلم بالمعاصرة فحسب، ولم يشترط ثبوت اللقاء بالفعل، وأنكر على من اشترط اللقاء، وشنع عليه في خطبة كتابه الصحيح، وقال: "إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها"3.
والحق هو الأول، وهو اشتراط المعاصرة مع اللقي، قال ابن الصلاح في مقدمته: "وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه أئمة هذا الشأن: الشافعي وعلي بن المديني؛ والبخاري، وغيرهما"4، ولهذا رجح صحيح البخاري على صحيح مسلم واشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة فزاد هذا على ما شرط الجمهور--------------------------------------------
1 الداني نسبة إلى دانية بلدة من بلاد الأندلس.
2 التدريب ص132 ط المحققة.
3 مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص130.
4 علوم الحديث بشرح العراقي ص72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
وهو قول ضعيف، والعمل عند المحدثين على خلافه.
"الثاني": اختلفوا في قول الراوي: إن1 فلانا قال: كذا، أهو مثل قوله: عن فلان، فيكون محمولا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أم هو دون قوله عن فلان؟
فذهب البعض إلى أنهما ليسا سواء، فجعلوا "عن" تفيد الاتصال، و"أن" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أنهما سواء، وأنهما يفيدان الاتصال بالشرطين المتقدمين:
1- المعاصرة مع اللقي.
2- أن لا يكون معروفا بالتدليس.
وما ذهب إليه الجمهور هو ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ويقوي ما ذهب إليه الجمهور ما حكاه ابن عبد البر من إجماع العلماء على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول الصحابي: قال رسول الله، أو عن رسول الله، أو إن رسول الله قال كذا مثلا، أو سمعت رسول الله يقول كذا، فكل ذلك محمول على السماع.
"الثالث": الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا، ورواه بعضهم متصلا، ما حكمه؟ أهو من قبيل المتصل؟ أم من قبيل المرسل؟ خلاف بين العلماء.
منهم من قال: إن الحكم للمرسل، ومنهم من قال: الحكم للأكثر، والأحفظ، فإذا كان من أرسله أكثر أو أحفظ فالترجيح للمرسل، ولا يقدح في عدالة من وصله وأهليته، وقيل: يقدح في عدالته وأهليته.
ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده مطلقا إذا كان عدلا فيقبل خبره، وإن خالفه غيره سواء أكان المخالف له واحدا أم جماعة، وهذا القول--------------------------------------------
1 الإسناد الذي فيه "إن فلانا قال" يسمى "المؤنن" أو "المأنأن" وأن بفتح الهمزة ويجوز كسرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)