خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ 1 سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} 2.
وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} الآية3 والحديث الصحيح مهما بلغ لا يعارض ما ثبت بالقرآن المتواتر القطعي وقد تنبه المحدثون إلى هذا من قديم الزمان فأعلوه، وتكلموا فيه:
فمنهم من قال: إنه غير ثابت، لأن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، وإبراهيم بن أبي يحيى قال فيه الإمام أحمد: "كان قدريا معتزليا جهميا، كل بلاء فيه، ترك الناس حديثه، وكان يضع" وقال ابن معين: "كذاب رافضي فبمثل هذا السند لا يثبت الحديث، ولا المشابكة المسلسل بها، بسبب وجود إبراهيم في السند صراحة أو تدليسا"4.
وإذا كان الحديث مختلقا مكذوبا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أبي هريرة ومن جاء بعده من الثقات فلا يصح أن يرتب عليه باحث حكما هو فرع عن ثبوته.
ومن الأئمة الكبار من أنكر رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه إنما أخذه عن كعب الأحبار، وأن بعض--------------------------------------------
1 أي في تتمة أربعة أيام.
2 فصلت: 9-12.
3 الحديد: 4.
4 الأسماء والصفات للإمام البيهقي ص384.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
رواته وهم في رفعه، والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في تاريخه فقال: "رواه بعضهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار وهو الأصح" ووافقه على هذا العلامة الحافظ ابن كثير حيث قال:
"فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال1 … إلخ".
ومهما يكن من شيء فسيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بريء مما غمزه به أعداء السنن والأحاديث، وأعداء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهامهم له برفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إن بعض الجهلاء المغرورين منهم قال في كتاب له بعد أن سفه على سيدنا أبي هريرة بما سفه به:
"وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث، وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها"، ثم تهكم بسيدنا أبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم! 2
وهذا الكلام كتبته في كتابي "دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين"3 الذي قصدت به خدمة السنة النبوية المطهرة، وبيان شرفها وفضلها، وحقيقة أمرها ولم أقف على كلام لأحد في هذا الموضوع من الذين ألفوا في "علوم الحديث" قديما وحديثا فلله الحمد والمنة.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية ج1 ص17، 18، وتفسير ابن كثير والبغوي ج3 ص488، وج7/ 326.
2 انظر أضواء على السنة المحمدية ص175 ط الأولى.
3 ص158، 159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
"التسلسل التام وغير التام":
ثم من المتسلسل ما يكون التسلسل فيه من أول السند إلى آخره، وأصح مثل لذلك الحديث المسلسل بقراءة "سورة الصف" وقد قدمناه آنفا.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف.
قال السيوطي: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضا، بل ذكر في شرح النخبة: أن المسلسل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي.
وقد ينقطع تسلسله في وسطه أو أوله، أو آخره ومثال ذلك المسلسل بقول الراوي بأول حديث سمعته، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: "الراحمون يرحمهم الرحمن" ، فإنه انتهى التسلسل فيه إلى عمرو بن دينار، وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوس، وسماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو، وفي سماع عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو الصحيح فيه، وقد رواه بعضهم كامل السلسلة فوهم فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
"أشهر المؤلفات في المسلسلات":
1- المسلسلات تأليف الحافظ إسماعيل بن أحمد بن الفضل التيمي المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة "535"1.
2- الأحاديث المسلسلات تأليف الشيخ الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة "643"2.
3- كتاب المسلسلات للحافظ المحدث المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة اثنين وتسعمائة وفيه مائة حديث.--------------------------------------------
1 توجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، كما توجد نسخة في دار الكتب المصرية.
2 توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب الظاهرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
4- "المسلسلات الكبرى" وهي خمسة وثمانون حديثا، و"جياد المسلسلات"1، كلاهما للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة قال في "تدريبه": "وقد جمعت كتابا قيما وقع في سماعاتي من المسلسلات"2.
5- الفوائد الجليلة للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد، المشتهر والده بعقيلة المتوفى سنة خمسين ومائة بعد الألف "1150"3.
6- "التعليقة الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة" لأبي الفيض محمد بن محمد بن محمد الشهير بمرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي ثم المصري الحنفي المتوفى بمصر سنة 1205هـ.
7- "المناهل السلسة في الأحاديث المسلسلة" للعلامة المحدث محمد بن عبد الواحد الأيوبي المتوفى سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد الألف وهو يشتمل على اثني عشر ومائتي حديث4، ولما كان صاحبه متأخر الوفاة فقد جاء كتابه أشمل الكتب في هذا.
وبالجملة فقد قال الإمام السخاوي في شرح ألفية العراقي ما نصه:
"وقد أفرد كثير من الأئمة ما وقع لهم من المسلسلات، وقع لي من ذلك بالسماع جملة: كالمسلسلات لأبي بكر بن شاذان، ولأبي محمد الإبراهيمي، ولأبي محمد الديباجي، ولأبي سعيد السمان، ولأبي سعد بن أبي عصرون، ولأبي القاسم التيمي، والقرافي، ولأبي المكارم بن مسرى. ولأبي سعيد العلائي، ولابن الفضل في الأربعين له.--------------------------------------------
1 توجد نسخة مخطوطة من "جياد المسلسلات" في دار الكتب المصرية.
2 التدريب ص381.
3 توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب الظاهرية، وفي دار الكتب المصرية "عن الوجيز في علوم الحديث".
4 منهج النقد في علوم الحديث ص334.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
وبالإجازة جملة أيضا: كأبي نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن اللبان، والقاضي أبي بكر بن العربي.
واعتنى كل من حافظ دمشق ابن ناصر الدين، وحافظ مكة من أصحابنا بإفراد ما وقع له منها في تخريج.
وكذلك أفردت مائة منها بالتصنيف مبينا شأنها، ورويت ذلك إملاء وتحديثا بالقاهرة ومكة1.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في المسلسلات ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى "الرسالة المستظرفة، لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" قال: ومجموع الأحاديث المسلسلة يزيد على أربعمائة2.--------------------------------------------
1 فتح المغيث للسخاوي ج3 ص55.
2 الرسالة المستطرفة من ص61-64.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
علم علل الحديث
مدخل
…
"علم علل الحديث":
علم علل الحديث من العلوم المهمة جدا، وقد سبق التأليف في هذا العلم على سبيل الاستقلال لكونه فرعا من فروع "علوم الحديث" بمعناها العام. التأليف فيه بعد صيروة "علوم الحديث" فنا مدونا مستقلا عن غيره من العلوم له أصوله، وله مسائله، وله أنواعه، وذلك على يد الإمام أبي محمد الحسن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى حوالي سنة ستين وثلاثمائة.
والعلة في اصطلاح أئمة الحديث وجهابذته: عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منها.
وعلى هذا يمكننا أن نعرف هذا العلم فنقول:
علم علل الحديث: هو العلم الذي يبحث فيه عن الأسباب الخفية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
الغامضة التي تقدح في الحديث صحة وحسنا، وسندا ومتنا مع أن الظاهر السلامة منها.
ولن أتكلم هنا عن أقسام العلة ولا عن ضرب الأمثلة لها فقد سبق ذلك في نوع "المعل"1 من الحديث أثناء التكلم عن أنواع الحديث الضعيف.
"هذا العلم لم يتكلم فيه إلا الجهابذة":
وهذا العلم لم ينهض للكلام فيه والتأليف إلا الأئمة الكبار الجامعون للحديث، والعارفون بعلله أمثال: علي بن المديني، وأحمد بن محمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، والترمذي، والدارقطني.
"بم تعرف العلة": وتدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنبه العارف بهذا العلم على وهم2 وقع بإرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد في صحته فيتوقف فيه.
والطريق إلى معرفة ذلك جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم، قال الإمام ابن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه".
وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي3 في نقد الدنانير والدراهم قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: معرفة علل الحديث الهام، ولو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك.--------------------------------------------
1 بضم الميم وفتح العين المهملة، وتشديد اللام. "انظر ص305".
2 وهم وهما كغلط غلطا وزنا ومعنى.
3 بفتح الصاد المهملة، وسكون الياء، وفتح الراء هو الذي يقوم بصرف الدراهم والدنانير ويميز بين صحيحها وزائفها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
وقيل له أيضًا: إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج1. أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة.
وسئل أبو زرعة الرازي: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن محمد بن وارة- فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم -يعني الرازي- فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافًا فاعلم أن كلًّا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.
"تعليق على كلمة ابن مهدي أن هذا العلم إلهام":
قد يوهم ظاهر هذه الكلمة أن هذا العلم لا يحتاج إلى طول بحث ونظر، وموازنة بين الروايات وجمعها كي يصل الإمام المعلل إلى الحق والصواب.
وهذا الظاهر غير مراد قطعًا بعد ما ذكرنا من كلمة الإمام علي بن المديني، وبعد ما هو معلوم من أن العلماء الذين اشتغلوا بعلل الأحاديث لم يدعوا وسيلة من وسائل العلم بالأحاديث، والبحث عن حقائق أمورها إلا سلكوها، وذلك عن طريق جمع الروايات ونقدها على حسب قواعدهم الدقيقة، والموازنة بينها حتى وصلوا إلى الحق والصواب في هذا، والكتب التي ألفت في العلل أكبر شاهد على هذا، إن في هذه الكتب ما يدل دلالة ظاهرة على سعة علم هؤلاء العلماء بالروايات، وعلى دقة أنظارهم في النقد.--------------------------------------------
1 بهرج على وزن جعفر الرديء المغشوش من الفضة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن أي عالم متمرس في فن من الفنون، وطالت مصاحبته له، والوقوف على حقائقه ودقائقه تحصل له ملكة1 في هذا الفن قد تصل هذه الملكة المكتسبة بطول البحث والنظر والتأمل إلى أن تجعل صاحبها ملهما في إدراك حقائق الأمور.
فمن الأطباء مثلا من حصل لهم بعد طول الممارسة لعلم الطب، ومقابلة المرضى والتعرف على أدوائهم وأمراضهم وعللهم ملكة بحيث يدرك بمجرد رؤية المريض أنه مريض بكذا، وإن لم يستعمل التفسرة2 التي تعينه على إدراك حقيقة مرض المريض.
كذلك الكثرة الكاثرة من أئمة الحديث ولا سيما في العصور الأولى حصلت لهم بطول الممارسة والملازمة للحديث وعلومه ملكة بها يدركون الحديث المعلول من غير المعلول بحيث لا يحتاجون إلى طول بحث ونظر، وإنما تنطلق ألسنتهم بالحقيقة بحيث يخيل إلى السامع أن هذا العلم إلهام كما قال الرجل الذي ذكرنا قصته مع أبي زرعة الرازي.
إن الواحد منا نحن معاشر المشتغلين بعلم الحديث والسنن على فرق ما بيننا وبين هؤلاء الأئمة قد تحصل له هذه الملكة بحيث يميز ما بين ما هو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ليس من كلامه، ولو لم يكن عنده علم خاص في ذلك، وأيضا فالعالم العامل بعلمه هو أحق من يلهمه الله الحق والصواب والله أعلم.--------------------------------------------
1 الملكة: كيفية وحالة راسخة في النفس تحصل لمن يمارس وتطول ملازمته لأمر من الأمور.
2 هي الآلة التي يتعرف بها الطبيب مرض المريض كالسماعة مثلا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
"المؤلفات في علل الحديث":
1- من أقدم ما وصلنا من هذه المؤلفات كتاب "التاريخ والعلل" للإمام الحافظ يحيى بن معين المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين1.
2- ومنها كتاب "العلل" للإمام علي بن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين.
قال فيه الحافظ ابن كثير: ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله "كتاب العلل" لعلي بن المديني شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده في هذا الشأن على الخصوص2.
3- ومنها كتاب "العلل" للإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين3.
4- ومنها كتاب "المسند المعلل" للإمام الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي البصري المتوفى سنة اثنين وستين ومائتين. قال الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ"4: ما صنف مُسند أحسن منه ولكنه ما أتمه". قال الخطيب: أخبرنا الأزهري قال: بلغني أنه كان في منزل يعقوب بن شيبة أربعون لحافا أعدها لمن كان يبيت عنده من الوراقين الذين يبيضون المسند قال: ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار.
5- ومنها كتاب "العلل" للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين وله في العلل كتابان: العلل الصغير وهو الملحق بالجامع له، وكتاب العلل الكبير وهو مستقل وقد شرحه العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة--------------------------------------------
1 توجد نسخة مخطوطة منه في خزانة دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم "112" مجموع "عن الوجيز في علوم الحديث".
2 اختصار علوم الحديث لابن كثير ص64 ط ثالثة.
3 يوجد منه جزء في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت الرقم "40 مجاميع".
4 ج2 ص577.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
خمس وتسعين وسبعمائة1.
6- ومنها كتاب "العلل" للإمام الفقيه العلامة المحدث أبي بكر بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال المتوفى إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو مؤلف علم أحمد بن حنبل، وجامعه ومرتبه، صنف "كتاب السنة" في ثلاث مجلدات، و"كتاب العلل" في عدة مجلدات، و"كتاب الجامع"، وهو كبير جدا2.
7- ومن أحسن الكتب المؤلفة في "باب العلل" وأجمعها كتاب "علل الحديث" للإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو مرتب على أبواب الفقه، وقد طبع في مصر في مجلدين سنة 1343هـ.
8- وأجمع كتاب وأشمله في هذا الباب كتاب "العلل الواردة في الأحاديث النبوية"3 للإمام الحافظ الناقد علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
وقد حظي هذا السفر الجليل بثناء أئمة الحديث ونقاده. قال الحافظ ابن كثير: "وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرمه مثواه"4.--------------------------------------------
1 قد حققه في مجلدين ابننا الفاضل الدكتور نور الدين العتر، تحقيقا علميا جيدا.
2 تذكرة الحفاظ ج3 ص785، 786.
3 يوجد من هذا الكتاب خمس مجلدات في خزانة المخطوطات بدار الكتب المصرية تحت الرقم "394 حديث" ونسخت عنها نسخة أخرى بتاريخ 1360هـ، وهي تحت الرقم "22032ب" وخطها جيد.
4 اختصار علوم الحديث لابن كثير ص64 ط ثالثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
9- وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه "تدريب الراوي" أن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر صنف في ذلك كتابا سماه "الزهر المطلول في الخبر المعلول". قال العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في تعليقاته على "اختصار علوم الحديث": ولم أره، ولو وجد لكان في رأيي جديرا بالنشر، لأن الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة، واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة.
قال: وتجد الكلام على علل الحديث مفرقا في كتب كثيرة من أهمها:
"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ الزيلعي، و"التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"، و"فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري" وكلاهما للإمام الحافظ الكبير أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني.
وفي "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" للشوكاني، و"المحلى" للإمام الحجة أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وكتاب "تهذيب سنن أبي داود" للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية1.--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث ص65 في هامش الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
علم غريب الحديث:
تعريفه:
معنى الغريب في اللغة:
يقال: غربت الكلمة غرابة إذا غمضت وخفيت معنى، وغرب الرجل يغرب غربا إذا ذهب وبعد.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي في شرح معنى الغريب واشتقاقه أن الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
وقال: إن الغريب من الكلام يستعمل على وجهين: أحدهما أن يراد أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد، ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المجلس من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم "استعربناها"1 يعني بينا معناها، وفي القاموس: "والإغراب: الإتيان بالغريب والإبعاد في الأرض كالتغريب … وككرم: غمض وخفي"2.
ويراد به في اصطلاح العلماء: ما وقع في متون الأحاديث من ألفاظ غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها أو لكونها من كلام العرب الضاربين في البداوة، البعيدين عن المدن والأمصار.
وهو فن مهم من فنون علوم الحديث يقبح جهله بأهل العلم بعامة، وبأهل الحديث بخاصة، وأغلب الذين تكلموا فيه كانوا من أهل اللغة الذين كانوا أئمة فيها، والبعض كانوا من العلماء الجامعين بين العلم باللغة والحديث من أمثال الإمامين الجليلين أبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، ثم منهم من قصر كلامه على الغريب من الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من عم فذكر الغريب في كلام الصحابة والتابعين، رضوان الله على الجميع.--------------------------------------------
1 مقدمة مصحح "غريب الحديث" لأبي عبيد ص1.
2 القاموس ج1 ص110، 111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
منشأ الغريب في الحديث:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفسح العرب لسانا، وأوضحهم بيانا، وأعذبهم نطقا، وأسدهم لفظا، وأبينهم لهجة وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طريق الصواب، وأقدرهم على التعرف في فنون القول، تأييدا إلهيا، ولطفا سماويا، وعناية ربانية، ورعاية روحانية1 ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الإغراب في الكلام، ولا الحوشي2 من الألفاظ ولكنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة وصدق الله في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} 3 ولم يبعث إلى قريش وحدها، وإنما بعث إلى العرب كلهم، وكانت لهجاتهم متغايرة فمنها العذب القريب الفهم الذي يحلو على الألسنة ويخف على الأسماع، ومنها الغريب الحوشي الذي لا يفهمه كل الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطرا إلى أن يخاطب كل قوم بما يعرفون وما يفهمون حتى يقع الخطاب موقعه، ويثمر ثمرته، وكان في لسان الأعراب وأهل البوادي الكلام الغريب والحوشي، ولما جاءه وفد من اليمين وسألوه عن الصوم في السفر قال لهم: "ليس من امبر امصيام في امسفر" 4، فأبدل لام "أل" "ميما" كما هي لغتهم.
ولذلك كان الصحابة يعجبون من قدرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفائقة على مخاطبة الوفود بما يعرفون، بينما هم لا يقدرون على شيء من ذلك، مع أنهم كان فيهم الذين يرتادون البوادي، ويقابلون الأعراب الأقحاح الذين لم يفارقوا البادية، ولا عجب فهو وحي إلهي، وإلهام رباني وهي خصيصة من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة بحكم فطرتهم اللغوية وسليقتهم العربية يعرفون الكثرة الكاثرة من كلامه سألوه أو سأله عنه، فيجيبهم.
ولما جاوز الرسول الرفيق الأعلى وحمل الصحابة رضوان الله عليهم--------------------------------------------
1 من مقدمة "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير ج1 ص4.
2 في القاموس ج2 ص270: "والحوشي بالضم الغامض من الكلام".
3 سورة سبأ: 28.
4 رواه البخاري ومسلم: البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه، واشتد الحر … إلخ؛ ومسلم، كتاب الصوم، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
الرسالة من بعده لتبلغها للناس كافة لم يلبث أن دخل الكثيرون في الإسلام من غير العرب من الفرس، والرومان، وغيرهم ممن لا يتكلمون العربية، ولم يمض قرن من الزمان، أو يزيد، على الوفاة النبوية حتى بلغ الإسلام من المحيط إلى المحيط1.
فمن ثم دخلت العجمة في اللسان العربي، ووجد جيل من بعد جيل الصحابة والتابعين استعصى عليه فهم ومعرفة معاني الكثير من الألفاظ العربية ومن اللسان العربي الذي نزل به القرآن، وجاءت عليه السنة النبوية المشرفة، حتى ولو كانت غير حوشية.
وسرى اللحن في اللغة، والاستعجام لمعانيها إلى الخاصة سواء منهم من لم يكن في الأصل عربيا، ومن كان، ولو استمر الأمر على ذلك فسينشأ جيل يستعصي عليه فهم القرآن الكريم، والسنة النبوية اللذين هما أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم، وحينئذ تكون الطامة.
فمن ثم رأى الغيارى2 على الدين وأهله من علماء اللغة، ومن علماء الحديث الذين جمعوا إلى حفظ الحديث التعمق في العلم باللغة العربية أن يؤلفوا كتبا يبينون فيها ما هو خفي وغامض من الألفاظ القرآنية والحديثية، وما هو بعيد عن الفهم، فكان هذا العلم الشريف الذي عنيت به الأمة الإسلامية حتى كان من ثمرات هذا العلم هذه الثروة العلمية الكثيرة التي لا يحصيها العد فلله الحمد والمنة.--------------------------------------------
1 من المحيط الأطلسي غربا إلى المحيط الهندي شرقا.
2 جمع غيور أما جمع الكلمة جمع مذكر سالم فهو غلط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
التثبيت في القول في غريب الحديث
…
التثبت في القول في غريب الحديث:
وقد كان السلف الصالح يثبتون فيه أشد التثبيت، وليس أدل على هذا مما روي عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف1 منه--------------------------------------------
1 الحرف: يطلق ويراد به حرف الهجاء، ويطلق ويراد به الكلمة، وهي المرادة بالحرف هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
فقال: "سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن".
وعسى أن يكون في هذه القولة مُدَّكر لهؤلاء الذين يتسورون1 على الأحاديث النبوية، ويتكلمون في ألفاظها، ومعانيها بغير علم.
حتى علماء اللغة أنفسهم العارفون بها كانوا يتحرجون من القول في ألفاظ الأحاديث، فقد سئل الأصمعي2 -وهو من هو من علماء اللغة الكبار- عن معنى حديث: "الجار أحق بسقبه" 3، فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن العرب تزعم4 أن السقب اللزيق.--------------------------------------------
1 أي يتهجمون ويأتون البيوت من أسوارها لا من أبوابها.
2 هو الإمام عبد الملك بن قريب -بضم القاف، وفتح الراء، وسكون الباء المثناة، على صيغة المصغر- ابن عبد الملك بن علي، بن أصمع أبو سعيد الباهلي الأصمعي البصري صدوق سيئ، مات سنة ستة عشرة ومائتين روى له مسلم في المقدمة، وأبو داود، والترمذي "تقريب التهذيب ج1 ص521".
3 رواه البخاري في "كتاب الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. والسقب: بفتح السين، والقاف، وتسكن، آخره باء موحدة، وتبدل السين صادا، هو الجار الملاصق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
المؤلفون في هذا العلم:
1- وقد اختلف في أول من صنف في هذا العلم فقيل هو النضر بن شميل -بضم الشين وفتح الميم وسكون الياء، آخره لام على صيغة المصغر- وهو ثقة، ثبت من كبار التاسعة وكانت وفاته سنة أربعة ومائتين، روى له الجماعة كما في التقريب1 وقد قال: إنه أول من صنف في الغريب الحاكم أبو عبد الله النيسابوري2.
2- وقيل: أول من ألف في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى--------------------------------------------
1 ج2 ص301.
2 تدريب الراوي ص378.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)