تسلية وتعزية لآل البيت رضي الله عنهم، وذلك لما تلقاهم المسلمون حين قدموا المدينة بعد قتل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان فيمن تلقاهم المسور بن مخرمة، فحدث زين العابدين بن الحسين وأهل البيت رضي الله عنهم بهذا الحديث، وفيه التسلية عن هذا المصاب، وقد علم بما قرره أن من الأسباب ما يكون بعد عصر النبوة كما في أحاديث ذكروا أسباب ورودها عن الصحابة رضي الله عنهم، وقد نظر بعض المتأخرين في ذلك ولكن ذكرها أولى، لأن فيها بيان السبب في الجملة فإن الصحابة رضي الله عنهم حفظوا الأقوال، والأفعال، وحافظوا على الأطوار والحوال، فيكون السبب في الورود عنهم مبينا لما لم يعلم سببه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي أبواب الشريعة والقصص وغيرها أحاديث لها أسباب يطول شرحها، وما ذكرناه أنموذج لمن يرغب في سلوك هذه المسالك، ومدخل لمن يريد أن يصنف مبسوطا في ذلك1.
أقول: والحق أن سبب الورود إنما يراد به السبب الذي بسببه قال النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، أما ذكر الصحابي للحديث فيما بعد ليستدل به في مناسبة من المناسبات، فإنه لا يسمى سبب ورود، وإنما يسمى: "سبب ذكر"، فنقول مثلا: والسبب في ذكر الصحابي رضي الله عنه الحديث هو كذا.
فذكر الصحابي المسور بن مخرمة التابعي الجليل علي زين العابدين وآل البيت الكرام هذا الحديث؛ لتسليتهم وحملهم على الصبر والتحمل لا يعتبر سبب ورود أبدا، وإنما يعتبر سببا لذكره، وفرق بين الأمرين، فليتنبه إلى هذا التحقيق أهل الحديث وطلبته.--------------------------------------------
1 البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف الجزء الأول ص34، 35 ط دار التراث العربي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)
"سبب ورود الحديث قد يذكر في الحديث وقد يذكر في غيره":
1- القسم الأول: وهو ما يذكر في الحديث من أمثلته:
1- حديث سؤال جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان والإحسان، وعن الساعة.
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه1، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه".
قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر 2 خيره وشره"، قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة؟ 3 قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".--------------------------------------------
1 الظاهر أن الضمير في الكلمتين يعود على جبريل عليه السلام، وهي جلسة تدل على غاية التوقير والتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى غاية الأدب مع جبريل، وهذا الموقف -والله- في باب التربية والتعليم للصحابة الكرام ليغني عن الكلم الطوال، وأرجو أن يكون في هذا قدوة حسنة لتوقير واحترام الطلاب والتلاميذ لعلمائهم ومربيهم ومعلميهم.
2 معناه أن الله تعالى قدر الأشياء في الأزل، وعلم سبحانه وتعالى أنها تقع في أوقات معلومة عنده سبحانه، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على ما قدر لها الله سبحانه وتعالى.
3 أي القيامة متى تقوم؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)
قال: فأخبرني عن أمارتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها 1 وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" ، قال: ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال: "يا عمر أتدري من السائل؟ " ، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه جبريل جاء يعلمكم دينكم" 2.
والحديث رواه البخاري أيضا ولكن بدون ذكر السبب فأصل الحديث يعتبر إذا متفق عليه.
ب- ومن أمثلته أيضا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج3 إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا الشيطان -أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" 4، والحديث رواه الإمام البخاري أيضا في صحيحه من غير ذكر السبب، فهو متفق عليه والمراد شعر الهجاء، ونحوه من الشعر الذي لا يدعو إلى فضيلة وهدى وخير، ولا يحذر من رذيلة.
ج- ومن أمثلته حديث القلتين، فقد سئل عن الماء يكون بالفلاة5، وما ينوبه من السباع والدواب فقاله وهو: "إذا بلغ الماء قلتين 6 لم يحمل الخبث" 7.
د- ومنها حديث السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب، وهو عن--------------------------------------------
1 أي سيدتها وفي رواية: "ربها" أي سيدها.
2 صحيح مسلم -كتاب الإيمان- باب الإيمان والإسلام والإحسان والساعة، والإيمان بإثبات القدر.
3 العرج بفتح العين وسكون الراء آخره جيم، هي قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة.
4 صحيح مسلم، كتاب الشعر.
5 الصحراء.
6 المراد قلتين من قلال هجر وقدر ذلك بخمسمائة رطل.
7 سبق تخريجه قريبا ص444.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)
أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت.
"سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب فقال: "حتيه ثم اقرصيه بالماء واغسليه، وصلي" 1.
هـ- ومنها حديث السائل "أي الأعمال أفضل" وهو ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أي العمل أفضل، قال: "الإيمان بالله والجهاد في سبيله" ، رواه البخاري2.
و ومنها حديث "أي الذنب أكبر" وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: "أعظم الذنب أن تجعل لله ندا وهو خلقك" 3، الحديث.
ز- ومنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أنه قدم رجلان من المشرق4 فخطبا فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرا" أو: "إن بعض البيان سحر" 5.
وقد ذهب الكثير من العلماء إلى أن هذين الرجلين هما الزبرقان بن بدر التميمي، وعمرو بن الأهتم التميمي، واستندوا إلى ما أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" وغيره من طريق مقسم عن ابن عباس قال: "جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم، وآخذ منهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك--------------------------------------------
1 رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم.
2 كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل.
3 رواه البخاري، كتاب الحدود، باب إثم الزناة.
4 أي جهة الشرق لأن منازل بني تميم شرق المدينة.
5 صحيح البخاري، كتاب الطب، باب أن من البيان سحرا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 471)
يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه، مطاع في أدنيه، فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أن أحسدك؟! والله يا رسول الله! إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيع في العشيرة والله يا رسول الله! لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرا" 1 ويحسبنا هذا القدر من الأمثلة.--------------------------------------------
1 فتح الباري ج10 ص237.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
"القسم الثاني من أسباب ورود الحديث":
أن لا يذكر السبب في الحديث أو يذكر في بعض طرقه، فهو الذي ينبغي الاعتناء به؛ لأنه يذكر السبب يتضح الفقة في الحديث، ولذلك أمثلة منها:
أ- حديث: "أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" ، رواه الشيخان1 وغيرهما من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، وقد روى ابن ماجه والترمذي في الشمائل من حديث عبد الله بن سعد رضي الله عنه، وذكر السبب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما أفضل الصلاة في بيتي أو في المسجد؟ قال: "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إليّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة".
ب- ومنها حديث "الخراج بالضمان"2 جاء في بعض طرقه عند أبي--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل. ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب النافلة في البيت وجوازها في المسجد.
2 رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)
داود وابن ماجه أن رجلا ابتاع1 غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبان، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله! قد استعمل غلامي، فقال صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان" 2، رواه أحمد وأصحاب السنن، والمراد بالخراج الغلة التي كانت منه، للمشتري نظير ضمانه له، وليست للبائع، وهو من جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم.
ج- حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
قال صاحب "البيان والتعريف" هذا حديث صحيح مشهور متفق عليه أخرجه الأئمة الستة في كتبهم وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
سببه: نقل الحافظ السيوطي عن الزبير بن بكار أنه قال في "أخبار المدينة": حدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وُعِكَ3 فيها أصحابه، وقدم رجل ليتزوج امرأة كانت مهاجرة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "يا أيها الناس! إنما الأعمال بالنيات "ثلاثا" فمن كانت هجرته … " ، الحديث، ثم رفع يديه فقال: "اللهم انقل عنا الوباء" 4 "ثلاثا" فلما أصبح قال: أتيت هذه الليلة بالحمى فإذا--------------------------------------------
1 أي اشترى.
2 التدريب ص540.
3 أي مرضوا بالحمى.
4 الوباء: هو المرض الذي يعم وكانت الحمى قد نزلت بكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم صحح لنا المدينة كما صححت لنا مكة، وانقل حماها إلى الجحفة"، فأصبحت من خير بلاد الله هواء وطيبا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)
بعجوز سوداء مطيبة في يدي الذي جاء بها، فقال: هذه الحمى، فما ترى فيها، فقلت: اجعلوها تحم"1.
أقول: الشراح للأحاديث على أن السبب في ورود هذا الحديث هي قصة مهاجر أم قيس، وقالوا: إنها السبب في ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "أو امرأة ينكحها" بعد قوله صلى الله عليه وسلم: "إلى دنيا" ، ومنهم الإمام العلامة محمد بن علي بن دقيق العيد، حيث قال: "ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية"، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: من هاجر ينبغي شيئا، فإنما له ذلك هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. ورواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش2 بلفظ: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم قيس. قال: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك"3، وهذا من الحافظ رد لما قاله الكثيرون في سبب ورود هذا الحديث، والظاهر أيضا أن الحافظ لم يرتض ما قاله الزبير بن بكار في روايته، أو أنه لم يقف عليها والله أعلم.--------------------------------------------
1 البيان والتعريف ص36 ج1 ط دار التراث العربي.
2 يعني بالإسناد السابق إلى الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
3 فتح الباري ج1 ص10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)
د- حديث: "أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه -وفي رواية- شعره، أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه".
أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم عن جابر رضي الله عنه، وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي وقال العراقي: إسناده جيد.
وسببه عنه، كما في أبي داود قال جابر بن عبد الله: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال: "أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره" 1.
وهذا الحديث وسببه يدل دلالة واضحة على حب الإسلام للنظافة: نظافة الجسم والبدن، ونظافة الثياب، وأن الإسلام دين النظافة حقا.
هـ- حديث: "أما والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض" ، أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، والبزار عن أبي رافع رضي الله عنه سببه عنه، قال: أضاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيفا فلم يكن عنده ما يصلحه فأرسل إلى رجل من اليهود أسلفني دقيقا إلى رجب فقال: لا إلا برهن، قال: "أما والله … " فذكره وزاد البزار: "اذهب بدرعي الحديد إليه" 2.
و حديث: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون 3 وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة … ".
أخرجه الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه سببه، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: بينما نحن نصلي مع النبي--------------------------------------------
1 البيان والتعريف ج1 ص358، 359.
2 المرجع السابق ج1 ص359.
3 المراد بالسعي الإسراع حتى يصير جريا وأما المراد به في قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} المشي العادي الذي لا يلوي فيه الذاهب على شيء في طريقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)
-صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى دعاهم، فقال: "ما شأنكم"؟ قالوا: يا رسول الله استعجلنا إلى الصلاة قال: "لا تفعلوا" ، فذكره، وتتمة الحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" 1.
ز- حديث: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" 2، أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال الترمذي: حسن صحيح، ولهذا رمز السيوطي لصحته.
وسببه ما أخرجه أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: "كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم، فجاء منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تدفن القتلى في مضاجعهم، فرددناهم"3.--------------------------------------------
1 البيان والتعريف ج1 ص134، 135.
2 يعني حيث قتلوا والمراد بهم شهداء أحد.
3 كتاب البيان والتعريف ج1 ص113.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
المؤلفات في هذا العلم:
1- وأول من ألف في هذا العلم الإمام أبو حفص العكبري شيخ القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمائة.
2- أبو حامد بن كوتاه الجوباري قال السيوطي في التدريب1: "وصنف فيه -أي معرفة أسباب الحديث- أبو حفص العكبري، وأبو حامد بن كوتاه الجوباري قال الذهبي: ولم يسبق إلى ذلك"، والظاهر أن مراده بقوله هذا هو كتاب أبي حفص العكبري.
3- ومن المؤلفات النافعة المفيدة الواسعة في هذا العلم "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" وهو للعالم المحدث السيد إبراهيم بن محمد بن كمال الدين الشهير بابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي كان أحد الأعلام المحدثين، والجهابذة المتقنين، ولد عام "1504" أربع--------------------------------------------
1 ص540.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)
وخمسين وألف، تخرج بأبيه وشقيقه السيد عبد الرحمن، وتوسع في الأخذ عن غيرهما، واستكثر من الشيوخ حضورا عليهم واستجازة منهم حتى بلغت مشيخته ثمانين1، وكانت وفاته سنة عشرين ومائة بعد الألف2، في صفر قافلا من الحج بمنزلة تسمى "ذات الحج" وبها دفن رحمه الله.
قال في مقدمته: "أما بعد: فإن أربح الأعمال أجرا، وأبقاها ذكرا، وأعظمها فخرا، وأضوعها في عالم الملكوت فنا ونشرا، كسب العلوم النافعة في الدنيا والآخرة لا سيما علوم الحديث المصطفوية، الكاشفة النقاب عن جمال وجوه مجملات آيات الكتاب، وإن من أجل أنواع علوم الحديث معرفة الأسباب، وقد ألف فيها أبو حفص العكبري كتابا وذكر الحافظ ابن حجر أنه وقف منه على انتخاب، ولما لم أظفر في عصرنا بمؤلف مفرد في هذا الباب غير أوائل تأليف شرع فيه الحافظ السيوطي ورتبه على الأبواب، فذكر فيه نحو مائة حديث، واخترمته المنية قبل إتمام الكتاب، سنح لي أن أجمع في ذلك كتابا تقر به عيون الطلاب، فرتبته على الحروف والسنن المعروف، وأضفت له تتمات تمس الحاجة إليها، وتحقيقات يعول عليها، وسميته "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" وجعلته خدمة لحضرة الحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم، ووسيلة لشفاعته يوم الحسرة والندم ومن الله سبحانه أستمد العون والتوفيق"3، وقد طبع هذا الكتاب غير مرة4 وكنا نود لو أن السيوطي أكمل ما شرع فيه؛ لأنه رحمه الله إذا ألف استوعب كل ما قيل قبله، وأتى بخلاصته، وزاد عليه ما منَّ الله به عليه.--------------------------------------------
1 البيان والتعريف ج1 ص29 ط دار التراث العربي.
2 المرجع السابق ص30.
3 المرجع السابق ص31، 32.
4 طبع في حلب في جزأين كبيرين سنة 1329، وطبع في مصر بتحقيق ابننا الفاضل الدكتور الحسين عبد الحميد هاشم وفقه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 477)
"علم المصحف والمحرف":
تعريفه:
التصحيف في اللغة الخطأ في قراءة الصحيفة، والصحفي -بفتح الصاد والحاء المهملتين- من يخطئ في قراءة الصحيفة، والصحيفة الكتاب.
قال في "القاموس المحيط": "والصحيفة الكتاب ج -أي جمعه- صحائف وصحف ككتب نادرة لأن فعيلة لا تجمع على فعل … والصحفي محركة من يخطئ في قراءة الصحيفة وبضمتين لحن، والمصحف مثلثة الميم -يعني بالفتح، والضم والكسر- من أصحف بالضم أي جعلت فيه الصحف، والتصحيف: الخطأ في الصحيفة وقد تصحف عليه"1.
فمن ثم نرى أن التصحيف هو الخطأ في قراءة الصحيفة أي الكتاب سواء أكان الخطأ بتغير بالنقط أو بالشكل.
وفي اصطلاح علماء الحديث: تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرهما كما قال السخاوي في شرح ألفية العراقي2.
وعرفه الإمام الحافظ ابن حجر: بأنه تغيير حرف، أو حروف مع بقاء صورة الخط في السياق3.
وقد كان معظم المؤلفين في المصحف في الحديث لا يفرقون بين ما إذا كان التصحيف بتغيير النقط أو بالشكل فالكل عندهم تصحيف.
وأول من فرق بينهما فيما أعلم الإمام الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها حيث قال:--------------------------------------------
1 القاموس المحيط مادة "صحف" ج3 ص160، 161.
2 شرح ألفية العراقي للسخاوي ج3 ص67.
3 النخبة بشرحها وحاشية على القاري عليها ص143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 478)
فإن كان ذلك أي التغيير بالنسبة إلى النقط فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل أي الحركات والسكنات من شكلت الكتاب قيدته بالإعراب فالمحرف، وهي تفرقة تدل على الدقة كما هو العهد به رحمه الله ونشر ذكره.
وما يهون من أمر الاختلاف أنه اصطلاح، ولا مشاحة -كما يقول علماؤنا- في الاصطلاح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
"منشأ التصحيف":
والتصحيف بمعناه اللغوي والاصطلاحي يشعر إشعارا قويا بمنشأ الغلط، وهو الاعتماد في تلقي العلم على الصحف، وهي بدعة كانت بعد القرون الأولى الفاضلة التي كان الاعتماد فيها على التلقي الشفاهي من العلماء، وما كانت الكتب والصحف إلا لتأكيد المسموع خشية السهو أو النسيان.
ولم يكن التلقي من أفواه العلماء أمرا خاصا بالمحدثين، بل كانت هذه السمة الغالبة في أخذ العلوم الإسلامية في العصور الأولى حتى كتب اللغة، والأدب، والشعر كانت تتلقى هكذا، وتنقل برواية الخلف عن السلف، وإن كانت الرواية عند هؤلاء لم تبلغ مبلغها عند المحدثين، والأمر ظاهر؛ لأن اللغة، والأدب، والشعر، ونحوها لم تكن مصادر. لاستنباط الأحكام من الحلال والحرام، وإنما كان مصدر ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية.
وتلقي العلوم الإسلامية كلها عن طريق السماع من الشيوخ، ونقلها عن طريق الرواية من الخصائص التي امتاز بها المسلمون عن غيرهم مبلغ علمي فليعِ هذه الحقيقة شبابنا وطلاب العلم في البلاد الإسلامية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 479)
مقالة جيدة للحافظ ابن كثير الدمشقي
…
"النادر من التصحيف معفو عنه والإكثار منه مذموم ومعيب":
والإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة فأمره مبني على السهو والنسيان، وفي بعض الأحيان تعتري العالم غفلة فيقع في بعض الأخطاء غير المقصودة، فإذا فكر في ذلك فيما بعد عجب كيف يحدث هذا منه؟! ثم لا يلبث أن يقر على نفسه بالغفلة والسهو.
فبعض العلماء الكبار قد يقع منه ذلك، ولكن على ندرة جدا لا تخل بحفظه وضبطه، ورحم الله تبارك وتعالى الإمام أحمد حيث قال: "ومن يعري عن الخطأ والتصحيف"1، وما ورد عن بعض الأئمة الكبار من تصحيف نادر يحمل على ذلك، والعصمة لله ولرسوله، وقد التمس الإمام أبو عمرو بن الصلاح ما وقع من ذلك من الكبار أعذارا، ولكن لم ينقلها--------------------------------------------
1 تدريب الراوي ص384، شرح ألفية العراقي للسخاوي ج3 ص68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 481)
ناقلوها فقال: "وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر لهم فيه أعذار لم ينقلها ناقلوها"1.
وليس من شك في أن الإكثار من التصحيف يخل بالحفظ والضبط ويجعل صاحبه ملوما والمشتهر به بين النقاد مذموما، وهو يحصل غالبا لمن أخذ الحديث من بطون الدفاتر والصحف، ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك.--------------------------------------------
1 فتح المغيث للسخاوي ج3 ص73.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
"ذكر العلماء المثل للتصحيف للتصويب والتحذير لا للتشهير":
وما ينبغي أن يعلم أن العلماء الذين ذكروا التصحيف والمصحفين لم يقصدوا التشهير بهم، وإنما قصدوا التحذير منه، وأن يحذر الطالب للحديث أن يقع فيما وقعوا فيه. قال الإمام السخاوي في شرح ألفية العراقي ما نصه:
"وكذلك صنف فيه الخطابي، وابن الجوزي لا لمجرد الطعن بذلك من أحد منهم في واحد ممن صحف، ولا الوضع منه وإن كان المكثر منه ملوما، والمشتهر به بين النقاد مذموما بل إيثارا لبيان الصواب، وإشهارا له بين الطلاب".
ولهذا لما ذكر الخطيب في "جامعه": إنه عيب جماعة من الطلاب بتصحيفهم في الأسانيد والمتون، دون عنهم ما صحفوه قال: وأنا أذكر بعض ذلك ليكون داعيا لمن وقف عليه إلى التحفظ من مثله إن شاء الله. لا سيما وينبغي لقارئ الحديث أن يتفكر فيما يقرؤه حتى يسلم منه.
وقول العسكري: إنه قد عيب التصحيف جماعة من العلماء، وفضح به كثير من الأدباء، وسموا الصحفية، ونهي العلماء عن الحمل عنهم محمول على المتكرر منه ذلك، وإلا فما يسلم من زلة وخطأ إلا من عصمه الله، والسعيد من عدت غلطاته"1.--------------------------------------------
1 المرجع السابق ص68.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 482)
"التصحيف في حديث لا يخل بصحته وحسنه":
والتصحيف في حديث ما لا يخل بكون أصله صحيحا أو حسنا؛ لأنه ما من حديث وقع فيه التصحيف إلا وقد ورد عن غير هذا المصحف على الصواب، فمثلا حديث: "من صام رمضان وأتبعه شيئا من شوال" ، قد استفاض في كتب الصحاح وغيرها بلفظ: "وأتبعه ستا من شوال".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)
"أقسام التصحيف":
تقسيم أول:
ينقسم التصحيف في الحديث من حيث السند والمتن إلى قسمين:
"الأول": التصحيف في الإسناد:
ومن أمثلته: العوام -فتح العين المهملة، وفتح الواو المشددة الممدودة، آخره ميم- ابن مراجم -بضم الميم، وفتح الراء الممدودة وكسر الجيم، آخره ميم- صحفه يحيى بن معين فقال: ابن مزاحم -بالزاي والحاء المهملة.
وعتبة بن الندر -بضم النون، وفتح الدال المهملة المشددة، آخره راء مهملة- صحفه ابن جرير الطبري فقال: ابن البذر -بالباء الموحدة المضمومة، والذال المعجمة المفتوحة آخره راء.
الثاني: التصحيف في المتن:
ومن أمثلته: حديث زيد بن ثابت: "إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد" واحتجر بالراء في آخره أي اتخذ حجرة من حصير في المسجد ليصلي فيها النوافل صحفه عبد الله بن لهيعة -بفتح اللام وكسر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 483)