الهاء- فقال: احتجم بالميم في آخره".
ومنها: حديث: "من صام رمضان وأتبعه ستا -بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق- من شوال فكأنما صام الدهر كله" 1.
صحفه الصولي فقال بدل "ستا" شيئا -بفتح الشين وسكون الياء، آخره همزة.
ومنها: حديث أبي ذر: "تعين صانعا" بالصاد المهملة، والنون المكسورة. صحفه هشام بن عروة فقال: "ضايعا" بالضاد المعجمة، والياء التحتانية المثناة.
ومنها: حديث معاوية: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يشققون الخطب -بالخاء المعجمة- تشقيق الشعر -بكسر الشين، وسكون العين المهملة.
صحفه وكيع فقال: الذين يشققون الحطب -بفتح الحاء المهملة، وفتح الطاء المهملة- تشقيق الشعر -بفتح الشين والعين المهملة- فوضع "الحطب" مكان "الخطب" و"الشَّعر" مكان "الشِّعر" والحطب عيدان الشجر2.
ويحكى أن ابن شاهين صحفه كذلك أيضا بجامع المنصور فقال بعض الملاحين: يا قوم كيد نعمل والحاجة ماسة يشير إلى أن ذلك -أي تشقيق الحطب من حرفته، وليست هذه اللفظة في "النهاية" لابن الأثير الحزري، قال السخاوي: والحديث في مسند أحمد، والمعجم الكبير للطبراني، والجامع للخطيب وغيرهم من حديث جابر الجعفي عن عمرو بن يحيى القرشي عن معاوية بن أبي سفيان به.--------------------------------------------
1 الحديث رواه الشيخان على الصحة.
2 فتح المغيث ج3 ص68، والتدريب ص385.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 484)
ومنها: ما جاء في الحديث: "أو شاة تيعر" بفتح التاء وسكون الياء المثناة وفتح العين وهو صوت الشاة.
صحفه أبو موسى محمد بن المثنى بالنون بدل الياء فقال: "تنعر" ومحمد بن موسى هذا هو العنزي يلقب بالزمن، وقد روي عنه أصحاب الكتب الستة، وهو يدل على أن التصحيفة الواحدة، أو الثنتان لا تخل بضبط الراوي وحفظه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
"تقسيم ثان له":
وينقسم التصحيف من حيث السمع والبصر إلى قسمين:
"الأول": تصحيف بصر، وهو الأكثر وكل ما ذكرنا من أمثلة يصلح أن يكون مثالا له.
"الثاني": تصحيف سمع وهو قليل، وذلك بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر.
ومثاله: حديث عن عاصم الأحول، رواه بعضهم فقال: واصل الأحدب قال ابن الصلاح في "علوم الحديث": فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر كأنه ذهب -والله أعلم- إلى أنه ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابة وإنما أخطأ فيه سمع من رواه.
ومن أمثلته: حديث عن خالد بن علقمة، رواه شعبة فقال مالك بن عرفطة1 قال العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:
"وهذا المثال فيه نظر كثير عندي فإن خالد بن علقمة الهمذاني الوادعي يروي عن عبد خير، عن علي في الوضوء، وروى عنه أبو حنيفة، والصوري، وشريك وغيرهم، وروى شعبة الحديث نفسه عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي فذهب النقاد إلى أنه أخطأ فيه--------------------------------------------
1 تدريب الراوي ص380، فتح المغيث ج3 ص72.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 485)
وأن صوابه: خالد بن علقمة.
قال: وقد يكون هذا، أي أن شعبة أخطأ، ولكن كيف يكون تصحيف سماع، وهذا الشيخ شيخ لشعبة نفسه؟! فهل سمع اسم شيخه عن غير الشيخ؟! ما أظن ذلك فإن الراوي يسمع من الشيخ بعد أن يكون عرف اسمه، وقد ينسى فيخطئ فيه. قال: والذي يظهر لي أنهما شيخان روى شعبة عن أحدهما، وروى غيره عن الآخر والإسنادان في المسند بتحقيقنا "رقم 928، 989" وقد فصلنا القول في ذلك في شرحنا على الترمذي "ج1 ص67-70"1.--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث ص172، 173.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
"تقسيم ثالث له":
وينقسم من حيث اللفظ والمعنى إلى قسمين:
"الأول": تصحيف في اللفظ، وهو الأكثر وأمثلته كثيرة فيما سبق.
"الثاني": تصحيف في المعنى ولذلك أمثله:
منها: ما روي عن محمد بن المثني العنزي الملقب بالزمن أنه قال: "نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
يريد ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عنزة -بفتح العين والنون، والزاي- والعنزة: هي الحربة التي كانت تنصب بين يديه لتكون بمثابة السترة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم المشهورة.
والذي يترجح عندي -والله أعلم- أن الرجل قال ذلك على سبيل الفكاهة والتندر فسمعه بعضهم فحملها محمل الجد، وإني لأستبعد غاية البعد أن إمامًا محدثًا يعتبر شيخًا لأصحاب الكتب الستة يخطئ في هذا الخطأ ويقع في هذا الوهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 486)
ومن ذلك أيضا ما قاله الإمام السيوطي في "التدريب"1 قال: "وأعجب من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى شاة، صحفها عنزة -بسكون النون- ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين.
ومن ذلك أيضا: ما نقل عن بعض شيوخ الإمام الخطابي في الحديث فيما حكاه عنه، وأنه لما روى حديث: "النهي عن التحليق يوم الجمعة قبل الصلاة".
قال: منذ أربعين سنة ما حلقت رأسي قبل الصلاة، فهم منه حلق الرءوس، وإنما المراد هو تحليق الناس حلقا يوم الجمعة قبل الصلاة.
ومنها: ما روي أن بعضهم لما سمع خطيبا يروي حديث: "لا يدخل الجنة قتات" 2 وبكى وقال: ما الذي أصنع وليست لي حرفة سوى بيع القت، وهو الذي يعلفه الدواب.
إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها المؤلفون في كتبهم في باب التصحيف.--------------------------------------------
1 ص386.
2 قتات أي مغتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 487)
"النتيجة":
والنتيجة التي تخرج من هذا البحث أن الكثرة الكاثرة من المحدثين كان لهم من الحفظ والضبط واليقظة العقلية والذهنية ما ينأى بهم عن التروي والسقوط في هذا الدرك المستكره، وأن من وقع منهم ذلك كثيرا إنما هم أشباه المحدثين الذين كانوا زوامل أسفار يحملون ما لا يفهمون، ويكتبون ما لا يعقلون أما الحفاظ العدول المتقنين فلا، ولا تقل كيف؟ وها هو الإمام وكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، وابن الطبري قد رويت عنهم أوهام في ذلك؛ لأن ما وقع من كل واحد من هؤلاء لا يتجاوز واحدة لا ثاني لها وصدق القائل: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.
وأن المحدثين بلغوا من الصراحة والأصالة في النقد أنهم لا يرحمون من وقع في وهم مهما كانت منزلته في العلم، ولا يعرفون المداجاة، والمداراة في النقد مهما بلغت منزلة هذا المنقود ترون لو أنهم لم يذكروا شيئا من ذلك فهل كان أحد سيدرك ذلك؟! أو يقف عليه؟! لا والله.
قد رويت عنهم أوهام في ذلك؛ لأن ما وقع من كل واحد من هؤلاء لا يتجاوز واحدة لا ثاني لها وصدق القائل: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.
وأن المحدثين بلغوا من الصراحة والأصالة في النقد أنهم لا يرحمون من وقع في وهم مهما كانت منزلته في العلم، ولا يعرفون المداجاة، والمداراة في النقد مهما بلغت منزلة هذا المنقود ترون لو أنهم لم يذكروا شيئا من ذلك فهل كان أحد سيدرك ذلك؟! أو يقف عليه؟! لا والله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
المؤلفات في الصفحات
…
"المؤلفات في المصحفات":
هذا الفن من فنون الحديث فن جليل مهم، وإنما ينهض بأعبائه من الحفاظ الحذاق وإليك أشهر هذه الكتب:
1- أول من صنف في ذلك على ما نعلم الإمام الحافظ أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري المتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة "382". كما ذكر ذلك تلميذه أبو نعيم في تاريخ أصبهان "ج1 ص272" قال السخاوي: "ولهذا الإمام في التصحيف ثلاثة كتب: أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتابا يتعلق بأهل الأدب، وهو ما يقع فيه التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر، وأسماء الشعراء أو الفرسان، وأخبار العرب وأيامها ووقائعها وأماكنها وأنسابها.
ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط، بل ذكر فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب يضحك منه1.--------------------------------------------
1 فتح المغيث ج3 ص67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 488)
قال الشيخ أحمد شاكر: "وهذا الكتاب -يعني: "التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه"- موجود في دار الكتب المصرية في نسخة مكتوبة سنة 621، وأوراقها 156 ورقة وقد طبع نصفه بمصر في سنة 1326هـ طبعا غير جيد وليتنا نوفق إلى إعادة طبعه كله طبعا جيدا متقنا، وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة"1.
وقد ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب أنه "طبع أخيرا طبعة جيدة سنة 1963م، وأما كتابه "تصحيفات المحدثين" الذي استخلصه من كتابه الكبير: "التصحيف والتحريف" فإنه لا يزال مخطوطا، وتوجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت الرقم "2 س مصطلح""2.
2- "إصلاح خطأ المحدثين" للإمام حمد -بسكون الميم- بن سليمان بن خطاب المعروف بالخطابي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
3- ومن أوفى الكتب وأجمعها في باب التصحيف والتحريف كتاب الإمام أبي الحسن الدارقطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
والثلاثة متعاصرون لتقارب زمن وفاتهم، ولا ندري أي هذه الكتب أوسع وأحفل ولكن الظاهر أن كتاب الدارقطني هو أوسعها والله أعلم.--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث بالتعليق عليه للشيخ شاكر ص171 في الهامش.
2 الموجز في علوم الحديث ص349 في الهامش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 489)
"معرفة الصحابة رضوان الله عليهم":
"من هو الصحابي"؟ :
تعريف الصحبة:
الصحبة لغة: قال في المصباح المنير: "صحبته فأنا صاحب، والجمع صحب، وأصحاب، وصحابة. قال الأزهري: ومن قال: صاحب وصحبة فهو مثل فاره وفرهة والأصل في هذا الإطلاق لمن حصل له رؤية ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين … والصاحبة تأنيث للصاحب وجمعها صواحب".
وقال صاحب القاموس: "صحبه كسمعه صحابة ويكسر وصحبة عاشره، وهم أصحاب، وأصاحيب، وصحبان، وصحاب، وصَحابة وصحابة وصحب، واستصحبه: دعاء إلى الصحبة"، ومن ثم نرى أن الصحبة بمعنى العشرة والرؤية والمجالسة طالت أم قصرت.
أما في اصطلاح المحدثين فالصحابي -في تعريف بعض العلماء- كل مسلم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نحو ذلك الإمام البخاري حيث قال في صحيحه "ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه".
وقد انتقد هذا التعريف بأنه يقتضي أن لا يدخل في الصحابة من لم ير النبي لعارض كالعمى مثل ابن أم مكتوم، وهو صحابي بالإجماع، وكذلك يقتضي أن من رأى النبي مؤمنا به ثم ارتد، ولم يعد إلى الإسلام يكون صحابيا مع أن هذا لم يقل به أحد قط ولذلك كان هذا التعريف غير جامع ولا مانع وهما شرطان في التعريف الصحيح، فهذا التعريف في حاجة إلى التحرير والتدقيق.
تعريف المحققين من المحدثين: الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك، وهو ما ذهب إليه الحافظان العراقي وابن حجر ووافقهم بعض الأصوليين فيدخل في التعريف من طالت صحبته أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 490)
رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالأكفاء، والمراد باللقاء في حال الحياة فأما من رآه بعد موته قبل الدفن فلا صحبة له كما وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر، فقد أسلم في حياة النبي ولم يره فقدم المدينة يوم توفي رسول الله فإذا الناس لهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج بالإحرام فقال: مه؟ -يعني: ما الخبر؟ - فقالوا: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب إلى بيت رسول الله، فإذا هو مسجى على سريره قبل غسله، وأهله يحيطون به، فسأل عن الصحابة، فقيل له: في سقيفة بني ساعدة، فذهب إليهم وحضر مجتمع السقيفة، وإذا كان بعض المؤلفين في الصحابة ذكروا أبا ذؤيب وأمثاله في كتبهم فلقرب منزلتهم منهم للتنبيه عليهم، وإلا فهم ليسوا بصحابة باتفاق1، ويدخل في التعريف كل مكلف من الجن والإنس أما الملائكة فلا يدخلون، لأنهم غير مكلفين ويخرج عن التعريف من رآه كافرا ثم أسلم بعد كرسول هرقل فلا صحبة له، وكذلك من آمن به ثم ارتد ومات كافرا كعبد الله بن خطل، وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة ونحوهم، فلا شك أن هؤلاء لا يطلق عليهم اسم الصحبة.
وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام في حياته صلى الله عليه وسلم، ولقيه فالصحبة عائدة إليهم بالإجماع كعبد الله بن أبي سرح، وأما من ارتد منهم في حياته صلى الله عليه وسلم أو بعد موته ثم عاد إلى الإسلام بعد موته كالأشعث بن قيس2، وقرة بن هبيرة3، ففي عودة الصحبة إليه خلاف.--------------------------------------------
1 الإصابة في تاريخ الصحابة ج1 ص6.
2 قدم على النبي في سبعين راكبا من كندة وكان من ملوكها، سنة عشر، ثم ارتد فأتي به إلى الصديق أسيرا فأطلقه فأسلم وحسن إسلامه وزوجه أخته أم فروة، وقد حضر القادسية واليرموك ومات قبل وفاة سيدنا علي بقليل وقيل بعده بسنتين.
3 قرة بن هبيرة كان ممن أسلم ثم ارتد فأسره خالد بن الوليد وأرسله إلى الصديق فاعتذر عن ارتداده بخوفه على ولده وماله من مسيلمة، وأنه كان مؤمنا باطنا، فأطلقه الصديق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 491)
قيل: لا تعود وهو مذهب من يقول من الأئمة: إن الردة تحبط العمل وإن لم تتصل بالموت، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وفي عبارة الشافعي في الأم ما يدل عليه، وقيل: تعود وهو مذهب من يرى أن الردة محبطة للعمل بشرط اتصالها بالموت، وقد حكاه الرافعي عن الشافعي، وهو مذهب الإمام مالك والراجح هو الثاني، وليس أدل على هذا من أن الأشعث بن قيس لم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة، ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد والصحاح وغيرها1.
قال الإمام العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح: "ووراء ذلك أمور في اشتراط أمور أخر من التمييز أو البلوغ في الرائي، واشتراط كون الرؤية بعد النبوة أو أعم من ذلك، واشتراط كونه صلى الله عليه وسلم حيا حتى يخرج من رآه بعد موته وقبل الدفن، واشتراط كون الرؤية له في عالم الشهادة دون عالم الغيب"، وقد ذكر هذا الإمام فصلا طويلا نفيسا في بيان ذلك، وإليك خلاصة ما قال مع بعض الزيادة.
فأما التمييز فظاهر كلامهم اشتراطه كما هو موجود في كلام يحيى بن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البر، وغيرهم، فإنهم لم يثبتوا الصحبة لأطفال جيء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحنكهم ومسح على وجوهم أو تفل في أفواههم كعبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الله بن معمر، وعبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله وأمثالهم، فأما عبد الرحمن بن عثمان فقال أبو حاتم: كان صغيرا له رؤية وليست له صحبة؛ وأما عبد الله بن معمر فقال ابن عبد البر ذكر بعضهم أن له صحبة وهو غلط بل له رؤية وهو غلام صغير، وأما عبد الله بن أبي طلحة فهو أخو أنس لأمه أتي به النبي فحنكه كما ثبت في الصحيح. قال العلائي: لا تعرف له رؤية بل هو تابعي وحديثه مرسل،--------------------------------------------
1 شرح نخبة الفكر ص48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 492)
وأما محمد بن طلحة فهو الملقب بالسجاد أتى به أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه وسماه محمد، قال العلائي: ولم يذكر أحد فيما وقفت عليه له رؤية بل تابعي، وإذا كان بعض المؤلفين ذكروا أحدا من هؤلاء في كتبهم، فعلى سبيل الإلحاق لهم بالصحابة لغلبة الظن على أنه صلى الله عليه وسلم رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم، ففي صحيح مسلم عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم" وقد ذكرت طرفا من ذلك آنفا.
وأما اشتراط البلوغ في حالة الرؤية فالصحيح أنه ليس شرطا في حد الصحابي، وإلا لخرج به من أجمع العلماء على عدهم في الصحابة كعبد الله بن الزبير والحسن والحسين رضي الله عنهم.
وأما كون المعتبر في الرؤية وقوعها بعد النبوة، فلم أر من تعرض لذلك إلا أن ابن منده ذكر في الصحابة زيد بن عمرو بن نفيل، وإنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ومات قبلها، وقد روى النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه يبعث أمة واحدة" ، أقول: ولا يلزم من نجاته أن يكون صحابيا؛ لأنه من الموحدين ومن أهل الفترة، وقد جزم الحافظ ابن حجر بعدم دخوله في الصحبة في مقدمة الإصابة، وقد استدل العراقي لاعتبارهم الرؤية بعد النبوة بأن أكثر المؤلفين في الصحابة ذكروا فيهم ولده إبراهيم عليه السلام دون من مات قبلها كالقاسم وأخويه الطاهر وعبد الله، وأما ورقة بن نوفل فقد توقف فيه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة حيث قال: "لكن هل يخرج من لقبه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة؟ فيه نظر". ومع هذا فقد ذكره في القسم الأول من الصحابة، وكذا ذكره غيره في الصحابة.
وأما كون الرؤية في عالم الشهادة فالظاهر اشتراطه حتى لا يطلق اسم الصحبة على الأنبياء الذين رأوا النبي ورآهم ليلة الإسراء والمعراج
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 493)
قال: وفي المسألة تفصيل؛ فأما من رآه من الذين ماتوا منهم كإبراهيم، ويوسف، وموسى، وهارون، ويحيى، فلا شك أنهم لا يطلق عليهم اسم الصحبة لكون رؤيتهم له بعد الموت، وأيضا فمقاماتهم أجل وأعظم من رتبة أكبر الصحابة وأما من هو حي إلى الآن كعيسى عليه السلام، فإنه سينزل في آخر الزمان ويراه خلق كثير، فهل يوصف من رآه بأنه من التابعين لكونه رأى من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو المراد من لقيه من أمته الذين أرسل إليهم حتى لا يدخل فيهم عيسى، والخضر، وإلياس على قول من يقول بحياتهما من الأئمة؟ هذا محل نظر ولم أر من تعرض لذلك من أهل الحديث، والظاهر أن من رآه منهم في الأرض وهو حي له حكم الصحبة فإن كان الخضر أو إلياس حيا أو كان قد رأى عيسى في الأرض فالظاهر إطلاق اسم الصحبة عليهم، فأما رؤية عيسى له في السماء، فقد يقال السماء ليست محلا للتكليف، ولا لثبوت الأحكام الجارية على المكلفين، فلا يثبت بذلك اسم الصحبة لمن رآه فيها، وقد ثبتت رؤيته لعيسى في الأرض كما في صحيح مسلم، والظاهر أنه رآه ببيت المقدس لما لقيه الأنبياء به واختلفوا به، وإذا كان كذلك فلا مانع من إطلاق الصحبة عليه؛ لأنه حين ينزل يكون مقتديا بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم لا بشريعته المتقدمة، روى أحمد في مسنده من حديث جابر مرفوعا: "لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" 1.
"فائدة": هذا الذي ذكرناه من تعريف الصحابي على ما ذكره المحققون من المحدثين قد وافقهم عليه كثير من الأصوليين وهو الذي صححه الآمدي واختاره ابن الحاجب2، وإذا كنا رجحنا هذا التعريف فليس معنى هذا أن الصحابة جميعا سواء في المنزلة والرتبة وأن--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي من ص252-255.
2 المصدر السابق ص256.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 494)
الأعراب الذين رأوه رؤية كمن عاشره ولازمه وغزا معه وجاهد وتحمل في سبيل الإسلام ما تحمل قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "لا خفاء في رجحان رتبة من لازمة صلى الله عليه وسلم أو قاتل معه، أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه ولم يحضر معه مشهدا أو على من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا أو رآه على بعد أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع، ومن ليس له منهم سماع منه بحديثه مرسل من حيث الرواية، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من شرف الرؤية"1.
تعريف بعض الأصوليين: الصحابي من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه وقالوا: إن الصحابي لغة هو من كان كذلك، وقد انتقد ما قالوه من احتجاجهم باللغة بأنه مردود، فقد وقع في كلام القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني إجماع أهل اللغة على خلافه، وأن الصحبة لغة تطلق على من صحب غيره قليلا كان أم كثيرا، ثم قال: ومع ذلك فقد تقرر في العرف أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن كثرت صحبته واستمر لقاؤه نقل ذلك عنه الخطيب البغدادي في "كفايته"، ولكن العرف شيء واللغة شيء آخر.
تعريف سعيد بن المسيب: نقل عنه أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين، وهو قريب من قول الأصوليين ووجه قوله بأن لصحبته صلى الله عليه وسلم شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة المتمثلة على الفضول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.
انتقاد هذا القول: قال ابن الصلاح وتبعه النووي: إن صح عنه--------------------------------------------
1 شرح النخبة ص47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 495)
فضعيف من جهة معناه كان مقتضاه أن لا يعد جرير بن عبد الله البجلي1، وأمثاله كوائل بن حجر صحابة، ولا خلاف بين العلماء أنهم صحابة؛ ولكن الإمام العراقي قال: إن نقل هذا المذهب عنه غير صحيح؛ لأن في الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث.
ولعل مما يشهد لما قاله بعض الأصوليين، ونقل عن ابن المسيب ما رواه محمد بن سعيد بسند جيد في كتابه "الطبقات" عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني2، وأثنى عليه خيرًا قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "قد بقي قوم من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فأنا آخر من بقي"، وقد رواه الإمام مسلم بحضرة أبي زرعة، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه أراد صحبة خاصة، ولا ينفي هذا ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إثبات الصحبة.
وهناك أقوال أخرى غير معتد بها، منها ما قاله الجاحظ: إن الصحابي من طالت صحبته للنبي وروى عنه، ومنها أنه من رآه بالغًا حكاه الواقدي، ومنها أنه من أدرك زمنه وإن لم يره، وشرط الماوردي في الصحابي أن يتخصص بالرسول ويتخصص به الرسول3.
والصحيح ما قدمناه عن محققي المحدثين، وهو الذي يشهد له صنيع جمهور المؤلفين في الصحابة، وذلك لشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلالة قدره، وقوة تأثيره في نفس من يراه من المسلمين، فكأنه إذا رأى مسلمًا أو رآه--------------------------------------------
1 الصحيح أن جرير البجلي أسلم في رمضان سنة عشرة من الهجرة، أما ما روي أنه أسلم في أول البعثة، أو أنه أسلم قبل وفاة النبي بأربعين يومًا فغير صحيح.
2 قال العراقي: وقع في مقدمة ابن الصلاح "السبلاني" بفتح السين المهملة وفتح الباء الموحدة، والمعروف أنه بسكون الياء المثناة من تحت هكذا ضبطه السمعاني في الأنساب.
3 التدريب ص204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 496)
مسلم لحظة طبع قلبه على الإيمان، وجوارحه على الاستقامة على الدين؛ لأنه بإسلامه متهيئ للقبول والتأثر، فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه، فظهر أثره على قلبه بقوة الإيمان، وعلى جوارحه بالاستقامة والعمل الصالح، والأخلاق الكريمة، وقد كان يأتيه الكافر، فينظر إليه فإذا به يصير مؤمنا صادقا، فما بالك بالمسلم؟ ويشهد لهذا الرأي الراجح الحديث المروي في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام 1 من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم".--------------------------------------------
1 جماعة وهو بكسر الفاء وهمزة على الياء وحكى فيه ترك الهمزة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
"بم تعرف الصحبة؟ ":
تعرف الصحبة بأمور:
1- بالتواتر: كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم وسواء أكان ذلك بالقرآن على سبيل التنصيص على الصحبة كالصديق أبي بكر رضي الله عنه فقد أجمع المفسرون على أنه المراد بالصاحب في قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ، أو ذكر اسمه كزيد بن حارثة في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} ، أو بالسنة المتواترة.
2- أو بالاستفاضة والشهرة كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن وسلمة بن الأكوع وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 497)
3- أو يقول صحابي عنه أنه صحابي كحممة بن أبي حممة الدوسي، الذي مات مبطونا بأصبهان زمن سيدنا عمر، فشهد له أو موسى الأشعري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكم له بالشهادة. ذكره أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" ورويت قصته في مسند الطيالسي ومعجم الطبراني.
4- أو بإخبار بعض ثقات التابعين عنه بأنه صحابي وهذا بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح.
5- أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي، وذلك بشرط أن يكون معروف العدالة وبشرط أن يكون ادعاؤه لذلك قبل مضي مائة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم فإن ادعاها بعد المائة، فلا تقبل دعواه ويكون كاذبا وذلك كجماعة ادعوا الصحبة بعد المائة كأبي الدنيا الأشج، ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي، فقد أجمع أهل الحديث على كذبهم، وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". الحديث1، وفيه: "يريد بذلك انخرام ذلك القرن"، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" ، وهذه الرواية المقيدة باليوم يحمل عليها ما ورد في بعض طرق حديث جابر عند مسلم أيضا: "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة".
وبهذه المناسبة أنبه إلى أن بعض المستشرقين وتابعهم بعض الكتاب المعاصرين2 زعموا أن الحديث يدل على قيام الساعة، والساعة لم تقم--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في الليل.
2 فجر الإسلام ص266 للأستاذ أحمد أمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 498)
بعد مائة سنة من مقالته، وقالوا: إن الحديث غير صحيح لمخالفته للواقع والمشاهدة! ولو أنهم عقلوا وتأملوا لعلموا أن المراد انخرام ذلك القرن أي انتهاء أهله كما بينته رواية البخاري، بل جاء في روايته أيضا أن بعض الناس وهموا وظنوا أن المراد قيام الساعة، ثم تبين لهم أن المراد انتهاء الجيل، والساعة كما نطلق على الساعة الكبرى تطلق على الساعة الخاصة كساعة الأمم أو الأجيال، فرد الحديث بناء على وهم وخطأ في الفهم ليس من قواعد البحث العلمي الصحيح في شيء.
وكلام الأصوليين أيضا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت الصحبة بادعائه أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي. قال الآمدي في الإحكام: "فلو قال من عاصره: أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، وحكاهما ابن الحاجب احتمالين من غير ترجيح. قال: ويحتمل أن لا يصدق لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه"1.--------------------------------------------
1 شرح مقدمة ابن الصلاح ص261.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 499)