البعض أول من أسلم، وحق له ذلك قال ابن الصلاح، وتبعه النووي، والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال، ويحكى هذا التوفيق بين الروايات عن الإمام أبي حنيفة، وهو توفيق حسن.
وهناك أقوال أخرى غير مشهورة منها: إن أول من أسلم خالد بن سعيد ابن العاصي، وهو قول ضعيف، ومنها: إن أول من أسلم خباب بن الأرت، ومنها: أولهم بلال، ومنها: أولهم عبد الرحمن بن عوف. والذي يظهر لي في كثرة هذه الآراء والأقوال المتغايرة أن كلا أخبر بما علم، وقد يكون عند أحدهم من العلم ما ليس عند الآخر، وقد يقول أحدهم قولا ثم يظهر له خلافه، فيرجع عنه إلى غيره، ولا ينقل عنه الرجوع، وأن اللغة العربية باب التجوز فيها واسع، فقد يقول قائل: فلان أول الناس إسلاما مثلا ويريد أنه من أولهم، أو أنه بالنسبة لمن تأخر عنه، فكن على ذكر من هذا إذا عرض لك ما يشبه هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
"آخر الصحابة موتا":
كما عني المحدثون بالصحابة من حيث بيان صحبتهم وعدالتهم وطبقاتهم وتفاوتهم في الفضل والمنزلة، وأولهم إسلاما، وتواريخهم وسيرهم، عنوا بهم من حيث بيان وفياتهم ومتى ماتوا؟ وأين ماتوا؟ وقد تبين لهم بعد الاستقراء والتتبع أنه لم يتأخر أحد منهم عن مائة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم مصداقا للحديث الصحيح المتفق عليه الذي ذكرناه في بحث ثبوت الصحبة فيما سبق، وستجد اختلافا كبيرا فيما ذكروه في سنوات وأماكن وفياتهم سواء أكان ذلك في الآخرية المطلقة أو في الآخرية المقيدة بالأقطار والأمصار، والبلدان، فلا يهولنك كثرة الاختلاف في هذا؛ لأن الضبط الدقيق في مثل هذا متعذر، ولأن كل واحد حدث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
بما علم على حسب ما رأى أو سمع، وقد يرى أحدهما ما لا يرى الآخر، أو يسمع ما لم يسمع الآخر، وقد يكون منشأ هذا الاختلاف في الآخرية اختلافهم في موطن وفاته، فمثلا الذي عليه الجمهور أن آخر الصحابة موتا بالمدينة سهل بن سعيد قاله عليّ بن المديني والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، ولكن قتادة يرى أنه توفي بمصر فمن ثم جعل آخرهم وفاة بالمدينة جابر بن عبد الله، وقال أبو بكر بن أبي داود أنه توفي بالأسكندرية ولذلك جعل آخرهم وفاة بالمدينة السائب بن يزيد، وقد مات بالمدينة بلا خلاف أما جابر فيرى ابن أبي داود أنه مات بمكة1، وإن كان المشهور وفاته بالمدينة، وهذا مثل من أمثلة كثيرة يهون عليك كثرة هذا الاختلاف.
وآخر الصحابة موتا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي مات سنة مائة من الهجرة قاله مسلم في صحيحه، ورواه الحاكم في المستدرك عن خليفة بن خياط، وقيل سنة اثنين ومائة، وقيل سبع ومائة، وقيل عشر ومائة، وهو الذي صححه الذهبي، ويؤيد هذا الأخير ما رواه وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: كنت بمكة سنة عشر ومائة فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا: "هذا أبو الطفيل" ويدل على أن أبا الطفيل آخرهم موتا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على وجه الأرض رجل رآه غيري"، وكانت وفاته رضي الله عنه بمكة.
قال الحافظ العراقي: وما حكاه بعض المتأخرين عن ابن دريد من أن عكراش بن ذؤيب تأخر بعد ذلك وأنه عاش بعد الجمل مائة سنة، فهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة، فقد حكى ذلك في كتابه "المعارف"، وهو كثير الغلط، ومع ذلك فالحكاية--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص271.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
بغير إسناد وهي محتملة للتأويل بأنه استكمل المائة بعد الجمل لا أنه بقي بعدها مائة سنة.
وأما قول جرير بن حازم: إن آخرهم موتا سهل بن سعد، فالظاهر أنه أراد بالمدينة وأنه أخذه من قول سهل: "لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وإنما كان خطابه لأهل المدينة.
وأما بالنسبة إلى النواحي والمدن والأقطار فإليك آراءهم في هذا.
آخر الصحابة موتا بالمدينة: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد، وقيل: جابر بن عبد الله، والحق ما قاله العراقي: إن آخرهم موتا بالمدينة محمود بن الربيع الذي عقل من النبي مجة مجها في وجهه، وهو ابن خمس سنين كما رواه البخاري وكانت وفاته سنة تسع وتسعين.
وآخر الصحابة موتا بمكة: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة على الصحيح، وآخرهم موتا بالبصرة: أنس بن مالك مات سنة تسعين، وقيل: إحدى وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتا بالكوفة: عبد الله بن أبي أوفى مات سنة ست وثمانين وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقال ابن المديني: أبو جحيفة. والأول أصح فإنه مات سنة ثلاث وثمانين، وقد اختلف في وفاة عمرو بن حريث فقيل: سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ثمان وتسعين، فإن صح الثاني، فهو آخرهم موتا بها، وابن أبي أوفى آخر من مات من أهل بيعة الرضوان.
وآخرهم موتا بالشام: عبد الله بن بسر المازني، قاله كثيرون، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: ست وتسعين، وهو آخر من مات ممن صلى إلى القبلتين، وقيل: آخرهم أبو أمامة الباهلي، قاله الحسن البصري، وابن عيينة، والصحيح الأول؛ لأن أقصى ما قيل في وفاته: سنة ست وثمانين، وقيل: آخرهم واثلة بن الأسقع، وموته بدمشق وقيل: ببيت المقدس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
وقيل: بحمص سنة خمس وثمانين وقيل: ست.
وآخرهم بالجزيرة: العرس بن عميرة الكندي.
وآخرهم بفلسطين: أبو أبي عبد الله بن أم حرام ربيب عبادة بن الصامت مات ببيت المقدس.
وآخرهم بمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مات سنة خمس وثمانين، وقيل: وسبع، وقيل: وتسع، وكانت وفاته "بسفط القدور" وتعرف الآن "بسفط أبي تراب".
وآخرهم باليمامة الهرماس بن زياد الباهلي سنة اثنتين ومائة أو بعدها.
وآخرهم ببرقة: رويفع بن ثابت الأنصاري وقبره بها، وقيل: غير ذلك مات سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين.
وآخرهم بالبادية: سلمة بن الأكوع، قاله أبو زكريا ابن منده، والصحيح أنه نزل المدينة قبل موته بليال، فمات بها سنة أربع وسبعين، وقيل: أربع وستين.
وآخرهم موتا بخراسان: أبو برزة الأسلمي غزا بخراسان ومات بها سنة أربع وستين.
وآخرهم بسجستان: العداء بن خالد بن هوذة، وآخرهم بأصبهان النابغة الجعدي، وآخرهم بالطائف عبد الله بن عباس وقبره بها مشهور، وآخرهم بسمرقند قثم بن العباس رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين1.
"لطائف وعجائب": منها ما ذكره العلماء في هذا الباب من أنه لا يعرف أب وابنه شهدا بدرا إلا مرثد وأبوه أبو مرثد بن الحصين--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص270-271، والتدريب ص209-211.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
الغنوي وأعجب من هذا ما ذكره السيوطي أن الأخنس السلمي شهد هو وابنه يزيد وابن ابنه معين بدرا مسلمين، وأنه لا يعرف سبعة إخوة شهدوا بدرا مسلمين إلا بنو عفراء: معاذ، ومعوذ، وإياس، وخالد، وعاقل، وعامر، وعوف، ولم يشهدها مؤمن ابن مؤمنين إلا عمار بن ياسر، ومن عجيب ذلك: امرأة لها أربعة إخوة، وعمان شهدوا بدرا: أخوان وعم مع المسلمين وأخوان وعم مع المشركين، وهي أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، أخواها المسلمان: أبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، والعم المسلم معمر بن الحارث، وأخواها المشركان: الوليد بن عتبة، وأبو عزيز، والعم المشرك شبية بن ربيعة، ومن المفاخر ما قاله ابن الصلاح: بنو مقرن المزنيون: سبعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة في هذه المكرمة غيرهم، وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم، والسبعة هم: النعمان، ومعقل، وعقيل، وسويد، وسنان، وعبد الرحمن، وسابع لم يسم لنا، وقد استدرك عليه العراقي، فقال: إنه قد سمى لنا سابع وثامن وتاسع وهم: نعيم بن مقرن، وضرار بن مقرن، وعبد الله بن مقرن، وذكر بعض مآثرهم ومفاخرهم، بل قال الطبري: إنهم كانوا عشرة إخوة، وكذلك استدرك عليه العراقي بأنهم لم ينفردوا بهذه المآثر الخالدة، وأنهم شاركهم فيها أولاد الحارث بن قيس السهمي كلهم هاجر وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وعدهم ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة سبعة، وقد تتبعهم العراقي فوجدهم تسعة، وهم: بشر، وتميم، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله، ومعمر، وأبو قيس أولاد الحارث بن قيس السهمي، ثم قال: فهؤلاء تسعة إخوة هاجروا وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم أشرف نسبا في الجاهلية والإسلام، وزادوا على بقية الإخوة بأن استشهد منهم سبعة في سبيل الله فقتل تميم، والحارث، والحجاج بأجنادين وقتل سعد يوم اليرموك، وقتل السائب يوم فحل، وقيل: يوم الطائف، وقتل عبد الله يوم الطائف وقيل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
باليمامة، وقتل أبو قيس يوم اليمامة1.
ومن اللطائف والمفاخر ما قالوا: لم يعرف أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم متوالدون إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة، وإلا أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم، وقال شيخ الإسلام ابن حجر: "وقد ذكرنا أن أسامة ولد له في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون كذلك إذ حارثة والد زيد صحابي كما جزم به المنذري في مختصر مسلم، وحديث إسلامه في مستدرك الحاكم، وكذا زيد وأسامة.
وكذا إياس بن سلمة بن عمرو بن الأكوع؛ الأربعة ذكروا في الصحابة، وطلحة بن معاوية بن خالد بن العباس بن مرداس في أمثلة أخرى لا تصح، وقال السيوطي: ليس في الصحابة من اسمه "عبد الرحيم" ولا من التابعين ولا من اسمه "إسماعيل" من وجه يصح إلا واحد بصري روى عنه أبو بكر بن عمارة حديث: "لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص297-299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
"المؤلفون في الصحابة":
لقد ألف كثيرون من الأئمة في الصحابة وسيرهم، وما يتعلق بهم منهم من ألف فيهم من غيرهم من التابعين وتابعيهم، ومنهم من ألف فيهم على سبيل الاستقلال.
فممن ألف فيهم مع غيرهم جماعة منهم:
1- الإمام أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري الحافظ نزيل بغداد المعروف بكاتب الواقدي صحبه زمانًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
وكتب له فعرف به، المتوفى ببغداد سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين له كتاب "الطبقات الكبرى" جمع فيه الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد وأحسن، وكتابه طبع في "ليدن"، ثم طبع في مصر.
2- الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري1 البصري المعروف بشباب أحد شيوخ البخاري صاحب التاريخ الحسن وغيره، المتوفى سنة ثلاثين، وقيل: سنة أربعين، وقيل: سنة ست وأربعين ومائتين.
3- الإمام أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو من أقران الإمام البخاري.
4- يعقوب بن سفيان بن جوان -بفتح الجيم، والواو المثقلة آخره نون- الفارسي الفسوي2 الإمام الحافظ المصنف المكثر صاحب التاريخ الكبير المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين، وهو من أقران البخاري.
وممن ألف في تاريخ الصحابة وسيرهم على سبيل الاستقلال.
5- الإمام أبو الحسن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن نجيم السعدي مولاهم المديني حافظ العصر وقدوة أهل هذا الشأن، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين، وهو أحد شيوخ البخاري وكتابه هو "كتاب معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" في خمسة أجزاء لطيفة.
6- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين، وقد اعتبره الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة" أول من عرفه صنف في ذلك ومراده -والله أعلم- على سبيل الاستقلال، وإلا فقد سبقه من هم من شيوخه أو من طبقة شيوخه--------------------------------------------
1 نسبة إلى العصفر -بضم العين، والفاء- ما يصبغ به.
2 نسبة إلى "فسا" مدينة بفارس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
أو أقرانه ولكن لا على سبيل الاستقلال، أفرد في ذلك تصنيفا فنقل عنه أبو القاسم البغوي وغيره.
7- الإمام أبو القاسم البغوي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي الأصل البغدادي الحافظ الكبير مسند العالم، المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
8- الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني صاحب السنن الحافظ ابن الحافظ، المتوفى سنة ست عشر وثلاثمائة.
9- الإمام أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، له كتاب "معرفة الصحابة".
10- الإمام أبو عليّ ابن السكن البغدادي المصري نزيل مصر، المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
11- الإمام أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم البغدادي الحافظ المصنف القاضي المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
12- الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، المتوفى سنة خمس أو ست وتسعين وثلاثمائة وله في الصحابة كتاب كبير جليل قال ابن عساكر: "وله فيه أوهام كثيرة" وقد ذيل عليه الحافظ أبو موسى المديني ذيلا كبيرا.
13- الإمام أبو نعيم أحمد بن علي الأصبهاني، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة، وله كتاب "معرفة الصحابة" في ثلاث مجلدات.
14- الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي، المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وله كتاب مختصر في مجلد في "معرفة الصحابة".
15- الإمام أبو عمر بن عبد البر النميري القرطبي المالكي، المتوفى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
سنة ثلاث وستين وأربعمائة وسمى كتابه "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله، ومع ذلك فقد فاته شيء كثير ومجموع التراجم التي ذكرها ثلاثة آلاف وخمسمائة ترجمة.
16- وقد ذيل عليه أبو بكر بن فتحون، المتوفى سنة سبع عشرة أو تسع عشرة وخمسمائة ذيلا حافلا، وذيل عليه جماعة آخرون في تصانيف لطيفة.
قال الحافظ ابن حجر: "وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا".
17- وفي أوائل القرن السابع الهجري ألف الحافظ عز الدين بن الأثير الجزري صاحب كتاب "الكامل" في التاريخ، المتوفى سنة ثلاثين وستمائة "630" كتابا سماه: "أسد الغابة"1 جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة إلا أنه تبع من قبله، فخلط من ليس صحابيا بهم، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، وقد اشتمل على سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيا.
18- ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الإمام الحافظ أبو عبد الله الذهبي، المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة في كتاب سماه "تجريد أسماء الصحابة"، وعلم لمن ذكر غلطا، ولمن لا تصح صحبته، ولم يستوعب ذلك ولا قارب.
19- ثم جاء الإمام الحافظ ابن حجر، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، فألف كتابه القيم "الإصابة في تمييز الصحابة"، وهو أكثرها جمعا وتحريرا وتحقيقا، وإن كانت بعض التراجم فيه مختصرة، وهو في ثمانية مجلدات، وقد ذكر في آخر الجزء السادس منه: أنه مكث في تأليفه نحو الأربعين سنة، وأنه كتبه في المسودات ثلاث مرات رحمه الله ورضي عنه--------------------------------------------
1 أسد: بضم الهمزة وسكون السين المهملة جمع أسد بفتحهما، والغابة بالباء الموحدة لا بالياء المثناة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
وقد طبع في أربعة مجلدات كبار ومجموع التراجم التي في "الإصابة" تسع وسبعون ومائتان واثنا عشر ألفا بما في ذلك المكرر، للاختلاف في اسم الصحابي، أو شهرته، بكنية أو لقب أو نحو ذلك وقد رتب فيه الصحابة على أربعة أقسام:
1- فيمن وردت صحبته بطريقة الرواية عنه أو عن غيره سواء أكانت الطريقة صحيحة أم حسنة أم ضعيفة.
2- فيمن ذكر في الصحابة من التمييز.
3- فيمن ذكر في الصحابة من المخضرمين في الكتب المذكورة.
4- فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط1.--------------------------------------------
1 الإصابة ج1 ص302 "الرسالة المستطرفة" ص95، 96، وتدريب الراوي ص395.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
التابعون رضي الله عنهم
مدخل
…
"التابعون رضي الله عنهم":
وهذا المبحث والذي قبله وهو بحث الصحابة، معرفتها من الأهمية بمكان، وهما أصلان عظيمان بها يعرف المتصل من المرسل عند رفع الحديث، والموقوف من المقطوع عند عدم رفعه ومفرد التابعين تابعي، وتابع.
وأما تعريف التابعين فقد اختلف فيه العلماء:
فقال الحاكم أبو عبد الله، هو من لقي الصحابي، وإن لم يصحب أي لم تطل صحبته له قال ابن الصلاح: وهو أقرب يعني من تعريف غيره كالخطيب، وقال النووي: وهو الأظهر.
وقال الخطيب: هو من صحب صحابيا، ولا يكتفى فيه بمجرد اللقي يعني بل لا بد من طول الصحبة والرواية عنه، بخلاف الصحابي فإنه يكتفى فيه بمجرد اللقاء.
والسر في هذه التفرقة شرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة تأثيره فيمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
يلقاه، فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي، والانشراح الصدري، واستقامة السلوك أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره من الأخيار.
وقال الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة": هو من لقي الصحابي كذلك ومراده من لقي الصحابي وهو مؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم سواء قصر اللقاء أم طال، فمن لقي الصحابي أو طالت صحبته له وهو ليس بمؤمن بالنبي فلا يعتبر صحابيا، وهذا التعريف يؤيد ما قاله الحاكم.
وهذا الذي ذكره الحاكم، ووافقه عليه الحافظ ابن حجر هو ما عليه عمل الأكثرين من علماء الحديث كما قال العراقي في تعليقاته على "علوم الحديث" لابن الصلاح.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضل الصحابة والتابعين والاكتفاء فيهم بالرؤية بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" … الحديث فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
قال السيوطي في "تدريبه"1 قال ابن الصلاح: مطلق التابعي مخصوص بالتابعين بإحسان، وقد عقب العراقي فقال: "إن أراد بالإحسان الإسلام فواضح إلا أن الإحسان أمر زائد عليه2، فإن أراد به الكمال في الإسلام والعدالة، فلم أر من اشترط ذلك في حد التابعين، بل من صنف في الطبقات أدخل فيهم الثقات وغيرهم.
أقول: والذي يظهر لي أن مراد ابن الصلاح التابعي الذي وردت في فضله الأحاديث الصحاح والحسان والمستحق لهذا الفضل، أما من لم يستقم على الإسلام الكامل، وأساء إلى الإسلام والمسلمين، فهو بمعزل عن أن يكون من التابعين بإحسان، وذلك كالحجاج بن يوسف الثقفي، وعمرو--------------------------------------------
1 ص417 ط المحققة.
2 وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عليه السلام له صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" متفق عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
بن سعيد الذي كان يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، فقد أساء إلى الحرم وإلى الكعبة وإلى أهل الحرم، فابن الصلاح على حق في هذا التعبير والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
"طبقات التابعين":
من نظر إلى التابعين على أنهم الذين لقوا الصحابة جعلهم طبقة1 واحدة كما فعل ابن حبان، ومن نظر إلى تفاوتهم في الفضل جعلهم طبقات، فجعلهم مسلم بن الحجاج ثلاث طبقات، وجعلهم محمد بن سعد صاحب "الطبقات" أربع طبقات، وأما الحاكم فقد جعلهم خمس عشرة طبقة.
1- فأعلى هذه الطبقات من روى عن العشرة المبشرين بالجنة وذكر منهم: سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد2، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حصين بن3 المنذر وغيرهم.
قال ابن الصلاح: "وعليه في بعض هؤلاء إنكار فإن سعيد بن المسيب ليس بهذه المثابة؛ لأنه ولد في خلافة عمر ولم يسمع من أكثر العشرة".
وقال العلامة ابن كثير4: وعليه في هذا الكلام دخل5 كثير، فقد قيل: إنه لم يرو عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم قال ابن خراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع6 من عبد الرحمن بن عوف والله أعلم.--------------------------------------------
1 الطبقة في اصطلاح العلماء: الجماعة الذين تقاربوا في السن، واشتركوا في الأخذ عن الشيوخ.
2 بضم العين، وفتح الباء المخففة.
3 حصين بضم الحاء المهملة وفتح الضاد على صيغة المصغر.
4 اختصار علوم الحديث ص192.
5 بفتح الدال المهملة والخاء المعجمة: فساد.
6 يعني قيس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق قولا واحدا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل لم يسمع -يعني سعيد- من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان -أي سعد- آخرهم وفاة والله أعلم.
2- ومن هؤلاء التابعين من ولدوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبو إدريس الخولاني، قال البلقيني: والأولى أن يجعل هؤلاء قبل القسم الأول إذ كيف يجعل من ولد في حياة رسول الله يلي من ولد بعده؟
قال ابن كثير: أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنكه وبرك عليه، وسماه عبد الله، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة لمجرد الرؤية، ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد له عند الشجرة1 وقت الإحرام بحجة الوداع فلم يدرك من حياته صلى الله عليه وسلم إلا مائة يوم، ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم2.
وقد ذكر الحاكم النعمان، وسويد ابني مقرن3 من التابعين، وهو وهم منه، وهما صحابيان ولم يختلف في صحبتهما أحد.
3- المخضرمون: وهم الذين أدركوا الجاهلية زمن النبي صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
1 يعني التي بذي الحليفة ميقات أهل المدينة للحج والعمرة، وتسمى الآن "أبيار علي".
2 ص192، 193.
3 سويد بضم السين وفتح الواو، وسكون الياء، ومقرن: بضم الميم وفتح القاف، وكسر الراء المشدودة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
وأسلموا ولم يروه، ولا صحبة لهم، وهذا مصطلح أهل الحديث1.
وقد اختلف في ضبط "مخضرم" فقيل بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من خضرم مأخوذ من الخضرمة بمعنى القطع؛ لأنهم خضرموا أي قطعوا عن نظرائهم الذين أدركوا الصحبة وغيرها، وقيل: مخضرم: بضم الميم وكسر الراء اسم فاعل؛ لأن الواحد منهم كان إذا أسلم خضرم أذن ناقته أي قطعها علامة على إسلامه فيكون في أمن بذلك، وقيل في الخضرمة غير ذلك2.
وقد عدهم الإمام مسلم نحو عشرين نفسا منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة3، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي4، وعبد خير الخيواني5، وربيعة بن زرارة6 قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب7 وزاد ابن كثير: وعبد الله بن عكيم8، والأحنف بن قيس وقد ذكر العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح أنهم أكثر من ذلك، فزاد على ما لم يذكره مسلم وابن الصلاح نحوا من عشرين شخصا9، وقد سرد أسماء هؤلاء وأولئك صاحب "التدريب"10.
أفضل التابعين: وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟--------------------------------------------
1 وأما مصطلح أهل اللغة فالمخضرم هو الذي عاش نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام سواء أدرك الصحابة أم لا.
2 انظر ما ذكره العراقي في تعليقاته على علوم الحديث لابن الصلاح.
3 بفتح الغين المعجمة والفاء، واللام.
4 الحلال: بفتح الحاء المهملة، وتخفيف اللام، والعتكي: بفتح العين المهملة والتاء المثناة.
5 بفتح الخاء المعجمة وإسكان الياء المثناة من تحت.
6 زرارة بضم الزاي، وربيعة هذا هو أبو الحلال العتكي السابق ذكره، وقد وهم المؤلف في جعل الاسم والكنية لشخصين مختلفين، وقد ذكره السيوطي في التدريب على الصواب.
7 بضم الثاء المثلثة وفتح الواو.
8 بضم العين المهملة وفتح الكاف.
9 في شرحه على مقدمة ابن الصلاح.
10 ص420، 421.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
فالمشهور أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره، وقال أهل البصرة: الحسن البصري. وقال أهل الكوفة: علقمة بن قيس، والأسود، وقال بعضهم: أويسا القرني1، وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
قال العراقي: الصحيح بل الصواب ما ذهب إليه بعض أهل الكوفة لما روى مسلم في صحيحه بسنده عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وله والدة وكان به بياض فمروه أن يستغفر لكم" ، وفي الرواية الأخرى أن الفاروق عمر صار يسأل عنه حتى لقيه، فقال له: أنت من مراد، ثم من قرن؟ قال: "نعم"، وفيها: "إن له والدة هو بار بها لو أقسم على الله لأبره"، فطلب منه عمر أن يستغفر له، فاستغفر له، فقال له أين تريد: قال: الكوفة، فقال له: أكتب لك إلى عاملها قال: لا، أكون في غبراء الناس وعامتهم"2.
قال العراقي: فهذا قاطع للنزاع قال: وأما تفضيل أحمد لابن المسيب فلعله لم يبلغه الحديث … أو أراد بالأفضلية في العلم لا الخيرية وقال البلقيني: والأحسن أنه يقال: "الأفضل من حيث الزهد والورع أويس، ومن حيث حفظ الخبر والأثر سعيد"، وقال أحمد: ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن وعطاء، وكان عطاء مفتي مكة، والحسن مفتي البصرة"، وهذا الذي ذكره البلقيني هو ما أذهب إليه.--------------------------------------------
1 بفتح القاف والراء بطن من مراد.
2 صحيح مسلم -كتاب الفضائل- باب فضل أويس القرني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
"سيدات النساء التابعيات":
وسيدات النساء التابعيات:
1- حفصة بنت سرين، وهي أخت التابعي الجليل محمد بن سيرين.
2- وعمرة بنت عبد الرحمن.
3- وتليهما أم الدرداء الصغرى واسمها هجيمة، وقيل جهمية، وليست
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)