سنة عشر ومائتين هجرية، ثم النضر بن شميل ثم الأصمعي، قال السيوطي: وكتبها صغيرة قليلة1.
والأصمعي توفي سنة ست عشرة ومائتين، ومن أقرانه قطرب محمد بن المستنير المتوفى سنة عشر ومائتين وأبو زيد الأنصاري "م سنة خمس عشرة ومائتين".
3- ثم ألف بعدُ الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه المشهور في غريب الحديث، وذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، فقد كانت وفاته سنة أربع وعشرين ومائتين، قال النووي والسيوطي: فاستقصى وأجاد، والكتاب قد جمع مادة غزيرة في "غريب الحديث" وليس ذلك بغريب على أبي عبيد القاسم بن سلام فقد كان من الحفاظ الكبار ومن أئمة اللغة الأوائل، فلا عجب أن يأتي هذا الكتاب على هذه الصفة، وقد روي عنه أنه قال: "إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري"، وقد طبع هذا الكتاب القيم في "الهند" وفي "مصر" وعلى ما ذكره بدأ في تأليفه سنة ست وثمانين ومائتين.
ومع ما قال النووي والسيوطي في وصف الكتاب والثناء عليه فقد غفل عن ألفاظ تعقبها عليه من جاء بعده من العلماء.
4- ثم جاء بعده الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة فألف كتابه في الغريب، وقد استدرك على أبي عبيد ما فاته في كتابه الجليل، وهو يعتبر ذيلا على كتاب أبي عبيد، وله كتاب "إصلاح الخطأ" ذكر فيه--------------------------------------------
1 المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
أوهام أبي عبيد الواقعة في كتابه1.
5- ثم جاء الإمام قاسم السرقسطي المالكي المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة فألف كتابه الموسوم "بالدلائل" وهو يعتبر ذيلًا على كتاب ابن قتيبة قال فيه أبو علي القالي: "ما أعلم أنه وضع بالأندلس مثل كتاب الدلائل" ومات ولم يتمه وأتمه أبوه ثابت بن حزم الحافظ2 المتوفى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة.
6- ثم جاء الإمام حمد -بفتح الحاء المهملة وسكون الميم- بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي3، الخطابي، وهي نسبة إلى جده المذكور، وقيل نسبة إلى زيد بن الخطاب؛ لأنه من ذريته المتوفى سن ثمان وثمانين وثلاثمائة بمدينة بست.
فألف كتابه المشهور "غريب الحديث" وقد استدرك في كتابه هذا ما فات أبا عبيد وما فات ابن قتيبة وهذه الكتب تعتبر أمهات كتب غريب الحديث4.
7- ومن الكتب النافعة المفيدة "كتاب الغريبين" غريب القرآن، وغريب الحديث، وهما في مجلد ضخم لأبي عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي نسبة إلى هراة إحدى مدن خراسان الكبار الفاشاني نسبة إلى فاشان قرية من قرى هراة المتوفى سنة إحدى وأربعمائة.
قال صاحب "الرسالة المستطرفة"5: "وما ذكرناه في نسبه هو المنقول كما في ابن خلكان ووجد على ظهر كتابه الغريبين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله سبحانه وتعالى أعلم"، وهو--------------------------------------------
1 و2 و3 و4 تدريب الراوي ص379، الصلب والحاشية، وانظر مقدمة النهاية لابن الأثير ج1 ص5-9.
5 ص117 ط الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
أحد الكتابين اللذين اعتمد عليهما الإمام ابن الأثير في كتابه الجامع "النهاية".
8- كتاب "المغيث في غريب الحديث" في مجلد لأبي موسى المديني، كمل به الغريبين، واستدرك عليه وهو كتاب نافع1 قال الإمام الذهبي في "التذكرة" ومن تصانيفه كتاب "معرفة الصحابة" الذي استدرك به على أبي نعيم الحافظ، وكتاب "الطوالات" جودها ولم يسبق إلى مثلها مع كثرة ما فيها من الواهي والموضوع، وكتاب "تتمة الغريبين" يدل على براعته في لسان العرب.
وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في جمادى الأولى2، وهو ثاني الكتابين اللذين اعتمد عليهما ابن الأثير.
9- كتاب "جمع الغرائب" لعبد الغافر بن إسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد. قال فيه الإمام الذهبي: الحافظ المفيد الإمام أبو الحسن الفارسي ثم النيسابوري مصنف "تاريخ نيسابور"، وكتاب "جمع الغرائب" و"المفهم لشرح غريب مسلم" كان من أعيان المحدثين بصيرا باللغات، فصيحا، بليغا، عذب العبارة، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة … وأجاز له من بغداد أبو محمد الجوهري، وسمع من جده لأمه الأستاذ أبي القاسم القشيري، وأحمد بن منصور المغربي، وأحمد بن عبد الرحمن الإسماعيلي، وأبي حامد أحمد بن الحسن الأزهري … وجدته فاطمة بنت الدقاق، وخلق كثير تفقه بإمام الحرمين، لزمه مدة أربع سنين، وحدث عنه أبو سعيد عبد الله بن عمر الصفار وطائفة، وروى عنه أبو--------------------------------------------
1 المرجع السابق، وانظر تدريب الراوي هامش ص378.
2 تذكرة الحفاظ ج4 ص1335.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
القاسم بن عساكر بالإجازة، مات سنة تسع وعشرين وخمسمائة1.
أقول: وأما المفهم بشرح صحيح مسلم فهو للقرطبي شارح الصحيح.
"ملاحظة لي على كل من ألفوا في الغريب": ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام أنهم أهملوا تخريج الأحاديث التي تعرضوا لبيان غريبها أي عزوها إلى من خرجها من الأئمة، وبيان صحيحها من حسنها من ضعيفها، وفي كتب الغريب أحاديث كثيرة لا تثبت، وعسى أن يوفق الله بعض أهل العلم بالحديث للقيام بهذا الغرض الكفائي بالنسبة لكتاب "النهاية في غريب الأثر" لأنه أوفى وأشمل كتاب في هذا الباب ولو أن المحققين الفاضلين للنهاية استعانا بمن يخرج الأحاديث ويبين درجتها من علماء الحديث لجاء تحقيقهما غاية ما يرام.
10- ثم جاء الإمام الأديب اللغوي المفسر جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فألف كتابه "الفائق في غريب الحديث"، وهو فائق في مادته فقد جاء شاملا لما يوجد في كتب من سبقه من المؤلفين في الغريب، وهو من الكتب القيمة التي وافق اسمها مسماها.
11- ومن أشمل كتب الغريب وأجمعها وأشهرها كتاب "النهاية" في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشيباني الموصلي الشافعي المتوفى سنة ست وستمائة، ولما كان مؤلفه متأخرا عن كل أولئك الذين ذكرناهم ممن ألفوا في الغريب فقد جاء كتابه أوفى كتاب وأشمله في بابه، وقد يسر الاطلاع على ما فيه للباحثين بترتيبه--------------------------------------------
1 تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي ج4 ص1275، وما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
على حروف المعجم وقد حظيت هذه الكتب السابقة بالقبول عند أهل العلم بالحديث وغيرهم، قال الإمامان النووي والسيوطي في "التقريب" وشرحه "التدريب" بعد ذكر أمهات كتب الغريب: "ثم ألفت بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة كمجمع الغرائب لعبد الغافر الفارسي، وغريب الحديث لقاسم السرقسطي، والفائق للزمخشري، والغريبين للهروي، وذيله للحافظ أبي موسى المديني، ثم النهاية لابن الأثير، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها، وأشهرها الآن، وأكثر تداولا1، وقد فاته الكثير فذيل عليه الصفي الأرموي بذيل لم نقف عليه، وقد شرعت في تلخيصها تلخيصا حسنا مع زيادات جمة والله أسأل الإعانة على إتمامها"2.
وهنالك كتب أخرى: ذكرها العلامة السيد محمد بن جعفر الكتابي في كتابه النافع المفيد "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة"3، وذكرها المحققان الفاضلان "للنهاية" في مقدمة التحقيق وهي أوفى ما كتب في هذا الموضوع.
قال الإمام السيوطي في "التدريب" شرح التقريب: وأجود تفسيره ما جاء مفسرا به في رواية كحديث الصحيحين في قوله صلى الله عليه وسلم لابن صائد المدجل المشعوذ الذي كان يزعم أنه يوحى إليه: "خبأت لك خبيئا فما هو؟ " قال: الدخ. فالدخ هاهنا الدخان، وهو لغة قليلة فيه حكاه الجوهري وغيره، لما روى أبو داود، والترمذي من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الحديث، أن--------------------------------------------
1 تقريب النواوي بشرح تدريب الراوي ص379.
2 وقد وفى بما وعد وقد سمى تلخيصه "الدر النثير" وقد طبع على هامش النهاية.
3 انظر ص118 ط الأولى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إني خبأت له خبأ"، وخبأ له: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} . قال المديني: والسر في كونه خبأ له الدخان أن عيسى صلى الله عليه وسلم يقتله -أي الدجال- بحبل الدخان، فهذا هو الصواب في تفسير الدخ هنا، وقد فسره غير واحد فأخطئوا فقيل: الجماع وهو غلط فاحش، وقيل نبت موجود بين النخيل وهو غير مرضي1.--------------------------------------------
1 التقريب بشرحه التدريب ص379، 380.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
علم مختلف الحديث ومشكله
مختلف الحديث في اللغة
…
"علم مختلف الحديث ومشكله":
هذا العلم من علوم الحديث المهمة، وقد أحسن العلماء المتقدمون حينما تكلموا فيه وبينوا حكمه، وذلك لأن أعداء الإسلام من الزنادقة، وأضرابهم كالنظام المعتزلي قد عولوا في طعنهم في الأحاديث والسنن على ما يبدوا بادئ الرأي من تعارض: تناقض أو تضاد بين ظواهر بعض الأحاديث، ويبدو هذا المعنى جليا فيما جاء في كتاب الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين وكذلك المستشرقين بنواجل طعنهم في الأحاديث على ما يبدو بين ظواهر بعض الأحاديث من تخالف، وقد أخذوا كلام الزنادقة والنظام المعتزلي وأمثاله وما زالوا يزيدون فيه، ويبدون، ويعيدون حتى صيروا من الحبة قبة وهذا العلم لا ينهض للكلام فيه إلا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة.
ونرى لزاما علينا أن نبين المراد بمختلف الحديث.
مختلف الحديث في اللغة:
مختلف مأخوذ من الاختلاف ضد الاتفاق ففي القاموس المحيط:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
"واختلف ضد اتفق"1، ويقال: تخالف القوم واختلفوا إذا ذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر.
وفي لسان العرب لابن منظور المصري: "ويقال تخالف الأمران واختلفا إذا لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف"2.
وقد اختلف العلماء المحدثون في ضبط كلمة مختلف فمنهم -وهم الأكثرون- على أنه بضم الميم وكسر اللام، فهو اسم فاعل من اختلف والإضافة بمعنى من أي المختلف من الحديث ومنهم من ضبطه بضم الميم وفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الاختلاف والإضافة على هذا بمعنى "في" بمعنى الاختلاف في الحديث.--------------------------------------------
1 القاموس ج3 ص138.
2 لسان العرب 9/ 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
مختلف الحديث في الاصطلاح:
أما على أنه اسم فاعل من اختلف فيعرف بما يأتي:
أن يوجد حديثان أو أكثر متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يعتبر أحدهما ناسخا للآخر أو يرجح أحدهما على الآخر.
وإنما قلنا في التعريف ظاهرا؛ لأنه لا يوجد في الحقيقة ونفس الأمر حديثان صحيحان متضادان أو متناقضان؛ لأنه يستحيل أن يقع تضاد أو تعارض في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك باعتبار أنه نبي يوحى إليه، وقد نقل عن إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة أنه قال: "ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما"1، ومراده رحمه الله نفي التعارض الحقيقي.
قال الإمام الأصولي البارع أبو بكر الباقلاني2: "وكل خبرين علم أن--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث ص175، تدريب الراوي ص387.
2 الإمام محمد بن الطيب المعروف بالباقلاني رأس المتكلمين على مذهب الشافعي، وهو من أكثر الناس علما بالكلام، والتأليف فيه، وكان من المدافعين عن دين الله، وعن الحديث وأهله، ولما قابله الإمام الدارقطني ببغداد قبل وجهه وعينيه تكريما له وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعمائة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين" ويقول أيضا: "متى علم أن قولين ظاهرهما التعارض، ونفي أحدهما لموجب الآخر أنه يحمل النفي والإثبات على أنهما في زمانين، أو فريقين، أو على شخصين أو على صفتين مختلفتين، وهذا ما لا بد منه مع العلم بإحالة مناقضته صلى الله عليه وسلم في شيء من تقرير الشرع والبلاغ"1.
وأما على المعنى الثاني: فيعرف: بالتعارض والاختلاف الواقع بين حديثين أو أكثر في الظاهر.--------------------------------------------
1 الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص606-607.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
"مشكل الحديث":
وقد يطلق عليه بعض المحدثين المشكل، وذلك كما فعل الإمام الطحاوي المصري الحنفي في تسمية كتابه "مشكل الآثار"، وكما فعل الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك في تسميته كتابه "مشكل الحديث".
الفرق بين "مختلف الحديث" و"مشكل الحديث":
والحق أن بين المختلف والمشكل فرقا في الاصطلاح.
فمختلف الحديث يكون بوجود تعارض: تضاد أو تناقض بين حديثين أو أكثر كما بينت آنفا.
وأما مشكل الحديث فهو أعم من ذلك فقد يكون سببه وجود تعارض بين حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه كون الحديث مشكلا في معناه لمخالفته في الظاهر للقرآن مثلا أو لاستحالة معناه أو لمخالفته لحقيقة من الحقائق المتعلقة بالأمور الكونية التي كشفت عنها العلوم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)
والمعارف الحديثة كعلم الفلك، أو الطب، أو علم سنن الله الكونية، وهو ما يسمى في لسان الناس: علم الطبيعة.
وذلك كحديث سجود الشمس بعد الغروب تحت العرش، وحديث الذباب وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، وحديث: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يصبه سم ولا سحر" ، وحديث: "الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء" ، وحديث: فقء موسى عين ملك الموت لما جاء إليه ليقبض روحه، وحديث: "تحاج الجنة والنار"، وحديث: "تحاج آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام" إلى غير ذلك من الأحاديث التي ظاهرها مشكل والتي اتخذ منها أعداء الإسلام، وأعداء الأحاديث والسنن من المستشرقين وأبواقهم وسيلة للطعن في الأحاديث النبوية الصحيحة بغير وجه حق1.
وعلى هذا يكون "مشكل الحديث" بالنسبة إلى "مختلف الحديث" أعم منه فكل مختلف يعتبر مشكلا، وليس كل مشكل يعتبر من قبيل "مختلف الحديث" فبينهما عموم وخصوص مطلق.
شرط لا بد منه في "المختلف" و"المشكل".
وهو أنه لا يعتبر الحديث من قبيل المختلف ولا من قبيل "المشكل" إلا إذا كان صحيحا أو حسنا يعني مقبولا يحتج به، أما إذا كان ضعيفا أو موضوعا فلا، ففي "مختلف الحديث" يكون المعول عليه هو الصحيح أو الحسن بقسميه أما الضعيف والواهي والساقط والموضوع فلا يلتفت إلى شيء منها، وكذلك الحديث لا يعتبر مشكلا إلا إذا كان صحيحا أو حسنا بقسميه، أما إذا كان ضعيفا ضعفا شديدا أو ساقطا أو موضوعا، أو متروكا فلا يشتغل به، وقد وضعت أحاديث كثيرة منها ما--------------------------------------------
1 هذه الأحاديث وغيرها قد أجبت عنها بما لا يدع مجالا للشك في صحتها في كتابي "دفاع عن السنة" من منذ بضعة عشر عاما، فليرجع إليه من يشاء إن عثر عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)
هو مخالف للعقل مخالفة صريحة، ومنها ما هو مخالف للشرع، ومنها ما هو مخالف للحقائق الكونية والعلمية بقصد إظهار أهل الحديث بمظهر من يروون المستحيل، ومن يروون الأخبار التافهة والساقطة، وما تقوم التجربة والملاحظة على بطلانه إلى نحو ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
"أقسام مختلف الحديث":
والمختلف قسمان:
أحدهما: يمكن الجمع بينهما أو بينها بوجه صحيح فيتعين الجمع ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ، ويجب العمل بهما أو بها.
ومن أمثلة ذلك في أحاديث الأحكام: حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" 1، وحديث: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" 2.
فإن الأول ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا، والثاني: ظاهره طهارة غير المتغير سواء أكان قلتين أم قل، فخص عموم كل منهما بالآخر3.
ومن أمثلة ذلك في غير الأحكام: حديث: "لا يوردن ممرض على مصح" ، رواه البخاري ومسلم4، وحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" ، رواه البخاري5 مع حديث: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر" ، رواه الشيخان6.
وهي أحاديث صحيحة، بعضها يثبت العدوى وبعضها ينفيها.--------------------------------------------
1 رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والدارقطني وابن حبان عن ابن عمر.
2 رواه ابن ماجه بنحو هذا اللفظ وفي إسناده رشدين وهو ضعيف.
3 التقريب بشرحه التدريب 378، 388.
4 البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة؛ ومسلم، أبواب الطب، باب لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، ولا نوء، ولا غول، ولا يورد ممرض على مصح.
5 كتاب الطب، باب الجذام.
6 رواه البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة؛ ومسلم المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 444)
وقد سلك العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث مسالك1.
أحدها: أن هذا الحديث: "لا عدوى … " ، جاء ردا لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن الأمراض مؤثرة بنفسها، فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ولا بذاتها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب، وهذا المسلك هو الذي سلكه الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" وقد تبعه على هذا التوفيق غيره، وقد سبقه إليه الإمام البيهقي2.
وهذا المسلك هو أحسن المسالك وأولاها؛ لأنه لا ينفي العدوي أصالة، ولكنه ينفي أن تكون مؤثرة بذاتها، وهذا لا يتنافى هو وما وصل إليه الطب الحديث من كون العدوى أصبحت أمرا مسلما، وفي الوقت ذاته فيه تصحيح للعقيدة، وهو أن تأثير العدوى إنما هو بإرادة الله تبارك وتعالى، وإذا لم يرد الله تبارك وتعالى ذلك لم تحصل العدوى مع وجود الاختلاط بالمريض مرضا معديا وليس أدل على أن التأثير متوقف على إرادة الله تعالى من أن بعض الناس يختلطون بأهليهم المرضى اختلاطا يكاد يكون تاما ومع ذلك لا يتعدى إليهم المرض.
ثانيها: أن نفي العدوى باق على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة، وهذا هو الذي اختاره الحافظ ابن حجر في شرح النخبة، ولذلك قال السيوطي3:--------------------------------------------
1 العدوى: هي انتقال المرض من المريض إلى غيره.
2 فتح الباري ج10 ص161 ط السلفية.
3 تدريب الراوي ص388.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)
"وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام" يعني بذلك الحافظ ابن حجر.
ثالثها: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون معنى قوله: "لا عدوى … " ، أي إلا من الجذام ونحوه، فكأنه قال: لا يعدي شيء شيئًا إلا فيما تقدم تبيين له أنه يعدي، قاله ناصر السنة وقامع البدعة القاضي أبو بكر الباقلاني.
رابعها: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ويؤيده حديث: "لا تديموا النظر إلى المجذومين"1، قال السيوطي في "التدريب" وفيه مسالك أخرى.
أقول: وقد تكفل ببيان كل ما قيل في هذه المسالك الإمام الحافظ ابن حجر في "الفتح"2، فقد أفاض في ذلك بما لا مزيد عليه فليرجع إليه من شاء.
الثاني من القسمين: أنه لا يمكن الجمع بين الحديثين ولا الأحاديث وهذا يدخل تحته نوعان:
الأول: أن يعرف المتقدم من المتأخر، فإن كان كذلك كان المتأخر ناسخًا للمتقدم، وقد ذكرت بعض أمثلته في علم الناسخ والمنسوخ.
الثاني: أن لا يعلم المتقدم من المتأخر فحينئذ نسلك مسلك الترجيح فنأخذ بالراجح وندع المرجوح.
والترجيح يكون بصفات الرواة أي كون رواة أحدهما أتقن وأحفظ ونحو ذلك مما سيذكر، وكثرتهم في أحد الحديثين دون الآخر.--------------------------------------------
1 قال الحافظ في "الفتح": وقد أخرجه ابن ماجه وسنده ضعيف.
2 فتح الباري ج10 من ص159-162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)
وجوه الترجيح:
وقد ذكر صاحب كتاب "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" من وجوه الترجيحات خمسين وجها ووصل بها غيره إلى أكثر من مائة، كما استوفى ذلك العراقي في كتابه "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من علوم ابن الصلاح" وقد يعبر بعض العلماء عنه "بالنكت على ابن الصلاح".
"صنيع السيوطي" وقد بينها الإمام السيوطي في "تدريب الراوي" بيانا حسنا، وأرجعها إلى سبعة أقسام كل قسم يضم وجوها من الترجيحات.
القسم الأول: الترجيح بحال الراوي وذلك بوجوه:
أحدها: كثرة الرواة كما ذكره المصنف -يريد صاحب التقريب- وهو الإمام النووي، لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل.
ثانيها: قلة الوسائط: أي علو الإسناد حيث الرجال ثقات؛ لأن احتمال الكذب والوهم فيه أقل.
ثالثها: فقه الراوي سواء أكان الحديث مرويا بالمعنى أو اللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي.
رابعها: علمه بالنحو، لأن العالم به يتمكن من التحفظ عن مواقع الزلل، ما لا يتمكن منه غيره.
خامسها: علمه باللغة أقول: لأن العالم باللغة عالم بمواقع الخطاب والأساليب من غيره.
سادسها: حفظه، بخلاف من يعتمد على كتابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)
سابعها: أفضليته في أحد الثلاثة بأن يكونا فقيهين، أو نحويين، أو حافظين وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر.
ثامنها: زيادة ضبطه، أي اعتنائه بالحديث واهتمامه به.
تاسعها: شهرته؛ لأن الشهرة تمنع الإنسان من الكذب كما تمنعه من ذلك التقوى.
عاشرها إلى العشرين:
10- كونه ورعا.
11- أو حسن الاعتقاد أي غير مبتدع.
12- وجليسا لأهل الحديث.
13- وغيرهم من العلماء.
14- أو أكثر مجالسة لهم.
15- أو ذكرا.
16- أو حرا.
17- أو مشهور النسب.
18- أو لا لبس في اسمه بحيث يشاركه فيه ضعيف، وصعب التمييز بينهما.
19- أو له اسم واحد وكذلك أكثر ولم يختلط.
20- أو له كتاب يرجع إليه.
حادي عشريها: أن تثبت عدالته بالإخبار بخلاف من تثبت بالتزكية أو العمل بروايته أو الروية عنها إن قلنا بهما.
ثاني عشريها إلى سابع عشريها:
22- أن يعمل بخبره من زكاه، ومعارضه لم يعمل به من زكاه.
23- أو يتفق على عدالته.
24- أو يذكر سبب تعديله.
25- أو يكثر مزكوه.
26- أو يكونوا علماء.
27- أو كثيري الفحص عن أحوال الناس.
ثامن عشريها: أن يكون صاحب القصة كتقديم خبر أم مسلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لمن أصبح جنبا -يعني في رمضان- على خبر الفضل بن العباس في منعه؛ لأنها أعلم منه به.
تاسع عشريها: أن يباشر ما رواه.
الثلاثون: تأخر إسلامه، وقيل عكسه لقوة أصالة المتقدم ومعرفته، وقيل: إن تأخر موته إلى إسلام المتأخر لم يرجح بالتأخير لاحتمال تأخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)
روايته عنه، وإن تقدم أو علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر رجح.
الحادي والثلاثون إلى الأربعين:
31- كونه أحسن سياقا واستقصاء لحديثه، أو أقرب مكانا، أو أكثر ملازمة لشيخه.
32- أو سمع من مشايخ بلده.
33- أو مشافها مشاهدا لشيخه حال الأخذ.
34- أو لا يجيز الرواية بالمعنى.
35- أو الصحابي من أكابرهم.
36- أو علي رضي الله عنه وهو في الأقضية.
37- أو معاذ، وهو في الحلال والحرام.
38- أو زيد بن ثابت وهو في الفرائض.
39- أو الإسناد حجازي.
40- أو رواته من بلد لا يرضون التدليس.
القسم الثاني: الترجيح بالتحمل وذلك بوجوه.
أحدها: الوقت فيرجح منهم من لم يتحمل بحديث إلا بعد البلوغ على من كان بعض تحمله قبله، أو بعضه بعده لاحتمال أن يكون هذا مما قبله والمتحمل بعده أقوى لتأهله بالضبط.
ثانيها وثالثها: أن يتحمل بحدثنا، والأخر عرضا، أو عرضا والآخر كتابة أو مناولة أو وجادة أقول وذلك على أن أعلى أنواع التحمل السماع ثم العرض ثم ما بعده.
القسم الثالث: الترجيح بكيفية الرواية وذلك بوجوه.
أحدها: تقديم المحكي بلفظه على المحكي بمعناه والمشكوك فيه على ما عرف أنه مروي بالمعنى.
ثانيها: ما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر لدلالته على اهتمام الراوي حيث عرف سببه.
ثالثها: أن لا ينكره راويه ولا يتردد فيه.
رابعها إلى عاشرها:
4- أن تكون ألفاظه على الاتصال كحدثنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)
وسمعت.
5- أو اتفق على رفعه.
6- أو وصله.
7- أو لم يختلف في إسناده.
8- أو لم يضطرب لفظه.
9- أو روى بالإسناد وعزى ذلك لكتاب معروف.
10- أو عزيز والآخر مشهور.
القسم الرابع: الترجيح بوقت الورود وذلك بوجوه.
أحدها وثانيها: بتقديم المدني على المكي والدال على علو شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم على الدال على الضعف، كبدأ الإسلام غريبا1، ثم شهرته فيكون الدال على العلو متأخرا.
ثالثها: ترجيح المتضمن للتخفيف، لدلالته على التأخر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغلط في أول أمره زجرا عن عادات الجاهلية، ثم مال للتخفيف، كذلك قال صاحب الحاصل2، والمنهاج3، ورجح الآمدي4، وابن الحاجب5، وغيرهما عكسه، وهو تقديم المتضمن للتغليظ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جاء أولا بالإسلام فقط6 ثم شرعت العبادات شيئا فشيئا.
رابعها: ترجيح ما تحمل بعد الإسلام على ما تحمله قبله أوشك؛ لأنه أظهر تأخرا.
خامسها وسادسها: ترجيح غير المؤرخ بتاريخ متقدم، قال الرازي: والترجيح بهذه الستة أي إفادتها للرجحان غير قوية.
القسم الخامس: الترجيح بلفظ الخبر، وذلك بوجوه:--------------------------------------------
1 حديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء" ، رواه مسلم في صحيحه.
2 الحاصل: كتاب في أصول الفقه على المذهب الشافعي للعالم تاج الدين الأرموي.
3 هو المنهاج في علم الأصول للبيضاوي القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد "المتوفى سنة 685".
4 الآمدي صاحب كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" وهو الإمام المتكلم الأصولي البارع علي بن أبي علي "م سنة 631".
5 هو العالم الحافظ المفيد عز الدين عمر بن محمد، له مؤلفات منها: "مختصرا ابن الحاجب" في علم الأصول "م سنة 630".
6 لعل مراده بالإسلام النطق بالشهادتين، والإقرار بالتوحيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 450)