الرواية في الإسلام:
تعريف الرواية:
الرواية في اللغة: في القاموس المحيط مادة "روي ج4 ص337": روي من الماء واللبن كرضي ريا وريا وروى وتروي وارتوى بمعنى، والشجر تنعم كتروَّى والاسم الري بالكسر وأرواني وهو ريان، وهي ريا جمع رواء والراوية المزادة فيها الماء … روى الحديث يروي رواية وترواه بمعنى وهو راوية للمبالغة وعلى أهله ولهم أتاهم بالماء والقوم استقى لهم وروَّيته الشعر حملته على روايته كأرويت": في المصباح المنير "روى من الماء يروي ريا، والاسم الري "بالكسر" ويعدى بالهمزة والتضعيف. فيقال: أرويته ورويته فارتوى وتروى … وروى البعير الماء يرويه من باب رمى: حمله فهو راوية والهاء للمبالغة، ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها. ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته ويعدى بالتضعيف فيقال: روَّيت زيدا الحديث. ويبنى للمفعول فيقال: روينا الحديث1 … "ومن هذين النصين يتبين أن معنى الرواية لغة الحمل والنقل أو الإسقاء والإرواء بالماء وفي اصطلاح المحدثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى من عزى أي نسب إليه بصيغة من صيغ الأداء كحدثنا وأخبرنا وسمعت وعن ونحوها، والمناسبة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي ظاهرة واضحة.
وركناها: ومن هذا التعريف يتبين أن ركنيها التحمل والأداء، ولها طرق وشروط، وسيأتي بيان ذلك تفصيلا.--------------------------------------------
1 المصباح المنير مادة روى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
شرط الرواية: تحمل راويها لما يرويه بطريق من طرق التحمل المعتبرة عند أئمة النقل وهي: إما سماع من الراوي عن المروي عنه، أو قراءة عليه وعرض، أو إجازة، أو مناولة، أو مكاتبة، أو إعلام، أو وصية، أو وجادة وسيأتي بيانها.
أقسامها: تنقسم الرواية أولا إلى:
1- متصلة.
2- ومنقطعة.
فالمتصلة: أن يكون كل راو سمع ممن فوقه مباشرة وروى عنه.
والمنقطعة: ما ليست كذلك.
ومرجع معرفة ذلك إلى علم تواريخ الرجال، فهو من الأهمية بمكان وتنقسم ثانيا إلى:
1- رواية باللفظ.
2- رواية بالمعنى.
الرواية باللفظ: وهو أن يؤدي الراوي المروي على لفظه الذي سمعه من غير تحريف ولا تغيير، وهذا القسم لا خلاف في جوازه وقبوله إذا توافرت فيه شروط القبول.
الرواية بالمعنى: وهو أن يؤدي الراوي مرويه بألفاظ من عنده كلا أو بعضا مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئا ولا ينقص منه شيئا. ولا يحرف ولا يبدل. وهذا النوع مختلف في جوازه وعدمه.
فمنعها بعض المحدثين والفقهاء والأصوليين منعا باتا. والجمهور من العلماء على جوازها بشروط:
أن يكون الراوي عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها خبيرا بما يحيل المعاني، بصيرا بمقدار التفاوت بينها، عارفا بالشريعة ومقاصدها وقواعدها، وأما إذا لم يكن عارفا بما ذكر فلا تجوز قط بالإجماع وسيأتي إن شاء الله تفصيل القول في هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
"كون الرواية طريقا إلى العلم":
الرواية أحد طرق العلم المشهورة لأنها طريق إلى الخبر المفيد للعلم1 وقد قال العلماء إن أسباب العلم ثلاثة:
1- العقل.
2- الحواس السليمة.
3- والخبر.
والمراد بالخبر ما يشمل المتواتر وغيره. فإن كان متواتر أفاد اليقين والقطع. وإن كان غير متواتر أفاد الظن والرجحان، وقد يقترن بأخبار الآحاد من القرائن ما يرقى بها إلى إفادة اليقين ككون الحديث مرويا من طريق الأئمة المتفق على عدالتهم وضبطهم وجلالتهم، أو تلقي الأمة له بالقبول كالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، أو انفرد بها أحدهما فيما عدا الأحاديث القليلة التي انتقدت عليهما، أو الأحاديث التي اتفق عليها أصحاب الكتب الستة وهذا العلم اليقيني إنما يحصل للعلماء الذين وقفوا على شروط الأئمة الجامعين للحديث ومبلغ تحريهم. ومبالغتهم في البحث عن الرواة والنظر في كتبهم، وتذوقوا الأحاديث بذوقهم، وسبروها بمسبارهم. أما غيرهم فهذا العلم ربما يبدو غريبا أو بعيدا عندهم.--------------------------------------------
1 المراد بالعلم ما هو أعم من اليقين والظن، وهو إدراك الطرف الراجح حتى يدخل في الخبر الأخبار المتواترة وأخبار الآحاد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
تاريخ الرواية:
الرواية عند الأمم السابقة:
الرواية ليست من خصائص الأمة الإسلامية، فقد وجدت في الأمم الغابرة والأجيال الماضية كالفرس واليونان والرومان والهنود وغيرهم. فقد كانوا يعتمدون عليها في نقل وحفظ ما يتعلق بأنساب آلهتهم وعظمائهم وسير أبطالهم ومشاهيرهم، ووقائعهم وملاحمهم المشهورة، وأشعار شعرائهم، وقصص قصاصهم إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه في ربط الحاضر بالماضي.
وقد نبغ في اليونان والرومان مؤرخون أمثال "هيرودوت" و"توسيديد" كتبوا التاريخ ونظموه بالقدر الذي يسمح به عصرهم كما نبغ فيهم شعراء، وقد بقي لنا من آثارهم في شعر الملاحم والقصص: الإلياذة والأوديسة1 للشاعر هوميروس2 بيد أن هذه الأمم لم تبلغ في الرواية والنقل عن أسلافهم ما بلغت الأمة العربية لأنها كانت أمما أقرب إلى الحضارة منها إلى البداوة، كما كانوا أهل علم بالقراءة والكتابة أكثر من العرب، ولأنهم لم يكن لهم من الخصائص النفسية والبواعث المعنوية مثل ما لأمة العرب.
الرواية عند العرب:
وفي مقدمة الأمم التي عنيت بالرواية الأمة العربية، فقد كانت الرواية فاشية فيهم، لأنهم كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب وإن وجد--------------------------------------------
1 فجر الإسلام ص166.
2 أحد شعراء اليونان وأدبائهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فيهم من يعرف القراءة، ويجيد الكتابة فهم قلة جدا … وكان ديدنهم التكاثر، والتنافر، والتفاخر، بالأحساب والأنساب والتنابذ بالمعايب والألقاب.
كما كانوا يحافظون أشد المحافظة على صفاء أنسابهم وصيانتها من الهجنة والاختلاط، فمن ثم عنوا بحفظ أنسابهم وما كان لآبائهم وأسلافهم من أمجاد ومفاخر، وما كان لأعدائهم من مثالب ونقائص. وما كان بينهم وبين غيرهم من حروب ووقائع. فكان من الضروري لهم أن يعلموا ما يؤدي به هذه الأغراض.
ولما كانوا ليسوا ممن يخط بالقلم لم يكن لديهم من الكتب والصحف ما يقيدون فيه هذه المفاخر أو المثالب أو الوقائع وما فيها من البطولات كان لا بد لهم من الاعتماد على الحفظ والذاكرة. فمن ثم نشأت عندهم ملكة الأخذ عن الغير، وتحمل بعضهم عن بعض حتى كان الواحد منهم كأنه سجل يدون فيه التاريخ. وكان الواحد منهم يعظم في قومه بمقدار ما يحفظ من الأنساب والأحساب، وطبعي أنهم لم يكونوا في هذا سواء، بل كانوا متفاوتين في الحفظ والضبط على قدر تفاوتهم في الاستعداد والأحوال والملابسات، فمنهم ما يتعلق ببعض القبائل، ومنهم من كان يقتصر على حفظ ما يتعلق بنسب قبيلته ومفاخرها.
وأيضا فقد كان الشعر يعتبر سجل العرب وديوانهم، وكان الشاعر يعتبر لسان القبيلة المتغني بفضائلها، والذائد عن عرضها، فكان يقوم مقام وسائل الإعلان والدعاية في عصرنا هذا من نشر وصحافة وإذاعة. ولذلك ما كانوا يسرون بشيء أعظم من سرورهم بشاعر ينبغ في القبيلة قال ابن رشيق في العمدة: "وكانوا -أي العرب- لا يهنئون إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
بغلام يولد، أو شاعر ينبغ، أو فرس تنتج1.
وما كان الشعر بمدون في كتب أو صحف. وإنما كان الاعتماد فيه على الرواية، يرويه الخلف عن السلف، ويروونه لمن بعدهم2 ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن الرواية عند العرب في الجاهلية كان عليها جل اعتمادهم في حفظ أشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيام حروبهم، وأنهم ضربوا فيها بسهم راجح فاقوا فيه من عداهم. وقد شاء الله لهم هذا حتى يكون من الأسباب الحاملة للأمة العربية على أن تحفظ كتاب ربها وسنة نبيها وتبليغهما للناس كافة لما تشرفت بجمل خاتمة الرسالات إلى الناس كافة وأشرفها وأحقها بالخلود.
مميزات الرواية في الإسلام:
والرواية وإن كانت قديمة معروفة قبل الإسلام إلا أن الرواة قبل الإسلام من العرب وغيرهم ما كانوا يهتمون بتصحيح الأخبار والتحري عن رواتها والبحث عن صدقها ومطابقتها للحق والواقع، ولم يكن عندهم من صفة النقد والجرح والتعديل وتمحيص المرويات مثل ما كان للرواية بعد الإسلام، وذلك لأن تلك المرويات لم يكن لها من القداسة والحرمة والتقدير ما للمرويات الإسلامية. فمن ثم لم يدققوا فيها، ولذلك نجد أغلبها أساطير وأحاديث خرافة، يقصد بها إشباع الرغبة أو التسلية أو بث روح الإقدام والشجاعة، واستنهاض الهمم وإثارتها للحروب.
أما الرواة الإسلاميون فهم يعلمون حق العلم أن مرجع الأحكام الشرعية من حلال وحرام وغيرهما إلى القرآن الكريم والسنة النبوية،--------------------------------------------
1 بضم التاء وسكون النون وفتح التاء آخره جيم على صيغة المبني للمجهول.
2 تاريخ الأدب العربي للرافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
ويعلمون أن التساهل في زيادة شيء من الدين كالتساهل في نقص شيء منه.
والقرآن الكريم ثابت بالتواتر المفيد للقطع واليقين في نسبته إلى الله جل وعلا، فلا مجال للشك فيه، فكان لا بد لهم من أن يتأكدوا من صحة نسبة الأحاديث والسنن إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فمن ثم شددوا في الرواية، ووضعوا لها شروطا وأصلوا لها أصولا وقواعد هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث.
فهذا القدر وهو الاعتناء بتصحيح الأخبار والتثبت منها ونقدها من جهة السند والمتن نقدا علميا صحيحا هو الذي اختصت به الرواية الإسلامية.
"عناية المسلمين بنقد الأسانيد والرواة":
وقد عُنِيَ العلماء المسلمون ولا سيما علماء الحديث والفقه والأصول بعلم الإسناد ونقد الرواة عناية فائقة إذ به يعرف التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف من المرويات والمقبول من المردود منها، وذلك لما رأوا الله ورسوله يحضان على التثبت في المرويات وأنه لا يقبل إلا خبر العدل الضابط، ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} 1 وقال أيضا جل ثناؤه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 2 وقال عز شأنه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} 3 فقد دل ما ذكرنا من الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير--------------------------------------------
1 الحجرات آية 6.
2 البقرة آية 283.
3 الطلاق آية 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه الشهادة في بعض الوجوه. فقد يجتمعان في أعظم معانيها إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم، ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى 1 أنه كذب فهو أحد الكاذبين" 2.
وروي في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" 3، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".
وكذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم النهي عن الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين، والتحري في الرواية، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يكون في آخر الزمان دجالون4 كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم". وروى بسنده عن مجاهد قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه5 ولا ينظر إليه فقال: يابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا--------------------------------------------
1 روى يرى بضم الياء بمعنى يظن وبفتحها بمعنى يعلم. وروى الكاذبين بصيغة الجمع وبصيغة المثنى وقد دل الحديث على أنه إن علم كذب حديث أو غلب على ظنه ذلك حرم عليه روايته دون بيان وضعه.
2 مقدمة صحيح مسلم ج1 ص61، 62.
3 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وصحيح مسلم ج1، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4 جمع دجال وهو المموه الذي يحاول أن يلبس الباطل ثوب الحق.
5 لا يستمع ولا يصغي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
تسمع!! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة1 إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف"، وفي رواية طاوس للقصة: "فلما ركب الناس الصعب2 والذلول تركنا الحديث عنه"، وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
وعنه أيضًا قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
وروى بسنده عن عبد الله بن المبارك قال: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" وروى عنه أيضًا أنه كان يقول: "بيننا وبين القوم القوائم3 يعني الإسناد وروى بسنده عن أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: "إن من البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك. وتصومي لهما مع صومك" قال: فقال عبد الله يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت له. هذا من حديث شهاب بن فراس. قال: ثقة عمن؟ قال: قلت عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة عمن؟ قال: قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز4 تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاق" وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين--------------------------------------------
1 حينا: وذلك قبل أن يظهر الكذب.
2 أصل الصعب والذلول في الإبل فالصعب: العسر المرغوب عنه: والذلول: الطيب السهل المحبوب فالمعنى سلك الناس كل مسلك مما يذم ويحمد.
3 بجعل الحديث كالحيوان، لا يقوم الحديث بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان وينتفع به بغير قوائم.
4 مفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء أي انقطاع كثير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
النبي صلى الله عليه وسلم اثنان: التابعي والصحابي فلذلك قال هذا. وهذا لون من ألوان النقد الأصيل النزيه.
وروى مسلم بسنده عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله1.
وقال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن" وقال الإمام الشافعي: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كحاطب ليل"، إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد، ونقد الرواة وتشريحهم تشريحا علميا دقيقا. ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيغهم وكذبهم ويرد عليهم كيدهم.
الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية:
فلا عجب وقد سمعت خصيصة الرواية في الإسلام أن يكون الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية، وإليكم كلام رجل عارف بالملل والنحل وتاريخ المذاهب الإسلامية، وهو الإمام أبو محمد علي بن حزم، قال في كتابه "الفصل في الملل والنحل" ما خلاصته: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الأمم وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أزيد من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وجده فقط على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه.--------------------------------------------
1 صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص78، 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول فلا يمكن اليهود أن يصلوا إلى صاحب نبي أصلا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن للنصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون بولص، وقال أبو علي الجياني: "خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب"1.--------------------------------------------
1 التدريب ص183 الباعث الحثيث هامش 189-190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
كان معظم الصحابة رضوان الله عليهم يأخذون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي أخذا شفاهيا بطريق السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لم تمكنه ظروف حياته من التلقي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة بسبب السفر أو الاشتغال بالجهاد أو أمور المعاش أخذ عمن تلقى عن الرسول، فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم1 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتناوب هو وجار له من الأنصار في الذهاب إلى مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ينزل يوما، وذاك ينزل يوما، فإذا نزل أحدهما جاء للآخر بخبر ذلك اليوم من الوحي والأحاديث والأخبار، وهكذا نجد أنهم ما كان يشغلهم دينهم عن دنياهم، ولا تشغلهم دنياهم عن دينهم بل جمعوا بين الحسنيين. وحازوا الفضيلتين: العمل للدنيا والعمل للآخرة. وكذلك من نأى عن الرسول كانوا يرسلون الوفود لتأتيهم بخبر الرسول والوحي قرآنا أو سنة. وذلك كما فعل قوم ضمام بن ثعلبة، فقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم رسولا من قومه وسأله عن الرسالة وشرائع الإسلام. وكوفد عبد القيس، فقد وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن الإيمان وشرائع الإسلام فأجابهم وعلمهم وأوصاهم أن يحفظوا الإيمان والعلم، ويبلغوه مَن وراءهم رواهما--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب التناوب في العلم، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
البخاري ومسلم1 بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل مع الوفود من علماء الصحابة من يقرئهم القرآن. ويعلمهم السنة. ويفقههم في الدين وذلك كما فعل مع الأنصار قبل الهجرة، فقد أرسل معهم الصحابي الجليل مصعب ابن عمير داعيا إلى الإيمان ومقرئا ومعلما.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يشحذ عزائمهم إلى حفظ الأحاديث والسنن وتبليغها بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرأ سمع مني مقالة فحفظها ووعاها، فأداها كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع" ، رواه أبو داود والترمذي وروى نحوه الشافعي والبيهقي وفي آخره: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وقال صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه".
وقال: "فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع" ، رواها البخاري2 وقال صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" ، رواه الترمذي من حديث طويل إلى غير ذلك من الأحاديث التي كانت تحمل الصحابة على العناية الفائقة بحفظ الأحاديث والسنة وتبليغها.
"كتابة القرآن كله":
لقد كتب القرآن جميعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان كتب مفرقا في العسب والأكتاف، والرقاع، واللخاف3 وتلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث وباب تحريض النبي وفد عبد القيس أن يحفظوا الإيمان والعلم.
2 كتاب العلم باب رب مبلغ أوعى من سامع.
3 العسيب: جمع عسيب طرف الجريد العريض، والأكتاف: جم كتف أي عظم الكتف، الرقاع: جمع رقعة: ما يكتب فيه من جلد أو قماش أو ورق، اللخاف: جمع لخفة: وهي حجارة رقيقة يكتب عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وقد كان المعول عليه في حفظ القرآن، وضبط كلماته هو التلقي والسماع، فقد تلقوه كله عنه آية آية، وكلمة كلمة، وحرفا حرفا من غير تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان، ثم بلغوه كما تلقوه لمن بعدهم وهكذا نقله كل جيل عمن قبله حتى وصل إلينا كما أنزله الله غضا طريا كأن عهده بالنزول أمس.
وبذلك اجتمع للقرآن الكريم الحفظ في الصدور، والكتابة في السطور، والتلقي الشفاهي والكتابي، وصدق الله حيث يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1. ولم تقف عنايتهم بالقرآن عند حفظ لفظه. وضبط كلماته بل عنوا برواية كل ما يتصل بالقرآن كتفسيره، ومكيه ومدنيه، وأسباب نزوله، والأحرف التي نزل عليها، وقراءاته، ورسمه. ووقوفه، وطرق أدائه ونحوها.
لم لم تدون الأحاديث كلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:
وإنما لم تدون الأحاديث كلها "كالقرآن" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأمور:
1- لفشو الأمية، وعدم توفر أدوات الكتابة فيهم.
2- ولسعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، واعتمادهم على الحفظ أكثر من اعتمادهم على الكتابة.
3- لورود النهي عن ذلك. فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" 2، وهذا هو الحديث الوحيد -فيما أعلم- في هذا المعنى، وسيأتي بيان وجهة هذا النهي.
وقد كان هذا النهي بمثابة إشحاذ الهمم، وتقوية العزائم لحفظ الأحاديث والسنن، وتبليغها للغير باللفظ إن أمكن وإلا فبالمعنى، ولا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثهم ويرغبهم في ذلك بمثل ما ذكرناه آنفا.--------------------------------------------
1 الحجر 9.
2 صحيح مسلم، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم في أواخر الصحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
وبمثل ما رواه أبو محمد الرامهرمزي في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" بسنده عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال:
"سمعت علي بن أبي طالب يقول: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم ارحم خلفائي" ، قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس".
فمن ذا الذي يسمع هذا وأمثاله، ولا يبذل غاية وسعه في حفظ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون له هذه الخلافة المشرفة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
"الإذن لبعض الصحابة بالكتابة":
ومع ورود هذا النهي عن الكتابة فقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة أن يكتبوا الأحاديث، وهذا يدل على أن النهي لم يكن قاطعا على سبيل الحتم، وأنه لم يكن عاما يقصد به الجميع، وإنما كان لأسباب واعتبارات سنعرض لها فيما يأتي.
الأحاديث الدالة على الكتابة في العهد النبوي:
وقد وردت أحاديث دالة على أن بعض الصحابة كان يكتب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لبعضهم في الكتابة، وأذن للصحابة أن يكتبوا لغيرهم، فمن ذلك:
1- ما رواه البخاري1 ومسلم2 في صحيحهما وغيرهما "أن عليا رضي الله عنه سئل: "هل عندكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة3 إلا أن يعطي الله عبدا فهما في--------------------------------------------
1 صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، وصحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، وهذه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي وهي أوفى الروايات.
2 صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة وبيان تحريمها ورواية مسلم من طريق إبراهيم التميمي عن أبيه قال خطبنا عليٌّ … إلخ، هي أوفى الروايات وأشملها.
3 خلق النفس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
كتابه، وما في هذه الصحيفة، قلت -هو أبو جحيفة السائل1: وما في هذه الصحيفة؟ قال:
"العقل2 وفكاك3 الأسير وألا يقتل مسلم بكافر" وفي رواية لهما: "ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فإذا فيها: المدينة هرم ما بين عبر إلى ثور"4.
وفي رواية لمسلم بسنده عن علي وفيها: " … فأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله … " الحديث، وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي فإذا فيها: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم … " الحديث، وللإمام أحمد عن طريق ابن شهاب "فيها فرائض الصدقة … " أي زكاة السوائم من إبل وبقر وغنم ونحوها. وهذا يدل على أن هذه الصحيفة كانت حافلة بكثير من الأحاديث ولكن كلا من الرواة نقل ما حفظه أو اقتصر على بعض ما فيها.
2- ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن--------------------------------------------
1 كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم، وقد روى له الجماعة، وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه، ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها.
2 أي الديات سميت الإبل عقلا لأنهم كانوا يعقلونها بالعقل -أي الحبال- حين يقدمونها في الديات.
3 العمل على تخليصه من الأسر ولو كان بفداء.
4 أما وجود عير وثور بالمدينة فقد أنكره مصعب الزبيري وأما أصحاب الغريب وشراح الأحاديث فقد اختلفوا: فمنهم من قال: إن ذكر غير صحيح وثور غير صحيح قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وتابعه ياقوت الحموي في "معجم البلدان" وابن الأثير في "النهاية".
والمحققون من المحدثين أثبتوهما كالقاضي عياض والنووي وابن حجر على أن كلا من الجبلين موجود بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى "ثورا" وقال بعض الذين ألفوا في "أخبار المدينة": "وقد تحققته بالمشاهدة" وكذلك حقق صاحب القاموس المحيط صحة الرواية وأن "عيرا" و"ثورا" جبلان بالمدينة "القاموس المحيط ج1 ص284" ومن أراد استقصاء في هذا فليرجع إلى "فتح الباري" ج4 ص82، 83.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب1.
3- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهما2: أن أبا شاه3 اليمني التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه".
4- ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده … " الحديث.
أي آمر بأن يكتب لكم كتاب، فهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم وهم بالكتابة بالفعل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن ولا يهم إلا بما هو مشروع.
5- ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمر بن عزم وغيره روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: "أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط … " الحديث.
6- وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن--------------------------------------------
1 وكان مقتضى هذا أن يكون أكثر حديثا من أبي هريرة مع أن ما أحصاه العلماء من مرويات عبد الله أقل مما أحصاه العلماء لأبي هريرة بكثير جدا والسبب في هذا: 1- أن عبد الله كان أكثر مقامة بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة التي كان مستوطن أبي هريرة مع تصديه للرواية أو الفتوى حتى مات. 2- ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي له بألا ينسى ما يحدث به. 3- أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الرواية عنه كثير من أئمة التابعين -فتح الباري ج1 ص207.
2 عمدة القاري ج1 ص568 ط استانبول.
3 أبو شاه: بشين معجمة وهاء بعد الألف في الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء بل هو خطأ وتصحيف ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته وهو كلبي يمني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
العاص قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الشيء أفأكتبه؟ قال: "نعم" قلت: في الغضب والرضا؟ قال: "نعم فإني لا أقول فيهما إلا حقا".
وكانت له صحيفة -أي نسخة تضم أحاديث كثيرة- وكان يسميها الصادقة لثقته بكل ما رواه فيها من الأحاديث وكان يعتز بها غاية الاعتزاز حتى كان يقول: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة، والوهط" والوهط بستان له كان بالقرب من الطائف، وقد روى الكثير منها حفيده عمرو بن شعيب صاحب النسخة المشهورة عند المحدثين.
7- وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: "كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه. فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "استعن بيمينك"، وأومأ بيده إلى الخط. أي أشار إلى الكتابة بإصبعه. قال الترمذي: وهذا الحديث ليس إسناده بذلك القائم.
8- وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله: إن نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: "أكتبوا ذلك ولا حرج"، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث.
9- وروى الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفا: "قيدوا العلم بالكتاب" وفي سنده مقال.
10- وأسند الديلمي عن عليٍّ رضي الله عنه مرفوعا: "إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بسنده" وفي سنده مقال.
ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعماله بشأن الزكوات وأنصبتها، وما كتبه في عهود بينه وبين اليهود بالمدينة وغيرها، ومن عهود بينه وبين المشركين كما حدث في الحديبية، والكتب التي كتبها إلى الأمراء بالجزيرة، وإلى ملوك الدنيا المعروفة آنئذ داعيا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
إلى الله والإسلام وما كتبه الصحابة أو كتبوه لغيرهم، يكون عددا كثيرا من الأحاديث التي قد تملأ مجلدا وسيطا.
"اختلاف السلف":
وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الأحاديث وتدوينها في الكتب فكرهها طائفة منهم: ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهم.
وأباحها أو فعلها طائفة منهم: عمر، وعلي، وابنه الحسن، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر، وابن عباس، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وحكاه القاضي عياض عن أكثر الصحابة والتابعين، ومن ملح قول بعضهم وهو أبو المليح: "يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه وقد قال الله عز وجل: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} 1.
ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها بل على وجوبها قال ابن الصلاح في مقدمته: "ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة"2.
وقال الحافظ ابن حجر: "ولم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة وبذلك ارتفع الخلاف الذي كان بينهم أولا في كتابة الحديث.
واستقر الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابته، بل على استحبابه، بل على وجوبه على من خشي عليه النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم3.--------------------------------------------
1 التدريب ص150.
2 علوم الحديث بشرحه ص171 ط حلب.
3 فتح الباري ج1 ص204.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)