فلا يقبل كافر إذ لا وثوق به مع شرف منصب الرواية عن الكافر لنفوذها على كل مسلم وهذا بالإجماع (مكلفاً) أي بالغاً عاقلًا فلا يقبل صبي في الأصح لأنه لعلمه أنه غير مكلف قد لا يحترز عن الكذب فلا يوثق به، وقيل يقبل إن عُلِم منه التحرز عن الكذب، ولا مجنونٍ إذ لا يمكنه التحرز عن الخلل إلا إذا انقطع ولم يؤثر في حال الإفاقة. (لم يرتكب فسقاً) أي لم يزاول مفسقاً، والفسق ارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة. (ولا خرم) أي خارم (مرؤة) أي قاطعها، ومزيلها، وهي بالضم والهمز بوزن سُهُولة، وقد تبدل الهمزة واواً فتدغم فيما قبلها: آداب نفسانية تحمل مُرَاعَاتُهَا على الوقف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.
ونقل السخاوي عن الزنجاني: أن المرؤة يُرجَع في معرفتها إلى العرف فلا تتعلق بمجرد الشرع. وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تنضبط بل هي تختلف لاختلاف الأشخاص والبلدان فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لَعُدَّ خرماً للمرؤة.
وبالجملة فرعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمر واجب.
قال الزركشي وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة مطلق الناس بل الذين يُقْتَدَى بهم وهو كما قال اهـ.
والحاصل: أن شروط العدالة على ما ذكره خمسة الإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق، والسلامة مما يخرم المرؤة. فجملة " لم يرتكب " خبر بعد خبرين، أو حال من اسم يكونَ.
(و) أما الضبط فهو لغة: مصدر ضبط الشيء من باب ضرب حفظه حفظاً بليغاً، ومنه قيل ضَبَطْتُ البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قياماً ليس فيه نقص. اهـ المصباح.
واصطلاحات ما أشار إليه بقوله: (لا) يكون (مغفلا) بصيغة اسم المفعول أي منسوباً إلى الغفلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
والمعنى: أن الضبط أن لايكون الرواي مغفلًا بأن لا يميز الصواب من الخطأ، كالنائم والساهي، إذ المتصف بالغفلة لا يحصل الركون إليه، ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه. وقوله (يحفظ) جملة حالية أي حال كونه حافظاً أي مُثْبِتاً ما سمعه في حافظته بحيث يبعد زواله عنها متمكناً من استحضاره متى شاء. وقوله (إن يمل) قيد في الحفظ أي إن رواه من حفظه، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الصدر، وإِنْ في المواضع الثلاثة شرطية.
(كتاباً) مفعول لقوله (يضبط) بكسر الباء أي يحفظه ويصونه عن تطرق التزوير والتغيير إليه من حين سمع فيه إلى أن يؤدى منه. (إن يروى منه) أي الكتاب كما هو الغالب في الأزمان المتأخرة، وهذا هو المسمى عندهم بضبط الكتاب، قال بعضهم: ومن شرطه أن لا يُعِيَره لأحد، فإن أعاره فلا يجوز له أن يرويه بعده لاحتمال أن يغيره المستعير ويبدل، ما لم يعره لأمي، وما لم تكثر النسخ، وهذا الزمان لا يقال فيه ذلك لأن الكتب قد ضبطت. انتهى. ذكره الشارح. حال كونه (عالماً ما) أي اللفظ الذي (يسقط) بضم الياء من الاسقاط أي يحذفه من الحديث (إن يرو) الحديث (بالمعنى) بناء على جوازه وهو الصَّحِيح كما سيأتي.
وحاصل المعنى: أنه يشترط كون الراوي عالماً بما يحيل المعنى إن رواه بالمعنى بحيث يأمن من تغيير ما يرويه وسيأتي تمامه في بابه إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر ما يعرف به كون الراوي ضابطاً بقوله (وضبطه) أي الراوي مبتدأ خبره قوله (عرف) بالبناء للمفعول أي علم (إن) شرطية (غالباً) أي في كثير من الأحوال (وافق) الراوي (من) موصولة مفعول وافق (به) أي الضبط (وصف) بالبناء للمفعول أي من اتصف بالضبط وإن خالفه نادرا.
وحاصل المعنى أن ضبط الراوي يعرف باعتبار ما يرويه بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وُجِدَ موافقاً لهم غالباً ولو من حيث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
المعنى فضابط وإلا فلا، ولا تضر مخالفته النادرة. ثم ذكر الخلاف فيما يَثْبُتُ به الجرح والتعديل فقال:
284 - وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلُ وَالأَصَحْ … إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ
285 - أَوْ كَانَ مَشْهُورًا ......... … ...............
(واثنان) من المزكين (إن زكاه) أي حَكَمَا بعدالته في الرواية، يقال زكيته بالتثقيل نسبته إلى الزكاء وهو الصلاح، والرجل زكي والجمع أزكياء. اهـ المصباح، يعني أنه إن زكا شخصان راويا فهو (عدل) أي محكوم بعدالة الرواية، فقوله اثنان مبتدأ سوغه الوصف المذكور، وإن شرطية وفي نسخة " مَنْ " وزكاه فعل الشرط، وأفرد الضمير نظراً للفظ اثنان، فإنه مفرد اللفظ مثنى المعنى، وقوله عدل خبر لمحذوف مع الرابط أي فهو عدل، والجملة جواب إن، والجملة خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى أنَّ من عَدَّله عدلان فهو عدل، وأما من عدله عدل واحد ففيه خلاف والأصح أنه عدل وكذا الجرح، وإليه أشار بقوله (والأصح) من أقوال العلماء مبتدأ خبره جملة الشرط (إن) شرطية (عدل الواحد) أي أخبر المزكي الواحد بعدالة الراوي، والمراد بالواحد الشخص فيشمل العبد والأنثى كما سيأتي، وقوله (يكفي) جواب إن ولم يجزم لكون الشرط ماضياً، كما قال ابن مالك: وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَنْ.
يعني أن تعديل الواحد يكفي في عدالة الراوي، وقوله (أو جرح) عطف على عدل أي إن جرح الواحد يكفي في الجرح أيضاً وجملة " إن " خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أن الأصح وهو قول المحققين ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين، قال ابن الصلاح وهو الذي اختاره أبو بكر الخطيب وغيره أن تعديل الواحد أو جرحه كاف.
والحاصل: أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يقبل في التزكية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
إلا رجلان كالشهادة حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
الثاني: أنه يكفي الواحد فيهما وهو الذي اختاره في النظم.
الثالث التفصيل: فيكفي في الرواية تعديل الواحد بخلاف الشهادة.
ثم ذكر مما تثبت به العدالةُ الاستفاضةَ والشهرةَ فقال: (أو كان) الراوي (مشهوراً) بالعدالة ونباهة الذكر بالاستقامة والصدق مع البصيرة والفهم فإنه يكفي ذلك في قبوله، فقوله " كان " معطوف على عدل أي الأصح أنه إن كان الراوي مشهوراً بذلك يكفي في قبول روايته.
وحاصل المعنى: أن من اشتهر من الرواة بالعدالة بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة والصدق استغنى فيه بذلك عن طلب بينة شاهدة بذلك تنصيصاً، قال ابن الصلاح: وهذا هو الصَّحِيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه، وذلك كشهرة مالك، وشعبة، ووكيع، وأحمد، وابن معين، ومن جرى مجراهم.
ويثبت الجرح أيضاً بالاستفاضة كما قال السخاوي، وتوسع الحافظ ابن عبد البر حيث قال: كل حامل علم معروف بالعناية به فهو محمول أمره على العدالة حتى يتبين جرحه وإليه أشار بقوله:
............ وزَادَ يُوسُفُ … بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ
286 - عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، وَأَبَوْا … ................
(وزاد) توسعاً في باب العدالة الحافظ أبو عمر (يوسف) بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النَّمَرِيُّ القرطبي ولد سنة 368 هـ في ربيع الآخر قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثله في الحديث، له التمهيد، والاستذكار، في شرح الموطأ، والاستيعاب في الصحابة، وغير ذلك.
توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخرة سنة 463 هـ عن 95 سنة (بأن) الباءً زائدة، أو على تضمين زاد معنى تفرد، (كل من) أي شخص (بعلم)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
أي بالعناية به، متعلق بـ (يعرف) بالبناء للمفعول (عدل) خبر أنَّ، أي محمول أمره على العدالة (إلى ظهور جرح) متعلق بعدل، أي إلى تبين أمر جارح له.
وحاصل المعنى: أن ابن عبد البر يقول كل حامل علم معروف بالعناية به فهو محمول في أمره أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه، ووافقه على ذلك ابن المَوَّاق من المتأخرين لقوله صلى الله عليه وسلم " يَحمِلُ هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " لكن الجمهور قالوا إن هذا توسع غير مرضي، وإليه أشار بقوله (وأبوا) أي امتنع العلماء من قبول كلام ابن عبد البرّ المذكور، وقالوا إنه توسع غير مرضي.
والحديث المذكور حديث مختلف فيه، فقيل: إنه مرسل أرسله إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري روى عنه مُعان بضم أوله وتخفيف المهملة ابن رفاعة السلامي، ورواه عن معان غير واحد.
ذكره الذهبي في الميزان، وقد توبع معان فذكر الخَلَّال في علله أن أحمد بن حنبل سئل عنه، وقيل كانه كلام موضوع قال: لا هو صحيح، فقيل ممن سمعته؟ قال من غير واحد فقيل من هم؟ فقال حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: يعنى فغلط في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن قال أحمد ومعان لا بأس به ووثقه ابن المديني.
وقد أطال الكلام في هذا الحديث في التنقيح وشرحه التوضيح فارجع إليه.
وقد أيد ابن الجزري ما ذهب إليه ابن عبد البر وقال: هو الصواب وإن رده بعضهم وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين، ونحوه قول ابن سيد النَّاس: لست أراه إلا مرضياً، وقد قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تبيناً ولا اتفق لهم علم بأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
أحداً وثقه فهذا الذي عناه الحافظ ابن عبد البر وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه الجرح، قال: ومن ذلك إخراج البخاري ومسلم لجماعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا توثيق.
ثم ذكر مسألة الجرح والتعديل على الإبهام فقال:
.................. … وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا
287 - قَبُولَهُ مِنْ عَالِمٍ عَلَى الأَصَحّ … مَا لَمْ يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ
(والجرع والتعديل) بالنصب على الاشتغال، أو بالرفع على الابتداء خبره جملةُ رَأَوْا أي جَرْحُ الراوي وتعديله حال كون كل منهما (مطلقاً) أي غير مفسر بذكر سببه وفي نسخة مبهما (رأوا) أي المحققون (قبوله) أي كل واحد منهما (من عالم) أي من شخص عالم بأسباب الجرح والتعديل والخلافِ في ذلك بصيرٍ مرضِيّ في اعتقاده وأفعاله. (على الأصح) خبر لمحذوف أي هذا على القول الأصح، أو متعلق برأوا، وهذا القول هو الذي اختاره الحافظ (ما) مصدرية ظرفية (يوثق) بالبناء للمفعول ونائب فاعله (من) أي الشخص الذي (بإجمال) أي من غير تفصيل متعلق بقوله (جرح) بالبناء للمفعول يعني من جرحه جارح بأمر مجمل.
وحاصل المعنى: أن الأصح قبول الجرح والتعديل المبهمين إذا صدرا من عالم بالأسباب بصير مرضى اعتقاداً وأفعالاً ما لم يوجد توثيق إمام من الأئمة لمن جرح مجملاً فإن هذا الجرح لا يقبل إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ النَّاس فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِلَ الجرحُ فيه غير مفسر إذا صدر من عارف لأنه إذا لم يُعَدَّل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله.
والحاصل أن في الجرح والتعديل المبهمين اختلافاً بين العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الأول: يقبل التعديل من غير ذكر السبب ولا يقبل الجرح إلا مبيناً لأن أسباب التعديل كثيرة فيشق ذكرها بخلاف أسباب الجرح لأنه يحصل بأمر واحد وهذا قول الجمهور من الفقهاء والأصوليين وحفاظ الحديث كالشيخين.
والثاني: عكسه وهو قبول الجرح مطلقاً ولا يقبل التعديل إلا مفسراً لأن أسباب العدالة يكثر فيها التصنع فيتسارع النَّاس إلى الثناء على الظاهر.
والثالث: لا يقبلان إلا مفسرين لأنه كما يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة.
والرابع عكسه: وهو لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل والخلافِ في ذلك بصيراً مرضيا في اعتقاده وأفعاله، وهو اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والغزالي، والرازي والخطيب وصححه أبو الفضل العراقي والبلقيني.
وفصل الحافظ تَفْصِيلاً حسناً فإن كان من جرح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائناً مَنْ كان إلا مفسراً، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي إلى آخر ما تقدم.
وهذا هو الذي رجحه الناظم في هذا النظم، وهو في الحقيقة تفصيل للقول الرابع وليس قولًا مستقلاً. ثم ذكر مسألة تعديل العبد والأنثى فقال:
288 - وَيَقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ … أُنْثَى وَفِي الأُنْثَى خِلافٌ قَدْ زُكِنْ
(ويقبل التعديل) فعل مغير الصيغة ونائب فاعله، أي يقبل تعديل الراوي وكذا جرحه حال كونه صادراً (من عبد ومن أنثى) يعني أن العبد والأنثى إذا زَكَّيَا شخصاً يقبلان إذا كانا عارفين بهذه الصناعة لأنه إخبار ورواية، وروايتهما مقبولة، وهذا هو الصَّحِيح، وخالف بعضهم في المرأة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وإليه أشار بقوله (وفي) قبوله من (الأنثى خلاف) بين العلماء (قد زكن) بالبناء للمفعول أي عُلِم.
فقد نقل القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم عدم القبول كما في الشهادة لكن الصَّحِيح هو الأول، وقد استدل الخطيب للقول الصَّحِيح بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم بريرة عن عائشة في قصة الإفك.
ثم ذكر الخلاف في تقديم الجرح على التعديل فقال:
289 - وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ … أَكْثَرُ فِي الأَقْوَى، فَإِنْ فَصَّلَهُ
290 - فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ، أَوْ نَفَاهُ … بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ
(وَقَدِّمِ) أيها الطالب للرأي الأرجح (الجرح) للراوي على التعديل له فيما إذا اجتمعا من الأئمة النقاد (ولو عدله) أي حكم له بالعدالة (أكثر) عدداً ممن جرحه وقوله (في الأقوى) أي القول الأرجح لقوة دليله متعلق بقدم.
والمعنى: أنه إذ اجتمع في الراوي جرح وتعديل فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الصَّحِيح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عليه، وقيد الفقهاء بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب منه وحسنت حاله فإنه حينئذ يقدم المعدل، وإلى هذا القيد أشار بقوله: (فإن فَصَّله) من الفصل، أو التفصيل، أي بين المعدل وجه تعديله بذكر ما يرجحه من نقض كلام الجارح كأن يقول الجارح إن هذا الراوي زنى (فقال) المعدل عرفت ذلك ولكنه (منه) أي مما جرح به (تاب) إلى الله بشرطه وحسن حاله واستقام، (أو) عَيَّنَ الجارح سبباً فـ (نفاه) عطف على فصله، أي نفى المعدل ما عينه الجارح سبباً للجرح (بوجهه) أي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
بطريق النفي المعتبرة، فالضمير عائد على النفي المفهوم من نفى، يعني أنه إذا نفى ذلك السبب بطريق معتبر مجزوم به كأن يقول الجارح قتل غلاماً ظلماً يوم كذا فقال المعدل رأيته حَيًّا بعد ذلك.
أو قال كان القاتل في ذلك الوقت عندي، وقوله (قدم من زكاه) جواب إن، وهو فعل ونائب فاعله أي قدم قول المعدل على الجارح في هاتين الصورتين لأن معه زيادة علم.
وحاصل ما في هذه المسألة أنه إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل يقدم الجرح ولو زاد عدد المعدل على الأصح، لكن يسثنى من هذه القاعدة مسألتان " إحداهما " ما إذا نقض المعدل قول الجارح بأن قال: عرفت السبب، ولكنه تاب منه وحسنت حاله فإنه يقدم المعدل، وقيده البلقيني بغير الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقدم فيه قول المعدل كما سيأتي تحقيقه.
" الثانية ": ما إذا عين الجارح سبباً فنفاه المعدل بطريق معتبر فإنه يقدم فيه قول المعدل أيضاً.
ومقابل الأصح قول من قال: إن كان المعدلون أكثر يقدم على الجرح، وقول من قال: يرجح بالأحفظ، ومن قال: يتعارضان.
هذا كله فيما إذا صدرا من قائلين، وأما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معين وغيره من أئمة النقد فهذا قد لا يكون تناقضاً بل نسياناً في أحدهما أو نشأ عن تغير اجتهاد، وحينئذ فلا ينضبط بأمر كلي، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم وإلا وجب التوقف أفاده السخاوي.
ثم ذكر رواية العدل عمن سماه هل تكون تعديلًا له أو لا فقال:
291 - وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلاً إِذَا … عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ وَلَوْ خُصَّ بِذَا
(وليس في) القول (الأَظْهَرِ) الذي قاله أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم (تعديلًا) خبر ليس واسمها ضمير يعود إلى رواية العدل المفهوم مما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
بعده، أي ليس رواية العدل عن شخص تعديلاً له (إذا روى عنه) أي عن الشخص (العدل) الحافظُ الضابط فضلاً عن غيره (ولو خص) بالبناء للفاعل أي ولو خص ذلك العدل روايته (بذا) أي العدل، أو بالبناء للمفعول أي ولو خص ذلك العدل بالرواية عن العدل. وحاصل معنى البيت: أنه إذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلاً لذلك الشخص عند الأكثرين وهو الصَّحِيح لجواز رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايته عنه تعديله.
ولو صرح بذلك بأن صرح أنه لا يروي إلا عن العدل، أو عرف من حاله بالاستقراء كشعبة ومالك وَيَحْيَى القطان لجواز أن يترك عادته. وسيأتي ذكر من لا يروي إلا عن ثقة غالباً.
ومقابل الأظهر قول من قال: إنه تعديل مطلقاً إذ الظاهر أنه لا يروي إلا عن عدل إذ لو علم جرحاً لذكره لئلا يكون غاشًّا.
وقول من قال بالتفصيل: فإن كان لا يروي إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا، وهو الصَّحِيح عند الأصوليين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم.
وقيد بالعدل لأنه إذا كان غير عدل فإنه لا يكون تعديلاً بالاتفاق قاله السخاوي.
ثم ذكر مسألة التعديل لمن أُبْهِمَ، ومجرد الرواية عن المعين بدون تعديل فقال:
292 - وَإِنْ يَقُلْ: حَدِّثْ مَنْ لا أَتَّهِمْ … أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ
293 - بِثِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْهَمِ … لا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ
294 - وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ … قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لا، مَا لَمْ يُبَنْ
(وإن يقل) الراوي في روايته (حَدَّثَ) ـنِي، أو أخبرني مثلاً (من لا أتهمـ) ـهُ بكذب أو غيره (أو) قال حدثني (ثقة) أو ضابط أو عدل من غير أن يسميه (أو) قال (كل شيخ لي) مبتدأ خبره قوله (وسم بثقة) بالبناء للمفعول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
أي علم بكونه ثقة يعني أنه قال جميع أشياخي الذين أروي عنهم ثقات وإن لم أسمهم (ثم) بعد هذا كله (روى) حديثاً (عن) راو (مبهم) أي غير مسمى باسمه وقوله (لا يكتفى) بالبناء للمفعول جواب إن أي لا يكتفى به في تعديل ذلك المبهم (على الصَّحِيح) من الأقوال (فاعلم) هذا وحققه في ذهنك.
وحاصل معنى البيتين أنه إذا قال حدثني الثقة أو من لا أتهمه أو نحوهما من غير أن يسميه، أو قال: كل شيخ لي ثقة ثم روى عمن لم يسمه لم يكتف به في تعديل ذلك المبهم على الصَّحِيح حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بقادح، بل في إضرابه عن تسميته ريبة توقع ترددا في القلب.
وقيل يكتفى به مطلقاً كما لو عينه لأنه مأمون في الحالين معا، وقيل يكتفى به من عالم في حق من قلده وإلى هذا أشار بقوله (ويكتفى) به بالبناء للمفعول حال كونه صادراً (من عالم) أي مجتهد كمالكٍ والشَّافعي (في حق من قلده) متعلق بيكتفى أي يكتفى بالتعديل المذكور من ذلك العالم في حق من تبعه في مذهبه.
وهذا القول هو الذي جرى عليه المحققون كابن الصباغ واختاره إمام الحرمين ورجحه الرافعي في شرح المسند (1)، وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك، وقيل لا يكتفى به مطلقاً إلا إذا بين، وإليه أشار بقوله (وقيل لا) يكتفى به مطلقاً أي في حق المقلد أو غيره (ما) مصدرية ظرفية (لم يبن) بالبناء للمفعول من الإبانة أي ما لم يُظْهَر كون ذلك الشخص ثقة، أو--------------------------------------------
(1) أي شرح مسند الشافعي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
بالبناء للفاعل أي ما لم يظهره، ويحتمل كونه ثلاثياً من بان الشيءُ إذا اتضح أي ما لم يتضح كونه ثقة.
وحاصل المعنى: أنه لا يكتفي في حق من قلده أيضاً حتى يوضح ذلك كأن يقول كل من أروي لكم عنه ولم أسمه فهو عدل. ثم ذكر مسائل اختلف فيها هل تقتضي التصحيح أو لا.
فقال:
295 - وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتْنٍ فِي الأَصَحْ … فَتْوَى بِمَا فِيهِ كَعَكْسِهِ وَضَحْ
296 - وَلا بَقَاهُ حَيْثُما الدَّوَاعِي … تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ
297 - وَلا افْتِرَاقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّلِ … مَا بَيْنَ مُحْتَجٍّ وِذِي تَأَوُّلِ
(وما) نافية (اقتضى) أي دل يقال اقتضى الأمر الوجوبَ أي دل عليه أفاده في المصباح. (تصحيح متن) مفعول مقدم على الفاعل أي صحة حديث وَرَدَ في أيّ معنى (في الأصح) الذي عليه الجمهور (فتوى بما فيه) فاعل مؤخر أي إفتاء العالم، وكذا عمله بمقتضى ما في ذلك المتن.
وحاصل المعنى: أن فتوى العالم وكذا عمله على وفق حديث وارد في ذلك المعنى لا يكون حكماً منه بصحته، ولا بتعديل رواته، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطاً أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر من متن غيره، أو إجماع أو قياس، أو لكونه ممن يرى العمل بالضَّعِيف وتقديمه على القياس، وقيل إنه حكم بصحته، وصححه الآمدي وغيره من الأصوليين، وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره، قال ابن الصلاح: وكذلك مخالفته للحديث ليست قادحة منه ولا في راويه، وإليه أشار بقوله (كعكسه) أي عَكس الحكم المذكور، وهو أنه إذا أفتى بخلاف مرويه لا يقتضى ذلك قدحاً في صحته ولا في رواته لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به لعمل أهل المدينة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
بخلافه، ولم يكن ذلك قدحاً في نافع راويه. وجملة قوله (وضح) صفة لعكس أو حال منه (ولا) يقتضي صحة الحديث أيضاً على الأصح (بقاه) بالقصر للوزن أي بقاء الحديث (حيثما الدواعي) أي الأسباب الداعية للبطلان (تبطله) أي ذلك الحديث بأن تركه ذوو الدواعي مع سماعهم له آحادا.
وحاصل المعنى أن بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله لا يدل على صحته خلافاً للزيدية حيث تقول إنه يدل عليها للاتفاق على قبوله حينئذ.
ورد بأن الاتفاق على القبول إنما يدل على ظنهم صدقه ولا يلزم من ذلك صحته في الواقع.
مثاله قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " رواه الشيخان. فإن دواعي بني أمية وقد سمعوه متوفرة على إبطاله لدلالته على خلافة علي رضي الله عنه كما قيل، كخلافة هارون عن موسى بقوله " اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي " وإن مات قبله ولم يبطلوه قاله القاضي زكريا. (و) لا يقتضي صحة الحديث أيضاً على الأصح (الوفق) بالفتح أي موافقة معناه (للإجماع) أي للحكم المجمع عليه لجواز أن يكون للإجماع مستند آخر، وقيل يقتضي ذلك إذ الظاهر استنادهم إليه وعدم مستند آخر، وقيل يقتضي ذلك إِن صرح أهل الإجماع بالاستناد إليه وإلا فلا وعليه ابن فورك (ولا) يقتضي أيضاً صحته على الأصح (افتراق العلماء الكمل) جمع كامل (ما) زائدة (بين محتج) بذلك الحديث (و) بين (ذي تأول) أي متأول له.
وحاصل المعنى أنه إذا افترق العلماء في الحديث فاحتج به بعضهم وتأوله آخرون فالأصح أن ذلك لا يدل على صحة الحديث، وقيل يقتضي ذلك لاتفاقهم عليه حيث احتج به بعضهم وتأوله الآخرون، إذ لو لم يصح لما احتاجو إلى تأويله. وأجيب بأن الاتفاق المذكور على ظنهم صحته، ولا يلزم منه ذلك في الواقع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
ولما كان من شروط قبول الخبر كونُ الراوي مكلفاً فلا يقبل المجنون لعدم تمييزه إلا إذا كان يفيق فيقبل إذا أخبر في إفاقته إن لم يؤثر فيه الجنون ذكره بقوله:
298 - وَيَقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا … وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا
(ويقبل المجنون) أي خبره (إن تقطعا) بألف الإطلاق أي زال جنونه (و) الحال أنه (لَمْ يُؤَثِّرْ) الجنون أي لم يبق فيه علامة الجنون كالخَبَلِ، يقال أثرت فيه تأثيراً أي جعلت فيه أثراً أي علامة (في إفاقة) أي في حال إفاقته، يقال أفاق المجنون إفاقة رجع إليه عقله. وقوله (معاً) حال من الإفاقة أي حال كونها مجتمعة مع التأثير.
وحاصل المعنى أن خبر المجنون مقبول وقت إفاقته إذا لم يبق أثر الجنون وما تقدم من أن المجنون لا يقبل محمول على الجنون المطبق.
لكن اعترض العراقي بأنه لا يحتاج إلى ذكره لأنه في حالة الإفاقة إذا لم يستمر به الخبل ليس مجنوناً وإن استمر به الخبل فهو مجنون إلا أن الجنون أحواله مختلفة.
ثم ذكر المجهول وحكمه وهو أربعة أنواع: مجهول العين، ومجهول العدالة، ومجهول الحال، وهو المستور، ومجهول الاسم، أو النسب فَبَيَّنَ الأول بقوله:
299 - وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنٍ: مَا رَوَى … عَنْهُ سِوَى شَخْصٍ وَجَرْحَا مَاحَوَى
300 - ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَدْ … لَمْ يَرْوِ إِلَاّ لِلْعُدُولِ: لا يُرَدْ
301 - رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ … حَبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَةٍ رَآهُ
302 - خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ … بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةٍ وَبِرّ
(وتركوا) أي أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم (مجهول عين) أي روايته، ثم بينه بقوله (ما) نافية (روى) أي نقل (عنه) أي عن ذلك المجهول (سوى شخص) واحد فاعل روى، والجملة صفة لمجهول عين، أو حال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
منه. وقوله (وجرحاً) مفعول مقدم لحوى (ما) نافية (حوى) أي جمع يعني أنه لم يجرح، والجملة حال من مجهول العين، أي حال كونه غير مجروح.
وحاصل معنى البيت أن مجهول العين وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد غير مقبول الرواية عند جمهور العلماء وهو الصَّحِيح.
وأقل ما يَرْفَعُ الجهالةَ عنه روايةُ اثنين مشهورين بالعلم فأكثر عنه.
وقيل يقبل مطلقاً، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام وَعُزِيَ إِلى الحنفية. قال السخاوي: وهو لازم كل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن العدل تعديل له، بل عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان: وهذا القول هو الثاني المطوى في قوله.
(ثالثها): أي الأقوال المروية في قبول خبر المجهول العين، وهو مبتدأ خبره جملة قوله (إن كان من) أي الراوي الذي (عنه) أي المجهول العين (انفرد) بالرواية (لم يرو إلا للعدول) أي عن العدول (لا يرد) حديثه.
فقوله لم يرو خبر " كان " وقوله لا يرد جواب " إن ".
وحاصل المعنى: أن صاحب هذا القول يقول بالتفصيل فإن كان الراوي المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن العدول قُبِلَ، وذلك مثل عبد الرحمن بن مهدي وَيَحْيَى بن سعيد القطان ومالك ممن لا يروي إلا عن الثقات وإلا لم يقبل.
(فائدة): من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد، وبقي بن مخلد، وحَرِيز بن عثمان، وسليمان بن حرب، وشعبة، والشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومالك، وَيَحْيَى بن سعيد القطان، وذلك في شعبة على المشهور قاله السخاوي. ونظمت ذلك، مع زيادة منصور بن المعتمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
ويَحْيَى بن أبي كثير فإنهما ممن قيل فيه لا يروي إلا عن الثقة كما في تهذيب التهذيب، فقلت:
مَن كَانَ لَا يَنقُلُ عَن غَيرِ ثِقَهْ … فِي غَالِبِ الحَالِ لَدىَ مَنْ حَقَّقَهْ
أحَمَدُ يَحيىَ مَالِك والشَّعْبِي … بَقِىْ حَرِيزٌ مَعَهُ ابنُ حَرْبِ
يَحْيَى وَشُعْبَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ … وَنَجْلُ مَهْدِيٍّ مَعَ الْمَنْصُور
ثم ذكر قولًا رابعاً وهو أيضاً مفصل فقال:
(رابعها): أي الأقوال أنه (يقبل) مجهول العين (إن زكَّاه) أي عدّله (حبر) بالكسر جمعه آحبار مثل حمل وأحمال، والفتح لغة فيه وجمعه حبور هو العالم.
وحاصل المعنى: أن مجهول العين يقبل إن زكاه عالم من أئمة الجرح والتعديل غير من انفرد عنه، أو هو إن كان أهلاً لذلك، (وذا) أي هذا القول الرابع مبتدأ خبره جملة رآه (في نخبة) أي في الكتاب المسمى بنخبة الفكر متعلق بقوله (رآه) أي رجحه مؤلفها الحافظ ابن حجرٍ تبعاً لاختيار أبي الحسن بن القطان.
ثم ذكر قولاً خامساً مفصلاً أيضاً فقال:
(خامسها): أي الأقوال مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله أي يقبل (إن كان) أي مجهول العين (مِمَّنْ قَدْ شُهِرْ) بالبناء للمفعول أي الذين اشتهروا بين الناس (بما سوى العلم) من الخصال الجميلة وذلك (كنجدة) بفتح النون على المشهور ونقل في تاج العروس عن بعض أهل اللغة كسرها هي الشجاعة والشدة كاشتهار عمرو بن مَعدِي كَرِب بها (وبر) بالكسر: الخير، والفضل، من بَرَّ الرجل يَبَرّ بِرّاً وزان علم يعلم علماً فهو بر بالفتح وبار، أي صادق، أو تقي قاله الفيومي، كاشتهار مالك بن دينار بالزهد.
وحاصل معنى البيت أن صاحب هذا القول يقيد قبول مجهول العين بكونه مشهوراً بخصلة من الخصال غير العلم كالزهد والشجاعة والأدب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
ونحوها وأما الشهرة بالعلم والثقة والأمانة فهي كافية من باب أولى.
وهذا القول مختار الحافظ ابن عبد البر.
وحاصل الأقوال في مجهول العين خمسة على ما في النظم وزاد في التنقيح سادساً وهو أنه إن كان صحابياً قُبِل وهو مذهب الفقهاء وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال. ولما أنهى الكلام في مجهول العين شرع يبين مجهول العدالة، وهو النوع الثاني من الأنواع الأربعة فقال:
303 - وَالثَّالِثُ الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ … مِنْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ
(والثالث) من الأقوال في مسألة مجهول العدالة مبتدأ خبره جملة " ليس يقبل " وقوله (الأصح) صفة له، أو بدل منه (ليس يقبل) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (مَنْ) أي الراوي الذي (باطناً وظاهراً) منصوبان على التمييز، أو بنزعِ الخافض (يجهل) بالبناء للمفعول من التجهيل، أي ينسب إلى كونه مجهولًا في باطنه وظاهره.
وحاصل المعنى: أن العلماء اختلفوا فيمن جُهِلَت عدالته باطناً وظاهراً، وهو المسمى بمجهول العدالة مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه على أقوال:
الأول: أنه يقبل مطلقاً، ونسبه ابن المَوَّاق لأكثر المحدثين كالبزار والدارقطني وابن حبان. الثاني يقبل إن كان الراويان عنه لا يرويان إلا عن عدل، وإلا فلا، وهذان القولان هما المطويان في قوله، والثالث الأصح إلخ.
يعني أن القول الثالث من الأقوال المروية في مجهول العدالة أنه لا يقبل مطلقاً، وهذا هو الأصح وعليه الجمهور كما قال ابن الصلاح، وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وكذا الخطيب، وَوَجْهُ هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا يكون تعديلاً له على الصَّحِيح. ثم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
ثم ذكر النوع الثالث، وهو مجهول الحال، ويُسمَّى المستور سماه به البغوي، وتبعه الرافعي، ثم النووي، فقال:
304 - وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي … ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌٍ خَفِي
(وفي الأصح) من الأقوال متعلق بـ (يقبل) بالبناء للمفعول (المستور) أي خبره (في ظاهره) متعلق بقوله (عدل) بالرفع بدل من المستور، أو خبر لمحذوف أي هو عدل في ظاهره وقوله (وباطن) مجرور بفي محذوفةٍ لدلالة ما قبله متعلق: بـ (ـخفي) بتخفيف الياء للوزن مرفوعاً عطفاً على عدل، ومعنى البيت أن الأصح أنه يقبل خبر المستور وهو الذي ثبتت عدالته في الظاهر دون الباطن.
ويحتمل أن يكون باطن مبتدأ خبره خفي، أي باطن منه خفي، والجملة حال من عدل.
والحاصل: أن في قبول خبر المستور اختلافاً بين العلماء يقبل مطلقاً، وبه قطع سليم بن أيوب الرازي قال: لأن الأخبار تُبْنَى على حسن الظن بالراوي وأيضاً فلتعسر الخِبْرَة الباطنية على الناقد، ولهذا فارق الراوي الشاهد فإن الشهادة تكون عند الحكام، وهم لا يتعسر عليهم لا سيما مع اجتهاد الخُصُوم في الفحص عنها، بل عُزِي الاحتجاج بأهل هذا القسم كالأول لكثيرين من المحققين قاله النووي في شرح مسلم، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فأوجب التثبت عند وجود الفسق فعند عدمه لا يجب، فوجب العمل بقوله، وهو المطلوب، وبكون النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه سوى الإسلام، وقيل إن كان من روى عنه فيهم من لا يروى عن غير عدل قبل، وإلا فلا، وقيل: لا يقبل في زماننا لكثرة الفساد، ويقبل في العصر الأول، وعليه بعض الحنفية، أفاده السخاوي.
وقيل: لا يقبل مطلقاً، وعليه الجمهور، لعدم ثبوت العدالة حيث كان مستوراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
والذي رجحه الحافظ في شرح النخبة أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردّها، ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله. ثم ذكر النوع الرابع وهو مجهول الاسم أو النسب فقال:
305 - وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ … دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبٍ مِلْنَا لَهُ
(ومن) شرطية أو موصولة (عرفنا عينه) برواية عدلين عنه (وحاله) بثبوت عدالته باطناً وظاهراً (دون اسمه ونسب) له أي من غير أن نعرف اسمه ونسبه أو أحدهما، وقوله (ملنا له) جواب مَن، أو خبرها، أي عدلنا إلى قبوله بمعنى أننا نحتج به.
وحاصل المعنى: أن من عرفنا عينه وعدالته وجهلنا اسمه أو نسبه نحتج به، جزم بذلك الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بعدالته، وَمثلَة بحديث ثمامة بن حزن القشيري " سألت عائشة رضي الله عنها عن النبيذ، فقالت هذه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم لجارية حبشية فسلها "، الحديث، ذكره في التدريب، وفي الصَّحِيحين من ذلك كثير كقولهم ابن فلان أو والد فلان.
ثم ذكر مسألة شَكِّ المحدث في شيخيه أيهما حدثه فقال:
306 - وَمَنْ يَقُلْ: " أَخْبَرَنِي فُلانٌ اْوْ … هَذَا " لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا
307 - فَإِنْ يَقُلْ: " أَوْغَيْرُهُ "، أَوْ يُجْهَلِ … بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تَُقْبَلِ
(ومن) شرطية (يقل) من المحدثين (أخبرني فلان) لشخص سماه (أو هذا) على الشك وقوله (لِعَدْلَيْنِ) حال من " فلان، أو هذا "، أي حال كونهما كائنين لعدلين من الشيوخ (قبوله) مفعول مقدم لقوله (رأوْا) أي العلماء وهو جواب من.
وحاصل معنى البيت أنه إذا قال الراوي حدثني فلان أو فلان على الشك وهما عدلان احْتُج بروايته لأنه عينهما وتحقق سماعه ذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما مقبول، قاله الخطيب، ومَثَّلَهُ بحديث شعبة عن سلمة بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
كهيل عن أبي الزعراء (1) أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غَفَلَةَ دخل على علي ابن أبي طالب فقال يا أمير المؤمنين أني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر. الحديث، (فإن يقل) المحدث أخبرني فلان (أو غيره) بالإبهام (أو يجهل) عطف على يقل مجزوم حرك بالكسر للوزن، (بعض الذي سماهما) من شيخيه يعني أنه سمى شيخيه بأن قال فلان أو فلان إلا أن أحدهما جهلت عدالته، فقوله بعض نائب فاعل يجهل، (لا) ناهية (تقبل) أيها المحدث ذلك الحديث وهو جواب إن، وفي نسخة الشارح: لا يقبل بالياء وعليه فلا نافية، ويقبل بالبناء للمفعول مرفوع وقف عليه بالسكون كيجهل للوزن.
وحاصل المعنى أنه إذا سماهما ولكن جهلت عدالة أحدهما لم يحتج به لاحتمال أن يكون الخبر عن المجهول.
ولما كان شرط قبول الرواية الإسلام والعدالة، فلا يقبل الكافر في حال كفره، والفاسق في حال فسقه: شرع يبين أحكام المبتدعة الذين ابتدعوا ما خالفوا فيه جماهير أهل الإسلام وهم مع ذلك من أهل القبلة هل تقبل روايتهم؟ لكونهم من أهل القبلة، أم لا إلحاقاً لهم بالكفار؟ أم يفرق بين الدعاة وغيرهم؟ أم نفرق بين من يستحل الكذب ومن لا يستحله؟ فقال:
308 - وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلا … ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا
309 - وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِيْ … وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِيْ
310 - قَبُولُهُمْ لا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا … لِرَأْيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا
(وكافر ببدعة) مبتدأ خبره جملة لن يقبل، أي شخص كفر بسبب--------------------------------------------
(1) هكذا في كتب الرجال الزعراء بالعين المهملة وهو الصواب ووقع في نسخة التدريب الزغراء بالغين المعجمة وهو خطأ وقد ذكر على الصواب في كفاية الخطيب التي نقل عنها صاحب التدريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)