بدعة ابتدعها، وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع، يقال: أبدعت الشيء وابتدعه استخرجته، وأحدثته، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين، أو زيادة فيه، أفاده الفيومي.
وقال في " ق " وشرحه: والبدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الأهواء، والأعمال، جمعه بِدَع، كعنب اهـ.
والمراد هنا: المجسم ومنكر علم الجزئيات، قيل وقائل خلق القرآن كما نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني، (لن يقبلا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، أي لم يحتج بروايته مطلقاً، وعليه الجمهور.
وقيل: يقبل مطلقاً حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين، وهذا القول هو المطوي في قوله: (ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره جملة الشرط والجزاء. (إن كذبا قد حللا) بالبناء للفاعل والألف للإطلاق، وجواب إن محذوف دل عليه السابق، أي فلن يقبل.
وحاصل هذا القول: أنه يُفَصَّل بين ما إذا اعتقد حِلَّ الكذبِ فيرد، أولا فيقبل، وهذا القول هو الذي صححه صاحب المحصول، وحاصل معنى البيت: أنه اختلف في رواية المبتدعة الذين كفروا بسببها على ثلاثة أقوال: الأول قول الجمهور أنها لا تقبل، والثاني تقبل، والثالث إن كان يرى حل الكذب لاتقبلَ، وإلا قبلت.
وقد أجاد الحافظ رحمه الله في هذه المسألة إجادة بليغة، وقد سبقه إلى ذلك ابن دقيق العيد رحمه الله حيث قال في شرح النخبة: والتحقيق أنه لا يرد كل مُكَفَّر ببدعة لأن كل طائفة تَدَّعِي أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفرها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
ثم ذكر حكم الفاسق ببدعته، فقال: (وغيره) أي غير الكافر ببدعته وهو الذي يفسق بها مبتدأ خبره قوله (يرد) بالبناء للمفعول (منه) أي من غير الكافر (الرافضي) نائب فاعل " يرد "، أي المبتدع الذي ينسب إلى الرفض من رفضت الشيء من باب ضرب، وقتل إذا تركته، فالرافضي واحد الرافضة: وهم فرقة من شيعة الكوفة، سموا بذلك لأنهم رفضوا أي تركوا زيد بن علي عليه السلام حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، فلما عرفوا مقالته وأنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه، ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة قاله الفيومي.
وفي " ق " والتاج: والرافضة فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم قالوا له تبرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى، وقال كانا وزيري جدي صلى الله عليه وسلم فلا أبرأ منهما فتركوه ورفضوه وارفَضُّوا عنه، فسُمُّوا رافضة، والنسبة رافضي، وقالوا الروافض، ولم يقولوا الرُّفَاض لأنهم عنوا الجماعات اهـ.
وحاصل المعنى: أن غير الكافر بالبدعة يقبل إِلا الرافضة (و) يرد أيضاً من المبتدعة غير المُكَفَرين (من دعا) أي المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا القول هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر من العلماء قاله النووي.
ونقل ابن حبان فيه الاتفاق، لكن قال الحافظ إنه أغْرَبَ في حكاية الاتفاق. لكن يشترط مع كونه صدوقاً غير داعية أن لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ويزينها فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى أفاده الحافظ.
(ومن سواهم) أي غير من ذكرنا من الرافضة والدعاة مبتدأ، خبره جملة قوله (نرتضي) أيها المحققون (قبولهم) أي قبول روايتهم (لا) نقبلهم (إن رووا) أي المبتدعة (وفاقاً) أي موافقاً مقوياً لرأيهم الباطل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
(أبدى) أي أظهر هذا التفصيل الحَسَنَ الحافظُ (أبو إسحاقا) بألف الإطلاق الجوزجاني إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، سكن دمشق وكان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات مات بدمشق سنة 6 أو 259.
وحاصل المعنى: أن غير الرافضة والدعاة مقبولون إلا إذا رووا ما يوافق بدعتهم صرح بذلك أبو إسحاق الجوزجاني.
وحاصل الأقوال في مسألة المبتدع الذي لم يُكَفَّر ببدعته ثلاثة:
الأول: لا يحتج به مطلقاً ونسب إلى مالك.
الثاني: يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب لنصرة مذهبه، وحكي عن الشافعي.
الثالث: يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته ولا يحتج إن كان داعية وهذا هو الأظهر الأعدل.
ثم ذكر حكم التائب عن الفسق بقوله:
311 - وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ … أَوْ كَذِبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ
312 - وَالصَّيْرَفيُِّ وَالْحُمَيْدِيُّ: أَبَوْا … قَبُولُهُ مُؤَبَّدًا، ثُمَّ نَأَوْا
313 - عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ … وَالنَّوَوِيُّ كُلَّ ذَا أَبَاهُ
314 - وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ … دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ
(ومن) شرطية مبتدأ (يتب) أي يرجع إلى الله تعالى (عن فسقه) السابق الذي تسبب لرد روايته، وقوله (فليقبل) بالبناء للمفعول جواب من أي يقبل حديثه ويعمل به.
والمعنى: أن الراوي المجروح بسبب الفسق إذا تاب وعرفت عدالته بعد التوبة تقبل روايته، وكذا شهادته للآيات والأخبار الدالة على ذلك، ثم استثنى من ذلك من كان فسقه بسبب الكذب في الحديث النبوي. فقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
(أو كذب الحديث) بالجر عطفاً على فسقه أي من يتب عن الكذب في الحديث النبوي مطلقاً في الفضائل أو الأحكام أو غيرهما بأن وضع أو ركب سنداً صحيحاً لمتن ضعيف، ونحو ذلك، ولو مرة واحدة.
وقيد بالكذب في الحديث النبوي احترازاً عن الكذب في حديث الناس فإنه داخل في المسألة السابقة فيقبل إذا تاب توبة صحيحة.
وقوله (فابن حنبل) مبتدأ خبره جملة أبوا، وجملة المبتدإ والخبر معطوفة على الجواب، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور.
وحاصل المعنى: أن من تاب عن الكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (و) العلامة أبو بكر محمد بن عبد الله (الصيرفي) بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الراء نسبة إلى بيع الذهب، كان رحمه الله فَهِماً عالماً سمع الحديث من أحمد بن المنصور الرمادي وغيره، وروى عنه القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي بمصر توفي في ربيع الآخر سنة 330 هـ.
(و) الحافظ البارع أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى (الحميدي) بضم ففتح نسبة إلى حميد بطن من أسد القرشي صاحب الشافعي، روى عن ابن عيينة وفضيل بن عياض، وروى عنه البخاري، وهو أول من بدأ به الصَّحِيح مات بمكة سنة 219 هـ.
(أبوا) أي امتنعوا (قبوله) أي عن قبول روايته (مؤبَّداً) حال من الإباء المفهوم من أبوا أي حال كون الإباء مؤبدا، أي ولو تاب وحسنت توبته.
يعني: أن هؤلاء الثلاثة أبوا قبول روايته ولو حسنت توبته تغليظاً عليه لما ينشأ من صنيعه من مفسدة عظيمة فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره صلى الله عليه وسلم فإن مفسدته قاصرة ليست عامة.
(ثم) إنهم بعد ما أبوا قبوله وإن تاب (نأوا) أي ابتعدوا أيضاً (عن) قبول (كل ما) أي الحديث الذي (من قبل ذا) أي كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم -
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
(رواه) هذا التائب، يعني أنهم أبوا قبول روايته قبل أن يُحْدِثَ الكذب عليه صلى الله عليه وسلم.
(و) لكن الإمام أبو زكريا محيي الدين يَحْيَى بن شرف (النووي) رحمه الله (كل ذا) أي كل ما تقدم مما قاله هؤلاء الأئمة (أباه) كرهه، يقال أبى الشيء يأباه، ويأبيه، إباء، وإباءه بكسرهما: كرهه اهـ.
وقوله " والنووي " مبتدأ، وكل ذا إما مبتدأ ثان أو منصوب على الاشتغال، وقوله أباه خبر المبتدإ الثاني، والجملة خبر للأول، أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
وحاصل المعنى: أن النووي رحمه الله امتنع عن قبول رأي هؤلاء الأئمة، وقال: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة.
وقال في شرح مسلم: لم أر لهذا القول في أصل هذه المسألة دليلاً، والمختار القطع بصحة توبته في هذا الكذب، وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة اهـ.
ثم ذكر الناظم أن القول الأول هو الراجح، فقال (وما) موصولة مبتدأ أي الذي (رآه الأولون) وهم أحمد والحميدي والصيرفي من عدم قبول روايته بعد التوبة (أرجح) خبر المبتدإ، أي أكثر رجحاناً مما رآه النووي من القبول.
يعني: أن رأي هؤلاء الأئمة أرجح من رأي النووي في هذه المسألة (دليله) أي شاهد أرجحتيه مبتدأ (في شرحنا) أي في الكتاب المسمى بتدريب الراوي بشرح تقريب النواوي متعلق بقوله (موضح) أي مبين من التوضيح، خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أن دليل أرجَحِيَّة ما قاله هؤلاء الأئمة مبين في التدريب. وحاصل ما ذكره هناك أن قول النووي: إن هذا مخالف للقواعد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
غير صحيح فإن له نظيراً في الشرع فقد ذكر الفقهاء في باب اللعان أنَّ الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصناً ولا يحد قاذفه بعد ذلك لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبداً.
وذكروا أيضاً أنه لو قُذِفَ ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد لأن الله أجرى العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذا نقول فيمن تبين كذبه الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحداً تنبه لما حررته، وللهِ الحمد اهـ.
ثم ذكر مسألة تكذيب الشيخ الراويَ بقوله:
315 - وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ … إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ
316 - أَوْ قَالَ: لا أَذْكُرُهُ، وَنَحْوُ ذا … كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
(ومن) شرطية أو موصولة مبتدأ (نفى) أي كذب صريحا (ما) أي الحديث الذي (يروى) بالبناء للمفعول أي ينقل عنه كما إذا روى ثقة عن ثقة حديثاً، وروجع المروي عنه فيه فنفاه صريحاً بقوله كَذَبَ عَلَيَّ، أو ما رويته (فالأصح) أي القول المختار عند المتأخرين وفاقاً لابن الصلاح والنووي والإمام فخر الدين، والأمدي، وهو مبتدأ خبره قوله (إسقاطه) أي إسقاط ذلك الحديث فلا يعمل به، والجملة جواب الشرط، أو خبر المبتدإ.
وحاصل المعنى: أنه إذا روى ثقة من الثقات حديثاً فنفاه المروي عنه لَمَّا رُوجِعَ فإن كان جازماً بنفيه بأن قال ما رويته أو كذب عَلَيَّ ونحوه فالمختار وجوب رده لتعارض قولهما كالَبَيِّنَتَين إذا تكاذبا فإنهما يتعارضان إذ الشيخ قطع بكذب الراوي، والراوي قطع بالنقل ولكل وجهة ترجيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
أما الراوي فلكونه مثبتاً، وأما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به في أمر يقرب من المحصور غالباً.
ولما كان يتوهم من رد حديثه ثبوت كذبه رفع هذا التوهم بقوله (لكن بفرع) وهو الراوي (ما) نافية (قدح) أي النفي المفهوم من " نَفَى " أي ما أثبت جرحه.
والمعنى أن هذا التكذيب من الشيخ لا يثبت جرح هذا الراوي في باقي رواياته لأن الجرح في مثل ذلك لا يثبت بالواحد، وأيضاً فقد كذب شيخه صريحاً إن فرض أنه قال كذب بل سمعته منه، أو بما يقوم مقام الصريح وهو جزمه بكون الشيخ حدثه به، لأن ذلك قد يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، قاله في التدريب.
فإن عاد الشيخ وحدث به أو حدث به ثقة غير الأول منه ولم يكذبه فهو مقبول. ومقابل الأصح هو ما اختاره في جمع الجوامع وفاقاً لابن السمعاني وغيره بل حكاه الفخر الشاشي عن الشافعي، وحكى الصفي الهندي الاتفاق عليه، وهو عدم إِسقاط المروي لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلاً ضابطاً أيضاً لكنه كَذَّبَ عدلًا وتكذيبُ العدل خلاف الظاهر.
لا يقال يلزم أن يكون الأصل كاذباً وهو أيضاً عدل فيكون خلاف الظاهر لأنا نقول: بل هو الظاهر، لأنه كَذَب في التكذيب للفرع العدل وقد عَلِمتَ أنه خلاف الظاهر فيكون كذب الأصل هو الأصلَ إلا أنه لعدالته يحمل على النسيان.
قلت: وهذا القول هو الراجح عند المحدثين كما قال السخاوي نقلاً عن الحافظ، ويدل عليه صنيع الشيخين حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس " ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
بالتكبير مع قول أبي معبد لعمرو لم أحدثك به، فإنه دل على أن الشيخين يريان صحة الحديث ولو أنكره الأصل، إذ الناقل عنه عدل فيحمل على أن الشيخ نسي.
وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع روايته عن الأصل، وجزم به الماوردي والروياني.
وقول رابع أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه، وهو مختار إمام الحرمين وصححه في التنقيح.
هذا إذا نفاه الشيخ صريحاً أو ما يقوم مقامه، وأما إذا نفاه بما يقتضي النسيان فقد ذكر حكمه بقوله: (أو قال) الشيخ (لا أذكره) أي هذا المروي وقوله (ونحو ذا) بالنصب عطفاً على لا أذكره أي قال الشيخ نحو لا أذكره من الألفاظ التي لا تقتضي الجزم بالنفي كقوله: لا أعرفه، أو لا أدري، أو يغلب على ظني أني ما حدثته بهذا، أو لا أعرفه أنه من حديثي، والراوي جازم به وقوله (كأن نسي) الكاف للتعليل وأن مصدرية، أي فقال ما تقدم لأجل نسيانه ذلك، أو للتنظير أي مثل ما إذا حدث فنسى (فـ) ـفي كل ذلك (صححوا) أي جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وأهل الأصول (أن) مصدرية (يؤخذا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق أي أن يعمل بذلك الحديث.
وحاصل المعنى إنه إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه
الرواي بل قال: لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك فإنه يقبل ولا يرد على الصَّحِيح، لأن الراوي ثقة جزماً فلا يطعن فيه بالاحتمال إذ المروي عنه غير جازم بالنفي بل جَزمُ الراوي عنه وشكه قرينة لنسيانه.
وحكي عن بعضهم الرد في هذا ونسب إلى متأخري الحنفية، وذلك لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبت رواية الفرع فكذلك ينبغي أن يكون فرعاً عليه وتبعاً له في النفي، ورُدّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه وعدم علم الأصل لا ينافيه فالمثبت مقدم على النافي خصوصاً الشاك.
وقيل: إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة النسيان، أو كان ذلك عادته في محفوظاته قُبِلَ الذاكر الحافظ، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر رُدَّ فقلما ينسى الإنسان شيئاً حفظه نسياناً لا يتذكره بالتذكير، والأمور تُبنَى على الظاهر لا على النادر، قاله ابن الأثير، وأبو زيد الدبوسي.
ومن أمثلة المسألة ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى باليمين مع الشاهد " زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بَعْدُ يحدث به عن ربيعة عنه، عن أبيه.
ورواه أيضاً أبو داود من رواية سُلَيمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث فقال: ما أعرفه فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدِّثْ به عن ربيعة عني.
وقد صنف الدارقطني ثم الخطيب مَنْ حدَّثَ وَنَسِي، وللناظم رحمه الله: تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي، لخص فيه كتاب الخطيب ذكر فيه نحو أربعين حديثاً.
ثم ذكر مسألة أخذ الأجرة على التحديث، فقال:
317 - وَآخِذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ … جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا
318 - وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ … عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ
(وآخذ) اسم فاعل مبتدأ أي راو آخذ (أجر الحديث) مفعوله أي أجر رواية الحديث (يقدح) أي يعيب، يقال: قدح فلان في فلان قَدْحا من باب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
نفع: عابه وتنقصه، ومنه قدح في نسبه وعدالته إذا عيبه وذكر ما يؤثِّر في انقطاع النسب، ورد الشهادة. قاله الفيومي (جماعة) فاعل يقدح والجملة خبر المبتدإ بتقدير رابط أي في روايته.
وحاصل المعنى: أن من أخذ أجراً على التحديث قدح جماعة من العلماء في روايته، منهم الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو حاتم الرازي فإنهم سئلوا عن المحدث بالأجر فأجابوا بأن لا يكتب حديثه عنه، وغير هؤلاء ذكرهم الخطيب بأسانيده. وإنما منعوا من ذلك تنزيهاً للراوي عن سوء الظن به فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عُثِرَ على تزيده، وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطى، ومن هذا بالغ شعبة فيما حكى عنه، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئاً، فإنهم يكذبون، (وآخرون) من المحدثين مبتدأ خبره جملة (سمحوا) أي سهلوا في أخذ الأجرة على التحديث ترخصاً للفقر والحاجة لأن المحدث قد يكون فقيراً وله عيال تجب عليه مؤنتهم وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك الكسب لهم.
قال ابن الصلاح: وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه غير أن في هذا من حيث العرف خرماً للمروءة، والظنُّ يساء بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه اهـ.
وهؤلاء المجوزون جماعة ذكرهم الخطيب بسنده منهم مجاهد وعكرمة وطاوس وأبو نعيم الفضل بن دكين ويعقوب بن إبراهيم وغيرهم.
(وآخرون) من العلماء أي وهم المحققون (جوزوا) أخذ الأجرة على التحديث (لمن شغل) بالبناء للمفعول: أي منع، يقال شغله كمنعه شَغْلًا بالفتح ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة " ق " لكن قال في التاج إنها رديئة.
والشغل ضد الفراغ وقال الراغب: هو العارض الذي يذهل الإنسان. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
(عن كسبه) متعلق بشغل أي لمن كان مشغولاً بسبب التحديث عن الكسب لنفسه وعياله.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان للمحدث كسب فتركه بسبب التحديث فإنه يجوز له أخذ الأجرة بدلاً عما تركه رفقاً به، وهذا القول هو الراجح كما أشار إليه بقوله:
(فاختير هذا) القول المُفَصِّلُ (وقبل) بالبناء للمفعول لتوسطه بين القولين السابقين.
وقد أفتى بذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أبا الحسن ابن النقور لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله، وسبقه ابن عبد الحكم إلى الإفتاء بالجواز حيث سئل عن عالم يأخذ على قراءة العلم أجراً.
والدليل لمطلق الجواز كما تقدم القياس على القرآن فقد جوَّزَ أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصَّحِيح " أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله " رواه البخاري.
والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك لا تنتهض بالمعارضة إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة، خصوصاً وليس فيهم التصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتُوافِقَ الصَّحِيحَ.
وقد حملها بعضهم على الأخذ فيما تعين عليه تعليمه لا سيما عند عدم الحاجة قاله السخاوي.
ثم ذكر حكم من يتساهل في السماع أو الإسماع، وكذا من يقبل التلقين، ومن يكثر شذوذه، أو سهوه إذا حدث من حفظه فقال:
319 - مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا … كَنَوْمٍ اوْ كَتَرْكِ أَصْلِهِ ارْدُدَا
320 - وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ … شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
321 - مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كَبُرْ … وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ
322 - يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيِّدَا … بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ وَعَانَدَا
(من) شرطية مبتدأ (يتساهل) أي يتسامح (في السماع) أي في حال سماعه للحديث من شيخه (والأدا) الواو بمعنى أو، وفي نسخة في سماع أو أدا أي أدائه إلى من يروي عنه ثم مثل التساهل بقوله (كنوم) أي كتساهله بسبب نوم في مجلس سماعه أو إسماعه لعدم مبالاته بذلك، والمراد بالنوم الكثير فلا يضر النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام لا سيما من الفطن قاله السخاوي. (أو كـ) تساهله بـ (ترك أصله) أي كتابه الذي فيه سماعه المقابَلِ بأصل صحيح، أو أصل شيخه.
وقوله: (ارددا) فعل أمر، والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة، والجملة جواب الشرط بتقدير رابط، أي فارددن أيها المحدث روايته.
وحاصل المعنى: أن من كان معروفاً بالتساهل في حال سماعه الحديث أو أدائه فإنه لا تقبل روايته.
(و) ارددن أيضاً (قابل التلقين) أي الشخص الذي يقبل التلقين، وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه فلا يقبل لدلالته على مجازفته وعدم تثبته وسقوطِ الوثوق بالمتصف به.
(و) ارددن أيضاً رواية الشخص (الذي كثر) أي غلب (شذوذه) أي تفرده برواية شاذ أو منكر.
يعني: أن الذي تكثر في روايته المناكير والشواذ ترد روايته لأنه يَخْرِمُ الثقة بالراوي وضبطه، قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشَّاذ إلا من الرجُلِ الشَّاذ.
(أو) كثر (سهوه حيث أثر) من باب قتل، أي حدث (من حفظه) لا من كتابه بأن لم يحدث من أصل صحيح.
يعني: أن الذي يكثر سهوه إذا حدث من حفظه ترد روايته، لما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
تقدم، وقُيِّدَ بما إذا حدث من حفظه لأنه إن حدث من أصل صحيح لا يرد إذ لا عبرة بكثرة سهوه حينئذ لأن الاعتماد على الأصل لا على حفظه.
ثم ذكر حكم من غلط فَبُيِّنَ له ذلك فَأصَرَّ بقوله: (قال جماعة) من العلماء (كَبُرْ) بضم ففتح جمع كبرى صفة لجماعة، كالإمام أحمد وابن المبارك والحميدي في آخرين، ومقول القول قوله: (ومن) شرطية (يعرف) بالبناء للمفعول من التعريف (وهمه) بسكون الهاء وفتحها لكن الأول هنا متعين للوزن، أي غلطه، وهو المفعول الثاني ليعرف والأول ضميرُ مَن (ثم) بعد أن يُبَيَّنَ له (أصر) أي ثبت على غلطه، يقال: أصر على فعله بالألف داومه ولازمه وأصر عليه عزم قاله الفيومي، (يرد) بالبناء للمفعول جواب الشرط، ورفعه مع كون فعل الشرط مضارعاً قليل قال ابن مالك:
وَبَعْدَ ماض رفعك الجزا حَسَنْ … ورفعُهُ بعدَ مُضَارعٍ وَهَنْ
وليس خاصاً بالضرورة، لقراءة طلحة بن سليمان (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) ثم هو على حذف الفاء، وقيل غير ذلك.
وحاصل المعنى: أن من بين له غلطه في حديث ولو مرة واحدة فأصر على روايته ولم يرجع سقطت رواياته كلها، ولم يكتب عنه، لكن هذا إذا كان إصراره عناداً أو نحوه، كما أشار إليه بقوله (وَقُيِّدَا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق أي قَيَّدَ ما قاله هؤلاء الأئمة بعضُ المتأخرين كما قال العراقي.
(بأن يبين) من الإبانة وهو الإظهار، أي يظهر له وهمه (عالم) بالفن عند ذلك الواهم، فلم يَقبَل بل صَمَّم (وعاندا) بألف الإطلاق، أىِ خالف، يقال عاند من باب قاتل إذا ركب الخلاف والعصيانَ، وعانده معاندة عارضه، وَفَعَلَ مثل فعله، قال الأزهري: المعانِدُ المعارض بالخلاف لا بالوفاق، وقد يكون مباراة من غير خلاف أفاده الفيومي.
قلت: والمناسب هنا المعنى الأول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
وحاصل المعنى: أنه إنما يرد بالمعاندة إذا بيّن له عالم بالفن عنده فلم يرجع، وأما إذا لم يثبت عنده أهلية الراد فلا، لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل.
ثم إن هذه التشديدات المتقدمة كان في الأزمان المتقدمة، وأما المتأخرون فَجُل مقصودهم إبقاء السلسلة التي اختصت بها الأمة المحمدية، فلا يحتاجون إلى هذا كله بل إلى ما يحقق بقاء سلسلة الإسناد، وإليه أشار بقوله:
323 - وَأَعَرَضُوا فِي هَذْهِ الأَزمَانِ … عَنْ اعْتَبارِ هَذَهِ الْمَعَانِي
324 - لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَادِ … صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ
325 - فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتَرْ … وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ
326 - وَلْيَرْوِ مِنْ مُوَافِقٍ لأَصْلِ … شُيُوخِهِ فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ
(وأعرضوا) أي تركوا يقال: أعرضت عن الشيء إذا أضربت، ووليت عنه، والهمزة فيه للصيرورة أي أخذت عرضاً أي جانباً غير الجانب الذي هو فيه أفاده الفيومي.
يعني: أن العلماء المحدثين وغيرهم تركوا (في هذه الأزمان) المتأخرة وهي ما بعد ثلاثمائة كما قاله الذهبي في الميزان، (عن اعتبار هذه المعاني) أي اجتماع هذه الأوصاف المتقدمة في الراوي، والجارَّان يتعلقان بالفعل.
يعني: أنهم لم يتقيدوا بوجودها في الراوي بل تسامحوا فيه، وإنما أعرضوا عنها (لعسرها) أي مشقة وجودها في الراوي وافيةً (مع) بسكون العين لغة في فتحها (كون ذا المراد) أي المقصود الآن من طلب الحديث (صار بقا) بالقصر للوزن (سلسلة الإسناد) أي اتصال بعضه ببعض.
قال في القاموس وشرحه السَّلْسَلَة: يعني: بفتح السين، وسكونٍ اللام الأولى، وفتح الثانية: اتصال الشيء بالشيء، وشيء مُسَلْسَلٌ متصل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)
بعضه ببعض، قال وبالكسر دائرة من حديد ونحوه. اهـ باختصار. قلت: ويجوز (1) الوجهان هنا.
يعني: أن المقصود الآن صار بقاء سلسلة السَّند بحدثنا أو أخبرنا لتبقى هذه الكرامة التي اختصت بها هذه الأمة شرفاً لنبيها صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى مراعاة جميع ما تقدم لتعذر وفائه في رَاوٍ، بل يكفي وجود بعضه، كما أشار إليه بقوله:
(فليعتبر) أي فإذا كان المقصود ذلك فليعتبر من الشروط ما يليق بالمراد المذكور ولْيُكتَفَ ببعضها وهو (تكليفه) أي كون الراوي مكلفاً أي بالغاً عاقلاً (والستر) أي كونه مستور الحال، وهو أن لا يكون متظاهراً بالفسق، أو السخف الذي يخل بالمروءة لتتحقق عدالته، هذا من حيث العدالة، وأما من حيث الضبط، فأشار إليه بقوله: (وما) مبتدأ أي الحديث الذي (روى) أي نقله وحفظه (أثبتـ) ـهُ (ثبت) بسكون الباء أي ثقة متثبت في روايته (بر) صفة لثبت، وهو بفتح الباء من بَرَّ الرجلُ يَبَرُّ وِزَانَ عَلِمَ يَعْلَم فهو بَرّ بالفتح، وبار أي صادق، أو تقي، والجملة خبر المبتدإ، وجملة المبتدإ والخبر حال من الضمير المجرور، يعني: أن ما رواه يكون ثَابِتاً بخط ثقة غير متهم سواء الشيخ، أو القارئ أوبعض السامعين وسواء كُتِبَ على الأصل أم في ثبت بيده إذا كان الكاتب ثقة من أهل الخِبْرَة بهذا الشأن، بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه بل على الثقة المفيد لذلك، أفاده القاضي زكريا. (وليروِ) حين يحدث (من) أصل صحيح (موافق لأصل شيوخه فذاك) أي ما ذكرناه مبتدأ، وخبره قوله: (ضبط الأهل) أي الضبط المعتبر لأهل الحديث في الأعصار المتأخرة بخلاف الضبط في المتقدمين.
وحاصل معنى الأبيات الأربعة: أن المحدثين أعرضوا في هذه--------------------------------------------
(1) فيكون المعنى على الفتح: بقاء اتصال الإسناد بعضه ببعض، وعلى الكسر يكون المعنى على التشبيه، أي بقاء الإسناد الشبيه بالسِّلْسِلَة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 357)
الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط التي مضت في الراوي وضبطه فلم يتقيدوا بها في عملهم، لعسرها وتعذر الوفاء بها، بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها فيكفي في أهلية الراوي كونه مسلماً بالغاً عاقلاً غير متظاهر بالفسق وما يَخْرِمُ المروءة ظاهراً، بمعنى: أنه مستور الحال ثبت سماعه بخط ثقة غير متهم، ورَوَى من أصل موافق لأصل شيخه.
قال السخاوي: والحاصل أنه لما كان الغرضُ أولاً معرفةَ التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشديد بمجموع تلك الصفات، ولما كان الغَرَضُ آخراً الاختصارَ في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السَّندية اكتَفَوا بما ترى، لكن ذاك بالنظر إلى الغالب في الموضعين وإلا فقد يوجد في كل منهما من نمط الآخر، وإن كان التساهل إلى هذا الحدّ في المتقدمين قليلًا اهـ.
(تَتِمَّة): الزيادات على العراقي في هذا الباب قوله: ما لم يوثق إلى قوله: قد رُكِنْ في البيت بعده، وقوله: فإن فصله إلى قوله: من زكاه في البيت التالي، وقوله: ولو خص بذا، وقوله: من لا أتهم، وقوله: في الأصح من قوله: وما اقتضى إلخ، وقوله: كعكسه إلى قوله: في إفاقة معاً، وقوله: ثالثها إن كان من عنه انفرد إلى قوله: والثالث من البيت الرابع، وقوله: ومن عرفنا عينه إلى لا تقبل في البيت الثالث، وقوله: ثالثها إن كذبا قد حللا، وقوله: الرافضي، وقوله: لا إن رووا وفاقاً البيت، وقوله: والنووي إلى قوله: موضح، وقوله: في الأصح، وقوله: بأن يبين عالم.
ولما كان قبولُ الحديث ورده منوطاً على العدالة والجرح ناسب أن يذكر مراتب التعديل والتجريح بعد باب من تقبل روايته ومن ترد فقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 358)
(مراتب التعديل والتجريح)
أي هذا مبحثهما وجمَعَهُمَا في باب لتقابلهما، وقدم التعديل لشرفه، وليوازي الباب الذي قبله لأنهما من تتماته، ولذا جعله غيره من تتمة النوع الماضي لا نوعاً مستقلًا، والتعديل: مصدر عدلت الشاهدَ إذا نسبته إلى العدالة، ووصفته بها، والتجريح مِثلُه إلا أن ثلاثيه يتعدى يقال: فلان جرح فلاناً إذا نسبه إلى العيب.
واعلم أن ألفاظ كل من التعديل والتجريح على مراتِبَ جعلها ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح والنووي أربعاً، وجعلها الذهبي والعراقي خمساً، وجعلها الحافظ ستاً، وتبعه الناظم هنا فساقها بالتدلي من الأعلى إلى الأدنى بقوله:
327 - وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيلِ … مَا جَاءَ فِيهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ
328 - كَـ " أوْثَقِ النَّاسِ " وَمَا أَشْبَهَهَا … أَوْ نَحْوُهُ نَحْوُ " إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى "
(وأرفع الألفاظ) أي أعْلَى الصيغ، مبتدأ (في التعديل) أي نسبة الراوي إلى العدالة، وإنما قدم الكلام عليه لكون المقصود بالذات هو إثبات الحديث حتى يُعمَلَ به (ما) موصولة خبر المبتدإ (جاء فيه أفعل التفضيل) لدلالته على المبالغة في التعديل، ثم مثل له بقوله (كأوثق الناس) أي كقولهم فلان أوثق النَّاس أي أفضلهم في الاعتماد عليه، (وما أشبهها) أي ما أشبه أوثق الناس أنثه باعتبار المذكورة كأثبت النَّاس أي حفظاً وعدالة، وأصدقهم، لما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 359)
تدل عليه الصيغة من الزيادة. (أو نحوه) بالرفع عطفاً على أفعلُ، أي نحو أفعل التفضيل مما يفيد الزيادة والمبالغة في الوصف وذلك: (نحو) قولهم فلان (إليه المنتهى) في التثبت أي التيقظ والاحتياط في الديانة والرواية.
قال الناظم: ومنه لا أحد أثبت منه، ومَنْ مِثلُ فلان؟ وفلان لا يسأل عنه، ولم أر من ذكرها، وهي في ألفاظهم.
وقال السخاوي: إن من نظر في كتب الرجال ككتاب ابن أبي حاتم، والكامل لابن عدي، والتهذيب، وغيرها، ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها مع شرح معانيها لغة واصطلاحاً، لكان حسناً، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم، لما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إليه اهـ.
وهذه هي المرتبة التي زادها الحافظ على غيره بالتتبع، ثم ذكر المرتبة الثانية، وهي: الأولى عند الذهبي في ميزانه، وتبعه العراقي فقال:
329 - ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ … بَعْدُ بِلَفْظٍ أَوْ بِمَعْنًى يُورَدُ
(ثم) اللفظ (الذي كرر) بالبناء للمفعول مرتين فأكثر (مما يفرد بعد) بالبناء للمفعول أيضاً أي من اللفظ الذي يذكر مفرداً، فقوله: الذي كرر مبتدأ خبره محذوف تقديره يَلِي ما تقدم، وقوله بعد بالبناء على الضم متعلق بيفرد أي يُذكَرُ مفرداً بعد هذه المرتبة، وهي الثالثة يعني أن ما يأتي في المرتبة التالية مفرداً إذا كرر يكون لِلْمَرْتبة الثانية.
وقوله (بلفظ) متعلق بكرر أي سواء كان كرر بلفظه، كثبت ثبت وثقة ثقة وحجة حجة (أو) كرر (بمعنى) كثقة ثبت وحافظ حجة وضابط متقن وقوله: (يورد) بالبناء للمفعول صفة لمعنى حذف نظيره للفظ أي يؤتى به بعد الأول للتأكيد.
وحاصل معنى البيت: أنه يلي المرتبة الأولى: ما كرر من الألفاظ التي تذكر في المرتبة التي بعد هذه مفردة سواء كررت بلفظها أو بمعناها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 360)
لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه، وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلاً يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في شعبة: ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث.
قال السخاوي: وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عينية حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة تسع مرات وكأنه سكت لانقطاع نفسه اهـ.
ثم ذكر المرتبة الثالثة: وهي الأولى عند ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح، والثانية عند العراقي فقال:
330 - يَلِيهِ ثَبْتٌ مُتْقِنٌ أو ثِقَةٌ … أَوْ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ
(يليه) أي ما ذكر من المرتبة الثانية، وهو المكرر ما أفرد كقولهم فلان (ثبت) بسكون الباء الموحدة الثابت القلبِ، واللسانِ، والكتاب،
والحجةِ، وأما بالفتح فما يُثْبِتُ فيه المحدث مسموعه مع أسماء المشاركَين له فيه، لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره قاله السخاوي رحمه الله تعالى.
وفي المصباح: رجل ثَبتْ ساكن الباء متثبت في أموره، وثَبْت الجنان، أي ثابت القلب ورجل ثَبَت بفتحتين إذا كان عدلًا ضابطا، والجمع أثبات مثل سبب وأسباب، ويقال للحجة ثبت أيضاً يعني بفتحتين. اهـ بتغيير، فأفاد أن يقال هنا بفتحتين أيضاً إلا أن السكون هنا متعين للوزن.
وفلان (متقن) اسم فاعل من الإتقان، وهو الإحكام. وفي التوضيح: هو الضابط الجيد الضبط اهـ.
(أو) فلان (ثقة) من الوثوق وهو الاعتماد، أي معتمد عليه، يقال: وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقاً آئتمنته.
ويقال: هو وهي وهم وهن ثقة لأنه مصدر، وقد يجمع في الذكور والإناث، فيقال ثقات، أفاده الفيومي، (أو) فلان (حافظ) من الحفظ وهو
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 361)
المنع من الضياع يقال حفظت المال وغيره حفظاً بالكسر إذا منعته من الضياع والتلف، وحفظته صنته عن الابتذال، ورجل حافظ لدينه وأمانته ويمينه، وحفيظ أيضاً، والجمع حفَظَة وحُفَّاظ مثل كافر في جمعيه أفاده الفيومي.
(أو) فلان (ضابط) من الضبط وهو الحفظ البليغ يقال ضبطه ضبطاً من باب ضرب حفظه حفظاً بليغاً، ومنه قيل ضبطت البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قياماً ليس فيه نقص قاله الفيومي.
(أو) فلان (حجة) فهذه كلها في مرتبة واحدة، وهي الثالثة: قال ابن أبي حاتم إذا قيل للرجل إنه ثقة أو متقن فهو ممن يحتج بحديثه اهـ.
قلت وظاهر النظم أن حافظا وضابطا من ألفاظ التعديل مطلقاً، وقيده ابن الصلاح رحمه الله بأن يكون الإطلاق على عدل، قال السخاوي: إذ مجرد الوصف بكل منهما غير كاف في التوثيق بل بين العدالة وبينهما عموم وخصوص من وجه، لأنه توجد العدالة بدونهما ويوجدان بدونها وتوجد الثلاثة اهـ.
ثم ذكر المرتبة الرابعة، وهي الثالثة عند العراقي، والثانية عند ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح فقال:
331 - ثُمَّ " صَدُوقٌ " أَوْفَـ " مَأْمُونٌ " وَ " لا … بَأْسَ بِهِ " كَذَا " خِيَارٌ " ............
(ثم) يلي ما تقدم قولهم فلان (صدوق) بفتح الصاد وصف له بالصدق على سبيل المبالغة، وليسا " محله الصدق " من هذه المرتبة وإن أدرجه ابن أبي حاتم ثم ابن الصلاح هنا، بل في المرتبة التالية كما يأتي تبعاً للذهبي، (أو) فلان (فمَأمُون) الفاء زائدة (و) فلان (لا بأس به) أو ليس به بأس قال الصنعاني: فإن قيل إنه ينبغي أن يكون لا بأس به أبلغ من ليس به بأس لعَرَاقَة لا في النفي أجيب بأن في العبارة الأخرى قوة من حيث وقوع النكرة في سياق النفي فساوت الأولى في الجملة. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 362)