(وجاز أن) مصدرية (يروى) الراوي (عن ممليه) أي الشيخ الذي أملى الحديث عليه (ما) مفعول يروى (بَلَّغ) بتشديد اللام (السامع) مفعول مقدم على الفاعل (مستمليه) فاعل مؤخر لبلغ.
ومعنى البيت أنه إذا عظم مجلس الإملاء فاتخذ الشيخ مستملياً يبلغ عنه فمن سمع من المستملى حديثاً جاز أن يروى ذلك الحديث عن المملي عند جماعة من المتقدمين وغيرهم كما أشار إليه بقوله (للأقدمين) متعلق بجاز (وعليه العمل) مبتدأ وخبر، أي على هذا المذهب جرى عمل أكابر المحدثين الذين كان يَعظُمُ الجمع في مجالسهم جِدًّا ويجتمع فيها الفئام من النَّاس بحيث يبلغ عددهم ألوفاً مؤلفة فإنه يُبلِّغ عنهم المستملي ثم يروي عنهم من سمع منه (و) أبو عَمْرو عثمان (ابن الصلاح) مبتدأ خبره جملة (قال هذا يحظل) بالبناء للمفعول أي الذي ذكر من جواز رواية من سمع من المستملي عن المملي ممنوع لما فيه من التساهل.
وحاصل المسألة: أنه إذا عظم المجلس فاتخذ المحدث مستملياً فبلغ عنه فهل من سمع من ذلك المستملي يروي عن المملي ويقول حدثنا فلان يعني المملى أم لا؟ فيه قولان:
الأول: ذهب جمع من المتقدمين وغيرهم إلى جوازه منهم ابن عيينة وإبراهيم النخعي وحماد بن زيد، وقال العراقي وهو الذي جرى عليه العمل لأن المستملي في حكم القارئ على المملي. ويعرض حديثه عليه. ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملي لفظ المستملي كالقارئ عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الألفاظ من المستملي كما فعله ابن خزيمة وغيره بأن يقول: أنا بتبليغ فلان.
وقد ثبت في الصَّحِيحين عن جابر بن سمرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يكون اثنا عشر أميراً " فقال كلمة لم أسمعها فسألت أبي فقال: " كلهم من قريش " وقد أخرجه مسلم عنه كاملًا من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه ذكره في التدريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)
القولُ الثاني أنه لا يجوز ذلك.
قال النووي وهو الصواب الذي عليه المحققون وقال ابن الصلاح والأول تساهل بعيد، وكذا حكم من لم يفهم كلمة أو نحوها فاستفهم من المستملى أو رفيقه كما ذكره فقال:
379 - وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي الَّذِي لا يَفْهَمُ … كَلِمَةً، فَمِنْهُ قَدْ يَسْتَفْهِمُ
(والخلف) أي الاختلاف المذكور (يجري) أيضاً (في) السامع (الذي لا يفهم كلمة) أو أكثر (فمنه) أي المستملي وكذا من رفيقه (قد يستفهم) أي يطلب فهمها.
وحاصل المعنى: أنهم اختلفوا في صحة رواية ما استفهمه السامع من الألفاظ اليسيرة من المستملي أو من بعض الحاضرين فجوزه بعضهم، ومنهم الإمام أحمد، ومنعه آخرون منهم أبو نعيم الفضل بن دكين، وزائدة بن قدامة، وحكي عن أبي حنيفة، وعن خلف بن سالم الْمخَرِّمِيِّ قال سمعت ابن عيينة يقول: نا عمرو بن دينار يريد حدثنا فإذا قيل له قل حدثنا عمرو وقال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف لكثرة الزحام، وهي حدث. ثم ذكر القسم الثالث من أقسام التحمل الثمانية، فقال:
380 - ثَالِثُهَا: إِجَازَةٌ، وَاخْتُلِفَا … فَقِيلَ: لا يَرْوِي بِهَا، وَضُعِّفَا
381 - وَقِيلَ: لا يَرْوِي وَلَكِنْ يَعْمَلُ … وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقِيلَ: أَفْضَلُ
382 - مِنَ السَّمَاعِ، وَالتَّسَاوِي نُقِلا … وَالْحَقُّ: أَنْ يَُرْوِي بِهَا وَيَُعْمَلا
383 - وَأَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ لِلسَّلَفْ … وَاسْتَوَيَا لَدَى أُنَاسٍ الْخَلَفْ
(ثالثها إجازة) مبتدأ وخبره، أي ثالث أقسام التحمل ما يسمى بإجازة، مصدر أجازه.
قال السخاوي: وترد في كلام العرب للعُبُور والانتقال والإباحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
القَسِيمَةِ للوجوب والامتناع وعليه ينطبق الاصطلاح، فإنها إذن في الرواية لفظاً أو كتابة يفيد الإخبار الإجمالي عرفاً.
وقال القطب القسطلاني: إنها مشتقة من التجوز وهو التعدي فكأنه عَدَّى روايته حتى أوصلها للراوي عنه.
وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الحجاج: إن اشتقاقها من المجاز، فكان القراءة والسماع هو الحقيقة وما عداه مجاز، والأصل الحقيقة، والمجاز حمل عليه، ويقع أجزت متعدياً بنفسه وبحرف الجر كما سيأتي في لفظ الإجازة. اهـ كلام السخاوي.
وأركانها أربعة المجيز، والمجاز له والمجاز به، والصيغة. وسيأتي أنها أنواع.
ثم ذكر حكمها فقال (واختلفا) بالبناء للمفعول وألف الإطلاق أي اختلف العلماء في جواز الرواية بها على أقوال (فقيل لا يروى) بالبناء للفاعل أو المفعول (بها) أي الإجازة وهو قول جماعة من المحدثين كشعبة، قال: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبي نصر الوائلي، وأبي الشيخ لأصفهاني، والفقهاء: كالقاضي حسين، والماوردي، وأبي بكر الخجندي الشافعي، وأبي طاهر الدَّبَّاس الحنفي.
وعنهم أن من قال لغيره أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه قال أجزت لك أن تكذب عليَّ، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع وهي إحدى الروايتين عن الشافعي.
وحكاه الأمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك.
وقال ابن حزم إنها بدعة غير جائزة.
وقيل: إن كان المجيز والمجاز عالمين بالكتاب جاز، وإلا فلا، واختاره أبو بكر الرازي الحنفي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
(و) لكن هذا القول (ضعفا) بالبناء للمفعول وألف الإطلاق أي نسب إلى الضعف لما سيأتي.
(وقيل لا يروى) بها بالضبط المتقدم أي لا تجوز الرواية بالإجازة (ولكن يعمل) بالضبط المذكور أيضاً أي لكن يجوز العمل بها وهذا القول منقول عن الأوزاعي (وقيل عكسه) أي عكس القول المذكور وهو جواز الرواية دون العمل كالمرسل وهو لبعض الظاهرية ومن تابعهم قال ابن الصلاح: وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها ولا في الثقة به بخلاف المرسل فَلَا إخبار فيه البتَّةَ، وسبقه إليه الخطيب.
(وقيل) إنها (أفضل من السماع) مطلقاً وهو اختيار بعض المحققين،
ونقل عن أحمد بن ميسرة المالكي أنه قال إنها على وجهها خير من السماع الرديء، (والتساوي نُقِلَا) مبتدأ وخبر، أي كون الإجازة والسماع سواء في الرتبة منقول عن بعضهم.
وكان عبد الرحمن بن أحمد بن بَقِيّ بن مَخْلَد يقول الإجازة عندي، وعند أبي، وجدي، كالسماع (والحق) أي القول الصَّحِيح الذي قاله المحققون وهو مبتدأ خبره قوله (أن يروى بها ويعملا) بالبناء للمفعول، أو الفاعل فيهما، أي جواز الرواية والعمل بها وهو قول الأكثرين من العلماء المحدثين وغيرهم واستقر عليه العمل، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك.
(وإنها) أي الإجازة (دون السماع) رتبة (للسلف) أي عندهم، فجملة أن معطوفة على مقول القول، أي قيل إنها دون السماع إلخ فهمزة إن مكسورة (واستويا) أي السماع والإجازة (لدى أناس) أي عندهم (الخلف) بدل من أناس، وفي نسخة للخلف باللام الجارة وهو بدل أيضاً من الظرف، وهو قول العلامة الطوفي قال إنها في عصر السلف دون السماع وفي عصر الخلف مساوية له، والحاصل أن مسألة الإجازة فيها مذاهب:
الأول: وهو الذي قاله الجمهور من الطوائف واستقر عليه العمل جواز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
الرواية والعمل بها وهو الصَّحِيح قال الخطيب: احتج بعض أهل العلم لذلك بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبي بكر ثم بعث عليًّا فاخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضاً حتى وصل مكة ففتحها وقرأها على الناس.
الثاني: المنع وهو مذهب جماعة من الطوائف كما تقدم.
الثالث: أنها لا يعمل بها مع جواز التحديث بها وهو مذهب بعض الظاهرية.
الرابع: عكس هذا القول وهو العمل دون التحديث وهو مذهب الأوزاعي.
الخامس: التفصيل ففي عصر السلف السماع أولى، وأما بعدَ أنْ دُوِّنتْ الدواوين وجمعت السنن واشتهر فلا فرق بينهما أي فهما مستويان وهذا القول للطوفي.
(فائدة): قول المحدثين أجزت لك أن تروي عني بشروطها المراد بالشروط هو المُبَيَّنُ في قول الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي حيث قال في منظومته دليل السالك:
وَهْو التَثَبُّتُ بِما قَدْ أشْكلَا … ثُمَّ الْمُرَاجَعَةُ فِيمَا أعْضلا
مَع مَشايخ العُلُومِ المَهَرَهْ … لَا غَيرِمَنْ حَقَقَه وَحَرَّرَهْ
ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْحَوَادِثِ إلَى … مَا كانَ بِالنَّقْلَ يُرَى مُحَصَّلَا
وَعدمُ الْجَوَابِ فِي استِفْتَاءِ … إلا مَعَ التَحْقِيقِ لِلأشْيَاءِ
اهـ.
ثم إن الإجازة تسعة أنواع ذكرها بالترتيب فأشار إلى الأول بقوله:
384 - عَيَّنَ مَا أَجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ … أَوْ ذَا وَمَا أَجَازَهُ قَدْ أَجْمَلَهْ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
(عين) المجيز (ما) أي الحديث أو الكتاب الذي (أجاز) هُ للطالب (و) عين (المجاز له) من الطلبة.
وحاصل المعنى: أن النوع الأول هو أن يعين المجاز به والمجاز له كأن يقول أجزتك البخاري أو ما تضمنه ثبتي، أو ما اشتملت عليه فهرستي (1) والمجازُ عارف بما اشتملت عليه وكذا إذا أدخله خِزَانَة كتبه، وقال: ارو جميع هذه الكتب عني فإنها مسموعاتي من الشيوخ المكتوبةُ عنهم، أو أحاله على ترجمتها ونبهه على طرق أوائلها، وهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة لأنها أعلى من هذا.
ثم ذكر الثاني وهو التعميم في المجاز به مع تعيين المجاز له بقوله (أو) عين (ذا) أي المجاز له (و) الحال أن (ما أجازه) أي الذي أجاز له من الحديث أو الكتاب مثلا (قد أجمله) أي عممه يعني أنه لم يعينه كأن يقول أجزت لك أو لكم أو لمحمد جميع مروياتي.
وحاصل هذا النوع أن يجيز المحدث لمعين أو مُعَيَّنِينَ في غير مُعَيَّن وهو المسمى بإجازة خاص بعام، وهو مقبول كسابقه عند جمهور العلماء من المحدثين وغيرهم سلفاً وخلفاً رواية وعملا بالمروي به بشرطه الآتي في شرط الإجازة، ولكن الخلاف فيه أقوى مما تقدم لأنه أحاله على أمر عام ولم ينص له على شيء معين.
ثم ذكر الثالث وهو التعميم في المجاز سواء عين المجاز به أو أطلق بقوله:
385 - فَإِنْ يُعَمِّمْ مُطْلَقًا أَوْ مَنْ وُجِدْ … فِي عَصْرِهِ: صُحِّحَ رَدٌّ وَاعْتُمِدْ
(فَإِنْ يُعَمِّمْ) المحدث ومفعوله محذوف لدلالة ما قبله أي ذا، يعني المجاز له (مطلقا) أي من دون قيد بما يأتي وسواء عين المجاز به أو لا،--------------------------------------------
(1) الفهرست بالتاء وصلاً ووقفاً لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
بأن يقول أجزت المسلمين أوكل أحد الكتاب الفلاني أو جميع مروياتي، (أو) قيده بقيد شبيه بالإطلاق كان يجيز (من وجد في عصره) أي وقته كأن يقول من أدرك زماني أو أهل زماني (صحح) بالبناء للمفعول (رد) أي رد الرواية بهذا النوع (واعتمد) بالضبط المذكور وهو عطف تفسير لصحح أي اعتَمَدَ هذا الرأيَ العلماءُ.
منهم الحافظ عبد الغني بن سرور والماوردي.
وقال ابن الصلاح: لم نر ولم نسمع عن أحد ممن تقدم يُقتَدَى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها ولا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوغوها، والإجازةُ في أصلها ضعف وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفاً كثيراً لا ينبغي احتماله اهـ.
لكن رُدَّ عليه باستعمال جماعات لها ممن تقدمه كما يأتي ومقابل الصَّحِيح قول من جوزها مطلقاً.
وهو قول الحافظ الخطيب البغدادي والحافظ أبي عبد الله بن منده والحافظ أبي العلاء الهمداني العطار وجوزها أبو الطيب الطبري للموجود عند الإجازة خاصة نقله عنه الخطيب.
ومن أدلتهم قوله صلى الله عليه وسلم " بلغوا عني " الحديث. وقيدنا القيد بشبيه الإطلاق لأنه لو كان قيدا حاصرا جاز كما أشار إليه بقوله:
386 - مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ مَعْ حَصْرِ … فَصَحِّحَنْ، كَالْعُلَمَاء بِمِصْرِ
(ما) مصدرية ظرفية (لم يكن عمومه) أي المجاز له (مع) بسكون العين لغة في فتحها (حَصْرِ) بوصف حاصر يعني أن الرد المذكور كان مدة عدم حصره بقيد حاصر، فأما إذا كان تعميمه مقيداً بوصف حاصر (فَصَحِّحَنْ) تلك الإجازة العامة وذلك (كـ) قوله أجزت (العلماء) الموجودين (بمصر) البلد المعروف، أو نحوه كأجزت لمن ملك نسخة من التصنيف الفلاني.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
واحترزنا بقولنا بوصف حاصر عن ما لا حصر فيه كأهل بلد كذا فهو كالعامة المطلقة.
ثم ذكر النوع الرابع وهو إجازة مجهول لمجهول بقوله:
387 - وَالْجَهْلُ بِالْمُجَازِ وَالْمُجَازِ لَهْ … كَلَمْ يُبَيِّنْ ذُو اشْتِرَاكٍ: أَبْطَلَهْ
(والجهل) مبتدأ خبره جملة أبطله (بالمجاز) به من الحديث أو الكتاب أو نحوهما (والمجاز له) أي الشخص الذي أجيز له كأجزت بعض الناس بعض مروياتي.
(كَلَمْ يُبَيِّنْ) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل قوله (ذو اشتراك) والجملة صلة ما المصدرية محذوفةً، لأن حذفها جائز عند بعض النحاة كما قاله ابن هشام في مغنى اللبيب، أي كما لم يبين ذو اشتراك أي كعدم تبيين صاحب الاشتراك من الشخص أو الكتاب.
والمعنى أنه إذا سمى المجيز كتاباً أو شخصاً وقد تسمى بذلك الكتاب أو الشخص سواه مثل أن يقول أجزت لك أن تروي عَنِّي كتاب السنن، وفي مروياته عدة كتب يعرف يعرف كل منها بالسنن كأبي داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرها، أو يقول أجزت محمد بن عبد الله الأنصاري، وفي ذلك الوقت جماعة مشتركون في هذا الاسم (أبطله) أي أبطل الجهلُ بذلك الإجازةَ وذكّر الضمير باعتبار المذكور.
وحاصل معنى البيت أن الجهل المذكور يبطل الإجازة لعدم التمييز عند السامع وكونه مما لا سبيل لمعرفته وأما إذا سمى المجاز لهم ولكنه لا يعرفهم بأعيانهم فإنه لا يضر وإليه أشار بقوله:
388 - وَلا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِالأَعْيَانِ مَعْ … تَسْمِيَةٍ أَوْ لَمْ يُصَفِّحْ مَا جَمَعْ
(وَلا يَضُرُّ) في صحة الإجازة (الجهل) أي جهل المجيز (بالأعيان) أي أشخاص المجاز لهم (مع تسمية) أي ذكر أسماءهم وأنسابهم بحيث يزول الاشتباه عنهم ويتميزون من غيرهم على العادة الشائعة في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
وحاصل المعنى: أنه إذا جهل المجيز أعيان المجاز لهم مع تسميتهم فإنه لا يضر ذلك في الإجازة كما أنه لا تشترط معرفة المسمع عين السامع الذي سمِع منه وكذا الواحد المسمى المعين ممن يَجهلُ المجيزُ عينَة من باب أولى، كما نص عليه عياض (أو لم يصفح) بالبناء للفاعل أي لم يَرَ المجيزُ صَفَحَاتِ وُجُوهِ (مَا) بمعنى من (جمع) أسماءَهُمْ في إجازته.
يقال: صَفَحْت القوم صَفْحاً من باب نفع وتصفحتهم رأيت صفحات وجوههم، والتضعيف هنا للمبالغة، والصفح بالفتح: من كل شيء جانبه، والصفحة بالهاء مثله، والجمع صفحات، مثل سجدة وسجدات أفاده الفيومي، فقوله: أو لم يصفح عطف على الجهل بتقدير حرف مصدري، أي أو أن لم يصفح يعني أنه لا يضر الجهل، ولا عدم تصفحهم.
وحاصل المعنى: أن المجيز إذا جمع بالإجازة جماعة من غير حصر عددهم وتَصَفُّحِهِمْ واحدا واحدا جاز قياسا على السماع أيضاً وإن توقف بعضهم في القياس من أجل أنه لا يلزم من كون قسم السماع لم يتأثر بذلك أن تكون الإجازة كذلك لإمكان ادعاء القدح في الإجازة دون السماع فالقياس ظاهر لأنه إذا صح في السماع الذي الأمر فيه أضيق لكونه لا يكون لغير الحاضر مع الجهل بعينه فصحته مع ذلك في الإجازة التي الأمر فيها أوسع لكونها للحاضر والغائب من باب أولى. ثم ذكر النوع الخامس من أنواع الإجازة وهو التعليق فيها بقوله:
389 - وفِي الأَصَحِّ أَبْطلُوا وَإِنْ يَقُلِ … أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ عَلِي
(وفي الأصح) من قولي العلماء متعلق بقوله (أبطلوا) أي حكموا ببطلان الإجازة (إن يقل) المجيز في إجازته (أجزت من شاء) الإجازة مني (و) كذا إن يقل أجزت (من شاء) الإجازة له (علي) بن فلان، لرجل معين، فعلي فاعل شاء.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا علق المجيز الإجازة بالمشيئة فإما أن تكون معلقة بمشيئة مبهم لنفسه كأن يقول من شاء أن أجيز له فقد أجزت له
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
أو أجزت لمن شاء وإما أن تكون بمشيئة غير المجاز معيناً لغيره كأن يقول أجزت لمن شاء علي بن محمد مثلاً أن أجيز له أو من شاء علي بن محمد أن أجيز له فقد أجزته.
أو يقول لشخص أجزت لمن شئت أن أجيزه، أو نحو ذلك، فالأصح أن الإجازة في الصورتين باطلة لأنها إجازة لمجهول فهي كقوله أجزت لبعض الناس، أفتى بذلك القاضي أبو الطيب الطبري، ومثله عن الماوردي.
ومقابل الأصح قول من أجاز في الصورتين وهو قول أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي وأبي الفضل محمد بن عبيد الله بن عمروس المالكي.
واستدل لهما بأن هذه الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة ويتعين المجاز له عندها.
واحتج ابن الفرا بقوله صلى الله عليه وسلم لما أمَّرَ زيداً على غزوة مؤتة " فإن قتل زيد، فجعفر، فإن قتل جعفر فابن رواحة " فعلق التأمير.
ثم إن هذا كله فيما إذا كان التعليق للإجازة، وأما إذا كان للرواية فالأصح الجواز كما أشار إليه بقوله:
390 - وَصَحَّحُوا " أَجَزْتُهُ إِنْ شَاءَ " أَوْ … " أَجَزْتُ مَنْ شَاءَ " رِوَايَةً رَأَوْا
(صححوا) أي حكم الحُذَّاق من العلماء بصحة الإجازة إذا قَال (أجزته) أي فلاناً (إن شاء) الرواية عني، أو أجزت لك إن شئت أن تروي عني أو أحببت أو أردت.
وحاصل المعنى: أنه إذا قال أجزت لفلان كذا إن شاء الرواية عني فالصَّحِيح الجواز لانتفاء الجهالة وحقيقة التعليق ولم يبق سوى صيغته.
وقيل لا تجوز (أو) قال (أجزت من شاء رواية) عني فكذلك (رأوا) أي العلماء جوازها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
وحاصل المعنى: أنه اذا دلق الرواية بالمشيئة كقوله أجزت من شاء الرواية عني جازت بل هي أولى بالجواز كما قاله ابن الصلاح لأنه تصريح بمقتضى الحال، لأن كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له، لا تعليق في الإجازة هكذا قال ابن الصلاح، وقاسه على بِعْتُكَ إن شئتَ قال العراقي لكن الفرق بينهما تعيين المبتاع بخلافه في الإجازة فإنه مبهم قال والصَّحِيح عدم الصحة قال: نعم وزانه هنا أجزت لك أن تروي عني إن شئت الرواية عني والأظهر الأقوى هنا الجواز لانتفاء الجهالة وحقيقة التعليق.
ثم ذكر النوع السادس من أنواع الإجازة وهو الإذن للمعدوم بقوله:
391 - وَالإِذْنُ لِلْمَعْدُومِ فِي الأَقْوَى امْتَنَعْ … ثَالِثُهَا: جَازَ لِمَوْجُودٍ تَبَعْ
(والإذن) مبتدأ خبره جملة امتنع، أي الإجازة (للمعدوم) أي غيرِ المولود (في الأقوى) أي القول الأرجح متعلق بقوله (امتنع) أي صار ممنوعاً.
وحاصل المعنى: أن الإجازة للمعدوم اختَلَفَ فيهما العلماءُ كقوله أجزت لمن يولد لفلان على مذاهب:
الأول: المنع مطلقاً وهو الصَّحِيح، جزم به أبو الطيب الطبري والماوردي وابن الصباغ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز به فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له.
والثاني: الجواز مطلقاً وبه قال الخطب وألف فيها جزءاً وقال إن أصحاب أبي حنيفة ومالك أجازوا الوقف على المعدوم كوقفت هذا على من يولد لفلان.
يعني فليزمهم القول به في الإجازة من بابٍ أولى لأن أمرها أوسع.
وهذا القول هو المطوي في قوله: (ثالثها): أي الأقوال مبتدأ خبره جملة (جاز) أي الإذن للمعدوم (لوجود) متعلق بقوله (تبع) بفتحتين يكون للواحد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
والجمع، وقد يجمع على أتباع، وهو منصوب على الحال من المعدوم، وقِفَ عليه بالسكون على لغة ربيعة، أي حال كونه تابعاً لموجود بأن عطف عليه، كأجزت لك ولمن يولد لك أو أجزت لفلان ولمن سيولد له أو لعقبه ما تناسلوا.
وحاصل هذا القول: أنه إن عطفه على موجود جاز بل أولى بالجواز مما إذا أفرده بها قياساً على الوقف وفَعَلَه من المحدثين أبو بكر بن أبي داود فقال أجزت لك ولأولادك وَلحَبَل الحَبَلَةِ.
وصرح بتصحيحه القسطلاني في المنهج المبهج.
ثم ذكر السابع وهو الإجازة لغير متأهل كالطفل ونحوه بقوله:
392 - وَصَحَّحُوا جَوازَهَا لِطِفْلِ … وَكَافِرٍ وَنَحْوِ ذَا وَحَمْلِ
(وصححوا) أي العلماء (جوازها) أي الإجازة (لطفل) أي صبي غير مميز (وكافر ونحو ذا) أي الكافر ممن ليس أهلاً للرواية كفاسق ومبتدع ومجنون (و) صححوها أيضاً (لحمل) سواء نفخ فيه الروح أو لا عطف على موجود كأبويه أم لا.
وحاصل معنى البيت: أن العلماء صححوا جواز الإجازة لغير متأهل للرواية كالمذكورين. فأما الطفل فجوزها الجمهور لأنها إباحة والإباحة تصح لغير المميز بل وللمجنون لعدم افتراقهما في غالب الأحكام، وأبطلها بعضهم، ونقل عن الشافعي لمن لم يستكمل سبع سنين، أي لأنه مظنة التمييز غالباً.
وأما الكافر فلم يوجد تصريح بصحتها له من المتقدمين والمتأخرين مع تصريحهم بصحة سماعه.
إلا أن شخصاً من الأطباء سمع الحديث في يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري وكتب اسمه في طبقة السماع وأجاز الشيخ لمن سمع وهو من جملتهم، وذلك بحضرة أبي الحجاج المِزِّيِّ، ثم هداه الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
للإسلام، وحدث وسمع منه النَّاس، فهذا يدل على أن المِزِّيَّ يرى ذلك. وإذا جاز للكافر فالفاسق والمبتدع من باب أولَى، وأما المجنون فهي تصح له كما ذكر الخطيب، وأما الحمل فقالَ العراقي: لم أجد فيه أيضاً نقلا، ولا شك أنه أولى بالصحة من المعدوم، والخطيب يرى صحتها للمعدوم.
وإلى ما تقدم أشار العراقي في ألفيته حيث قال:
وَلَم أجِدْ فِي كَافرٍ نَقْلاً بَلَى … بِحَضْرَةِ الْمِزِّيِّ تَتْرَى فُعِلَا
وَلَمْ أجِدْ فِي الْحَمْلِ أيْضاً نَقْلًا … وَهُوَ مِنَ الْمَعْدُومِ أوْلَى فِعْلَا
وَللْخَطِيبِ لَمْ أجِدْ مَنْ فَعَلَهْ … قُلْتُ رَأيْتُ بَعْضَهُمْ قَدْ سَألَهْ
مَعْ أبَويهِ فَأجَازَ وَلَعَلّ … مَا صَفَحَ الأسْمَاءَ فِيهَا إِذْ فَعَلْ
وًينْبَغِي الْبِنَا عَلَى مَا ذَكَروُا … هَلْ يُعْلَمُ الْحَمْلُ وَهَذَا أظْهَرُ
ثم أشار إلى النوع الثامن من أنواع الإجازة وهو الإجازة بما لم يتحمله بَعْدُ بقوله:
393 - وَمَنْعَهَا بِمَا الْمُجِيزُ يَحْمِلُهْ … مِنْ بَعْدِهَا، فَإِنْ يَقُلْ لا نُبْطِلُهْ
394 - " أَجَزْتُ مَا صَحَّ وَمَا يَصِحُّ لَكْ … مِمَّا سَمِعْتُ أَوْ يَصِحُّ مَا سَلَك "
(ومنعها) بالنصب عطفاً على جوازها أي صححوا منع الإجازة وبطلانها (بما) أي المروي الذي (المجيز يحمله) مبتدأ وخبر وهو صلة ما أي الحديث الذي يحمله الشيخ المجيز للطالب (من بعدها) أي بعد الإجازة متعلق بيحمله.
يعني أن الشيخ إذا أجاز للطالب بما لم يتحمله بوجه من سماع أو إجازة ليرويه ذلك الطالب إذا تحمله المجيز فالصَّحِيح بل الصواب كما قاله النووي وهو الذي حكاه عياض عن أبي الوليد يونس بن المغيث القرطبي منع ذلك.
سواء عطفه على موجود بأن قال أجزت لك ما رويته وما سأرويه أولا، لأنه إخبار بما لا خَبَرَ عنده منه، وإذن بما لا إذن له، وإباحة ما لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
يعلم هل يصح له الإذن فيه أم لا. ومقابل الصَّحِيح إجازة بعض المتأخرين المعاصرين للقاضي عياض لمن سأله الإجازة كذلك، ووجَّهَهُ بعضهم بأن شرط الرواية أكَثر ما يعتبر عند الأداء لا عند التحمل. (فإن يقل) الشيخ (لا نبطله) جواب إن، قدم على معمول فعل الشرط للضرورة، ورفع على قلة، ومقول القول قوله (أجزت ما صح) عندك حال الإجازة (وما يصح لك) أي عندك بعدها أنِّي أروِيهِ (مما سمعـ) ـته من الأحاديث بيان لما، (أو) اقتصر على قوله ما صح (و) كلمةَ (يصح ما سلك) أي ما ذكره، يعني: أنه ترك ذكر يصح مكتفيا بما صح.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الشيخ: أجزت لفلان ما صح، ويصح عنده من مسموعاتي صحت الإجازة.
فتجوز الرواية لِمَا صحَّ عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبلها، وقد فعله الدارقطني وغيره، وكذا لو لم يقل: ويصح لأن المراد ما صح حال الرواية لا الإجازة.
قال السخاوي: والفرق بين هذه والتي قبلها أنه هناك لم يروِ بَعدُ بخلافه هنا، فقد رَوَى ولكن تارة يكون عالماً بما رواه، وهذا لا كلام فيه، وتارة لا يكون عالماً فيُحِيل الأمر فيه على ثبوته عند المجاز اهـ.
ثم إنه لا يشمل ما صح عنده بالإجازة، أو صح عند غيره، كما ذكره بقوله:
395 - فِي مِثْلِ ذَا لا تُدْخِلِ الْمَجَازَا … أَوْ صَحَّ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ أَجَازَا
(في مثل ذا) أي الإجازة المتقدمة (لا تدخل) أيها الراوي بها (المجازا) بضم الميم أي ما تحمله بالإجازة (أَوْ صَحَّ) عطف على المجاز لأنه صلة أل، أي أو الصَّحِيح (عند غير من أجازا) أي عند غير الشيخ الذي أجاز لك بهذه الكيفية.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا أجاز لك الشيخ بالصيغة المتقدمة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
وهي أجزت لك ما صح إلخ، فليس لك أن تروي ما تحمله بالإجازة، أو ما صح عند غيره لأنه مقيد بسماعه.
ثم أشار إلى النوع التاسع، وهو إجازة المجاز بقوله:
396 - وَمَنْ رَأَى إِجَازَةَ الْمُجَازِ … وَلَوْ عَلا فَذَاكَ ذُو امْتِيَازِ
(وَمَنْ) شرطية (رأى) من العلماء صحةَ (إجازةِ المجاز) بضم الميم، أىِ الحديث الذي تحمله الراوي بالإجازة، كأن يقول: أجزت لك مجازاتي، أو روايةَ ما أجيز لي، أو ما أبيح لي روايتهُ (ولو علا) ذلك المجاز، أي كَثُرَ بسبب توالي الإجازات (فذاك ذو امتياز) مبتدأ وخبر، جواب مَنْ، يعني: أن ذلك الرائي ذو تميز وفضل على من لم يرَ صحة ذلك لكون رأيه صواباً.
وحاصل معنى البيت: أن العلماء اختلفوا في إجازة المجاز كقوله: أجزت لك مجازاتي ونحو ذلك:
فمنع ذلك بعضهم، لأن الإجازة ضعيفة فيَقْوَى الضعفُ باجتماع إجازتين.
ثم إن هذا المنع سواءٌ عُطِفَ على الإذن بمسموع، أم لا؟ وقيل: إن عطف على الإجازة بمسموع صح، وإلا فلا، والصَّحِيح الذي عليه العمل وهو الذي أشار إلى ترجيحه هنا جوازها مطلقاً، لأن المقصود منها بقاء سِلْسِلَة الإسناد.
(تنبيه): قال العراقي: ينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه، ومقتضاها حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها، فربما قَيَّدَها بعضهم بما صح عند المجاز، أو بما سمعه المجيز فقط، أو بما حدث به من مسموعاته، أو غير ذلك، فإن كان أجازه بلفظ أجزت له ما صح عنده من سماعاتي فليس للمجاز الثاني أن يروي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
عن المجاز الأول إلا ما علم أنه صح عنده أنه من سماع شيخه الأعلى، ولا يكتفي بمجرد صحة الإجازة اهـ.
ولما أنهى الكلام في أنواع الإجازة التسعة، وأحكامها شرع يُبَيِّنُ الألفاظَ المستعملةَ فيها فقال:
397 - وَلَفْظُهَا " أَجَزْتُهُ " " أَجَزْتُ لَهْ " … فَأَنْ يَخُطَّ نَاوِيًّا فَيُهْمِلَهْ
(ولفظها) أي اللفظ المستعمل في الإجازة وهو مبتدأ خبره قوله (أجزت) أي أجزت فلاناً مسموعاتي أو مروياتي، متعدياً بنفسه وبدون ذكر لفظ الرواية أو نحوه الذي هو المجاز به حقيقة.
وهذا نقله أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب المجمل وغيرِهِ في جزء سماه مآخذ العلم فإنه قال: معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يُسْقَاهُ المال من الماشية والحرث، يقال منه: استجزت فلاناً فأجازني، إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه.
قال ابن الصلاح: فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلاناً مسموعاتي، أو مروياتي متعدياً بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك.
وأما من يجعل الإجازة بمعنى التسويغ والإذن والإباحة فيحتاج إلى ذلك وهو المعروف فيقول: أجزت له رواية مسموعاتي كما قال (أجزت له) أي متعدياً بحرف جر، وبدون إضمار، ومن يقول: أجزت له مسموعاتي، فعلى سبيل الإضمار للمضاف الذي لا يخفى نظيره، وحينئذ ففي الأول الإضمار والحذف دون الثاني الذي هو أظهر وأشهر وفي الثالث الإضمار فقط. أفاده السخاوي رحمه الله.
ثم إن التلفظ بالإجازة سواء كان مع الكتابة أم لا، هو الأعلى رتبة، ويليه الكتابة مع قصد الإجازة بدون تلفظ، وإليه أشار بقوله: (فأن) الفاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
للترتيب وأن مصدرية (يخط) أي يكت الشيخ بالإجازة حال كونه (ناوياً) لها، يعني: أن الكتابة بالإجازة مع قصدها تلي التلفظ بها، ثم تلي الكتابة بدون القصد وإليه أشار بقوله: (فيهمله) بالنصب عطفاً على يخط من الإهمال، وهو الترك، أي يلي الخط مع النية أن يخط ويهمل النية، وذَكَّرَ الضميرَ في قوله " فيهمله " بتأويل النية بالقصد.
والحاصل: أن كيفية الإجازة أربعة: الكتابة مع اللفظ، وهو الأعلى، ثم اللفظ بدون الكتابة، ثم الكتابة مع النية، ثم الكتابة مع إهمال النية، وهذا قال فيه العراقي: الظاهر عدم الصحة، وقال ابن الصلاح: غير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية الذي جعلت فيه القراءة على الشيخ مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه إخباراً منه بذلك.
هذا هو المناسب لحل ألفاظ البيت، وهو الموافق لما في شروح الألفية العراقية، والتدريب، وأما ما قاله العلامة ابن شاكر من أن الناظم رجح هنا إبطال الإجازة بالكتابة فلا وجه له، ولعله جعل إن شرطية جوابها فيهمله ولا يلتئم الكلام عليه، فتدبر، وكذا حل الشارح غير ملائم فتأمل.
فالحاصل: أن الناظم رحمه الله ذكر في هذا البيت كيفية الإجازة بمراتبها فقوله: ولفظها إلخ يتضمن اللفظ مع الكتابة واللفظ بدونها، وقوله: فأن يخط ناوياً صريح في الكتابة مع النية، وقوله: فيهمله: إشارة إلى الكتابة مع عدمها، وإنما كان القول أعلى من الكتابة، لأنه دليل رضاه القلبي بالإجازة، والكتابةُ دليل القول الدال على الرضا، والدال بغير واسطة أَعلى.
ثم ذكر أن الإجازة لا تحتاج إلى قبول المجاز له فقال:
398 - وَلَيْسَ شَرْطًا الْقَبُولُ بَلْ إِذَا … رَدَّ فَعِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ بِذَا
(وليس شرطاً) في صحة الرواية بها وشرطا خبر ليس مقدماً واسمها قوله: (القبول) أي قبول المجاز له إياها (بل إذا رد) المجاز له الإجازة، وكذا لو رجع المجيز عنها (فعندي غير قادح) في الإجازة (بذا) أي بسبب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
رده للإجازة، يعني: أن المجاز له لَوْ رَدهَا فهو غير قادح لها برده، فقوله: عندي متعلق بقادح قدم للضرورة، وقوله: غير قادح، خبر لمحذوف أي فهو غير قادح والجملة جواب إذا.
وحاصل معنى البيت: أن قبول المجاز له للإجازة غير شرط في صحة الرواية بها كما صرح به البلقيني.
قال الناظم: بل لو رد المجاز له إياها فعندي أنه لا يضر، وكذا لو رجع الشيخ عنها. قال: ويحتمل أن يقال: إن قلنا الإجازة إخبار لم يضر الرد ولا الرجوع، وإن قلنا إذن وإباحة، ضَرَّا كالوقف، والوكالة، ولكن الأول هو الظاهر، ولم أرَ من تعرض لذلك اهـ.
ثم إنما تستحسن الإجازة إذا صدوت من عالم لعالم، واشترطه بعضهم وإليه أشار بقوله:
399 - وَاسْتُحْسِنَتْ مِنْ عَالِمٍ لِمَاهِرِ … وَشَرْطُهُ يُعْزَى إِلَى أَكَابِرِ
(واستحسنت) بالبناء للمفعول أي الإجازة أن تكوناً (مِن) مجيز (عالم) بما يجيز به، (لماهر) أي لِمُجَاز حاذق بالفن، (وشرطه) مبتدأ، أي اشتراط كونها من عالم لماهر وقوله (يعزى) بالبناء للمفعول أي ينسب، خبر المبتدأ (إلى أكابر) بالصرف للضرورة أي الأئمة الكبار.
وحاصل معنى البيت: أنهم قالوا: إنما تتحسن الإجازة إذا كان المجيز عالماً بما يجيزه، وكان المجاز له من أهل العلم أيضاً، لأنها تسويغ وترخيص يتأهل له أهل العلم، لمسيس حاجتهم إليها.
وقد اشترط بعضهم ذلك، وحكي عن مالك.
وقال ابن عبد البر: الصَّحِيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في شيء معين لا يشكل إسناده اهـ.
وذلك لأنه إذا لم يكن كذلك لم يؤمن أن يحدث المجاز له عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
الشيخ بما ليس من حديثه، أو ينقص من إسناده الرجل والرجلين.
(تنبيه): قال السخاوي رحمه الله: كثر تصريحهم في الأجَائزِ بما يجوز لي، وعنَى روايته، فقيل: إنه لا فائدة في قوله: عنَى، والظاهر أنهم يريدون بقولهم: لي مروياتهم، وعنَى: مصنفاتهم، ونحوها، وهو كذلك، وحينئذ فكتابتها ممن ليس له تصنيف، أو نظم أو نثر عَبَث أو جهل اهـ.
ثم ذكر القسم الرابع من وجوه التحمل، وهو المناولة بقوله:
400 - رَابِعُهَا عِنْدَهُمُ: الْمُنَاوَلَهْ … أَنْ يُعْطِيَ الْمُحَدِّثُ الْكِتَابَ لَهْ
401 - مِلْكًا، تَلِي إِعَارَةٌ، أَوْ يُحْضِرَهْ … لِلشَّيْخِ ذِي الْعِلْمِ لِكَيْمَا يَنْظُرَهْ
402 - ثُمَّ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَأَذِنْ … فِي الصُّورَتَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، فَدِنْ
(رابعها) أي رابع وجوه تحمل الحديث، مبتدأ، (عندهم) أي العلماء حال منه.
(المناولة) خبر المبتدإ، ويجوز العكس، وهي لغة العطية، ومنه في حديث الخضر: " فحملوهما بغير نول " أي عطاء، واصطلاحاً: إعطاء الشيخ شيئاً من مروياته مع إجازته به صريحاً، أو كناية، كما أشار إليه بقوله:
(أن) مصدرية (يعطي المحدث الكتاب له) أي للطالب (ملكاً) بتثليث الميم، حال من الكتاب أي حال كونه مملوكاً له، وأنْ وصلتها في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي إعطاء المحدث إلخ.
وحاصل معنى البيت: أن النوع الرابع من أنواع التحمل هو المناولة، وهي إعطاء المحدث الكتاب للطالب سواء كان تصنيفاً له، أو أصل سماعه، أو فرعاً مقابلاً بالأصل، وكذا مُجَازُهُ ملكاً له، هبة، أو بيعاً، أو ما يقوم مقامهما، قائلًا هذا من تصنيفي، أو نظمي، أو سماعي، أو روايتي عن فلان، وأنا عالم بما فيه فَارْوِه عني، وهذه الصورة هي الأعلى، وتليها ما كانت إعارة كما ذكرها بقوله: (تلي) هذه الصورة الأولى (إعارة) بالرفع فاعل تلي أي مناولة الشيخِ الكتابَ على وجه الإعارة، وكذا الإجازة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
ونحوها فيقول له: خذه عني، وهو روايتي، على الوجه المشروح، أوَّلاً فانتسخه، ثم قَابِلْ به، أو قابل به نسختك التي انتسختها أو نحو ذلك، ثم رُدَّهُ إِلَيَّ (أو يحضره) بالنصب عطفاً على يعطي، أي يحضر الكتاب الطالب (للشيخ) أي عند المحدث (ذي العلم) أي المعرفةِ بما في الكتاب (لكيما ينظره) أي يطالع الكتاب، ويتصفحه، متأملاً ليعلم صحته، وعدمَ الزيادة فيه، والنقص منه، فأما إذا لم يكن عارفاً بما فيه فيجب عليه المقابلة بأصل كتابه، كما صرح به الخطيب. (ثم يرده إليه) أي يرد الشيخ ذلك الكتاب إلى الطالب، ويقول له: وقفت على ما فيه، وهو كتابي، أو روايتي عن فلان أو نحوه فارْوه عني، أو أجزت لك روايته.
قال ابن الصلاح: وهذا قد سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضاً، وقد سبقت حكايتنا في القراءة على الشيخ أنها تسمى عرضاً، فَلْنُسَمِّ ذلك عرض القراءة، وهذا عرضَ المناولة اهـ.
وممن فعل هذا عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو (1)، وابن شهاب، ومالك، وأحمد، والأوزاعي، والذهلي، وآخرون، كما قاله السخاوي. (و) قد (أذن) له جملة حالية من الشيخ، أي حال كونه آذناً للطالب (في الصورتين) المذكورتين، أي صورةِ دفع الشيخ الكتاب إلى الطالب، إمَّا ملكاً، أو إعارة، وصورةِ إحضاره الكتاب إلى الشيخِ ليتأمله ثم يرده إليه، (في رواية) أي رواية ما في الكتاب كما شرحناه آنفاً، وقوله: (فدن) تتميم للبيت، أمر من دان يدين بمعنى أطاع، أي أطِعِ المحدثين في قواعدهم لأنهم أهل للطاعة، حيث أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما ثبت به الحديث (2).--------------------------------------------
(1) فيه الشك هل هو ابن عمر أو ابن عمرو لأن أبا عبد الرحمن الحبلي قال: أتيت عبد الله بكتاب فيه أحاديث إلخ فلم يبين هل هو ابن عمر أو ابن عمرو اهـ.
(2) وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل أخرجه أبو داود والترمذي، وابن حبانَ، والحاكم مصححا " وإن العلماء هم ورثة الأنبياء " الحديث. وضعفه بعضهم للاضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها، كما قال الحافظ في الفتح جـ 1 ص: 193.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)