ثم إن المناولة المقرونة بالإذن أعلى أنواع الإجازة مطلقاً، لما فيها من التعيين والتشخِيصِ بلا خلاف بين المحدثين فيه. ثم ذكر حكمها فقال:
403 - وَأَخَذُوا بِهَذِهِ إِجْمَاعَا … بَلْ قِيلَ: ذِي تُعَادِلُ السَّمَاعَا
404 - وَآخَرُونَ فَضَّلُوهَا وَالأَصَحّ … تَلِي، وَسَبْقُهَا إِجَازَةً وَضَحْ
(وأخذوا) أي العلماء من المحدثين وغيرهم (بهذه) أي المناولة المقرونة بالإجازة (إجماعاً) حال من الفاعل، أو مفعول مطلق على النيابة أي حال كونهم مجمعين عليه أو أخذوا أخذ إجماع، والمعنى أن صحة المناولة المقرونة بالإجازة مجمع عليه، والأصل فيه حديث: أنه صلى الله عليه وسلم: " كتب لأمير السرية كتاباً، وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ المكان قرأه على النَّاس " الحديث علقه البخاري بالجزم، وحديثُ ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذَافَة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى " الحديث. (بل قيل ذي) أي المناولة المقرونة بالإذن (تعادل) أي تساوي (السماعا) في الرتبة والقوة.
يعني: أن بعض العلماء جعلوها مساوية للسماع.
وهو قول جماعة من أئمة المدنيين كأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابن شهاب، وربيعة الرأي، وَيَحْيَى بن سعيد الأنصاري، وعن جماعة من المكيين: كمجاهد، وأبي الزبير، ومسلم الزَّنْجِي، وابَن عيينة، ومن الكوفيين: كعلقمة، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومن البصريين: كقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي، ومن المصريين: كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، ومن الشاميين، والخراسانيين، وغيرهم.
(وآخرون) من أهل الحديث (فضلوها) أي المناولة على السماع، يعني: أن بعض المحدثين ذهبوا إلى أن المناولة أولى من السماع، نقله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
عنهم ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، لأن الثقة بها أثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمسمع، (والأصح) من الأقوال، وهو الذي عليه المحققون أنها (تلي) السماع، بل والقراءة في الرتبة: فهي منحطة عنهما.
وهذا قول سفيان الثَّوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، والبويطي، والمزني، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن يَحْيَى، ومالك.
وقال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب، واحتج له بقوله صلى الله عليه وسلم: " نضر الله امراً سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها " (1)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: " تسمعون ويسمع منكم " (2) فإنها لم يذكر فيها غير السماع، فدل على أفضليته. (وسبقها) مبتدأ خبره قوله " وضح " أي سبقُ المناولةِ المقرونةِ بالإجازة أي تقدمها في الرتبة (إجازة) أي مجردة من المناولة (وضح)، لأن تلك مختلف فيها دون هذه، لما ذكرنا من الإجماع، وإنما أخرت عنها في الذكر، لأنها جزء لأول نوعيها، أو لكون الإجازة تشمل المروي الكثير بخلافها على الأغلب، أو لقلة استعمال المناولة على الوجه الأكمل الفاضل، أو لاشتمال كل منهما على فاضل ومفضول، إذ أول أنواع الإجازة، أعلى من ثاني نوعي المناولة، فلم ينحصر لذلك التقديم في واحد، وحينئذ فقدمت الإجازة لكثرة استعمالها.
ثم إنه بقي من صُوَرِ هذا النوع الذي هو المناولة المقرونة بالإجازة صورتان: الأولى هي المناولة ثم الاسترداد، وإليه أشار إليه بقوله:
405 - وَصَحَّ إِنْ نَاوَلَ وَاسْتَرَدَّا … وَمِنْ مُسَاوِي ذَاكَ الاصْلِ أَدَّى
(وصح) التحمل (إن) شرطية (ناول) أي أعطى الشيخ الطالب الكتاب ونحوه، مع الإجازة له بروايته (و) لكنه (استردا) بألف الإطلاق، أي طلب--------------------------------------------
(1) صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم بألفاظ. انظر صحيح الجامع الصغير جـ 2 ص: 1145 - 1146.
(2) صحيح أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم. انظر صحيح الجامع جـ 1 ص: 567.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
رد ما أعطاه في الوقت، ولم يمكنه منه بل أمسكه الشيخ عنده.
وحاصل المعنى: أنه إن ناول الشيخ مرويه الطالب ثم استرده في الحال، فقد صح هذا الصنيع منه فتجوز الرواية، والعمل به، ولكنه دون ما سبق لعدم اطلاع الطالب على ما يحمله وغيبته عنه.
ويحتمل كون أن مصدرية، وهي وصلتها في تأويل المصدر فاعل صح والمعنى عليه وصح مناولة الشيخ مرويه الطالب واسترداده منه أي فتجوز الرواية والعمل به (و) لكن إذا أراد الطالب الرواية لذلك (من مساوي ذاك الأصل) أي من كتاب مساو لما أعطاه الشيخ، والجار والمجرور متعلىّ بقوله: (أدى) أي روي، والجملة مستأنفة، أي عليه أن يؤدي من مساوي ذلك الأصل، أو أدى عطف على ناوله فهو من جملة فعل الشرط أي إن أدى من مساوي ذلك الأصل صح.
وحاصل المعنى: أن الطالب المُنَاوَلَ على هذه الكيفية، إذا أراد رواية ما تحمله على هذا الوجه يلزمه أن يؤديه من مساوي ذلك الكتاب المردود، بأن وجد فرعاً مقابلًا به موثوقاً بموافقته ما تناولته الإجازة كما يعتبر ذلك في الإجازة المجردة، ومن باب أولي إن أداه من ذلك الأصل المسترد منه إن ظفر به وغلب على ظنه سلامته من التغيير.
ثم إن هذهِ المناولة لا مزية لها على الإجازة المعينة، وإليه أشار بقوله:
406 - قِيلَ: وَمَا لِذِي مِنْ امْتِيَازِ … عَلَى الَّذِي عُيِّنَ مِنْ مُجَازِ
(قيل) أي قال جماعة من أصحاب الفقه والأصول (وما) نافية (لِذِي) أي لهذه المناولة المذكورة خبر مقدم لقوله: (من) زائدة (امتياز) أي تميز، وفضل (عَلَى الَّذِي عُيِّنَ) بالبناء للمفعول (مِنْ مُجَازِ) بضم الميم بيان للموصول أي من كتاب معين مجاز به.
وحاصل معنى البيت: أن جماعة من العلماء قالوا: لا مزية لهذه المناولة على الكتاب الذي عين في الإجازة مجرداً عنها، فلا تأثير لها، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
فائدة غير أن شيوخ أهل الحديث في القديم والحديث، أو مَنْ حُكِيَ ذلك عنه منهم يرون لذلك مزية معتبرة. أفاده ابن الصلاح.
ثم أشار إلى الصورة الثانية وهي إحضار الطالب الكتاب للشيخ واستحازته من غير تصفحه بقوله:
407 - وَإِنْ يَكُنْ أَحْضَرَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ … وَمَا رَأَى: صَحَّ، وَإِلَاّ فَلْيُرَدّ
(وإن يكن أحضره) أي الكتاب إلى الشيخ، والجملة خبر مقدم ليكن على اسمها، واسمها قوله: (من يعتمد) بالبناء للمفعول أي الطالب الذي يعتمد عليه لإتقانه وثقته (و) الحال أنه (ما) نافية (رأى) الشيخ في ذلك الكتاب (صح) جواب إن، أي صح صنيعه هذا.
وحاصل المعنى: أنه إذا أحضر الطالب الكتاب إلىِ الشيخ، وقال له: هذا روايتك فناولنيه، وأجز لي روايته، فأجابه إليه معتمداً عليه لإتقانه وثقته من غير نظر فيه، ولا تحقق لروايته له صحت المناولة والإجازة، كما يصِح الاعتماد على الطالب في القراءة على الشيخ إذا كان موثوقاً به معرفة وديناً.
وأما إذا لم يكن الطالب ممن يعتمد عليه فلا تصح الإجازة فضلاً عن المناولة، كما أشار إليه بقوله: (وإلا) يكن الطالب الذي أحضر الكتاب معتمداً على خَبَرِهِ، ولا يوثق بخِبْرَتِهِ (فليرد) بالبناء للمفعول أي هذا الصنيع إذ لا يصح الاعتماد على غير موثوق به.
لكن إن تبين بعد ذلك بخبر من يعتمد عليه أن ذلك من مروياته، فهل يحكم بصحة الإجازة والمناولة السابقتين؟ قال العراقي: لم أرَ من تعرض لذلك، والظاهر نعم، لزوال ما كنا نخشاه من عدم ثقة المخبر اهـ.
فلو قال: حَدِّث عني بما فيه إن كان من حديثي صح، بل كان حسناً كما أشار إليه بقوله:
408 - فَإِنْ يَقُلْ: " أَجَزْتُهُ إِنْ كَانَا " … صَحَّ وَيُرْوَى عَنْهُ حَيْثُ بَانَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
(فإن يقل) الشيخ في الصورة المذكورة، سواء كان الطالب معتمداً عليه، أم لا؟ (أجزته) لك (إن كانا) بألف الإطلاق أي الكتاب من حديثي (صح) جواب إن أي صح هذا القول وكان حسناً فتصح الرواية به، يعني أنه إذا قال: حَدِّث بما في هذا الكتاب الذي أحضرتَهُ عني إن كان من حديثي صح التحمل فيروي به.
لكن زاد الخطيب كما نقله ابن الصلاح عنه قَوْلَهُ: مع براءتي من الغلط والوهم.
قال العراقي: ويدخل فيه الصورتان ما إذا كان من أحضر الكتاب ثقة معتمداً، وما إذا كان غير موثوق به، فإن كان ثقة جازت الرواية بهذه المناولة والإجازة، وإن كان غير ثقة لكن تبين بخبر من يوثق به أن ذلك الذي ناوله الشيخ كان من مروياته جازت روايته كذلك وإليه أشار بقوله: (وَيروِي) ذلك الطالب ما في الكتاب (عنه) أي عن ذلك الشيخ (حيث بانا) أي ظهر واتضح كونه من مروياته، وذلك بكون المحضر ثقة، أو بإخبار ثقة بكونه من مروياته. وممن فعله مالك.
ولما أنهى الكلام على الضرب الأول من ضَرْبَي المناولة، وهي المقرونة بالإجارْة شرع يبين الضرب الثاني، وهي المجردة عنها، وهي قسمان: باطلة بالاتفاق، ومختلف فيها، وإلى الأول أشار بقوله:
409 - وَإِنْ يُنَاوِلْ لا مَعَ الإِذْنِ وَلا … " هَذَا سَمَاعِي ": فَوِفَاقًا بَطَلا
(وإن يناول) الشيخ الطالب شيئاً من مروياته، ملكاً، أو عارية، ليستنسخ منه، أو أحضر الطالب إليه شيئاً منه فتصفحه وعرف ما فيه، ثم دفعه إليه (لا مع الإذن) في الرواية (ولا) قال له (هذا) الكتاب أو الحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني، ولا مما أُجِيزَ لي في روايته (فوفاقاً) بين العلماء (بطلا) هذا التحمل، فلا تجوز الرواية به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
وحاصل معنى البيت: أنه إن ناول الشيخ الطالب الكتاب، أو أحضره هو ولم يأذن له في الرواية، ولا قال له إنه يسماعي، أو مُجَازِي، لم تجز المناولة بالاتفاق، كما قال الزركشي.
والقسم الثاني: وهو المختلف فيه أشار إليه بقوله:
410 - وَإِنْ يَقُلْ: " هَذَا سَمَاعِي " ثُمَّ لَمْ … يَأْذَنْ: فَفِي صِحَّتِهَا خُلْفٌ يُضَمّ
(وإن يقل) الشيخ عند المناولة (هذا) الكتاب أو الحديث (سماعي) على الشيخ الفلاني، أو نحوه (ثم لم يأذن) له في الرواية بل اقتصر على قوله المذكور (ففي صحتها) أي المناولة الخالية عن الإذن، متعلق بيضم (خُلْفٌ) بالضم، أي اختلاف بين العلماء، مبتدأ خبره جملة قوله: (يُضَمّ) بالبناء للمفعول، أي يجمع إلى الخلاف في الأنواع المتقدمة.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الشيخ هذا الكتاب سماعي أو مَجَازِي، أو نحو ذلك ولم يأذن له في الرواية فقد اختلف فيه العلماء فقيل: تصح وتجوز الرواية بها، حكاه الخطيب عن طائفة من العلماء.
وقال ابن الصلاح: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ، لما فيه من المناولة، فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الرواية اهـ.
ويدل عليه: حديث أمير السَّرِيَّة الذي تقدم كما قاله الناظم.
قال: وعندي أن يقال: إن كانت المناولة جواباً لسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله، ولم يصرح بالإذن صحت، وجاز له أن يروده اهـ.
وبالغ بعضهم فقال: إنها قريب من السماع إذا لم يأذن له في الرواية لاشتراكهما في العلم بالمروي، وقيل: يصح العمل بها دون الرواية.
والأصح أنها باطلة، لعدم التصريح بالإذن فيها، قاله السخاوي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 428)
قلت: الذى يظهر أنها صحيحة على الوجه الذي قاله الناظم قريباً (1).
ثم ذكر صيغ الأداء لمن تحمل بالإجازة والمناولة، فقال:
411 - وَمَنْ يَنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ فَلْيَقُلِ: … " أَنْبَأَنِي " " نَاوَلَنِي " " أَجَازَ لِي "
412 - " أَطْلَقَ " أَوْ " أَبَاحَ " أَوْ " سَوَّغَ " أَوْ … " أَذِنَ " أَوْ مُشْبِهَ هَذِي، وَرَأَوْا
413 - ثَالِثَها مُصَحَّحًا أَنْ يُورَِدَا … " حَدَّثَنَا " " أَخْبَرَنَا " مُقَيَِّدَا
414 - وَقِيلَ: قَيِّدْ فِي مُجَازٍ قَصَرَا … وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِخَبَّرَا
(وَمَنْ) شرطيهْ (يَنَاوَلْ أَوْ يُجَزْ) بالبناء للمفعول، أي يناول الشيخ مرويه، أَو يجيزه له (فليقل) جواب الشرط، أي عند أدائه (أنبأني) فلان، أو أنبأنا، في المناولة والإجازة، و (ناولني) فلان، أو ناولنا في المناولة، (وأجاز لي)، أو أجازنا في الإجازة المجردة عن المناولة، (أو أطلق) لي روايته عنه (أو أباح) لي، وفي نسخة الشارح " أطلقه، أو باح "، والموأَفق لسائر الكتب ما في نسخة المحقق، وهو ما هنا، (أو سوغ) لي، أي جوز لي روايته (أو أذن) لي في روايته.
(أَوْ مُشْبِهَ هَذِي) الألفاظ المذكورة، من كل عبارة مشعرة بالواقع، وفي نسخة الشارح أو شَبَهَ هذي.
وحاصل المعنى: أن مَن تحمل الحديث بالمناولة، أو الإجازة، يقول: في الأداء أنبأني، ناولني، أجاز لي، أو أطلق لي روايته، أو ما أشبه ذلك مما يبين الواقع.
وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فالصَّحِيح منعه إلا مقيداَّ، وإليه أشار بقوله: (ورأوا) أي العلماء (ثالثها) بالنصب مفعول أول لرأوا، والضمير راجع إلى الأقوال، وقوله (مصححا) مفعول ثان له، أي رأى العلماءُ ثالث الأقوال محكوماً بصحته (أن) مصدرية (يوردا) بالبناء للفاعل، أو المفعول، والألف للإطلاق، وقوله: (حدثنا أخبرنا) مفعول به، أو نائب فاعل، (مقيدا) بصيغة--------------------------------------------
(1) وهو أنها إن كانت جواباً لسؤال صحت، ولو لم يصرح بالإذن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
اسم الفاعل، أو المفعول، حال من الفاعل، أو المفعول، أي حال كونه مقيداً هذين اللفظين، أو حال كون كل منهما مقيداً بعبارة تبين الواقع في كيفية التحمل. وأن وصلتها في تأويل المصدر بدل من ثالثها أو خبر لمحذوف أي هو إيراد حدثنا إلخ.
وحاصل المعنى: أن العلماء رأوا إيراد حدثنا وأخبرنا مقيداً ببيان الواقع صحيحاً، فيقول: حدثنا فلان إجازة أو مناولة، وأخبرنا فلان إجازة أو مناولة، أو نحو ذلك.
وحاصل المسألة: أنهم اختلفوا في إيراد حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمناولة، فجوزه بعضهم، وحكى عن ابن جريج وجماعة من المتقدمين، وحكى أنه مذهب مالك، وأهلِ المدينة، قيل: إنه مذهب عامة حفاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر.
والثاني: جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في المناولة، لا في الإجازة المجردة، حُكِيَ ذلك عن الزهري، ومالك، وغيرهما، وهو اللائق بمذهب جميع من سبقت الحكاية عنهم أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعاً، وإلى هذا أشار بقوله: (وقيل) أي قال بعضهم: (قيد) أيها المحدث بعبارةٍ تُبَيِّنُ الواقعَ كما تقدم (في مجاز) بضم الميم مصدر ميمي لأجازَ أي إجازة (قَصَراً) عن المناولة يعني: أنها إجازة مجردة، يقال: قَصَرَ عن الشيء قصوراً من باب قَعَد: عجز عنه، وقَصَر السهم عن الهدف، إذا لم يبلغه وَقَصُرَ الشيءُ بالضم قِصَراً كعِنَبِ ضد طال أفاده الفيومي.
وحاصل المعنى: أن بعضهم قال بوجوب التقييد في الإجازة المجردة عن المناولة، فيقول: حدثنا إجازة أو أخبرنا إجازة، وأما الإجازة مع المناولة، فلا يجب تقييدها.
قلت: وهذا القول لم يظهر لي وجه ذكره بعد قوله: ثالثها لأنه القول الثاني المطوي تحته فهو مكرر لأن القول الأول هو الجواز مطلقاً، والثاني: جوازه في المناولة المقرونة بالإجازة ووجوب تقييده في الإجازة المجردة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
فهذان هما المطويان في قوله ثالثها، وهو التقييد فيهما وهو الذي صححه، فليتأمل.
(وبعضهم) أي بعض المحدثين، وهو الإمام أبو عمرو الأوزاعي، مبتدأ خبره قوله: (يخصه) أي المُجَاز القاصرَ بمعنى الإجازة، (بخبرا) بتشديد الباء يعني أن الأوزاعي يخص الإجازة بخبرنا بالتشديد، ويجعل أخبرنا بالهمزة للقراءة.
قال العراقي: ولم يخل من النزاع من جهة أن معنى خَبَّرا وأخبر واحد، في اللغة والاصطلاح، بل قيل: إن خَبَّر أبلغ.
وكان للأوزاعي أيضاً في الرواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة: قلت له في المناولة أقول فيها: حدثنا، فقال: إن كنت حدثتك فقل حدثنا، فقلت فما أقول قال: قل قال أبو عمرو، أو عن أبي عمرو قاله السخاوي رحمه الله.
ولما استعمل بعضهم لفظاً موهماً في الإجازة كتابة أو شفاهاً حيث يقول: أخبرنا شيخنا كتابة، أو أخبرنا مشافهة، أو نحو ذلك بينه بقوله:
415 - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِي بِنَحْوِ " لِي كَتَبْ " … " شَافَهَ " وَهْوَ مُوهِمٌ فَلْيُجْتَنَبْ
416 - فِي الاقْتِرَاحِ مُطْلَقًا لا يَمْتَنِعْ … " أَخْبَرَ " إِنْ إِسْنَادَ جُزْءٍ قَدْ سَمِعْ
(وبعضهم) أي بعض المحدثين من المتأخرين (يروي) ما أجازه شيخه بالكتابة (بنحوا قوله: (لِي كَتَب) فلان وأخبرني كتابة، أو في كتابة، ويروي في الإجازة باللفظ (شافهني)، وأخبرنا مشافهة، (وهو) أي هذا الاستعمال (موهم) بصيغة اسم الفاعل، أي موقع في الوَهَم أي الغلط (فَلْيُجْتَنَبْ) أي فليتبعد عنه، لما فيه من خطر الإيهام.
وحاصل معنى البيت: أن بعض أهل الحديث كالحاكم استعمل لفظاً موهماً تجوزاً فيما تحمله بالإجازة كتابة، أخبرنا فلان كتابة، أو مكاتبة، أو في كتابة، أو كتب لي، أو كتب إِلَيَّ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
وفيما أجازه بلفظه شفاهاً أخبرنا فلان مشافهة، أو شافهني، وحُكِيَ الشق الأول عن أبي نعيم كان يقول في الإجازة حدثني فلان في كتابه،
أخبرنا فلان في كتابه ونحو ذلك، وهذا الاستعمال كثير بين المتأخرين من بعد الخمسمائة، وهَلمَّ جَرَّا، قاله السخاوي.
وهذا الاستعمال ينبغي اجتنابه حذراً من الإيهام إدْ لا يسلم مَنِ استعملها من الإيهام وطَرَف من التدليس، أما المشافهة فتوهم مشافهة بالتحديث، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما كان يفعله المتقدمون قاله العراقي.
لكن بعد أن صار اصطلاحاً ارتفع هذا الإيهام بسبب العرف الخاص أفاده الناظم. وقال الإمام الفقيه الحافظ المجتهد تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، صاحب التصانيف، الشهير بابن دقيق العيد، وُلدَ في شعبان سنة 625 ومات في صفر سنة 702 هـ (فى) كتابه المسمى بـ (الاقتراح)، في بيان الاصطلاح، ومعنى الافتراح في الأصل: مصدر اقترح الشيء ابتدعه من غير مثال سبق، ومعناه هنا: أن هذا المؤلف مقترح أي لا نظير له في بابه فقوله في الاقتراح متعلق بقال كما قدرناه وجملة لا يمتنع أخبر مقول له (مطلقاً) حال مقدم من أخبر أي حال كونه غير مقيد بشيء مما تقدم (لا يمتنع أخبر) جملة من فعل وفاعل، فأخبر فاعل، محكي لقصد لفظه، أي إطلاق لفظ أخبرنا، أو أخبرني (إن) كان الراوي (إسناد جزء) مفعول مقدم لقوله: (قد سمع) من الشيخ.
وحاصل معنى البيت: أن الإمام أبا الفتح ابن دقيق العيد، قال في كتابه الاقتراح: لا يمتنع إطلاق أخبرنا وأخبرني غير مقيد إن سمع من الشيخ الإسناد وناوله الكتاب، لأنه أخبره بالكتاب وإن كان جُمْلِيًّا فلا فرق بينه وبين التفصيل اهـ.
ثم إن المتأخرين استحسنوا فيما إذا شك في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته استعمال عن وأن وكذا في الإجازة وإليه أشار بقوله:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
417 - وَ " عَنْ " وَ " أَنَّ " جَوَّدُوا فِيمَا يَشُكّ … سَمَاعَهُ، وَفِي الْمُجَازِ مُشْتَرَكْ
(وَعَنْ وَأَنَّ) أي استعمالهما، مبتدأ خبره جملة قوله: (جَوَّدُوا) أي جعله المتأخرون جيداً حسناً (فيما) أي في أداء الحديث الذي (يشك) بالبناء للفاعل، أي يرتاب فيه الرواي، أو للمفعول وقوله: (سماعه) مفعول به على الأول، ونائب فاعل على الثاني، أي سماع شيخه من شيخه.
وحاصل المعنى: أنه إذا شك الراوي في سماع شيخه من شيخه مع تحقق إجازته له فقد استحسن المتأخرون استعمال عن وأن (و) جودوا أيضاً (في) أداء (المجاز) بالضم اسم مفعول من أجاز أي الحديث المجاز به.
يعني: أنهم استحسنوا أيضاً استعمال عن وأن في أداء ما سمعه من شيخه الراوي ذلك الشيخ عن شيخه بالإجازة فيقول فيمن سمع شيخاً بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن فلان وقوله: (مشترك) بصيغة اسم المفعول، خبر لمحذوف أي ما ذكر مِنْ عَنْ وأن مشترك بين السماع والإجازة صادق عليهما.
فوائد:
الأولى: مسألة استعمال عن وأن قد تقدم في المعنعن وتقدم هناك أن استعمالهما في الإجازة للمشارقة، وأما المغاربة فيستعملونهما معاً، فَما هُناك بيان لاصطلاح المشارقة، وما هنا بيان لاصطلاح المغاربة.
وأيضاً ما تقدم لبيان أنه لا يخرج عن حكم الاتصال، وإعادته هنا لما فيه من الزيادة، وليكون منضماً لما يشبهه من الاصطلاح الخاص.
الثائية: قال ابن مالك ومعنى " عن " في رويت عن فلان أنباتك عن فلان المجاوزة لأن المروي والمنبأ به مجاوز لمن أخذ عنه أهـ.
الثالثة: أن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا في الإجازة والمناولة لا يزول بإباحة المجيز ذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ في إِجازتهم لمن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
يجيزون إن شاء قال: حدثنا وإن شاء قال: أخبرنا لأن إباحة الشيخ لا يُغَيَّرُ بها الممنوع في المصطلح.
ثم ذكر النوع الخامس من أنواع التحمل، وهو الكتابة. فقال:
418 - خَامِسُهَا: كِتَابَةُ الشَّيْخِ لِمَنْ … يَغِيبُ أَوْ يَحْضُرُ أَوْ يَأْذَنُ أَنْ
419 - يَكْتُبَ عَنْهُ، فَمَتَى أَجَازَا … فَهِيَ كَمَنْ نَاوَلَ حَيْثُ امْتَازَا
420 - أَوْ لا، فَقِيلَ لا تَصِحُّ وَالأَصَحّ … صِحَّتُهَا، بَلْ وَإِجَازَةً رَجَحْ
(خامسها) أي خامس وجوه التحمل مبتدأ خبره قوله: (كتابة الشيخ) بشيء من مرويه، حديثاً فأكثر، أو من تصنيفه، أو نظمه، ويرسله إلى الطالب مع ثقة، مؤتمن، بعد تحريره بنفسه، أو بثقة معتمد، وشَدِّه، وختمه، احتياطاً، ليحصل الأمن من توهم تغيير، وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمناً، أفاده السخاوي. (لمن يغيب) أي لشخص يغيب عن مجلس الشيخ (أو يحضر) مجلسه، سواء كانت الكتابة بنفسه، وهو أعلى (أو) غيره بأن (يأذن) له (أن يكتب عنه) بالبناء للمفعول أي يكتب عن الشيخ.
يعني: أنه أمر من يكتب عنه لشخص غائب أو حاضر سواء كان لضرورة أم لا؟ وسواء سئل في ذلك أم لا؟.
ويبدأ في الكتابة بنفسه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: بعد البسملة من فلان ابن فلان، إلى فلان ابن فلان، فإن بدأ باسم المكتوب إليه فقد كرهه غير واحد من السلف، وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه، وأما هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيراً كان أو صغيراً تواضعاً، قاله السخاوي.
ثم أشار إلى أنها على نوعين الأول ما اقترن بالإجازة، كما قال: (فمتى أجازا) بألف الإطلاق أي الشيخ بخطه، أو بإذنه بقوله: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، أو نحو ذلك من العبارة، فقوله: " متى "
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
شرطية جوابها. قوله: (فهي كمن ناول) أي الكتابة المقرونة بالإجازة منزلة منزلة من نَاوَلَ كتابَهُ للطالب مع الاقتران بالإجازة كما أشار إليه بقوله: (حيث امتازا) بألف الإطلاق أي تميز هذا الفعل بسبب اقترانه بالإجازة.
وحاصل المعنى: أنه إذا اقترنت الكتابة بالإجازة فهي في القوة والصحة كالمناولة المقرونة بالإجازة، وعلى هذا مشى البخاري في صحيحه، إذ سوى بين المناولة والمكاتبة، فقال: " باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان ".
ورجح قوم، منهم الخطيب المناولة عليها، لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة، وهذا وإن كان مرجحاً، فالمكاتبة تترجح أيضاً بكون الكتابة لأجل الطالب.
ثم أشار إلى النوع الثاني وهو مجرد الكتابة بقوله: (أولا) أي لم يجز الشيخ بأن جرد الكتابة عن الإجازة (فـ) ـفيه اختلاف بين العلماء على قولين: (قيل) إنها (لا تصح) كالمناولة المجردة، وهو قول أبي الحسن الماوردي، صاحب الحاوي، والسيف الآمدي، وأبي الحسن بن القطان، ولكن هذا القول غلط (والأصح) من القوليين المشهورُ بين أهل الحديث المتقدمين والمتأخرين، مبتدأ خبره قوله: (صحتها) أي الكتابة المجردة عن الإجازة.
وحاصل المعنى: أن الكتابة المجردة اختلف فيها فمنع الرواية بها قوم كما ذكرنا. وأجاز كثيرون منهم أيوب السختياني، ومنصور بن المُعْتَمِر، والليث بن سعد، وابن أبي سَبْرَةَ، وغيرهم، وهو الأصح، قال القاضي عياض رحمه الله: لأن في نفس كتابه إليه بخطه، أو إجابته إلى ما طلبه عنه من ذلك، أقوى إذن، متى صح عنده أنه خطه وكتابه.
وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم: كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث وَعَدِّهِ في المسند بغير خلاف في ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
قال البيهقي: وكُتُبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إلى عمَّالِه بالأحكام شاهدةٌ لقولهم.
وبعضهم جعلها أقوى من الإجازة، كما أشار إليه بقوله: (بل وإجازة) بالنصب مفعول (رجح) أي زاد قوة، يقال: رجح الشيء رجوحاً من باب تعد: إذا زاد وزنه، ويستعمل متعدياً أيضاً أفاده في المصباح. قلت: والمناسب هنا الثاني لتعديه إلى إجازة، يعني: أن الكتابة المجردة عن الإجازة تكون أقوى من الإجازة بغير كتابة عند بعضهم، وهو أبو المظفر السمعاني.
قال السخاوى: وإلى ذلك صار جماعة من الأصوليين منهم إمام الحرمين، وكأنه لِمَا فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة، وإن توقف بعض المتأخرين في ذلك لاستلزامه تقديم الكتابة على التصريح.
ثم إنه لا تشترط البينة على أنه كتابه، بل يكفي معرفة المكتوب إليه أنه خطه، كما أشار إليه بقوله:
421 - وَيَكْتَفِي الْمَكْتُوبُ أَنْ يَعْرِفَ خَطّ … كَاتِبِهِ، وَشَاهِدًا بَعْضٌ شَرَطْ
(ويكتفي المكتوب) إليه في الرواية بالكتابة (أن يعرف) بنفسه قال السخاوي: وكذا فيما يظهر بإخبار ثقة معتمد (خط كاتبه) بالنصب على المفعولية، (أن) وصلتها منصوب بنزع الخافض قياساً، أي يكتفي المكتوب إليه بمعرفة خط الكاتب وإن لم تقم بينة على ذلك، وهذا هو القول الراجح، واشترط بعضهم ذلك كما قال (وشاهداً) مفعول مقدم لشرط أي قيام بينة تشهد على ذلك الخط بالرؤية أو الإقرار (بعض) من العلماء مبتدأ خبره قوله (شرط) يعني أن بعض العلماء شرط وجود بينة على ذلك الخط، لأن الخط يشبه الخط بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، ومنهم الغزالي.
قال ابن الصلاح: إنه غير مرضي لندرة ذلك اللبس، فإن الظاهر أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
خط الإنسان لا يشتبه بغيره، والحكم للأغلب، وحاصله: أنه إن حصل الظن بأنه فلان جاز العمل، وإن شك فلا. اهـ مع اختصار.
وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها اعتماداً على معرفتها.
ثم ذكر صيغ الأداء في هذا النوع فقال:
422 - ثُمَّ لِيَقُلْ " حَدَّثَنِي، أَخْبَرَنِي … كِتَابَةً " وَالْمُطْلِقِينَ وَهِّنِ
(ثم) إذاً صححنا التحمل بالكتابة، وأراد المتحمل الأداء بها، فلا بد من تقييدها (فليقل) المكتوب إليه عند الأداء (حدثني) فلان أو (أخبرني) فلان (كتابة) أو مكاتبة، أو كتب إلى فلان قال: حدثنا فلان بكذا (والمطلقين) أي المستعملين لحدثني وأخبرني على سبيل الإطلاق من دون تقييد بالكتابة مفعول مقدم لقوله (وَهِّن) أمر من التوهين، أي احكم بضعف عملهم هذا.
وحاصل المعنى: أنهم اختلفوا في تقييد حدثني وأخبرني على أقوال:
الأول: للجمهور وهو وجوب التقييد، وهو اللائق بمذهب أهل التحري في الرواية، والورع، والنزاهة.
قال الحاكم. الذي أخْتارُهُ وعَهِدت عليه أكثر مشايخي، وأئمة عصري أن يقولوا فيما كتب إليه المحدث من حديثه، ولم يشافهه بالإجازة كتب إليَّ فلان، وكذا قال الخطيب: كان جماعة من أئمة السلف يفعلونه.
الثاني: جواز الإطلاق، وهو مذهب الليث بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وغير واحد من العلماء.
الثالث: جواز إطلاق أخبرنا دون حدثنا، وهو مذهب أبي سليمان الجُوزَقَاني، كما ذكره البيهقي في المدخل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)
ثم ذكر القسم السادس من أنواع التحمل، وهو الإعلام فقال:
423 - السَّادِسُ: الإِعْلامُ، نَحْوُ " هَذَا … رِوَايَتِي " مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَاذَا
424 - فَصَحَّحُوا إِلْغَاءَهُ، وَقِيلَ: لا، … وَأَنَّهُ يَرْوِي وَلَوْ قَدْ حَظَلا
(السادس الإعلام) مبتدأ وخبر. يعني: أن سادس أنواع التحمل هو النوع المسمى بالإعلام، وإنما أُخِّر مع كونه صريحاً عن الكتابة التي هي الإعلام كناية، لما فيها من التصريح بالإذن في أحد نوعيها، ثم عرفه بالمثال، فقال: وذلك (نحو) قوله (هذا) الحديث (روايتي) عن فلان حال كونه (من غير إذن) للطالب، وجملة قوله (حاذا) أي قارن صفة لإذن، يقال: حاذيته محاذاة، وحِذَاءً، إذ وازَيْتَهُ، أي من غير إذن مقارن للإعلام.
وحاصل المعنى: أن سادس وجوه التحمل الإعلام، وهو أن يُعلِمَ الشيخُ الطالب بشيء من مرويه، نحو قوله: هذا الحديث أرويه من فلان، ولكن ما قارنَ إِعلامَهُ الإذن في روايته، فلم يقل: اروه عني، أو نحو ذلك.
ثم ذكر اختلاف العلماء في حكمه، فقال: (فصححوا) أي طائفة من المحدثين وغيرهم (إلغاءه) أي إبطال الإعلام المذكور.
يعني: أن بعض العلماء صححوا بطلان الإعلام المجرد، فلا تجوز الرواية به، وبه قطع الغزالي، لأنه قد لا يُجَوِّزُ روايتَهُ مع كونه سمعه، لخلل يعرفه فيه.
(وقيل لا) أي قال كثيرون، منهم ابن جريجٍ، وعبيد الله العمري، وأصحابه المدنيون، وطوائف من المحدثين والفقهاء والأصوليين، والظاهريين، لا يُلْغَى بل تجوز الرواية بها والحجةُ فيه القياس على الشهادة فيما إذا سمع المقرَّ بشيء وإن لم يأذن له، وقال عياض: اعترافه له به، وتصحيحه أنه من روايته، كتحديثه له بلفظه، أو قراءته عليه، وإن لم يجزه.
وزاد بعضهم على هذا، فقال: لو منعه من الرواية لا يضره ذلك،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)
وإليه أشار بقوله: (وإنه) بكسر إِنَّ، أي الطالب الذي وقع له الإعلام المجرد (يروي) ذلك الحديث (ولو قد حظلا) بالبناء للفاعل، أي منعه الشيخ من الرواية، أو المفعول، والألف إطلاقية فيهما، أي منع منها يعني: أنه يجوز له أن يروي بهذا الإعلام من دون إجازة، بل ولو منعه.
قال القاضي عياض: هذا صحيح لا يقتضي النظر سواه، لأن منعه لا لعلة ولا ريبة في الحديث لا يؤثر، لأنه قد حدثه فهو شيء لا يرجع فيه.
ثم ذكر السابع، والثامن من أنواع وجوه التحمل، وهما الوصية، والوجادة، فقال:
425 - وَالْخُلْفُ يَجْرِي فِي وَصِيَّةٍ وَفِي … وِجَادَةٍ، وَالْمَنْعُ فِيهِمَا قُفِي
426 - وَفِي الثَّلاثَةِ إِذَا صَحَّ الْسَّنَدْ: … نَرَى وُجُوبَ عَمَلٍ فِي الْمُعْتَمَدْ
(والخلف) أي الاختلاف المذكور في الإعلام المجرد عن الإذن، فأل للعهد الذكريِّ وهو مبتدأ، خبره جملة (يجري) أي يوجد، ويأتي (في وصية) أي وصية الشيخ عند موته، أو سفره لشخص بكتاب يرويه ذلك الشيخ مقتصراً عليها دون إجازة.
يعني: أن العلماء اختلفوا في هذه الوصية المجردة عن الإجازة، فجَوَّز الروايةَ بها كثير من المتقدمين، وعَلَّلَها القاضي عياض بأن في دفعها له نوعاً من الإذن، وشبهاً من العرض والمناولة.
وذهب النووي وابن الصلاح: إلى عدم جواز الرواية بها، وتخطئة مَن قال بالجواز، وقال السخاوي: البطلان هو الحق المتعين، لأن الوصية لَيسَت بتحديث لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا تتضمن الإعلام، لا صريحاً، ولا كناية.
(و) يجري الخلاف أيضاً (في وِجَادَةٍ) بالكسر: مصدرٌ مُوَلَّد لوَجَدَ يَجِدُ. قال المُعَافَى بنُ زَكَرِياء النَّهْرواني: إنهم فَرَّعوا قولَهم وجادة، فيما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)
أُخِذَ من العلم من صحيفة من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة اهـ.
وقد بيّن ابن الصلاح والعراقي المصادرَ المختلفةَ هنا، ونقلته بتمامه في الشرح الكبير. والوجادة أن يقف الشخص على أحاديث بخطِّ راويها غيرِ المعاصر له، أو المعاصر ولم يسمع منه، أو سمع منه، ولكن لا يروى تلك عنه بسماع ولا إجازة.
واختلف فيها أيضاً إلا أن الخلاف فيها ضعيف جداً (والمنع) أي منع الرواية، مبتدأ خبره جملة " قفي " (فيهما) أي الوصية والوجادة، متعلق بقوله (قفي) بالبناء للمفعول أي اتُّبعَ لأنه الأصح.
هذا في الرواية، وأما العمل بها فقد أشار إليه بقوله (وفي) هذه الأنواع (الثلاثة)، أي الإعلام، والوصية، والوجادة، متعلق بنَرَى (إذا صح السَّند) في كل منها (نرى) بالنون، أي نعتقد أيها المحدثون (وجوب عمل) مفعول به لنرى، يعني أنه يجب العمل بها وإن لم تجز روايتها بطريقتها، وهذا (في) القول (المعتمد) عليه، لأن العمل يكفي فيه صحته في نفسه.
وحاصل المعنى: أنه إذا صح السَّند في هذه الثلاثة وجب العمل بها على القول الراجح، أما العمل بالإعلام فقد ادعى عياض الاتفاق عليه، قاله في التدريب.
وأما العمل بالوصية فقال ابن أبي الدم: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف وهي معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا أولى.
وأما العمل بالوجادة فرُوِيَ عن الشافعي، ونُظَّار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، قال النووي: وهو الصَّحِيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره اهـ.
وخالف في ذلك بعضهم، ونقل عن معظم المحدثين، والفقهاء المالكيين، وغيرهم، فقالوا: لا يجوز العمل بها.
وقد استَدَلَّ للعمل بالوجادة الحافظُ ابن كثير بحديث: " أيُّ الخلق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)
أعجب إليكم إيماناً؟ " الحديث (1)، وفيه، قال: " قوم يأتون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بها " قال البلقيني: وهو استنباط حسن.
ثم ذكر كيفيَّة الأداء في الوجادة فقال:
427 - يُقَالُ فِي وِجَادَةٍ: " وَجَدْتُّ … بِخَطِّهِ " وِإِنْ تَخَِلْ: " ظَنَنْتُ "
428 - فِي غَيْرِ خَطٍّ: " قَالَ " مَا لَمْ تَرْتَبِ … فِي نُسْخَةٍ تَحَرَّ فِيهِ تُصَبِ
429 - وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ وَمَنْ أَتَى … بِـ " عَنْ " يُدَلِّسْ أَوْبِـ " أَخْبَرْ " رُدَّتَا
(يقال في) أداء ما استفاده بـ (وجادة) بالكسر (وجدت)، أو قرأت (بخطه) أي فلان، أو كتابِهِ بخطه، حدثنا فلان، ويسوق الإسناد، والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، قال النووي: هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً، قال الناظم: وفي مسند أحمد كثير من ذلك من رواية ابنه عنه بالوجادة.
هذا إذا وَثِقَ بأنه خطه، وإلا فأشار إليه بقوله: (وإن تَخِل) بفتح الخاء وكسرها، أي تظن، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخَاله، من باب نال، إذا ظنه، وخاله يَخِيله، من باب باع: لغة، وفي المضارع للمتكلم إخال بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنو أسد يفتحون على القياس، أفاده الفيومي.
أي إذا شككت في كونه خطه فقل: (ظننت) أنه خطه.
يعني: أنه إذا لم يثق بكونه خطه فلا يجزم بل يقول: ظننت أنه خطه أو وجدت بخطٍّ قيل: إنه خط فلان، أو قال لي فلان إنه خط فلان، أو ذكر كاتبه أنه فلان ابن فلان ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالْمُسَتَنَدِ في كونه خطه.
هذا كله في الخط، وأما غيره: فأشار إليه بقوله: (في غير خط) خبر مقدم لقوله: (قال) لقصد لفظه، أي لفظ قال: مستعمل في غير الخط، أو--------------------------------------------
(1) والحديث صححه السخاوي في فتح المغيث جـ 3 ص: 28 وضعفه الألباني في السلسلة الضَّعِيفة جـ 2 ص 102.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)
الجار متعلق بقل محذوفاً، وقال: مقول القول، أي قل: قال فلان فى غير الخط.
وحاصل المعنى: أنك إذا وجدت حديثاً في مصنف لبعضِ مَنْ عاصرتَهُ، أو لا، فقل: قال فلان كذا، ونحوَه من ألفاظ الجزم، إذا جزمت بصحة النسخة، بأن قابلها المصنف، أو ثقة غيره بالأصل، أو بفرع مقابل به، كما يأتي في محله، إن شاء الله تعالى، وأما إذا لم تثق به فلا تجزم، كما أشار إليها بقوله: (ما) مصدرية ظرفية (لم ترتب) أي تشك (في نسخة) لذلك الكتاب، فقوله: " ما لم ترتب " خبر لمحذوف، أي محل ما ذكر ما لم ترتب إلخ.
فأما إذا آرتبت فيها فـ (تحرفيه) أي اطلب الأحْرَى، أي الصواب في أداء ما ارتبت فيه. يقال: تحريت في الأمرين إذا طلبت أحراهما، أي أوْلاهما كما أفاده الفيومي.
وذلك بأن تقول: بلغني عن فلان أنه ذكر كذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني وما أشبهها من العبارات التي لا تقتضي الجزم.
قال ابن الصلاح: فإن كان المطالع عالماً فطناً بحيث لا يخفي عليه في الغالب مواضع الإسقاط، والسقط، أو ما أحيل عن جهته من غيرها، رَجَوْنا بأن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، قال: وإلى هذا فيما أحسب استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب النَّاس، مع تسامح كثيرين في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر، ولا تثبت، فيطالع أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنف معين، وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة، قائلاً: قال فلان كذا، ونحو ذلك والصواب ما تقدم اهـ.
وقال السخاوي: ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد، والتقييدات، ونحو ذلك، فإن كانت بخط معروف فلا بأس بنقلها، وعزوها إلى من هي له، وإلا فلا يجوز اعتمادها، إلا لعالم متقن، وربما تكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)