الحسن في غير هذا الحديث أنه قال: حدثنا أبو هريرة، ولا ريب أنه عاصره، وقد قال مسلم بن إبراهيم: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث … ، وقال سالم الخياط: حدثنا الحسن قال: سمعت أبا هريرة.
وطائفة أخرى ردت الحديث وأعلته بأنه منقطع، قالوا: والحسن لم ير أبا هريرة فضلا عن أن يسمع منه، قال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: الحسن لقي ابن عباس؟ قال: لا، ولم يلق أبا هريرة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا علي بن المديني قال: سمعت سلم بن قتيبة، قال: حدثني شعبة، قال: قلت ليونس بن عبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط.
حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن: حدثنا أبو هريرة.
قال ابن أبي حاتم منكرا عليه إنه لم يسمع من أبي هريرة: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء: قال علي: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر عن أيوب وعلي بن زيد: لم يسمع الحسن من أبي هريرة.
وقال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت جريرا يسأل بهزا عن الحسن: من لقي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمع من ابن عمر حديثا، ولم يسمع من أبي هريرة ولم يره.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره، فقيل له: فمن قال حدثنا أبو هريرة؟ قال: يخطئ، وسمعت أبي يقول: وذكر حديثا حدثه مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أبو هريرة: (أوصاني خليلي)، قال: لم يعمل ربيعة بن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
كلثوم شيئا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا، قلت لأبي: إن سالما الخياط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة. قال: هذا مما يبين ضعف سالم.
وسمعت أبا الحجاج المزي يقول: قوله: حدثنا أبو هريرة، أي: حدث أهل بلدنا، كما في حديث الدجال: قول الشاب الذي يقتله له: أنت الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه.
قال أبو حاتم: والحسن لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس، يعني: خطب أهل البصرة.
قالوا: وللحديث علة أخرى، وهي أن عبد الرزاق في "تفسيره" رواه عن معمر، عن قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، فاختلف هو وشيبان فيه، هل حدث به عن الحسن؟
والذين قبلوا الحديث اختلفوا في معناه، فحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن المعنى: يهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، ومراده على معلوم الله ومقدوره وملكه، أي: انتهى علمه وقدرته وسلطانه إلى ما تحت التحت، فلا يعزب عنه شيء.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا معنى اسمه المحيط واسمه الباطن، فإنه سبحانه محيط بالعالم كله، وأن العالم العلوي والسفلي في قبضته، كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20]، وإذا كان محيطا بالعالم فهو فوقه بالذات، عال عليه من كل وجه وبكل معنى، فإن الإحاطة تتضمن العلو والسعة والعظمة، فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في قبضته فلو وقعت حصاة أو دلي بحبل لسقط في قبضته سبحانه.
والحديث لم يقل فيه: إنه لهبط على جميع ذاته، فهذا لا يقوله ولا يفهمه عاقل، ولا هو مذهب أحد من أهل الأرض البتة، لا الحلولية، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
الاتحادية، ولا الفرعونية، ولا القائلون بأنه في كل مكان بذاته، وطوائف بني آدم كلهم متفقون على أن الله تعالى ليس تحت العالم.
فقوله: "لو دليتم بحبل لهبط على الله" إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم فقد هبط عليه، والعالم في قبضته، وهو فوق عرشه، ولو أن أحدنا أمسك بيده أو برجله كرة وقبضتها يده من جميع جوانبها ثم وقعت حصاة من أعلى الكرة إلى أسفلها لوقعت في يده وهبطت عليه، ولم يلزم من ذلك أن تكون الكرة والحصاة فوقه وهو تحتها، ولله المثل الأعلى، وإنما يؤتى الرجل من سوء فهمه، أو من سوء قصده من كليهما، فإذا هما اجتمعا كمل نصيبه من الضلال.
وأما تأويل الترمذي وغيره له بالعلم، فقال شيخنا: هو ظاهر الفساد من جنس تأويلات الجهمية بل بتقدير ثبوته، فإنه إنما يدل على الإحاطة، والإحاطة ثابتة عقلا ونقلا وفطرة كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قِبَل وجهه؛ فإن الله قبل وجهه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا، ولكن ليبصق عن يساره، أو تحت رجله".
وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الرب تعالى، فقال له أبو رزين: كيف يسعنا وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، فالله أكبر من ذلك".
ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وقدر مخاطبته له، فإنه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده له، وكذلك إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه، ولا عن يساره، ويدعوه من العلو، لا من السفل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم"، واتفق العلماء على أن رفع البصر إلى السماء للمصلي منهي عنه.
وروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء، حتى أنزل الله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده.
فهذا مما جاءت له الشريعة تكميلا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي أمر بالخشوع وهو الذل والسكون لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وخفض بصره أمامه، فليس في هذا النهي ما ينفي كونه فوق سماواته على عرشه، كما زعم بعض جهال الجهمية، فإنه لا فرق عندهم بين تحت التحت والعرش بالنسبة إليه، فلو كان الأمر كذلك لكان النهي ثابتا في الصلاة وغيرها، وقد قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، فليس العبد منهيا عن رفع بصره إلى السماء مطلقا، إنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} [القمر: 7].
وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء؛ لكون الرب ليس في السماء، لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء، أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلي، وهو إطراقه بين يدي ربه وخشوعه، ورمي بصره إلى الأرض، كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على نقيض قولهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
فقد ظهر أنه على كل تقدير لا يجوز التوجه إلى الله تعالى إلا من جهة العلو، وأن ذلك لا ينافي إحاطته بالعالم وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر، وأن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم، ولا علوه على مخلوقاته، بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم، إنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين:
أحدهما: أن يظن أنه إذا كان العرش كريا والله فوقه، لزم أن يكون كريا.
الاعتقاد الثاني: أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات.
وهذان الاعتقادان خطأ وضلال؛ فإن الله سبحانه مع كونه فوق العرش، ومع القول بأن العرش كري، لا يجوز أن يظن أنه مشابه للأفلاك في أشكالها، كما لا يجور أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء، وأن السماوات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا، وهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال)(1).
* * *
قلت: وهذه المواضع لا تخالف ما تقدم تقريره من كون أبي عيسى من كبار أئمة أهل السنة والجماعة، كيف وقد نقل إجماع أهل العلم على إمرار نصوص الصفات على ظاهرها الذي يليق بالله عز وجل، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الاعتقاد، هذا مع أن بعض ما تقدم قد ذهب إليه غيره من أهل العلم، كتأويل نصوص الوعيد، وإن كان الأولى عدم ذلك، كما تقدم تقريره.--------------------------------------------
(1) "مختصر الصواعق المرسلة" (ص: 1255 - 1273).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
وأما ما يتعلق في مسألة النفاق فهو لم ينص صراحة على أن النفاق العملي كله لا يخرج من الملة، وبما أن هذه المسألة كانت تحتاج إلى بعض التفصيل فلذا ذكرتها.
وأما ما يتعلق بتأويل بعض النصوص فبعضه قد يكون من باب التفسير باللازم، وليس من قبيل التأويل، وبعضه قد أخطأ فيه كما تقدم، وما من أحد من الناس إلا راد ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وبالله تعالى التوفيق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
الفصل السابع في منهجه في الفقه
مما تميز به كتاب "الجامع" كلام مصنفه على فقه الأبواب التي يوردها مع بيان ما دلت عليه الأحاديث من مسائل وأحكام، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب المشهورين، وهذا لا شك عمل جليل يدل على رسوخه في هذا الفن، واطلاعه الواسع في هذا الباب(1)، وسوف أدلل على هذا إجمالا وتفصيلا:
أما من جهة الإجمال: فيلاحظ أن أبا عيسى كثيرا ما يذكر خلاف أهل العلم بعد ذكره للحديث، وإجماعهم إذا أجمعوا.
وأوضح من هذا أنه يبين ما عليه العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين وهلم جرا، وما ليس عليه العمل، ولا شك أن هذا لا يكون إلا ممن عنده اطلاع واسع في هذا المجال، وعلم كبير في هذا الجانب.
* * *
وأما من حيث التفصيل: فالدليل عليه من عدة أوجه:
الوجه الأول: علمه بكتاب الله عز وجل، ويظهر ذلك من خلال كتابه، فقد عقد أبوابا للقراءات(2)، فذكر بعض ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قراءات في كلام الله عز وجل، ومما ذكر في هذا الباب:--------------------------------------------
(1) والسبب في عدم اشتهاره بذلك، وتنصيص أهل العلم عليه أن إمامته في الحديث غلبت على علمه الواسع في الفقه.
(2) مع ملاحظة أن بعض الأبواب التي ذكرها هناك لا تتعلق بالقراءات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
1 - قوله في أبواب القراءات: (حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا معلى بن منصور، عن محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع أبي يحيى، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}.
هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس، وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب)(1).
2 - وقال أيضًا: (ويقرأ: "غَلَبَتِ" و"غَلَبَتْ" يقول: كانت {غَلَبَتْ} ثم غَلَبَتِ، هكذا قرأ نصر بن علي: "غَلَبَتِ")(2).
3 - وقال أيضًا: (وهكذا قراءة عبد الله بن مسعود: "والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى")(3).
وهذه التعليقات مما يدل على علمه بالقرآن.
ثم عقد أبوابا مطولة فيما يتعلق بالتفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما ذكر في هذه الأبواب:
1 - (ومن سورة البقرة
حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا الهاشم بن القاسم، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلا من المسلمين--------------------------------------------
(1) (4/ 46 - 47)، ويلاحظ أن أبا عيسى لم يكتف بنقد هذا الخبر من حيث الإسناد، بل نقده أيضًا من حيث المتن، وهذا أشد ما يردُّ به الخبر، عندما يكون ضعيفا سندا ومتنا.
(2) (4/ 47).
(3) (4/ 49).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فانزل الله: تبارك وتعالى {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ}، إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] فلما سمعها معقل فقال: سمعا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك.
هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن(1).
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي؛ لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبا، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار، وإنما خاطب الله في هذه الآية الأولياء، فقال: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}، ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن)(2).
فانظر إلى دقة انتزاعه لهذا الحكم من هذا الحديث، ثم أيد ذلك بالآية، وهو لا شك استنباطٌ نفيس، وفي الغالب أن الذين يتكلمون على المسألة إنما يذكرون الأحاديث التي جاءت في: لا نكاح إلا بولي، ولا يذكرون هذا الحديث، ولا دلالة هذه الآية على هذه القضية.
2 - وقال أيضًا: (حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن--------------------------------------------
(1) في ط. شاكر، وبشار (2981)، والرسالة (3223) زيادة: (وهو عن الحسن غريب)، وقال محققو ط. الرسالة: (قوله: "وهو عن الحسن غريب" أثبتناه من نسخة (ل)، وليس هو في سائر الأصول الخطية).
(2) (4/ 74 - 75).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يمين الرحمن ملأى سحًا لا يغيضها الليل والنهار"، قال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع".
هذا حديث حسن صحيح.
وهذِا الحديث في تفسير هذه الآية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].
وهذا حديث قال الأئمة: نؤمن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم، هكذا قال غير واحد من الأئمة، منهم: الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك: أنه تروى هذه الأشياء، ويؤمن بها، ولا يقال: كيف؟)(1).
قلت: الحديث لم تذكر فيه الآية، ولكن علاقة الآية وتفسيرها بهذا الحديث ظاهرة، ثم عقب ذلك ببيان مذهب من تقدمه من السلف تجاه صفات الله تعالى، وأنهم يؤمنون بها كما جاءت، وأن هذا قاعدة عامة في كل النصوص التي جاءت في هذا المعنى.
وهذا المثال -أعني دخول الحديث في تفسير الآية- ينبغي أن يحتذى ويسار عليه في كل ما جاء من السنة فيما له علاقة بالقرآن وإن كان من طريق غير مباشر، وهذا ما سار عليه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، فقد توسع في ذلك، فكان يذكر أي حديث مما هو على شرطه مما له علاقة بالآية وإن كان من وجه بعيد، لذا أصبح كتاب التفسير في البخاري من أكبر الكتب التي عقدها في كتابه "الجامع الصحيح"، حتى--------------------------------------------
(1) (4/ 111 - 112).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
بلغت الأحاديث بالمكرر أكثر من خمس مائة حديث (4474 - 4977)، هذا غير ما ذكره عن الصحابة والتابعين وما فسره هو.
وهذا ما سار عليه الإمام ابن كثير في تفسيره، بل وتوسع في ذلك.
وقد ذكر الإمام ابن تيمية أن رسول صلى الله عليه وسلم قد فسر لأمته جميع القرآن(1)، فاستشكل ذلك بعض أهل العلم، وقال: إن أحاديث التفسير قليلة، ولكن ما قاله أبو العباس ابن تيمية هو الصحيح، ويوضح مقصوده أن الصلاة مثلا ذكرت في القرآن في مواضع كثيرة، وكذا الزكاة، وقبل ذلك الإسلام والإيمان والإحسان، ولا يخفى أن كل هذه الكلمات قد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، فكل أحاديث الصلاة القولية والعملية هي تفسير لكلمة "الصلاة" التي جاءت في القرآن، وعلى هذا قس، لذا نُقل عن الشافعي أنه قال: جميع السنة شرح للقرآن، وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العليا(2).
وبناء على ما سبق يكون أبو عيسى قد جمع في هذا الموضع بين علوم: التفسير والحديث والاعتقاد.
وإليك أمثلة أخرى من استنباطات أبي عيسى من القرآن:
1 - قال رحمه الله: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم: سفيان، وغيره.
وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.--------------------------------------------
(1) ينظر: "مجموع الفتاوى" (13/ 331)، "جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية" (1/ 9) فما بعدها.
(2) "البرهان في علوم القرآن" (1/ 6).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
وقال إسحاق: إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ يتيمم أحب إلي.
قال أبو عيسى: وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ، أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43])(1).
2 - وقال أيضًا: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم قالوا: إذا تزوج الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، حل له أن ينكح ابنتها، وإذا تزوج الرجل الابنة فطلقها قبل أن يدخل بها لم يحل له نكاح أمها لقول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق)(2).
3 - وقال أيضًا: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني"، يقول: اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} [الأعراف: 51]، قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب)(3).
* * *
الوجه الثاني: الكم الكبير الذي أودعه من الأحاديث في هذا الكتاب، ولا شك أنه قد انتقاها من عشرات الآلاف من الأحاديث، مع ملاحظة أن هذه الأحاديث هي في شتى جوانب الشريعة، فعدد كتب "الجامع" (47)، وعدد الأبواب (2150) تقريبا، وعدد الأحاديث (4318)(4).
لذا كانت أحاديث الأحكام في كتاب "الجامع" كثيرة حتى بلغت قريبا من نصف الكتاب: (2017) حديث.--------------------------------------------
(1) (1/ 330).
(2) (2/ 315).
(3) (3/ 414).
(4) هذا حسب طبعة التأصيل، ينظر: مقدمة التحقيق: (1/ 266)، وحسب ترقيم طبعة الرسالة: كتب الجامع (43)، وعدد الأبواب (2300) تقريبا، وعدد الأحاديث (4300).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
مع ملاحظة أن هذه الأحاديث قد انتقاها بعناية، ليس من حيث الصناعة الحديثية فحسب، بل من الناحية الفقهية أيضًا، ولا شك أن هذا يدل على فقه وعلم.
ومن أمثلة ذلك:
1 - قال في باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور: (حدثنا علي بن حجر، وعلي بن خشرم، قالا: حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور.
هذا حديث في إسناده اضطراب، وقد روي هذا الحديث عن الأعمش، عن بعض أصحابه، عن جابر، واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث.
وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد، وإسحاق.
وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه.
حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر ابن زيد الصنعاني، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهر وثمنه.
هذا حديث غريب، وعمر بن زيد لا نعرف كثير أحد روى عنه غير عبد الرزاق).
ثم قال: (باب. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة قال: نهي عن ثمن الكلب، إلا كلب الصيد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
هذا حديث لا يصح من هذا الوجه، وأبو المهزم اسمه: يزيد بن سفيان، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج(1).
وقد روي عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضًا)(2).
قلت: كاد الترمذيُّ أن يستوعب أحاديث الباب كلها، مع الكلام عليها حديثا حديثا من حيث الصناعة الحديثية.
* * *
الوجه الثالث: الأحاديث التي يذكرها إجمالا بعد الحديث الذي يسوقه مسندا، وذلك بقوله: (وفي الباب).
وهذا علم قائم برأسه، وهو من مزايا كتابه(3)،، فلا يكاد يخلو باب من هذا، مع ملاحظة أنه أحيانا يذكر أحاديث كثيرة جدا، كما فعل في (باب في تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم)(4)، و (باب ما جاء في كل مسكر حرام)(5)، أشار في كل واحد منهما إلى (19) حديثا في الباب، وفي (باب ما جاء في كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر)(6) أشار إلى (18) حديثا، وفي (باب ما جاء في الصرف)(7) أشار إلى (12) حديثا، وأحيانا يذكر أقل من ذلك، وفي أحيان كثيرة يشير إلى ثلاثة أحاديث -كما في أول باب من كتابه-، أو أربعة -كما في الباب الرابع-، أو خمسة -كما في الباب السادس-، والمقصود أنه لا يكاد يخلو باب من ذلك.--------------------------------------------
(1) في بعض الطبعات زيادة: (وضعفه).
(2) (2/ 411 - 412).
(3) نعم يقول البخاري في بعض الأحيان: (وفي الباب عن فلان)، ولكن على سبيل الندرة والقلة، أعني القلة في الأحاديث التي يذكرها، والندرة في فعل ذلك.
(4) (3/ 536).
(5) (3/ 124).
(6) (1/ 391).
(7) (2/ 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
وهذه الأحاديث التي في الباب على قسمين:
الأول: أن تكون بلفظ الحديث الذي ساقه، أو بمعناه.
والثاني: أن تكون مما يدخل في بيان حكم هذه المسألة، ولا يكون بنفس اللفظ.
ولا يخفى أن هذا يدل على فقه أبي عيسى، وهي فائدة كبيرة أيضًا لطالب العلم، فيقف على هذه الأحاديث بدلالة أبي عيسى له عليها.
لذا اعتنى بتتبعها جمع من الحفاظ، وعلى رأسهم ابن سيد الناس في "شرحه" ولكنه لم يتم ذلك؛ لأنه ما أكمل شرحه للكتاب، ومنهم ابن رجب، والظاهر أنه أتم جميع الكتاب؛ لأنه شرح "العلل الصغير" من "جامعه"، ومنهم العراقي في إكماله لشرح ابن سيد الناس، ولكنه لم يتمه، وأتم بعضا منه ابنه أبو زرعة، ومنهم ابن حجر، فقد ذكر السخاوي أن للحافظ ابن حجر كتابا في ذلك، فقال -وهو يعدد مصنفات الحافظ-: (تخريج ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب"، كتب مِنْ أوائله قدرَ ستة كراريس، لو كمُلَ لجاء في مجلد ضخم، سماه "العُجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي: وفي الباب")(1).
وقد اعتنى بذلك في هذا الوقت بعض أهل عصرنا، فبلغت قريبا من (4000) حديث(2)، وفي إشارة الترمذي إلى هذه الأحاديث فائدتان:
الأولى: الدلالة عليها.
والثانية: إشارته إلى فقهها، وذلك بإدراجه لها تحت هذا الباب.--------------------------------------------
(1) "الجواهر والدرر" (2/ 666).
(2) مع ملاحظة أنه أحيانا يذكر الحديث بقوله: "وفي الباب"، ثم يسنده بعد ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك، هذا غير الفوائد التي تستفاد منها من حيث الصناعة الحديثية.
* * *
الوجه الرابع: التبويبات التي بَوَّب بها على النصوص التي أودعها في كتابه، فهذه التبويبات فيها اختيارات واستنباطات له، كما سوف يأتي، وقد ذكر أبوابا كثيرة في كتابه "الجامع" حتى بلغت: (2134) بابا تقريبا.
واستعراض هذه التبويبات لوحدها يستفيد منه الباحث مسائل كثيرة، ويفتح له فوائد عديدة؛ فهي فقه قائم بذاته، ولا يخفى أن صناعة التبويب صناعة دقيقة ليس كل أحد يحسنها، فعلى من بَوَّب أن يكون تبويبه مناسبا للنص الذي أودعه تحت هذا الباب، كما أنه لا بد أن يكون مختصرا جامعا، لذا من جاء بعد الأئمة كالنووي مثلا عندما بَوَّب كتاب مسلم أطال جدا في التبويبات، فأصبح في بعض الأحيان أقرب إلى الشرح منه إلى التبويب، ولما كانت تبويبات البخاري مختصرة ودالة على المقصود مع دقتها قيل: (فقه البخاري في تراجمه)(1).
وينبغي أن يلاحظ أن هذه التبويبات على أنواع، وليست نوعا واحدا، فأحيانا يُشار فيها إلى الاختلاف، وأحيانا يكون فيها النص على اختيار المُبوِّب، وفي بعض الأحيان يُشار إلى معنى لطيف في الخبر المذكور تحت الباب(2).
فمن تبويبات الترمذي الدقيقة: قوله في كتاب الطلاق: (باب ما جاء فيمن يُحدِّث نفسه بطلاق امرأته)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) ينظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 13).
(2) وأحيانا يبوب بعضهم -كالبخاري- بآية أو بعض آية، أو حديث أو جزء من حديث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
أنه قال: "تجاوز الله لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلم به، أو تعمل به"(1).
فهذا الحديث عام، ويدخل فيه مسائل كثيرة، فاستفاد منه الترمذي حكم هذه المسألة المهمة، لذا قال بعد ذلك: (والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيئا حتى يتكلم به)(2).
ومن تبويباته الجميلة أيضًا: قوله: (باب ما جاء في مداراة النساء)(3)، ثم ساق بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن المرأة كالضلع، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج".
فاستفاد الترمذي من هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان أن يداري امرأته، في معاشرته لها، فأصبح هذا التبويب كالشرح للحديث.
وأما طريقته في التبويب: ففي الغالب الأعم يقول: باب ما جاء في كذا، وهذا خبر وليس فيه بيان الحكم؛ والسبب في ذلك أنه بعد إيراده للحديث يذكر ما دلّ عليه الحديث مع بيان أقوال أهل العلم، وأحيانا يبين اختياره في الباب الذي يعقده كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وهذا قليل، ولكنه موجود، ولا شك أن المنهج الصحيح أن طالب العلم يستدل أولا ثم يعتقد، فلعله قصد ذلك(4).--------------------------------------------
(1) (2/ 356).
(2) المصدر السابق.
(3) (2/ 359).
(4) بخلاف البخاري، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، فإنهم لا يذكرون بعد الأحاديث التي أوردوها ما فيها من الفقه اكتفاء بما بوبوا به.
وميزة طريقة البخاري ومن معه، أن طالب العلم ينتبه ابتداء إلى ما دلت عليه هذه الأحاديث، وهي الطريقة التي سار عليها غالب من صنف في الحديث على طريقة الأبواب.
فتبين أن لكل من الطريقتين ميزة على الأخرى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
ومن التبويبات التي صرح فيها الترمذي باختياره:
1 - قوله: (باب ما جاء في إيجاب التشميت لحمد العاطس)، ثم روى عن أنس بن مالك: أن رجلين عطسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشمت أحدَهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: يا رسول الله، شمت هذا ولم تشمتني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه حمد الله، وإنك لم تحمده"(1).
وهذا الحكم الذي ذكره المصنف من إيجاب التشميت على السامع بشرط إذا حمد العاطس أخذه من مجموع الأحاديث التي ذكرها تحت (باب ما جاء في تشميت العاطس)(2)، فقد دل حديث عليّ، وحديث أبي هريرة، وفيهما: "ويشمته إذا عطس"، على وجوب ذلك على السامع، وأما اشتراط الحمد فأخذه الترمذي من حديث أنس الذي أورده تحت هذا الباب.
2 - قوله: (باب ما لا يجوز من الأضاحي)، ثم روى حديث البراء بن عازب، رفعه قال: "لا يُضحَّى بالعرجاء بَيِّنٌ ظَلْعُها، ولا بالعوراء بَيِّنٌ عورها، ولا بالمريضة بَيِّنٌ مرضها، ولا بالعَجْفاء التي لا تُنْقي".
وقال: (هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز عن البراء، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم)(3).
قلت: والفائدة من هذا التبويب أن أبا عيسى صَرَّح بأن هذه الأربع هي التي لا تُجزئ فقط، ويلحق بها ما كان مثل أحدها، أو أشد منها، مثل العمياء؛ لأنه إذا كانت العوراء لا تجزئ فالعمياء من باب أولى، وكذلك العرجاء إذا كانت لا تجزئ فالتي لا تمشى لا تجزئ من باب أولى.
وفائدة ذلك أن ما نهي عن التضحية به غير هذه الأربعة يكون مجزئا مع الكراهة، كما جاء في حديث عليّ قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن--------------------------------------------
(1) (3/ 576).
(2) (3/ 574).
(3) (2/ 540).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء).
لذا بوب الترمذي على حديث عليّ هذا: (باب ما يكره من الأضاحي)(1)، وبوب على ما سبق بأنه لا يجوز، فغاير بينهما، وفي هذا فائدة عظيمة -كما سبق-، وهي أن كل ما جاء النهي عنه غير الأربعة وما يلحق بها فإنه على سبيل الكراهية وليس على سبيل التحريم، وهذا يؤخذ من حديث البراء، عندما ذكر النهي عن هذه الأربعة فقط، وبمثل هذا صرح أبو بكر ابن خزيمة أيضًا في صحيحه(2).
3 - قوله: (باب ما جاء في الرخصة في الثوب الأحمر للرجال)، ثم ساق من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم(3).
قلت: وهذا دليل ظاهر على جواز لبس الأحمر للرجال، وهذا ما أشار إليه الترمذي، ولا يخفى الخلاف في هذه المسألة.
وقد يبوب الترمذي أحيانا على الحديث، ثم يختار قولا قد يكون أخص مما بوب عليه، ومن أمثلة ذلك:
قوله: (باب في كراهية رد السلام غير متوضئ) ثم ذكر حديث ابن عمر: أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه، ثم قال: (وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك)(4).
قلت: يلاحظ أن اختياره أخص مما بوب به عليه.--------------------------------------------
(1) (2/ 541).
(2) (4/ 292 - 294).
(3) (3/ 57).
(4) (1/ 331 - 332).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
ومن منهج الترمذي: أن المسألة إذا كان فيها حديثان، وكل حديث يدل على قول فيها فإنه يورد كل حديث في باب مستقل، ويذكر أسماء العلماء الذين عملوا بكل حديث من الحديثين في الباب الذي أورده فيه، ومن أمثلة ذلك:
1 - قال رحمه الله: (باب الوضوء من مس الذكر.
حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بُسْرَة بنت صفوان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ".
… وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وبه يقول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال محمد: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.
وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح، وهو حديث العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة.
وقال محمد: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول، عن رجل، عن عنبسة غير هذا الحديث، وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا.
باب ترك الوضوء من مس الذكر
حدثنا هناد، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن علي الحنفي، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وهل هو إلا مضغة منه؟ أو بضعة منه؟ ".
… وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)