Arabic source text

📘 সুনানু সাঈদ ইবনে মানসূর - বিদায়াতুত তাফসীর - তাহকীক আল-হামীদ (সাঈদ ইবনে মানসুর - মৃত্যু 227 হিজরী)

📘 سنن سعيد بن منصور - بداية التفسير - ت الحميد (سعيد بن منصور - ت 227 هـ)

📘 সুনানু সাঈদ ইবনে মানসূর - বিদায়াতুত তাফসীর - তাহকীক আল-হামীদ (সাঈদ ইবনে মানসুর - মৃত্যু 227 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الذي أرسى دعائم الدولة العباسية. وبعد هذه المدة التي عاشها في الحكم منذ سنة ست وثلاثين ومائة، أدركت أبا جعفر الوفاة في سنة ثمان وخمسين ومائة (158 هـ) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد المهدي، ومن بعده لعيسى بن موسُى(1)، إلا أن المهدي لما تولّى الخلافة، أَلَحَّ على عيسى أن يخلع نفسه ويتنازل عن الخلافة للهادي، فامتنع، ثم أجاب بعد ترغيب وترهيب ووعد ووعيد من المهدي له يطول ذكره(2).
وكان المهدي أتى للخلافة والأمور مستقرّة، فكان عصره بداية عصر ازدهار الدولة العباسية، لذلك نجده أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق(3)، وأمر بعمارة طريق مكة، فبنى بها القصور، وحَفَرَ الآبار، وعمل المصانع والبِرَكَ، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها(4). ونجده أول خليفة حمل له الثَّلْجُ إلى مكة(5). وفي سنة سبع وستين ومائة أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دوراً كثيرة(6).
وقد شهد عصره شيئاً من الاضطراب(7)، لكنه لا يداني ما--------------------------------------------
(1) هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ابن أخ أبي جعفر، وكان فارس بني العباس، وسَيْفَهم المسلول، جعله السَّفّاح ولي العهد بعد المنصور، فتحيَّل عليه المنصور بكل ممكن حتى أخّره وقدّم عليه المهدي، فيقال: بذل له بعد الرغبة والرهبة عشرة آلاف ألف درهم. انظر سير أعلام النبلاء (7/ 434 - 435).
(2) انظر البداية والنهاية (10/ 130، 131).
(3) تاريخ الخلفاء (ص 437).
(4) انظر البداية والنهاية (10/ 133)، وتاريخ الخلفاء (ص 436).
(5) كما في البداية (10/ 132)، ويقول الذهبي: (لم يتهيّأ ذلك لملك قط) كما في تاريخ الخلفاء (ص 436).
(6) تاريخ الخلفاء (ص 436).
(7) انظر البداية والنهاية (10/ 133، 135، 145).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)

حصل في عصر والده.
كما أن عصره كان عصر فتوحات في بلاد الروم وجهة جُرْجَان(1).
وكان رحمه الله سَمْحَ الخلق، محبّاً للسنة، معظِّماً لحُرُمات الله، حسن الاعتقاد، مبغضاً للزنادقة.
كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: لستُ على طُهْرٍ، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فَأْمُرْ هولاء بانتظاري، فقال: انتظروه، ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه(2). وأصدر أمره بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم(3).
وكان إذا عرضت قضيّة، واستُدِلَّ لها بحديث، وَثَبَ عند ذكر النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حتى يُلْصِقَ خَدَّهُ بالتراب ويقول: سمعت لما قال وأطعت(4).
وهاجت ريح سوداء ذات مرّة حتى خافوا أن تكون القيامة قد قامت، فطلبه أحد حُجَّابه، فلم يجده في الإيوان، فإذا هو في بيت ساجد على التراب يقول: اللهم لا تُشْمت بنا أعداءنا من الأمم، ولا تفجع بنا نبيّنا، اللهم إن كنت أخذتَ العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، فما أتمّ كلامه حتى انْجلتْ(5).--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية (10/ 146 - 150).
(2) تاريخ الخلفاء (ص 442).
(3) المرجع السابق (ص 436).
(4) السابق أيضاً (ص 442).
(5) سير أعلام النبلاء (7/ 402، 403).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

ويقول الذهبي عنه: (كان غارقاً- كنحوه من الملوك- في بحر اللذات، واللهو والصيد، ولكنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِقٌ عليهم)(1).
وهذا الذي ذكره الذهبي من معاداة المهدي لأولي الضلالة وحَنَقِهِ عليهم، دليل على حسن اعتقاده الذي أشار إليه السيوطي بقوله: (كان المهدي جواداً ممدَّحاً، مليح الشكل، محبّباً إلى الرّعيّة، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقاً كثيراً، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرَّدّ على الزنادقة والملحدين)(2).
ويصفه الذهبي بأنه كان قصّاباً في الزنادقة، باحثاً عنهم(3).
والسبب في حرص المهدي على تتبع الزنادقة: أن الزندقة قد نشطت في ذلك العهد، مما اضطر المهدي في سنة ست وستين ومائة وفيما بعدها إلى أن يجدّ في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة(4)، بل أنشأ ديواناً خاصاً للبحث عن الزنادقة، والتفتيش عنهم، ومحاكمتهم، وعهد به إلى رجل أطلق عليه اسم: (صاحب الزنادقة)، كما أمر بوضع الكتب للرد عليهم ومناظرتهم، فإذا لم تُجْدِ هذه الوسائل كان يلجأ إلى العنف، فيسرف في قتل الملحدين(5)، وتابعه على هذه السياسة ابنه الهادي الذي جَدّ--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (7/ 402، 403).
(2) تاريخ الخلفاء (ص 434).
(3) سير أعلام النبلاء (7/ 401).
(4) تاريخ الخلفاء (ص 437).
(5) وصفه السيوطي كما سبق بأنه كان يقتل على التهمة، وإليك هذه القصة التي تحكي تعامله مع من اتهم بالزندقة:-
رفع له ذات مرة صالح بن عبد القدوس البصري في الزندقة، فأراد قتله، فقال: =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

في القضاء عليهم(1) بعد وفاة أبيه في سنة تسع وستين ومائة (169 هـ)، حيث تولى الخلافة بعده، وعمل بوصية أبيه الذي أوصاه بقتل الزنادقة، واقتدى به في ذلك، وشرع في تَطَلُّبهم من الآفاق، وَجَدَّ في ذلك، فقتل منهم خلقاً كثيراً(2).
وكان موسى الهادي لما تولى الخلافة عزم على خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد بعده، والعهد بها لابنه جعفر كما صنع أبوه بعيسى بن موسى، فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء، فأجابوه لذلك، وأَبَتْ أُمُّهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، فأَلَحَّ الهادي على أخيه هارون في الخلع، واستشار يحيى بن خالد بن بَرْمَك، فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال: إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفراً وليَّ العهد من بعد هارون، وأيضاً فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاقم الأمر ويختلف الناس، فعدل الهادي عن رأيه، ولم يلبث إلا يسيراً حتى توفي في سنة سبعين ومائة (170 هـ)(3)، وتولَّى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد،--------------------------------------------
= أتوب إلى الله، وأنشده لنفسه:
ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ
والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يُوَارَى في ثرى رَمْسِهِ
فصرفه المهدي، فلما قرب من الخروج، ردَّه، فقال: ألم تقل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى قال: فكذلك أنت، لا تدع أخلاقك حتى تموت، ثم أمر بقتله.
انظر تاريخ الخلفاء (ص 438 - 439).
(1) الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص 132).
(2) البداية والنهاية (10/ 157)، وتاريخ الخلفاء (ص 446).
(3) البداية والنهاية (10/ 158).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

وكان عمره إذ ذاك ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وولاه الوزارة، وتمكَّن عنده(1).
وكان هارون من أَمْيَزِ الخلفاء، وأَجَلِّ ملوك الدنيا، ذا شجاعة ورأي، كثير الغزو والحج والصلاة والصدقة، مُحِبّاً للعلم وأهله، معظِّماً لحُرُمات الإسلام، مبغضاً للمِرَاء والجَدَل في الدين، والكلامِ في معارضة النصّ، وكان يبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعِظَ(2).
دخل عليه مرَّة ابن السَّمَّاك الواعظ، فبالغ في إجلاله، فقال ابن السَّمَّاك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه(3).
ووعظه الفضيل بن عياض مرَّة حتى شهق في بكائه(4).
وقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمرّ هارون، فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أموراً عظاماً(5).
وقال عمّار الواسطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس تموت أشد عليّ موتاً من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره. قال: فكبُر ذلك علينا، فلما مات هارون، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن، قلنا: الشيخ كان أعلم بما تكلم(6). ولما بلغه موت ابن المبارك، حزن عليه، وجلس للعزاء، فعزّاه الأكابر(7).--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية (10/ 160).
(2، 3، 4، 5) سير أعلام النبلاء (9/ 287 - 289)، وتاريخ الخلفاء (ص 452 - 454).
(6) سير أعلام النبلاء (9/ 289).
(7) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، وتاريخ الخلفاء (ص 454، 455).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

وقال أبو معاوية الضَّرير: صبّ على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه، فقال الرشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا، قال: أنا، إجلالاً للعلم(1).
وقال القاضي الفاضل: ما أعلم أن لملك رحلة قطّ في طلب العلم، إلا للرشيد؛ فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطّأ على مالك رحمه الله، وكان أصل الموطّأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندريّة، فسمعه على ابن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثاً(2).
وحدث أبو معاوية الضرير الرشيدَ يوماً عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عمّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضباً شديداً، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنّطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، وما زال أبو معاوية يُسَكِّنه ويقول: بَادِرَةٌ منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن، ثم قال: هذه زندقة، فأمر بسجنه، وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمّه بالأيمان المُغَلَّظَة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بَادِرَةٌ منه، وهو يستغفر الله ويتوب إليه منها، فأطلقه(3).
ودخل بعضهم عليه وبين يديه رجل مضروب عنقه، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق، فقتلته على ذلك قربة إلى الله عز وجل(4).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، وتاريخ الخلفاء (ص 454، 455).
(2) تاريخ الخلفاء (ص 468 - 469).
(3) سير أعلام النبلاء (9/ 288)، والبداية والنهاية (10/ 215)، وتاريخ الخلفاء (ص 454).
(4) الموضع السابق من البداية والنهاية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وبلغه عن بشر المِرِّيسي القول بخلق القرآن، فقال: بلغني أن بشر بن غياث المِرِّيسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظْفَرَني به لأقتلنّه. فكان متوارياً أيام الرشيد، فلما مات الرشيد ظهر، ودعا إلى الضلالة(1).
وأَخَذَ مَرَّةً زنديقاً، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كلُّها ما فيها حرف نَطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفاً حرفاً(2)؟.
وكان عهد هارون الرشيد أطول عهود خلفاء بني العباس وأزهاها؛ فقد كثر فيه الغزو، واتَّسَعَت الفتوحات، ومن ذلك: أنه أرسل الفضل بن يحيى إلى خراسان، فأحسن السيرة فيها، وبنى الرُّبُطَ والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جنداً من العجم سَمَّاهم: العَبَّاسِيَّةَ، وفتح الفضل بلاداً كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقَهَرَ مَلِكَ التُّرك وكان ممتنعاً، وأطلق أموالاً جزيلة، ثم قفل راجعاً إلى بغداد(3).
وغزا الرشيد بنفسه بلاد الروم، فافتتح حصناً يقال له: الصَّفْصَاف(4) وغيره(5)، حتى إن الروم كانوا يدفعون إليه الأموال تعبيراً عن خضوعهم له مقابل صلح عقدوه بينهم وبينه في عهد--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (11/ 236 - 237)، وتاريخ الخلفاء (ص 453).
(2) تاريخ الخلفاء (ص 466).
(3) البداية والنهاية (10/ 172 - 173).
(4) الصَّفْصَافُ- بالفتح والسكون- كُورَةٌ من ثغور المِصيِّصَة. معجم البلدان (3/ 413).
(5) البداية والنهاية (10/ 177، 179).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

ملكتهم (رَنَى) الملقَّبة: (أغسطة)، إلى أن قام الروم بعزل هذه الملكة، ونقض الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وملّكوا عليهم رجلاً يقال له (نقفور) وكان شجاعاً، وخلعوا (رنى)، وسملوا عينيها، وكتب (نقفور) إلى الرشيد كتاباً يذكر فيه ضعف الملكة التي كانت قبله ويقول: (حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حملته إليك من الأموال، وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك). فلما قرأ هارون كتابه، أخذه الغضب الشديد، حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفاً منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام).
ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هَرَقْلَةَ(1)، ففتحها، واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الأموال شيئاً كثيراً، وخرَّب وأحرق، فطلب منه (نقفور) الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك(2). وبعد أن استمرّ في الخلافة مدة ثلاث وعشرين سنة أدركته الوفاة رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد أن عهد--------------------------------------------
(1) قال ياقوت في معجم البلدان (5/ 398): (هِرَقْلَةُ: بالكسر ثم الفتح: مدينة ببلاد الروم، سُمِّيَتْ بهرقْلة بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام، وكان الرشيد غزاها بنفسه، ثم افتتحها عنوة بعد حصار وحرب شديد ورمي بالنار والنفط حتى غلب أهلها، فلذلك قال المكّي الشاعر:
هَوَتْ هِرَقْلَةُ لمّا أنْ رَأتْ عَجَباً … جَوَّ السَّماءِ تَرْتَمي بالنَّفْطِ والنّارِ
كأنّ نيرانَنا في جَنْبِ قَلْعَتِهم … مُصَبَّغات على أرْسَانِ قَصَّارِ) اهـ
(2) البداية والنهاية (10/ 193 - 194، 199، 203).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

بالخلافة لابنه محمد الأمين، ومن بعده لابنه عبد الله المأمون(1). ولما عهد الرشيد لابنه محمد الأمين بولاية العهد من بعده وقدَّمه على عبد الله المأمون قال: (إني لأعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونُسُكَ المهدي، وعِزَّةَ الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع- يعني نفسه- لنسبته، وقد قدَّمت محمداً عليه، وإني لأعلم أنه منقادٌ إلى هواه، مُبَذِّر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أمُّ جعفر(2)، ومَيْلُ بني هاشم إليه، لقدَّمتُ عبد الله عليه)(3).
وكان الأمين رحمه الله سُنِّياً، لكنه مسرف على نفسه، سيء التدبير.
يقول الإمام أحمد: (إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن عُلَيَّة؛ فإنه أُدْخِلَ عليه، فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟!)(4).--------------------------------------------
(1) المرجع السابق (10/ 222، 223) وتاريخ الخلفاء (ص 474، 490).
(2) هي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وهي أم الأمين، وأما المأمون فأمه أم ولد اسمها: مراجل، وإنما قدم الرشيد ابنه الأمين لأن أمه نسيبة، ولذلك يقول المسعودي: (ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي بن هاشمية سوى علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين، فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها: أمة العزيز، وزبيدة لقب لها) اهـ. من تاريخ الخلفاء (ص 484)، وانظر (ص 489) منه أيضاً.
(3) المرجع السابق (ص 490).
(4) المرجع السابق أيضاً (ص 483). والقصة مطوَّلة في تاريخ بغداد (6/ 237 - 238)، وخلاصتها: أن إسماعيل بن علية حدّث بالحديث الآتي في تخريج الحديث رقم [484]، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان- أو غيايتان، أو فرقان من طير صوافّ- تحاجّان عن صاحبهما)). فقيل له: ألهما لسانان؟ قال: نعم، فكيف تكلما؟ فشنّعوا عليه وقالوا: إنه يقول القرآن مخلوق، وهو لم =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

وأما إسرافه على نفسه وسوء تدبيره فأشار إليه أبوه هارون كما سبق، وتجد جملة من أخباره في ذلك في البداية والنهاية(1) وتاريخ الخلفاء(2)، وقد أعرضت عن ذكرها قصداً؛ لخروجها عن الغرض؛ ولأنها تحتاج إلى تمحيص.
ولما تولى الأمين الخلافة سعى في جعل البيعة من بعده لابنه موسى، فعزل أخاه القاسم عمّا كان الرشيد ولاّه، وأرسل إلى أخيه--------------------------------------------
= يقله، وإنما غلط، فأحضر للأمين محمد بن هارون، فشتمه وقال: يا ابن كذا وكذا، أَيْشٍ قلت؟ فقال: أنا تائب إلى الله، لم أعلم، أخطات.
وذكر الفضل بن زياد أنه سأل الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، فقال: ما زال إسماعيل وضيعاً من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات. قال الفضل: قلت: أليس قد رجع وتاب على روؤس الناس؟ فقال: بلى، ولكن ما زال مبغضاً لأهل الحديث بعد كلامه ذاك إلى أن مات، ولقد بلغني أنه أدخل على محمد بن هارون، فلما رآه زحف إليه، وجعل محمد يقول له: يا ابن … ، يا ابن … ، تتكلم في القرآن؟ قال: وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه، زلّة من عالم، جعله الله فداه، زلّة من عالم. قال الفضل: ثم قال لي أبو عبد الله: لعلّ الله أن يغفر له- أي للأمين- لإنكاره على إسماعيل، ثم قال بعدُ: هو ثبت- يعني إسماعيل-. اهـ وانظر التهذيب (1/ 278 - 279).
وهذا من إنصاف الإمام أحمد رحمه الله، فإسماعيل رحمه الله ثقة حافظ كما سيأتي في ترجمته في الحديث [59]، ولذا فإن الذهبي رحمه الله ذكر إسماعيل هذا في الميزان للدفاع عنه (1/ 216 - 220)، ولما ذكر كلام الإمام أحمد فيه قال: (قلت: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة، وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله لا يكون ذكرنا له من الغيبة) اهـ.
وأما ما يتعلق بمسألة القرآن، فإن قوله فيه موافق لقول أهل السنة، قال الخطيب البغدادي في تاريخه (6/ 239): (وقد رُوي عن ابن علية في القرآن قول أهل الحق … ) ثم ساق بإسناده عن عبد الصمد بن يزيد مردويه أنه قال: (سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق).
(1) ص 241 فما بعد من الجزء العاشر.
(2) ص 474 - 488.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

المأمون يطلب منه أن يقدِّم موسى على نفسه، فردّ المأمون ذلك وأباه، ووقعت الوحشة بينهما، فخلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، فلما تيقن المأمون ذلك، تسمَّى بإمام المؤمنين وكان في خراسان، فأرسل إليه الأمين جيشاً لقتاله، وأرسل المأمون جيشاً، فالتقيا، وتقاتلا، وكانت الغلبة لجيش المأمون، واستمرّ القتال بينهما في حروب يطول ذكرها، انتهت بقتل الأمين في أول سنة ثمان وتسعين ومائة، وتولِّي المأمون الخلافة بعده(1).
وكان المأمون من أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان معروفاً بالتشيع(2)، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن في سنة إحدى ومائتين، وجعل ولي العهد من بعده علياً الرِّضا بن موسى الكَاظِم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيع، حتى قيل: إنه همّ أن يخلع نفسه ويفوِّض الأمر إليه، وهو الذي لقَّبه الرِّضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوَّجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك لبس السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة بدلاً منه، فاشتدّ ذلك على بني العباس جداً، وخرجوا عليه، وبايعوا إبراهيم--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية (10/ 222 - 227، 236 - 244)، وتاريخ الخلفاء (ص 474 - 489).
(2) يقول عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 275): (وقد كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة … ، وكان على مذهب الاعتزال لأنه اجتمع بجماعة منهم: بشر بن غياث المِرِّيسي، فخدعوه، وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهراً، وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته). اهـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

ابن المهدي، ولُقَّب: (المبارك)، فجهَّز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وكان المأمون بخراسان، فسار نحو العراق، فلم يلبث علي الرِّضا أن مات في سنة ثلاث ومائتين، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم إنما نقموا عليه بيعته لعلي الرِّضا وقد مات، فردّوا جوابه أغلظ جواب، فسار إليهم، ثم بدأ الناس يتسللون من عهد إبراهيم بن المهدي، فعلم بذلك، فاختفى، ووصل المأمون إلى بغداد، فكلمه العباسيون في لبس السواد، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك(1). وبلغ من تشيع المأمون: أنه في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادَى: برئت الذِّمّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب(2). وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين أظهر القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم من غير سبّ لهما(3)، فاشمأزَّت النفوس منه، وكاد البلد--------------------------------------------
(1، 2) تاريخ الخلفاء (ص 489 - 491، 492).
(3) يقول ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (10/ 266 - 267): (وفي ربيع الأول- يعني سنة ثنتي عشرة ومائتين- أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أَطَمُّ من الأخرى، وهي: القول بخلق القرآن، والثانية: تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيراً فاحشاً، وأثم إثماً عظيماً)، ثم نقل (ص 276 - 277) عن ابن عساكر أنه روى من طريق النَّضْر بن شُمَيْل قال: دخلت على المأمون، فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم. قال: صدقت. ثم قال: يا نضر، أتدري ما قلت صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لمن علم الغيب لبعيد، فقال: قلت أبياتاً، وهي:
أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا
حبّ علي بعد النبي ولا … أشْتُم صِدِّيقاً ولا عُمرا
ثم ابن عفّان في الجنان مع الـ … أبرار ذاك القتيل مُصْطبرا
ألا ولا أشتم الزبير ولا … طلحة إن قال قائلٌ غَدَرَا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

يفتتن، فكفّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن(1)، ولم يتمّ له ما أراد لوفاته في نفس العام، ثم تولى زمام الفتنة من بعده أخوه المعتصم كما سيأتي.
وما يدلّ على تميز المأمون بالحزم والدَّهاء والشجاعة وباقي الصفات المتقدم ذكرها: أن عصره شهد فتناً عظيمة وانصداعاً في رعيته، استطاع بدهائه وحزمه ورأيه أن يخمد الفتن ويسوس الناس، لولا خوضه فيما خاض فيه من أمور المعتقد(2)، حتى إن هناك من يتهمه فيما أظهره من التشيع وحب آل البيت الذي أدّى به إلى أخذ البيعة لعلي الرِّضا بولاية العهد من بعده وتزويجه ابنته، ويرى أنه غير صادق في ذلك، وأنه إنما فعله سياسة لاكتساب ولاء الخراسانيين--------------------------------------------
= وعائش الأُمّ لست أشْتُمها … من يفتريها فنحن منه بَرَا
ثم قال ابن كثير بعد ذلك: (وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة، وقد قال جماعة من السلف والدارقطني: من فضّل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار- يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على عثمان، وتقديمه على علي بعد مقتل عمر-، وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر) اهـ.
(1) تاريخ الخلفاء (ص 492، 493).
(2) ولما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 277) قصة النَّضْر ين شُميل- السابق ذكرها- مع المأمون التي تدل على تشيعه قال- أي ابن كثير-: (وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى بها على المهاجرين والأنصار البدعة الأخرى والطّامّة الكبرى، وهي القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الأفعال التي تعدد فيها المنكر، ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوّة جسيمة في القتال وحصار الأعداء ومصابرة الروم وحصرهم، وقتل رجالهم وسبي نسائهم، وكان يقول: لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حُجَّاب، وأنا بنفسي، وكان يتحرَّى العدل ويتولّى بنفسه الحكم بين الناس والفصل). اهـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

الذين تشبعت نفوسهم بالعقائد الشيعية.
ويحتج أصحاب هذا الرأي بأن علياً الرِّضا لم يكن راغباً في ولاية العهد، وإنما قبلها تحت ضغط المأمون عليه وتهديده له بضرب عنقه إن لم يقبل، ومع ذلك كان موته بسبب أكله لعنب يقال إنه كان مسموماً دسّه له المأمون للتخلص منه بعد أن ظفر منه بما أراد(1)، فالله أعلم.
وشهد عصر المأمون فتوحات كثيرة وبخاصة في بلاد الروم، وكان يخرج للغزو بنفسه(2). ولما توفي خلفه من بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، الذي كان عَرِيّاً من العلم كما يقول السيوطي(3)، فإنه كان أُمِّياً لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك: أنه كان يتردد معه إلى الكُتّاب غلام، فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكُتّاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكُتّاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكُتّاب، فتركوه، فكان أُمِّيّاً، وقيل: بل كان يكتب كتابة ضعيفة(4).
وكان المعتصم ذا شجاعة وقوة وهمّة، حتى إنه كان يجعل زَنْدَ الرجل بين إصبعيه فيكسره(5).
وكتب إليه ملك الروم مرة كتاباً يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما--------------------------------------------
(1) انظر مروج الذهب للمسعودي (4/ 33)، ومقاتل الطالبين (ص 562 - 565)، والشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص 299 - 300).
(2) انظر البداية والنهاية (10/ 269، 270، 271، 277).
(3) تاريخ الخلفاء (ص 531).
(4) سير أعلام النبلاء (10/ 291)، والبداية والنهاية (10/ 295).
(5) تاريخ الخلفاء (ص 531، 532).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

عُرِض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار(1).
وهو الذي استطاع القضاء على بَابِك الخُرَّمي الذي يقول عنه الذهبي: (كان أحد الأبطال، أخاف الإسلام وأهله، وهزم الجيوش عشرين سنة، وغلب على أَذِرْ بِيجَان وغيرها، وأراد أن يقيم الملّة المجوسية، وظهر في أيامه المازيار أيضاً بالمجوسية بطبرستان، وعظم البلاء، وكان المعتصم والمأمون قد انفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة)(2). ولما استنفر المعتصم الجيوش لحرب بابك، ضعفت جبهته مع الروم، وحينما أحيط ببابك الخُرَّمي، كتب الخبيث إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهّز إليّ جمهور جيشه، ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة، فانهض سريعاً إلى ما حولك من بلاده، فخذها، فإنك لا تجد أحداً يمانعك عنها، فركب ملك الروم بعسكره حتى وصل إلى مَلَطْيَة(3)، فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، وأسروا نساءهم. فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج جداً، وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره، وأمر بتعبئة الجيوش، وقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عَمُّورِيَّة(4)، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (10/ 291)، والبداية والنهاية (10/ 296).
(2) سير أعلام النبلاء (10/ 293 - 294).
(3) مَلَطْيَةُ- بفتح أوّله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء-: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام، وهي للمسلمين. معجم البلدان (5/ 192 - 193).
(4) عَمُّورية- بفتح أوّله وتشديد ثانيه-: بلد في بلاد الروم، سُمِّيَت بعمورية بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح، وهي التي افتتحها المعتصم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. المرجع السابق (4/ 158).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

عندهم من القسطنطينية، فسار إليها حتى افتتحها بعد حروب وأمور يطول ذكرها(1)، وهذا الفتح هو الذي قال فيه أبو تَمَّام قصيدته المشهورة:
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءًَ من الكُتُبِ … في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعبِ
إلى آخرها(2).
وبالجملة فللمعتصم محاسن ومناقب عديدة، إلا أنه شَانَها بفتنة الناس بالقول بخلق القرآن. يقول الذهبي رحمه الله: (كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شَانَ سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن)(3).
ويقول السيوطي: (بويع له بالخلافة بعد المأمون في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره، من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك؛ وأمر المعلّمين أن يعلِّموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقّة في ذلك، وقَتَلَ عليه خلقاً من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين- يعني ومائتين(4) -). ثم ما لبث المعتصم أن توفي سنة سبع وعشرين ومائتين(5)، وهي السنة التي توفي فيها المصنِّف سعيد بن منصور.
ب - الحالة الفكريّة:
تقدم عرض موجز عن الحالة السياسية للفترة التي عاشها--------------------------------------------
(1) انظرها في سير أعلام النبلاء (10/ 297 - 298)، والبداية والنهاية (10/ 285 - 288).
(2) انظر الموضع السابق من السير.
(3) تاريخ الخلفاء (ص 531).
(4) تاريخ الخلفاء (ص 533).
(5) سير أعلام النبلاء (10/ 306).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

المصنِّف سعيد بن منصور ابتداء من بداية الدولة العباسية- تقريباً- وانتهاءً بنهاية ولاية المعتصم. ومن خلال ذلك العرض نلمح بروز العنصر الفارسي في ذلك العصر، وصَاحَبَهُ ظهور الشُّعُوبِيَّة(1)، وحركة الزندقة، والتَّشَيُّع، وفي آخر الأمر محنة خلق القرآن.
وجميع هذا موصول بنشأة الدولة العباسية التي ظهرت للوجود، وظهر لظهورها بعض المذاهب الفكرية الغريبة عن الحياة الإسلامية، مما تسبب في ظهور بعض الحركات الانفصالية، وانصداع المجتمع آنذاك، واتّساع الهُوَّة بين العلماء والفئة الحاكمة.
ولاشك في أن هناك عدّة أسباب أدّت إلى ظهور هذه المذاهب، من أهمها- في نظري- سببان:
أ - ترجمة الكتب الأعجمية واليونانيّة وغيرها إلى العربية.
ب - بروز العنصر الفارسي ونشاطه وارتباطه بالجهة الحاكمة.
أما ترجمة الكتب الأعجمية واليونانية وغيرها إلى العربية، فإنها أحدثت انفتاحاً آنذاك على ثقافات وعقائد تلك الأمم المترجمة كتبها، كالفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى انضمام بعض كُتَّابهم ومفكِّريهم إلى المجتمع الإسلامي، أمثال ابن المُقَفَّع، ومنهم من لبس لباس الإسلام وأبطن الكفر للطّعن في الإسلام من الداخل كما سيأتي في الكلام عن حركة الزنادقة، ومنهم من ليس كذلك، لكنه دخل في الإسلام متلوِّثاً بثقافته السابقة.
وكان لبعض خلفاء بني العباس أثر ذو فاعلية في نشاط حركة--------------------------------------------
(1) الشُّعُوبِيَّةُ: فرقة تتعصّب على العرب وتحتقرها، ويربط ذلك بعضهم بتوجّه سياسي وأدبي. انظر: الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص 20، 22 - 23).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

الترجمة. فأبو جعفر المنصور أوّل خليفة قرَّب المنجِّمين وعمل بأحكام النجوم، وأوّل خليفة تُرجمت له الكتب السّريانية والأعجمية بالعربية، ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس(1).
وقال الذهبي: (كان المنصور يُصْغي إلى أقوال المنجِّمين وَيَنْفُقُون عليه، وهذا من هِنَاتِه مع فضيلته)(2). وبلغت حركة ترجمة هذه الكتب ذِرْوَتَها في عصر المأمون الذي كان يُجِلُّ أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه(3)، فإنه استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرص(4). ولذلك يعتبر هو أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملّة الإسلام(5).
ولما ذكره الذهبي(6) قال: (قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليّات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، وبالغ، وعمل الرَّصَدَ فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، نسأل الله السلامة).
وأما العنصر الفارسي، فإنه الذي قامت على أكتافه دولة بني العباس في عصرها الأول، ولذا عظم في ذلك العصر نفوذ الفرس، مما شجّع أصحاب الديانات الفارسية على القيام بحركة زندقية واسعة، وأتاح الفرصة للشعوبية في أن تسفر عن وجهها. فالموالي كان لهم الدور الأكبر في نشر الدعوة العباسية، وساهموا بالنصيب الأوفر في--------------------------------------------
(1) انظر تاريخ الخلفاء (ص 430).
(2) سير أعلام النبلاء (7/ 88).
(3) سير أعلام النبلاء (10/ 285).
(4) المرجع السابق (10/ 278 - 279) وتاريخ الخلفاء (ص 521).
(5) الوسائل إلى معرفة الأوائل للسيوطي (ص 134).
(6) في سير أعلام النبلاء (10/ 273).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

اعتلاء بني العباس عرش الخلافة، وهذا الذي جعلهم في ذلك العصر أصحاب الحَظْوَةِ والنُّفوذ والبأس، فقرَّبهم الخلفاء إليهم، وولَّوْهُم أعلى المناصب في الدولة، وكان لأبي جعفر المنصور قَدَمُ السَّبْقِ في ذلك؛ فهو أول من استعمل مواليه على الأعمال، وقَدَّمهم على العرب، وكثُر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها، بحيث أصبح العنصر الفارسي أكثر العناصر امتيازاً وتَفَوُّقاً. وفي هذا الجوّ المتسامح استطاع الأعاجم أن يجهروا بعدائهم للعرب، وأن يفخروا عليهم، ويُحَقِّروا من شأنهم(1).
ولما ذكر الذهبي مصير الأمر إلى بني العباس قال: (فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن- والله- ساءنا ما جرى- لَمَّا جرى- من سيول الدماء، والسبي والنهب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم، وأنَّى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجميّة خراسانية جبّارة، ما أشبه الليلة بالبارحة!)(2).
وهذا ما دفع بعض المؤرخين للقول بأن دولة بني العباس دولة خراسانية شرقية(3)، وفي هذا يقول المقريزي: (إن بني العباس أخذوا الخلافة بالغَلَبَةِ بأيدي عجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة، حتى أزال عجم خراسان دولة بني أمية … ، بل استحالت الخلافة كسرويَّة--------------------------------------------
(1) مقتبس من كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول) (ص 77، 85، 131)، مع بعض التصرف والزيادة من تاريخ الخلفاء (ص 430).
(2) سير أعلام النبلاء (6/ 58).
(3) الآثار الباقية للبيروني (213) نقلاً عن كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) ص 79.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

قيصريَّة)(1).
ومن أظهر الأدلّة على النزعة الأعجمية في الدولة العباسية: ما حصل للعرب وقتها من القتل الذي يقال إنه بإيعاز من آل العباس أنفسهم. فقد وقع في يد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية جواب كتاب كتبه إبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم الخراساني يأمره فيه بقتل كل من تكلم بالعربية في خراسان(2). ولذلك يقول الذهبي: (كان أبو مسلم بلاء عظيماً على عرب خراسان، فإنه أبادهم بحدِّ السيف)(3).
ويقول أيضاً: (وقد كان بعض الزنادقة والطُّغَام من التناسُخِيَّة اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حَلَّ في أبي مسلم الخراساني المقتول؛ عند ما رأوا من تجبُّره واستيلائه على الممالك وسفكه للدماء، فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها)(4).
وسئل عبد الله بن المبارك رحمه الله عن أبي مسلم: أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن كان الحجاج شراً منه(5). وقال علي بن عَثَّام: قال إبراهيم الصائغ: لما رأيت العرب وصنيعها، خِفْتُ ألا تكون لله فيهم حاجة، فلما سلّط الله عليهم أبا مسلم، رجوت أن تكون لله فيهم حاجة(6).--------------------------------------------
(1) النزاع والتخاصم للمقريزي (ص 66) نقلاً عن المرجع السابق.
(2) سير أعلام النبلاء (6/ 58 - 59).
(3) المرجع السابق (6/ 53).
(4) السابق أيضاً (6/ 67).
(5) تاريخ دمشق لابن عساكر (10/ 196 مخطوط الظاهرية)، والبداية والنهاية لابن كثير (10/ 71).
(6) تاريخ دمشق (10/ 190 مخطوط الظاهرية)، وسير أعلام النبلاء (6/ 53).
ويعني إبراهيم الصائغ بكلامه هذا: أن العرب بَدَرَت منهم بعض الهفوات =

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)