وكان إبراهيم بن ميمون الصائغ قائل هذه المقالة أحد ضحايا أبي مسلم، فإنه كان من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة لبني العباس، وكان أبو مسلم يَعِدُهُ إذا ظهر أن يقيم الحدود. فلما تمكّن أبو مسلم، ألَحَّ عليه إبراهيم بن ميمون في القيام بما وعده به حتى أَحْرَجَهُ، فأمر بضرب عنقه، وقال له: لم لا كنت تنكر على نصر بن سيّار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب، فيبعثها إلى بني أميّة؟ فقال له: إن أولئك لم يقرِّبوني من أنفسهم، ويعدوني منها ما وعدتني أنت. وقد رأى بعضهم لإبراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة؛ بصبره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه كان آمراً ناهياً قائماً في ذلك، فقتله أبو مسلم(1).
ويقول أبو نعيم الأصبهاني: (قتله أبو مسلم مظلوماً شهيداً سنة إحدى وثلاثين ومائة)(2).
فظهر مما تقدم أن الشعوبية أعلنت عداءها للعرب في العصر العباسي الأول، وبرز العنصر الفارسي مستغلاً نصرته لدولة العباسية، هذا مع أن الدعوة العباسية ظهرت وانتشرت في خراسان، وكانت خراسان مركزاً للديانات والعقائد الفارسية(3). والدولة العباسية، وإن كانت في أصلها دولة عربية، إلا أنها قامت على أكتاف قائد فارسي--------------------------------------------
= والمظالم التي جعلته يتخوّف عليهم من أن لا تكون لله فيهم حاجة، ولم يتصور أن العرب مع ما فيهم هم خير من غيرهم في الجملة، فلما رأى ولاية أبي مسلم وما صنع بالعرب من الظلم استدرك، فرجى أن تكون لله فيهم حاجة، فإن الظالم يسلط عليه من هو أظلم منه، ولذلك يقول علي بن عَثَّام بعد ذكره لهذا القول: (ما انتقم الله من قوم ((في الأصل: لقوم)) إلا بشرٍّ منهم).
(1) البداية والنهاية (10/ 68).
(2) تهذيب الكمال (2/ 224).
(3) انظر كتاب: (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) (ص 68 - 70، 80).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الأصل، وهو أبو مسلم الخراساني(1)، وكان مُعْظَمُ جيشه من أهل خراسان(2)، وهذا الذي شجع أصحاب الديانات الفارسية على القيام بحركة زندقية واسعة(3)، لأنها وجدت حافزاً لها في هذه البيئة المناسبة لدعوتها، وليس أدَلَّ على هذا من أن الذين قاموا يطالبون بالثأر لأبي مسلم الخراساني لما قتله أبو جعفر المنصور هم من المجوس، يقول الذهبي: (ولما قتل- يعني أبا مسلم- خرج بخراسان سنباذ للطلب بثأر أبي مسلم، وكان سنباذ مجوسياً، فغلب على نيسابور والرَّيّ، وظفر بخزائن أبي مسلم، واستفحل أمره، فجهز المنصور لحربه جمهور بن مَرَّار العجلي في عشرة آلاف فارس، وكان المصَافّ بين الرَّيّ وهمذان، فانهزم سنباذ، وقتل من عسكره نحو من ستين ألفاً، وعامتهم كانوا من أهل الجبال، فسبيت ذراريهم، ثم قتل سنباذ بأرض طبرستان)(4).
وتقدم قريباً ما ذكره الذهبي من أن بعض الزنادقة والطُّغَام من التناسخية اعتقدوا أن الباري سبحانه وتعالى حلّ في أبي مسلم الخراساني المقتول، ولذا نجد هناك من اتهم أبا مسلم في إسلامه.
يقول ابن كثير: (قد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبي مسلم ما يدلّ على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادّعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية، والله أعلم بأمره)(5).
والزَّنْدَقَةُ: لفظة فارسية معَرَّبَة، والزنادقة: هم المبطنون للكفر،--------------------------------------------
(1، 2، 3) انظر كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) (ص 68 - 70، 80).
(4) سير أعلام النبلاء (6/ 71).
(5) البداية والنهاية (10/ 71).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
المظهرون الإسلام، أو الذين لا يتديّنون بدين، يفعلون ذلك استخفافاً بالدين(1).
قال الدكتور عمر فلاتة(2): ((وقد اندس الزنادقة بين صفوف المسلمين عند ما أكرهوا على الدخول في دين الله، فأظهر جماعة منهم الإسلام، ولم تنشرح صدورهم له، وقد كان بعض هؤلاء الزنادقة ذوي مكانة في مجتمعاتهم قبل الفتح الإسلامي لبلدانهم، وبسقوط إمبراطورياتهم ومملكاتهم أضحوا نسياً منسياً، فدفع بهم الحقد الدفين في نفوسهم إلى الكيد للإسلام والمسلمين، وقد أجهدوا أنفسهم للوصول إلى أغراضهم. ولما كان باب القرآن قد أُوصِد أمامهم، منذ جُمِع الناس على مصحف واحد، لجأوا إلى باب السنة، منه يدخلون، وعلى السذج من المسلمين يلفقون، فأذكوا نار الفتنة، ووسعوا دائرة الخلاف بين المسلمين، وأدرجوا في الشريعة السمحاء من معتقداتهم الباطلة، يعززونها بوضع الحديث عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وقد تعددت طرقهم في كيفية بث سمومهم ونشر مفترياتهم، فمنهم من اتخذ التشيع له شعاراً ينشر منه مفترياته كما فعل ابن سبأ.
ومنهم من كان يدس الأباطيل والأكاذيب السخيفة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قاصدين بذلك تشويه صورة الإسلام الناصعة، في عقائده وعباداته ومقاصده، فقد وضعوا أحاديث تتعلق بذات الله وصفاته تتناقض مع عقيدة الإسلام الصحيحة، وهي تَنُمُّ عما تنطوي عليه بواطنهم، بالإضافة إلى ما يقصدون من وراء ذلك من تنفير العامة عن الإسلام، وإظهاره بمظهر الدين المتناقض الذي يشتمل على كثير من الأمور--------------------------------------------
(1) انظر لسان العرب (10/ 147)، وفتح المغيث للسخاوي (1/ 239)، والوضع في الحديث لعمر فلاتة (1/ 220).
(2) في كتابه: الوضع في الحديث (1/ 220 - 223).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
المتناقضة وغير المعقولة.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن هؤلاء الزنادقة كثيراً ما نراهم يُقِرُّون بالوضع، بل إن غالبهم كان يُقِرُّ بأنه وضع أحاديث كثيرة تركها تجول بأيدي العامة من الناس.
فهذا عبد الكريم بن أبي العوجاء، لما أراد محمد بن سليمان بن علي ضرب عنقه قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرّم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام، ولقد فطرّتكم في صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم.
وهذا المهدي يقول: أقرّ عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس.
ثم قال الدكتور عمر فلاتة: ويرى بعض الباحثين أن إقرار الزنادقة بوضع الحديث، وإصرارهم على ذلك، إنما هو من تحدِّيهم للمسلمين وإصرارهم على زندقتهم.
وقد بدا لي والله أعلم أن إقرار بعضهم، واعترافهم بالوضع في الحديث بصور هائلة، وأرقام خيالية، هو جزء من مخططهم الرهيب، فقد أبت زندقتهم إلا تنفير الناس من معتقداتهم، والطعن عليهم في دينهم، وقد بذلوا جهدهم في ذلك حال تمتعهم بحرياتهم، فلما أُخذوا وأيقنوا بالهلاك، عملوا على تنفيذ مخططاتهم، بالتشكيك فيما في أيدي الناس من الأحاديث والروايات، وليس معنى هذا أنهم لم يكذبوا مطلقاً، بل إنهم كذبوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعض الأحاديث، وهم بذلك يُعَدُّون كذابين وضاعين، إلا أنه لا ينبغي أن يسلّم لهم وضع هذه الأعداد الهائلة، لا سيما وأن بعضهم حصرها في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال. ولو تتبعنا الكتب التي عنيت بجمع الأحاديث الموضوعة، لم تبلغ هذا العدد، فضلاً عن أن تبلغ أحاديث الأحكام
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
هذا الرقم. فالزنادقة كما أفسدوا حال حياتهم، أرادوا أن يفسدوا أيضاً بعد أخذهم وتقتيلهم، فألقوا القول رغبة في تشكيك الناس في سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقد أحسن الخلفاء صنعاً حينما أخذوهم وقعدوا لهم كل مرصد، وأراحوا الأمة الإسلامية منهم؛ بإنزال أشد العقوبة بهم، وكَفَوا المسلمين شرّهم، فقد سنّ الوالي خالد بن عبد الله القسري سنة حسنة فيهم حينما ضحّى بالجعد بن درهم سنة 125 هـ ثم صار خلفاء بني العباس على سنته لما أحسوا بخطرهم على كيان الإسلام، فتعقبوهم قتلاً وتشريداً، وأشهر من أعمل في رقابهم التأديب: الخليفة المهدي الذي أنشأ ديواناً خاصاً للزنادقة يتتبع فيه أوكارهم ويقضي على رؤسائهم) اهـ بتصرف.
وهذا الذي أشار إليه الدكتور عمر فلاتة من أن المهدي أنشأ ديواناً خاصاً للزنادقة سبق الكلام عنه مع ذكر بعض من أوقع بهم العقوبة لاتهامهم بالزندقة(1)، وسار ابناه الهادي والرشيد على طريقته، وسبق ذكر قصة الزنديق الذي أمر هارن الرشيد بضرب عنقه، فقال الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كلُّها ما فيها حرف نطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفاً حرفاً(2)؟.
وأما التشيع فمتعلق بنشأة الدولة العباسية التي نشأت في خراسان تحت ستار الانتصار لأهل البيت، وخراسان هي مركز--------------------------------------------
(1، 2) انظر (ص 23 - 24، 27) من هذه المقدمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
التشيع(1)، وكانت الدعوة العباسية في بدايتها تسير مع التشيع جنباً إلى جنب، إلى أن جاء أبو جعفر المنصور، فنحَّى أولاد علي خوفاً على سلطان بني العباس، وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي، وكان قبل ذلك أمرهم واحداً(2).
ولما رأى العلويون أنهم قد نُحُّوا، قاموا بعدة ثورات، منها ثورة محمد وأخيه إبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب على أبي جعفر المنصور، وتقدّمت الإشارة إليها(3).
وهناك ثورات أخرى من أهمها: ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب على الهادي في سنة تسع وستين ومائة(4).
وفي سنة سبعين ومائة خرج بعض أهل البيت على هارون الرشيد(5).
وفي سنة ست وسبعين ومائة خرج على الرشيد أيضاً يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب(6).
وفي سنة سبع ومائتين خرج على المأمون باليمن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب(7).
وفي سنة تسع عشرة ومائتين خرج على المعتصم محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطّالقان من خراسان(8).--------------------------------------------
(1) انظر كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) (ص 68).
(2) تاريخ الخلفاء (ص 430).
(3) انظر (ص 20) من هذه المقدمة.
(4، 5، 6، 7، 8) انظر أخبار هذه الثورات في البداية والنهاية لابن كثير (10/ 157، 161، 167، 259، 260، 282).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
وقد أطلّ التشيع برأسه في عهد المأمون الذي كان يتشيع ويظهر التشيع، واسْتَوْزَرَ الفضل بن سهل، وهو أول وزير للمأمون، وسمّاه المأمون: ذا الرئاستين؛ لأنه تولى رئاسة السيف ورئاسة القلم- أي رئاسة الجيوش ورئاسة الديوان-، وهو أول وزير لُقِّب، وأول وزير اجتمعت له الوزارة واللقب والتأمير(1).
وكان الفضل متشيعاً، وله أثر كبير في نقل الخلافة من آل العباس إلى آل علي(2) حينما بايع المأمون عليّاً الرضا بولاية العهد من بعده على ما سبق بيانه(3).
وتقدم أن المأمون في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادى: برئت الذِّمَّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب، وقدَّمه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم(4).
وكان المأمون أيضاً أول من أظهر القول بخلق القرآن، وكان قبل ذلك مُحَارَباً من خلفاء بني العباس، فهارون الرشيد توعَّد وقتل على هذه المسألة(5).
وكذلك ابنه الأمين، وقصته مع إسماعيل بن إبراهيم بن عليّة معروفة، وسبق ذكرها(6).
فلما جاء المأمون أظهر القول بخلق القرآن في سنة اثنتي عشرة ومائتين، فكاد البلد يفتتن، فكفَّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن(7)، ودفعه إلى ذلك أمران:--------------------------------------------
(1) انظر الوسائل إلى معرفة الأوائل للسيوطي (ص 85)، وكتاب: (الشعوبية وأثرها … ) (ص 293 - 303).
(2) الشعوبية وأثرها الاجتماعي … (ص 296).
(3، 4، 5، 6) انظر (ص 26 - 32) من هذه المقدمة.
(7) انظر ما تقدم (ص 33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
1 - تأثُّرُه بما أدخله في ملة الإسلام من المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان، التي يعتبر أول من أدخلها؛ حينما أحضرها من جزيرة قبرص(1).
2 - تأثُّرُه بالمعتزلة والجهمية الذين قرَّبهم وأدناهم ممن أخذوا بقول جهم بن صفوان، وجهم أخذه من الجعد بن درهم، والجعد أخذه من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من خاله لبيد، وهو الذي سحر النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يقول بخلق التوراة(2).
يقول الذهبي رحمه الله: (كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائماً في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استُشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر رضي الله عنه، وانكسر الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبح صبراً. وتَفَرَّقَت الكلمة، وتَمَّت وقعة الجمل، ثم وقعة صِفِّين، فظهرت الخوارج، وكفَّرت سادةَ الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.
وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسِّمة بخراسان في أثناء عصر التابعين، مع ظهور السنة وأهلها، إلى ما بعد المائتين. فظهر المأمون الخليفة- وكان ذكياً متكلِّماً، له نظر في المعقول-، فاستجلب كتب الأوائل، وعَرَّبَ حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخَبَّ(3) وَوَضَعَ(4)، ورفعت الجهمية--------------------------------------------
(1) انظر ما تقدم (ص 38)، وكتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل للسيوطي (ص 134)، وما سيأتي.
(2) الوسائل للسيوطي (ص 131 - 132).
(3) أي أسرع في عَدْوِهِ، (لسان العرب 1/ 341).
(4) الوَضْعُ: ضرب من سير الإبل دون الشَّدَّ، وقيل: هو فوق الخَبَبَ. المرجع السابق (8/ 398).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
والمعتزلة رؤوسها، بل والشيعة، فإنه كان كذلك. وآل به الحالُ إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء، فلم يُمْهَلْ، وهَلَكَ لعامه، وخَلَّى بعده شرّاً وبلاءً في الدين، فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله، لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله. فأنكر ذلك العلماء. ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين، فلما ولي المأمون، كان منهم، وأظهر المقالة)(1).
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: (خالطه- أي المأمون- قوم من المعتزلة، فحسنَّوا له القول بخلق القرآن، وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ، ثم قوي عزمه وامتحن الناس)(2).
وكانت بداية المحنة لمّا قوي عزم المأمون في سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان مقامه آنذاك بطرسوس، فأرسل إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم كتاباً طويلاً لامتحان العلماء يقول فيه: (وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حَشَوَةِ الرَّعيَّة، وسَفَلة العامّة ممن لا نظر له ولا رويَّة، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمىً عنه، وضلالة عن حقيقة دينه … ) إلى أن قال: (فاجمع من بحضرتك من القضاة، فأقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه … ) إلخ الكتاب(3).
ثم كتب المأمون إلى نائبه كتاباً آخر يأمره فيه أن يُشخص إليه--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (11/ 236).
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 237).
(3) انظره في سير أعلام النبلاء (10/ 287 - 288)، وتاريخ الخلفاء (ص 493 - 494).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
سبعة من العلماء، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأبو مسلم المستملي عبد الرحمن بن يونس، وإسماعيل بن داود، وأحمد الدَّوْرَقي، وإسماعيل بن أبي مسعود، فامتُحنوا، فأجابوا.
قال يحيى بن معين: (جَبُنّا خوفاً من السيف).
ثم كتب المأمون بعد ذلك كتاباً آخر يأمر فيه بإحضار من امتنع، وهم عدّة نفر، منهم: الإمام أحمد، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد المعروف بـ: سجَّادة.
فأجابوا كلهم إلا هؤلاء الأربعة، فأمر بهم إسحاق فقُيِّدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود، فأجاب سجّادة، ثم عاودهم ثالثاً، فأجاب القواريري، وصمَّم الإمام أحمد ومحمد بن نوح، فبعث بهما مقيَّدين إلى المأمون، فتوفي محمد بن نوح- رحمه الله في الطريق، ودعا الله الإمامُ أحمد أن لا يريه وجه المأمون، فتلقّاهم خبر موت المأمون في الطريق.
ثم تولى الخلافة بعده المعتصم، فسلك ما كان المأمون ختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموه الصبيان، وقاسى الناس منه مشقّة، وقَتَل عليه خلقاً من العلماء، وضُرب الإمام أحمد، وكان ضربه في سنة عشرين، وقيل: سنة تسع عشرة ومائتين، فصبر رحمه الله حتى أعيا المعتصم أمره، فكفّ عن ضربه، وفرّج الله عنه، واستمرّت هذه المحنة بقية ولاية المعتصم، ثم ابنه الواثق من بعده، حتى جاء المتوكِّل- رحمه الله من بعدهما، فرفع المحنة عن الناس، وأظهر السنَّة(1).--------------------------------------------
(1) انظر فيما سبق ومزيد تفصيل عن هذه المحنة الكتب الآتية: ذكر محنة الإمام أحمد =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
قال الذهبي: (وامتحن- أي المعتصم- الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الإمصار، وأخذ بذلك المؤذِّنين وفقهاء المكاتب، ودام ذلك حتى أزاله المتوكِّل بعد أربعة عشر عاماً)(1).
ومن الواضح أن هذه المحنة إنما طالت من كان قريباً من محلّ إقامة الخليفة، وكان سعيد بن منصور آنذاك بمكة، ولم يُذكر أن أحداً من العلماء المقيمين بمكة امتُحن كما امتُحن هؤلاء المذكورون ومن كان معهم، إلا أن صدى الفتنة عمَّ أرجاء العالم الإسلامي، فساء ذلك علماء أهل السنة، فشرعوا في الردّ على أصحاب هذه المقالة، والتحذير من الخوض في علم الكلام ومجالسة أهل الأهواء، وأقوالهم في هذا كثيرة جداً(2). وكان بعض هذه الردود والتحذيرات في مؤلفات مستقلة ككتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وبعضهم يسميه: (الرد على الجهمية)(3)، ومعظم رواياته فيه عن أبيه، وبعض هذه الردود تأتي على صفة أبواب ضمن مؤلفات كما صنع سعيد بن منصور في سننه، فإنه عقد أبواباً تتعلق بأصول الاعتقاد؛ مثل الشفاعة، والقَدَر، والنهي عن مجالسة أهل الأهواء، والنهي عن الاستماع لأهل البدع، والنهي عن سب أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا في الكلام عن معتقده.--------------------------------------------
= لابن عمه حنبل بن إسحاق، وكتاب المحن لأبي العرب التميمي (ص 438 - 444)، وسير أعلام النبلاء (10/ 287 - 288، 292، 307)، (11/ 232 فما بعد)، والبداية والنهاية لابن كثير (10/ 330 - 340)، وتاريخ الخلفاء (ص 493 - 499).
(1) سير أعلام النبلاء (10/ 291).
(2) انظر على سبيل المثال كتاب الإبانة لابن بطّة (1/ 390 فما بعد).
(3) وقد طبع الكتاب عدة طبعات، منها طبعة جيدة بتحقيق الشيخ الدكتور محمد بن سعيد القحطاني، نشرته دار ابن القيم بالدمام عام 1406 هـ، وقد ذكر في المقدمة (ص 57) أنه هناك من يسميه: (الرد على الجهمية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
جـ- الحالة العلمية:
إن هذه الفترة التي عاشها سعيد بن منصور هي الفترة الذهبية للحالة العلمية في تاريخ الأمة الإسلامية. فقد شهد هذا العصر كثيراً من الشخصيات العلمية البارزة التي كان لها أكبر الأثر على الأمة، ولا تزال آثارها باقية. وعلى رأس هؤلاء: الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. كما أن هناك كثيراً من فحول العلماء الذين لا يقلّون عن هؤلاء أهمّية؛ أمثال: ابن جريج والأوزاعي وشعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وعبد الله بن وهب وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم كثير.
ويعتبر هذا العصر هو عصر التصنيف وتدوين السنة على الأبواب، وبدايته من سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكانت السنّة قبل ذلك يتلقاها العلماء حفظاً، أو في صحف غير مرتّبة.
يقول الذهبي رحمه الله: (في سنة ثلاث وأربعين- يعني ومائة- شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. فصنَّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنَّف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم، والليث، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب، وكثُر تدوين العلم وتبويبه ودوِّنت كتب العربية، واللغة، والتاريخ، وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُونَ العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة)(1).--------------------------------------------
(1) تاريخ الخلفاء (ص 416 - 417).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
وسبق أن بَيَّنْتُ(1) متى بدأ التدوين والتصنيف، وأن أوَّل من صنّف على الأبواب: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت 150 هـ) بمكة، والإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) أو محمد بن إسحاق بن يسار (ت 151 هـ) بالمدينة والربيع بن صَبيح (ت 160 هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (ت 156 هـ أو 157 هـ)، أو حماد بن سلمة (ت 167 هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (ت 161 هـ) بالكوفة، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 157 هـ) بالشام، وهشيم بن بشير الواسطي (ت 183 هـ) بواسط، ومعمر بن راشد (ت 153 هـ) باليمن، وجرير بن عبد الحميد (ت 188 هـ) بالرَّيّ، وعبد الله بن المبارك المَرْوَزي (ت 181 هـ) بمَرْو وخراسان.
أما ابن جريج، فصنّف كتاب السنن، وكتاب الحج أو المناسك، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع(2).
وأما الإمام مالك، فصنّف كتاب الموطّأ(3).
وأما محمد بن إسحاق، فصنّف كتاب المغازي(4).
وأما سعيد بن أبي عروبة، فله مصنّفات كثيرة، منها: تفسير القرآن، والسنن، والمناسك، والنكاح، والطلاق(5).--------------------------------------------
(1) انظر ما تقدم (ص 5 / ق - 7 / ق).
(2) انظر الفهرست للنديم (ص 282) والتهذيب (2/ 205)، (4/ 244)، ودراسات في الحديث النبوي للدكتور محمد مصطفى الأعظمي (ص 286 - 289). وذكر النديم أن كتاب السنن يحتوي على مثل ما تحتوي عليه كتب السنن، مثل: الطهارة والصيام والصلاة والزكاة وغير ذلك.
(3) وهو كتاب مشهور طبع عدة طبعات، منها بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(4) وهو مشهور أيضاً، يوجد منه قطعة نشرها الدكتور سهيل زكار، كما أن ابن هشام هذب سيرة ابن إسحاق وطبع كتابه هذا عدة طبعات.
(5) انظر الفهرست للنديم (ص 283)، وفتح الباري (9/ 464)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 254 - 256).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
وأما سفيان الثوري، فله كتب عدَّة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والفرائض، والتفسير(1).
وأما الأوزاعي، فالّف كتباً عديدة، إلا أنها احترقت ولم يبق منها شيء سوى اقتباسات في بعض الكتب، فمن كتبه: كتاب السنن في الفقه، وكتاب المسائل في الفقه(2).
وأما هشيم بن بشير، فهو ممن كثرت عنايته بالآثار، وجمعه للأخبار، وحفظ، وصنَّف كتباً عديدة، منها: السنن في الفقه، والتفسير، والقراءات، والصلاة(3).
وأما معمر بن راشد، فصنّف كتاب المغازي، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع(4).
وأما عبد الله بن المبارك، فصنّف كتباً عديدة، منها: المسند وكتاب الزهد، وكتاب الجهاد، وكتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب التاريخ، وكتاب البر والصلة(5).--------------------------------------------
(1) الفهرست للنديم (ص 281)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 256 - 261).
(2) أيضاً الفهرست للنديم (ص 284)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 278 - 279).
(3) الفهرست للنديم (ص 284)، وذكر أخبار أصبهان (1/ 118)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 318).
(4) الفهرست أيضاً (ص 106)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 312).
وقد طبع كتاب الجامع لمعمر في آخر مصنف عبد الرزاق بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
(5) الفهرست للنديم (ص 284).
وقد طبع كثير من هذه الكتب لابن المبارك، أما كتاب المسند فهناك قطعة منه قام بتحقيقها صبحي السامرائي، ونشرته دار المعارف بالرياض عام 1407 هـ، ثم قام بتحقيقه أيضاً الدكتور مصطفى عثمان وضمّ إليه كتاب البر والصلة، ونشرته دار الكتب العلمية ببيروت عام 1411 هـ. =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
وكان هؤلاء الأئمة في عصر واحد تقريباً، فلا ندري أيهم كان أسبق، وإن قال بعضهم: إن ابن جريج أول من صنف، إلا أن الأَوْلى أن يُقَيَّد كل منهم بمصره، فيقال: أول من صنف بالكوفة سفيان الثوري، وهكذا(1).
وبعض هؤلاء الذين هم أول من صنف من شيوخ سعيد بن منصور، مثل الإمام مالك وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد.
ولم يكن التصنيف في ذلك العصر مقصوراً على هؤلاء، بل هناك عدد كثير ممن صنَّف غيرهم، نذكر منهم:
1 - إبراهيم بن طَهْمان (ت 163 هـ):
كتب الكثير، ودوّن كتبه التي أثنى عليها ابن المبارك بقوله: (إبراهيم بن طهمان صحيح الكتب)(2).
ومن كتبه: التفسير، والسنن في الفقه، والعيدين، والمناقب(3).
2 - الحسين بن واقد المَرْوَزي (ت 159 هـ):
له كتاب التفسير، وكتاب الوجوه في القرآن(4).--------------------------------------------
= وأما كتاب الزهد فقام بتحقيقه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ونشره محمد عفيف الزعبي.
وأما كتاب الجهاد، فقام بتحقيقه الدكتور نزيه حمّاد، ونشرته دار المطبوعات الحديثة بجدّة.
(1) كما تقدم ذكره عن الحافظين: العراقي وابن حجر (ص 7 / ق) من هذه المقدمة.
(2) الجرح والتعديل (2/ 108).
(3) الفهرست للنديم (ص 284)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 224).
وقد طبع جزء حديثي بعنوان: (مشيخة ابن طهمان) بتحقيق الدكتور محمد طاهر مالك الذي رجح في المقدمة (ص 6) أن هذا الكتاب هو كتاب السنن في الفقه لابن طهمان، وأن كلمة (سنن) تصحّفت إلى (مشيخة).
(4) الفهرست للنديم (ص 284)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 242).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
3 - زائدة بن قدامة الثقفي (ت 160 هـ):
له كتب، منها: السنن، والقراءات، والتفسير، والزهد، والمناقب(1).
4 - سفيان بن عيينة (198 هـ):
له كتاب التفسير(2).
5 - مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ذئب (ت 158 هـ):
له كتاب السنن، ويحتوي على الفقه، مثل: الصلاة، والطهارة، والصيام، والزكاة، والمناسك، وغير ذلك.
وله كتاب الموطأ، وقد يكون هو نفس السنن، وقد بقي هذا الموطأ لعدة قرون(3).
وتقدم(4) أن معظم هذه المصنفات كان يضم أحاديث النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وما ورد عن الصحابة والتابعين، إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصُنِّفَت المسانيد.
وقد كان لتلك الهجمة الشرسة من الزنادقة وأهل الكلام على العقيدة الإسلامية والسنة النبوية أثر إيجابي على الحركة العلمية آنذاك، حيث شعر العلماء بعظم المسئولية الملقاة على عاتقهم، فعنوا بنقد الأحاديث، والكشف عن أحوال الرواة، والرد على أهل الكلام والتحذير منهم.--------------------------------------------
(1) الفهرست أيضاً (ص 282)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 250).
(2) الفهرست (ص 282)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 261 - 262).
(3) الفهرست (ص 281)، ودراسات في الحديث النبوي (ص 306).
(4) في (ص 7 / ق).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
فجواب هارون الرشيد لذلك الزنديق الذي ادّعى أنه وضع ألف حديث يدلّ على أن علماء الحديث قد تصدّوا لنقد الأحاديث التي وضعها الزنادقة وغيرهم، وبيّنوا الزائف من غيره. وشبيه به ما ذكره عبدة بن سليمان قال: قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(1).
وأما الكشف عن أحوال الرواة فَيَتَجَلَّى بالنظر إلى ذلك الكم الهائل المودع في كتب الرجال، من كلامهم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وتمييز الثقات من الضعفاء والمجاهيل، ومن كان ثقة ثم عرض له عارض يوجب ضعفه كالاختلاط، ومن هو ثقة ولا تقبل روايته إلا بشروط كالمدلِّسين، والعناية بتواريخ مواليد الرواة ووفياتهم وبلدانهم … ، إلى غير ذلك مما يتوصل من خلاله إلى نقد الأسانيد.
وكان الكشف عن أحوال الرواة موجوداً منذ عهد النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن العلماء في هذا العصر تصدَّوا له بسبب ما تقدم ذكره من وجود الحاجة؛ للوقوف في وجه تلك التحديات المشار إليها.
يقول صالح جزرة: (أول من تكلم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم بعده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين)(2).
قال ابن الصلاح تعليقاً على هذا الكلام: (قلت: وهؤلاء يعني أنه أول من تصدَّى لذلك وعُني به، وإلا فالكلام فيه جرحاً وتعديلاً متقدم ثابت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجُوِّز ذلك صوناً للشريعة ونفياً للخطأ والكذب عنها)(3).--------------------------------------------
(1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 18)، وفتح المغيث للسخاوي (1/ 241).
(2، 3) مقدمة ابن الصلاح (ص 440).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
وأما الرد على أهل الكلام والتحذير منهم، فتقدم الكلام عنه(1).
2 - اسمه، ونسبه، وكنيته:
هو أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة البَزَّازُ(2)، الخُرَاساني(3)، النَّيْسَابوري(4)، الجُوزَجَاني(5)،. . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
(1) انظر (ص 51 / ق).
(2) البَزَّازُ- بفتح الباء المنقوطة بواحدة، والزاي المشدَّدة، وفي آخرها الزاي-: نسبة إلى من يبيع البَزَّ، وهو الثياب، كما في الأنساب للسمعاني (2/ 199).
ولم أجد من نسب سعيد بن منصور إلى هذه النسبة سوى تلميذه مسلم في الكنى (ص 73)، وعنه نقله ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 355 مخطوط الظاهرية).
(3) هذه النسبة إلى الإقليم الذي هو منه، وهو: خُرَاسَانُ، وهي بلاد واسعة، أوَّلُ حدودها مما يلي العراق: (أزَاذْوار) قَصَبَةُ جُوَيْن وبَيْهق، وآخر حدودها مما يلي الهند: (طَخَارِسْتَانُ) و: (غَزَنَةُ) و: (سِجِسْتَانُ) و: (كِرْمَانُ)، وليس ذلك منها، إنما هو أطراف حدودها، وتشتمل خراسان على أُمَّهات من البلاد، منها: نيسابور، ومَرْو، وبَلْخ، وطالْقان، وجُوزجان. وقد فتحت أكثر هذه البلاد عُنْوَةً وصُلْحاً في سنة إحدى وثلاثين للهجرة في أيام عثمان رضي الله عنه، بإمارة عبد الله بن عامر بن كُرَيْزَ. اهـ من معجم البلدان (2/ 350 - 354).
(4) هذه النسبة إلى مدينة (نَيْسَابُور) التي قد يكون سعيد بن منصور استوطنها مُدَّةً، وهي مدينة عظيمة من مدن خُراسان، ذات فضائل جسيمة، مَعْدِنُ الفُضَلاء، ومنبع العلماء، وكان المسلمون فتحوها في أيام عثمان رضي الله عنه كما في معجم البلدان (5/ 331)، قال ياقوت: (لم أَرَ فيما طَوَّفْتُ من البلاد مدينة كانت مثلها). ولم أجد من نسب سعيداً إلى نيسابور سوى أبي عبد الله الحاكم، فيما نقله عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 355) أنه قال: (سعيد بن منصور، أبو عثمان النَّيْسَابُوري، ويقال: الخُراساني، ويقال: الجُوزجاني، ويقال: البَلْخي، سكن مكة مجاوراً بها، فنسب إليها) اهـ.
(5) هذه النسبة إلى (جُوزَجَان) لأنه وُلد بها كما نصّ عليه أحمد بن محمد بن الحسين- لعلَّهُ الماسِرْجِسي- حيث قال: (سعيد بن منصور، أبو عثمان الخراساني، الجوزجاني، وُلد بها) اهـ. من الموضع السابق من تاريخ دمشق.
و: (جُوْزَجَانُ): اسم كُورة واسعة من كور بَلْخ بخراسان، وهي بين مَرْو الرُّوذ =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
البَلْخِي(1)، المَرْوَزِي(2) - ويقال: الطَّالْقَاني(3) -، المكِّي، المجاور(4).
3 - مولده ونشأته:-
تقدم معنا ما يدل على أن سعيد بن منصور تنقل بين مدن وبلدان خراسان، ما بين بلد ولد بها، وأخرى نشأ بها، وثالثة سكنها، وهكذا إلى أن استقر بمكة حتى الوفاة.
فولادته كانت بجُوزَجَان(5) قريباً من سنة سبع وثلاثين ومائة--------------------------------------------
= وبَلْخ، فتحت عنوة سنة ثلاث وثلاثين للهجرة. اهـ. من معجم البلدان (2/ 182).
(1) هذه النسبة إلى مدينة (بَلْخ) لأنه نشأ بها كما نصّ عليه أحمد بن محمد بن الحسين حيث قال: (سعيد بن منصور، أبو عثمان الخراساني، الجوزجاني، ولد بها، ونشأ ببلخ، سكن مكة سنين مجاوراً) اهـ. من الموضع السابق من تاريخ دمشق.
و: (بَلْخٌ) مدينة مشهورة بخراسان، من أَجَلِّ مدن خراسان وأذكَرها وأكثرها خيراً وأوسعها غَلَّة، فتحها الأحنف بن قيس من قِبَلِ عبد الله بن عامر أيام عثمان رضي الله عنه. اهـ. من معجم البلدان (1/ 479 - 480).
(2) هذه النسبة إلى مدينة (مَرْو الشَّاهِجَان) لأنه من أهلها كما نصّ عليه أبو سعيد بن يونس، ونقله عنه ابن عساكر في الموضع السابق من تاريخه أنه قال: (سعيد بن منصور، الخراساني من أهل مَرْو).
و: (مَرْو الشَّاهِجان) هذه هي مَرْو العظمى، أشهر مدن خراسان، والنسبة إليها: (مَرْوَزِيّ)، وبينها وبين نيسابور سبعون فرسخاً، ومنها إلى بلخ مائة واثنان وعشرون فرسخاً. اهـ. من معجم البلدان (5/ 112 - 116).
(3) هذه النسبة إلى: (الطَّالْقَان)، وهي بلدة بخراسان، بين (مَرْو الرُّوذ) وبَلْخ، مما يلي الجبال، بينها وبين (مَرْو الرُّوذ) ثلاث مراحل. انظر الأنساب للسمعاني (9/ 8)، ومعجم البلدان (4/ 6 - 8).
ونسبة سعيد بن منصور إلى هذه البلدة في قول قيل كما في تهذيب الكمال المطبوع (11/ 77)، وسير أعلام النبلاء (10/ 586)، فإن صَحَّت النسبة، فقد يكون سكنها.
(4) نسبة إلى مكة لأنه سكنها سنين مجاوراً إلى أن توفي بها كما سيأتي، وكما سبق نقله عن أبي عبد الله الحاكم وأحمد بن محمد بن الحسين.
(5) كما سبق نقله عن أحمد بن محمد بن الحسين، وفي تاريخ دمشق (7/ 356) نقلاً عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب الأصمّ أنه قال: (بلغني أنه ولد بجوزجان، ونشأ بِبَلْخ).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
إما قبلها أو بعدها بيسير؛ لأن وفاته كانت في سنة سبع وعشرين ومائتين، وتوفي وقد جاوز الثمانين أو التسعين. ولم أجد من حدد عمره حين توفي سوى الذهبي، واختلف قوله فيه، فمرة قال: ((قلت: كان من أبناء ثمانين سنة أو أزيد))(1) ومرة ذكر أنه توفي في سنة سبع وعشرين ومائتين وهو في عشر التسعين(2).
وانتقل إلى بَلْخ حيث نشأ بها(3).
وليس هناك ما يسعفنا في معرفة سبب انتقال أسرته من جُوزجان إلى بَلْخ، ولا في معرفة حالة أسرته التي نشأ في كَنَفها.
وأما بَلْخ فكانت من أجلِّ مدن خراسان، وأَذْكَرِها، وأكثرها خيراً، وأوسعها غلَّةً، تُحمل غلَّتُها إلى جميع خُراسان وإلى خَوارِزِمْ كما قال ياقوت(4).
وقال السمعاني: (خرج منها عالَم لا يُحصى من العلماء، والأئمة، والمحدِّثين، والصُّلَحَاء قديماً وحديثاً)(5).
ومن أبرزهم ثلاثة ممن عاصرهم سعيد بن منصور:
أحدهم: أبو إسحاق إبراهيم بن أدْهَم بن منصور البَلْخي، الزاهد المشهور(6).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (10/ 587).
(2) تذكرة الحفاظ (2/ 416).
(3) كما سبق نقله عن أحمد بن محمد بن الحسين، وفي تاريخ دمشق (7/ 356) نقلاً عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب الأصمّ أنه قال: (بلغني أنه ولد بجوزجان، ونشأ بِبَلْخ).
(4) معجم البلدان (1/ 479).
(5) الأنساب للسمعاني (2/ 304).
(6) قال عنه ابن معين: (عابد ثقة)، ووثقه ابن نمير والعجلي، وقال النسائي: (ثقة مأمون، أحد الزُّهَّاد)، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: (أصله من بَلْخ، ثم انتقل بعد أن تاب وترك الإمارة إلى الشام طلباً للحلال، فأقام بها مرابطاً غازياً، يصبر على الجهد الجهيد والفقر الشديد والورع الدائم والسخاء الوافر، إلى أن مات في بلاد الروم سنة إحدى وستين ومائة). اهـ من الثقات لابن حبان (6/ 24)، والتهذيب (1/ 102 - 103).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)