تمهيد:
من الطبيعي أن تقوم في المجتمع الإسلامي المحاولات الجادة الصادقة المخلصة لإصلاح كل نزاع أو اختلاف يحدث في المجتمع الإسلامي، لأن من أصول الإسلام العظيمة: الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرق. وهو ما جاء به الكتاب، والسنة، وقام عليه إجماع الأمة. وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في هذا الباب.
لكن مسألة التقريب أو الوحدة لا يمكن أن تتم على حساب العقيدة والدين.
قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (1) .
وقد سار الصحابة والتابعون لهم بإحسان يرفضون كل تقريب أو وحدة تهدف إلى المساواة بين الحق والباطل.
وكانت هناك "محاولات" لإدخال الأفكار الأجنبية، والعقائد الغريبة باسم الوحدة والتقريب في "العقيدة الإسلامية"، ويرى بعض المفكرين (2) أن الدعوة إلى وحدة العقائد ترتد في أصولها الأولى إلى فرق غلاة الشيعة ممن حاولوا المزج والتوفيق بين العقائد الإسلامية وأنظار وأفكار استمدوها من الأديان والفلسفات الأخرى--------------------------------------------
(1) سورة الكافرون.
(2) وهو الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح، أستاذ الفلسفة الإسلامية المساعد بجامعتي بغداد والكويت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
كاليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والفلسفات اليونانية. فالتقوا في محاولتهم هذه مع ما عرف في الدوائر الغنوصية (1) من ميل إلى الجمع والتلفيق.
ثم تطورت النزعة على أيدي فرقة الباطنية من الإسماعيلية، وجماعات إخوان الصفا، والقرامطة.. (2) .
وقد واجه أئمة المسلمين هذه المحاولات، وكشفوا باطلها.. ولا شك أن كل دعوة إلى وحدة أو تقريب إن لم تقم على هدى من كتاب الله وسنة نبيه فإنها وحدة زائفة وتقريب خادع، وكل اجتماع وائتلاف إن لم يكن اجتماعاً على هدى الله واعتصاماً بحبل الله فإن مآله الفشل. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا … ) (3) ، وقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (4) .
هذا ومحاولة التقريب بين أهل السنّة والشيعة مسألة قديمة، ولم أر من عني بتسجيل وقائعها ولا دراستها، فهي متفرقة في مواضعها من كتب التاريخ، وفي كتب روادها وأصحابها، وقد أشار المستشرق "جولد تسيهر" إلى بعض المحاولات المعاصرة وأشار إلى أن التاريخ لا يعدم مثل هذه المحاولات ولم يفصل (5) .--------------------------------------------
(1) أصل معنى الغنوص: المعرفة، والمقصود بها التوصل بنوع الكشف إلى المعارف العلياء، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقاً مباشراً. انظر: «نشأة الفكرة الفلسفي» للنشار: (1/186) . ويدخل في الغنوصية كل الفرق الوثنية والمجوسية مثل: الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية وغيرها. كما تدخل فيها المذاهب الهندية: كالبراهمة والتناسخية وغيرها. راجع المصدر السابق.
(2) «نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها» : ص 80.
(3) آل عمران: آية 103.
(4) النساء: آية 59.
(5) جولد تسيهر: «العقيدة والشريعة» : ص 293.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
ونحن في هذا المبحث ليس من منهجنا الدراسة التاريخية البحتة لهذه القضية، ولكننا نعتبر هذه "الوقائع" تجارب حيّة، سنعرض لأمثلة مختارة منها بالعرض والتقويم، وهذا فيما أظن سيكون مفيداً لرواد الإصلاح، وسيكون نافعاً في سلوك منهج أوفق وأكمل في المستقبل، فمن مجموع هذه الأمثلة قد يوجد أسلوب متكامل للتقارب وسيكون هناك رؤية واضحة، وتصور سليم لعناصر الخطأ والصواب في هذه "الوقائع" إذا نظرنا إليها من خلال دراسة أصول الفريقين التي عرضنا لها.
وتبقى هذه "الوقائع" محاولات لم تصل حتى الآن إلى مستوى حل القضية، فهل من طريق لحلها؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
وسنتعرض لبعض المحاولات وفق المنهج التالي:
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
(1) المحاولات في القديم.
(2) المحاولات المعاصرة:
(أ) محاولات جماعية:
1- جماعة الأخوة الإسلامية.
2- دار الإنصاف.
3- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.
(ب) محاولات فردية: ومن أمثلتها ما يلي:
1 - من السنة:
(أ) محمد عبده.
(ب) رشيد رضا.
(ج) مصطفى السباعي.
(د) موسى جار الله.
2 - من الشيعة:
(أ) محمد الخالصي.
(ب) عبد الحسين شرف الدين الموسوي.
(ج) أحمد الكسروي.
(ج) الخميني ودولته.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
المحاولات في القديم
يرى الشيخ محمد أبو زهرة (أن الطوسي (1) كان بشخصه أول من حاول التقريب الفكري والنفسي بين طائفة الاثني عشرية وجمهور المسلمين) (2) ، بينما يرى د. محمود بسيوني فوده أن دعوة التقريب لها جذورها القديمة التي تمتد في نظره إلى القرن السادس الهجري وبالتحديد إلى شخصية الطبرسي (3) ، ويرى أن هذا الرجل أول من وضع اللبنات الأولى للتقريب بين أهل السنّة والشيعة في صورة علمية متسامحة ونفسية هادئة تركز على إزالة الهوة بين المسلمين (4) . ويعني فودة بدعوة التقريب التي ينسبها للطبرسي هو ما سلكه في تفسيره «مجمع البيان» من تفسير لآيات القرآن معتمداً فيه على مصادر الفريقين ومتجنباً بعض "مظاهر الغلو" المعهودة عند الروافض في الاعتقاد والتفسير. وقد سبقه إلى هذا المنهج الطوسي في تفسيره «التبيان» ، وقد اعترف الطبرسي أنه يسير على نفس أسلوب الطوسي في التفسير. فمنهجهما في هذا واحد، ومعنى ذلك أن الطوسي أسبق في هذا المجال، وأن هذا يتفق مع رأي أبي زهرة.--------------------------------------------
(1) وهو شيخ الشيعة الملقب عندهم بشيخ الطائفة، وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة في الحديث، وكتابين من أصولهم الأربعة في الرجال (ومضى التعريف به ص 122) .
(2) محمد أبو زهرة: «الإمام الصادق» : ص 464.
(3) هو شيخ الشيعة الملقب عندهم بـ "أمين الإسلام"، وصاحب تفسير «مجمع البيان» . أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (مضى التعريف به ص 90.
(4) محمود بسيوني محمد فودة: «الطبرسي مفسراً» ص 10 (رسالة دكتوراه لم تنشر) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
وقد اعترف أحد كبار شيوخ الشيعة في القديم "ابن طاوس" وأحد كبار الشيعة في العصور الأخيرة "النوري الطبرسي" (ت 1320هـ) أن تفسير التبيان للطوسي موضوع على أسلوب التقية وعلى غاية المداراة للمخالفين - كما سبق - (1) ، ومن الدليل أنه وضع على التقية أن الطوسي هذا يرفض الاحتجاج بروايات أهل السنّة، بل يرفض روايات زيد بن علي بن الحسين (وهو من كبار أئمة أهل البيت وأجمع أهل السنّة على أنه من ثقات المسلمين، ولكن الطوسي يرفض روايته (2) لأنه ليس بجعفري، فكيف مع هذا يحتج الطوسي بروايات أهل السنّة في تفسيره «التبيان» إلا على أساس التقية ومحاولة نشر التشيع بين أهل السنّة بالاحتجاج على أصوله من روايتهم؟.
فكانت حقيقة محاولة "الطوسي" في التقريب هو نشر عقيدة "الرافضة" بين جمهور المسلمين. وفي «البحار» للمجلسي - وهو أحد مصادرهم الثمانية في الحديث - باب مستقل في النهي عن الأخذ بروايات السنّة إلا في حالة الاحتجاج عليهم (3) . وقد سار الطبرسي على منوال الطوسي ومسلكه - كما أسلفنا (4) -.
وإذا كان الشيخ أبو زهرة يرى أن الطوسي الرافضي كان أول من دعا للتقريب فهذا صحيح باعتبار أنه قدم منهجاً في هذا السبيل، وإلا فإن التاريخ يشير إلى حصول محاولات للتقارب بين السنّة والشيعة في القرن الخامس الهجري حدثت أثناء الصراع العنيف الذي نشب--------------------------------------------
(1) ص 244 من هذا البحث.
(2) انظر: ص 338 من هذا البحث.
(3) انظر هذا البحث: ص 56.
(4) انظر هذا البحث: ص 245.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
بين الطائفتين في بغداد، والذي بدأ في سنة 338هـ في ربيع الأول منها وذلك بحدوث فتنة بين أهل السنّة والشيعة (1) لأول مرة في تاريخ بغداد (2) ، ثم توالت الفتن بينهما (3) بعد ذلك.
ومحاولات التقريب التي وقعت للقضاء على ذلك الصراع الدموي العنيف لا نعلم عن تفاصيلها شيئاً، فهي مجرد "إشارات" نقلها بعض المؤرخين. فمثلاً قال ابن كثير:
في سنة 437 (اتفق أهل السنّة والشيعة على مواجهة اليهود في بغداد وقاموا بنهب دورهم وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم) (4) ولم يفصل أكثر من ذلك، والأقرب أن هذا الاتفاق جرى من عوام الفريقين، ذلك أن صنيعهم مع أهل الكتاب لا يتفق ومبادئ الإسلام في حقوق أهل الذمة. ولكن هذا "الاتفاق" ما لبث أن انتهى سريعاً، ففي سنة 439 (وقعت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد قتل فيها خلق كثير) (5) .
لكن بعد ذلك حدث وفاق وتصالح مرة أخرى، فيذكر ابن كثير أنه في سنة 442هـ (اصطلح الروافض والسنة ببغداد وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا - أي الروافض - في الكرخ على الصحابة كلهم وترحموا عليهم، وصلوا في مساجد السنّة،--------------------------------------------
(1) ابن كثير: «البداية والنهاية» : (11/221) .
(2) عبد الرزاق الحصان: «المهدي والمهدوية» : ص 74.
(3) انظر مثلاً: حوادث سنة 406، 408، 421، 422، 425، 439، 443، 444، 445، 447، 478، 481، 482، 486، 510. في «البداية والنهاية» وغيرها.
(4) ابن كثير: «البداية والنهاية» : (12/54) .
(5) المصدر السابق: (12/56) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
وتواد الفريقان وتحابوا (1) . قال ابن كثير: وهذا عجيب جداً إلا أن يكون من باب التقية) (2) .
وأقول: إن الدليل على أنه تقية أنه بعد ذلك بسنة واحدة ـ أي في سنة 443 ـ قام الروافض ونصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذهب: (محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) (3) . وهذا تكفير لمن قدم الخلفاء الثلاثة على علي وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنزيل لعلي رضي الله عنه منزلة أفضل الرسل والأنبياء. فبسبب صنيع الرافضة هذا اشتعلت الفتنة بين الفريقين ووقعت الحرب بينهما (4) .
ثم عاد التصالح بين الفريقين مرة ثالثة، وأشار إلى ذلك بعض المؤرخين بقوله: وفي سنة 488هـ (اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنّة مع بقية المحال، تزاوروا وتواصلوا وتواكلوا وكان هذا من العجائب) (5) .
هذا ما ذكرته كتب التاريخ التي اطلعنا عليها من حوادث الوفاق والتآلف، وكانت هذه "المحاولات" في خضم الأحداث الكبيرة العنيفة من الصراع بين الطائفتين أشبه ما تكون بومضة برق في ليل--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (12/56) ، وراجع: ابن الجوزي: «المنتظم» : (8/145) ، الذهبي: «العبر» : (3/199) .
(2) ابن كثير: «البداية والنهاية» : (12/61) ، وقال الذهبي معلقاً على هذا الاتفاق: (وهذا شيء لم يعهد من دهر) . الذهبي: «العبر» : (3/199) .
(3) ، (4) انظر ابن الجوزي: «المنتظم» : (8/149) ، ابن كثير: «البداية والنهاية» : (12/62) .
(5) ابن الجوزي: «المنتظم» : (9/87) ، ابن كثير: «البداية والنهاية» : (12/149) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
بهيم، ما تلبث أن تنتهي. ونقول - من غير تحيز أو تعصب - بأن أسباب الصراع والفتن - في الغالب - مصدره وسببه الروافض نتيجة لسبهم وتكفيرهم للصحابة في مآتمهم السنوية "عاشوراء"، وهذا واضح لمن يستقرئ التاريخ.. فكان استفزازهم لأهل السنّة و"شنائعهم" تقضي على كل محاولة "وفاق".
وإذا كان ما مضى ذكره من محاولات كانت - كما يظهر - تتم عن طريق "القاعدة الشعبية"، فإن هناك بعض المحاولات عن طريق "القمة" أو "القيادة السياسية"، ومن ذلك ما قام به "المأمون" من توليته العهد "لعلي الرضا" (1) ، والذي يزعم التشيع له وأتباعه طوائف من الروافض وغيرهم (2) . وذلك أن المأمون رأى أن علياً الرضا خير أهل البيت - يعني في زمنه - وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه (3) ، فقلده ولاية العهد، وقد يكون في صنيع المأمون لو تحققت نتيجته امتصاصاً للنقمة، وتحقيقاً للمودة من قطاع كبير يزعم أحقية "الرضا" للخلافة وتفويتاً للفرصة أمام الأعداء الذين يستغلون دعوى التشيع لأهل البيت من أجل تحقيق أغراض لهم ضد--------------------------------------------
(1) علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضا، وقد روى الحديث عن أبيه وغيره وعنه جماعة منهم أبو الصلت الهروي وأبو عثمان المازني. قال ابن المسعاني: والخلل في رواياته من رواته، فإنه ما روى عنه إلا متروك. توفي بطوس سنة 203هـ. انظر: السمعاني: «الأنساب» : (6/140) ، ابن تيمية: «منهاج السنّة» : (2/155) وما بعدها ط 1، ابن كثير: «البداية والنهاية» : (10/250) ، الذهبي: «الكاشف» : (2/296) .
(2) وكان توليته العهد يوم الإثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة 201هـ. انظر: «تاريخ خليفة بن خياط» : ص 470، «تاريخ اليعقوبي» : (2/448) ، «تاريخ الطبري» : (10/243) ، ابن كثير: «البداية» : (10/247) .
(3) ابن كثير: «البداية والنهاية» : (10/247) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
الإسلام والمسلمين، ولكن وفاة الرضا (ت 203هـ) حالت دون ذلك. وقيل إنه مات مسموماً (1) .
لكن أكبر محاولة وأهمها للتقريب على أساس اتباع الحق هو ما حدث بين الطائفتين في القرن الثاني عشر في اجتماع بين ممثلي الطائفتين برئاسة علامة العراق "عبد الله السويدي" وإشراف وتدبير "نادر شاه" (2) ، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي:
مؤتمر النجف:
وصفه محب الدين الخطيب بأنه (أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنّة المحمدية) (3) ، وقال أنه: (كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي) .
وأحداث هذا المؤتمر تضمنتها مذكرات علامة العراق عبد الله السويدي والتي سماها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» والتي لا تزال مخطوطة (4) ، كما تضمنها كتاب ابنه "عبد الرحمن بن عبد الله--------------------------------------------
(1) السمعاني: «الأنساب» : (6/139) ، وزعم الروافض أن المأمون دس له السم. انظر: عباس الموسوي: «الموجز من حياة أئمة أهل البيت» : ص 91.
(2) نادر شاه: نادر قولي تسمى بنادر طهماسب قولي خان تيمنا، وهو مؤسس أسرة أفغار. عرف بالشجاعة الفائقة، وترقى في رتب الجيش وعلا مقامه بانتصاراته على الأفغانيين والترك. في عهد الأسرة الصفوية جعل نفسه شاه فارس عند وفاة عباس آخر عاهل في هذه الأسرة، وتوفي سنة 1747، وكانت ولادته سنة 1688م. «الموسوعة العربية الميسرة» : ص 1814، بروكلمان: «تاريخ الشعوب الإسلامية» : ص 525.
(3) مجلة «الفتح» : المجلد 17، ص 665.
(4) يوجد منه نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم (269) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
السويدي" والمسمى: «حديقة الزوراء في سيرة الوزراء» أو «تاريخ بغداد» في القسم الذي لم يطبع من الكتاب (1) ، وقد أفردت أحداث هذا المؤتمر (من مذكرات السويدي) بكتاب سُمّي: «الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية» ، وطبعته مطبعة السعادة بالقاهرة عام 1323هـ، ثم نشره محب الدين الخطيب باسم «مؤتمر النجف» 1367هـ، وكان قد نشره قبل ذلك على صفحات مجلة «الفتح» بعنوان أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية (2) .
وفيما يلي: تعريف بالشيخ السويدي عماد هذا المؤتمر، وتلخيص وعرض لأهم أحداثه ومقرراته (3) .--------------------------------------------
(1) يوجد منه نسخة مصورة في معمل التاريخ بكلية اللغة العربية بالرياض، لا تحمل رقماً ولا إشارة لجهة تصويرها.
(2) ثم طبع بعد ذلك بمطبعة البصرى ببغداد، ثم طبعته المطبعة السلفية بالقاهرة مع الخطوط العريضة.
(3) وكنت قد رأيت إخراجه محققاً ضمن صفحات هذا البحث، إلا أن المشرف اقترح علي العدول عن هذه الفكرة والاكتفاء بتلخيص أحداثه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
ترجمة السويدي:
هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري (1) السويدي (2) ، ولد في بغداد عام أربع ومائة وألف (3) وقد تلقى العلم على طائفة من علماء العراق والحجاز والشام.
وقد امتدحه السيد محمود شكري الألوسي بأنه: (شيخ البسيطة على الإطلاق، وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق) (4) ، وقال عنه أيضاً: (كان رحمه الله تعالى شيخ المعارف وإمامها والآخذ بيد زمامها..) (5) . وله رحمه الله من المؤلفات: «شرح جليل على صحيح الإمام البخاري» ، وكتاب «المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب» ، و «النفحة المسكية» ، و «الأمثال السائرة» وغيرها.
وقد كان له رحمه الله مع بعض علماء الشيعة - في غير هذا المؤتمر - مباحثات ومناظرات فكان ينقطع معه الخصم، ولا يواجه حججه وبراهينه. قد ذكر بعض هذه المناظرات والمباحثات ابنه عبد الرحمن السويدي (6) في «تاريخ بغداد» ، ولولا خشية الخروج--------------------------------------------
(1) الدوري نسبة إلى "الدور" قرية شرقي دجلة على شاطئها فوق سر من رأى. «النفحة المسكية» مخطوط: ص 3.
(2) سمي بالسويدي نسبة إلى عمه (أخو أبيه من الأم) أحمد بن سويد الذي كفله بعد وفاة أبيه. (توفي أبوه وكان عمره خمس سنوات) . انظر «النفحة المسكية» : ص 3، 4.
(3) السويدي: «النفحة المسكية» : ص 3.
(4) «المسك الأذفر» : ص 61.
(5) محمود شكري الألوسي: «المسك الأذفر» : ص 61 وما بعدها.
(6) انظر ترجمته في: «سلك الدرر» : (2/330) ، «المسك الأذفر» : ص 65، وانظر «معجم المؤلفين» : (5/149) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
عن المقصود لنقلنا شيئاً من ذلك (1) .
وقال العلامة محمود شكري الألوسي أيضاً - عما قام به السويدي في المؤتمر -: (وله مناقب لا تعد ولا تحصى ولا يدرك أدناها ولا يستقصى، منها تشييده للشريعة الأحمدية وتأييده للسنة النبوية، وذلك حين مجيء نادر شاه إلى سواد العراق مع جم غفير من الأعاجم ذوي النفاق والشقاق، فلم تزل الرسل تختلف بينه وبين الوزير أحمد باشا والي بغداد والمراسلات تتوارد بين الطرفين أي إيراد، إلى أن آل الأمر أن طلب الشاه الإقرار بصحة مذهب الاثني عشرية ورفض مذهب أهل السنة بالكلية، فأرسل الوزير المشار إليه الشيخ المترجم - يعني به عبد الله السويدي - إلى مباحثتهم فأخمد الله تعالى على يده نيران ضلالتهم وألبسهم ثوب الخزي بين عامتهم، فلما علموا أنه بحر علم لا يمكن الوصول إلى أصله صاروا له أطوع من شراك نعله فسعى بالصلح بين الدولتين فحاز الفخار والنجح … ورفع يومئذ سب الصحابة الكرام وحصل له من الشاه المشار إليه غاية التعظيم والاحترام، فصار الشاه سنياً بعد أن كان شيعياً، فأحيا السنة السنية بعد ما كاد يعتريها أفول وحقن دماء الشبان والشيوخ والكهول.
ورفع عن أهل السنة أعظم المصائب.. ولعمري إنها لنعمة يجب شكرها على عموم أهل السنّة.--------------------------------------------
(1) انظر: «تاريخ بغداد» أو «حديقة الزوراء» : عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين: (ص 75 - 79) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
وقد توفي رحمه الله يوم السبت حادي عشر شوال سنة أربع وسبعين ومائة وألف (1) .
مؤتمر النجف:
في يوم الخميس 25 شوال سنة 1156 عقد في النجف، وفي الموضع الذي تحت المسقف الذي وراء الضريح المنسوب إلى الإمام علي رضي الله عنه عقد هذا المؤتمر برئاسة علامة العراق عبد الله السويدي وبحضور مجتهدي الشيعة في إيران والنجف وعلماء من أهل السنّة والجماعة في أردلان (2) والأفغان وما وراء النهر (3) ، فمن إيران حضر نحو سبعين عالماً (ما فيهم سني إلا مفتي أردلان (4) ، وعلى رأس شيوخ الروافض عظيمهم الديني الملاباشي علي أكبر وحضر علماء الأفغان وهم سبعة، وعلماء ما وراء النهر وهم سبعة أيضاً.
وكان "نادر شاه" وهو أعظم ملوك إيران في العصور الأخيرة (5) يرعى هذا المؤتمر ويراقب أعماله.
وقد اجتمع للاستماع "لوقائع المؤتمر" أعداد كبيرة من--------------------------------------------
(1) انظر: المرادي: «سلك الدرر» : (3/84 - 86) ، وانظر: «المسك الأذفر» محمود شكري الألوسي: ص 62، 63.
(2) ولاية من ولايات إيران الغربية.
(3) ما وراء النهر: يراد به ما وراء نهر جيحون بخراسان، فما كان في شرقيه يقال له، بلاد الهياطلة وفي الإسلام سموه ما وراء النهر، وما كان في غربيه فهو خراسان وولاية خوارزم. «معجم البلدان» : (5/45) .
(4) وهو كما ذكره السويدي: السيد أحمد المفتي الشافعي بأردلان.
(5) بايعه الإيرانيون بالملك سنة 1147هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)
العجم والعرب والتركستان (1) . قال السويدي: (أنه يبلغ عددهم نحو الستين ألفاً) (2) .
وكان انعقاد هذا المؤتمر بعد أحداث دامية جرت على يد "نادر شاه" حيث قام بالاستيلاء على الهند وتركستان وبخارى (3) وبلخ (4) وأصفهان (5) فأطاعته الأفغان والتركستان، كما أن جميع أهل إيران أطاعوه وكان له مع الدولة العثمانية حروب ومواقف وحاصر بغداد والبصرة وكركوك (6) وغيرها (7) فصارت مملكته كما تضم الشيعة تضم سنّة، فكان الصراع الذي يحدث بين السنّة والشيعة في مملكته هو الذي حدا بنادر شاه لعقد هذا المؤتمر للتفاهم بين الطائفتين، وهذا ما صرح به نادر شاه للسويدي في قوله له: أتدري لم أردتك؟ قال السويدي: لا. فقال نادر:
إن في مملكتي فرقتين تركستان وأفغان يقولون للإيرانيين: (أنتم كفار) ، فالكفر قبيح ولا يليق أن يكون في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضاً، فالآن أنت وكيل من قبلي ترفع جميع المكفرات وتشهد على الفرقة الثالثة بما يلتزمونه، وكل ما رأيت أو سمعت تخبرني وتنقله لأحمد--------------------------------------------
(1) تركستان: هو اسم جامع لجميع بلاد الترك. «معجم البلدان» : (2/23) .
(2) انظر: «مؤتمر النجف» مع «الخطوط العريضة» : (ص 89 - 90) .
(3) بخارى: بالضم من أعظم مدن ما وراء النهر. «معجم البلدان» : (1/353) .
(4) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان. «معجم البلدان» : (1/19) .
(5) أصفهان: بالفاء لغة أهل المشرق، وأصبهان - بالباء لغة أهل المغرب. انظر: «شرح النخبة» للملا علي القاري: ص 10، وهي بكسر أوله مدينة معروفة من بلاد فارس. «معجم ما استعجم» : (1/63) .
(6) كركوك: إحدى مدن العراق.
(7) «مؤتمر النجف» : (ص 66- 67) بتصرف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 158)
خان (1) … ويذكر السويدي أنه قيل له قبل شخوصه إلى «نادر شاه» أنه يعني «نادر شاه» - يريد عالماً مع علماء يبحث مع العجم في شأن مذهب الشيعة ويقيم الدلائل على بطلانه، والعجم يقيمون الدلائل على صحته فإن غلب عالمنا يجب أن يقر ويصدق المذهب الخامس (2) .
ويذكر السويدي أنه حينما كلف بهذه المهمة كان وقع التكليف عليه شديداً، حتى إنه يقول أنه (وقف شعري وارتعدت فرائصي) (3) ، وسبب ذلك أنه يرى أن الروافض أهل عناد ومكابرة ولا سيما أنهم في عز من أمرهم، وأن السبيل للتفاهم معهم عسير لعدم الالتقاء معهم في مصادر التلقي، (كيف تحصل المباحثة معهم وهم ينكرون كل حديث عندنا فلا يقولون بصحة الكتب الستة ولا غيرها، وكل آية احتج بها يؤولونها ويقولون: الدليل إذا تطرقه الاحتمال يبطل به الاستدلال، كما أنهم يقولون: شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان (4)) لهذا فإنه طلب الإعفاء من هذه المهمة وتكليف عالم آخر بهذا الأمر، فلم يوافق على طلبه (5) فعزم وتوكل على الله..
ويذكر أنه في مسيره كان يفكر كثيراً ويصور المسائل والدلائل من الطرفين ويتخيل أجوبتها حتى قال: (إني صورت أكثر من مائة دليل وعلى كل
دليل جعلت جواباً أو جوابين أو ثلاثة على حسب--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: (ص 76- 77) .
(2) المصدر السابق: ص 69.
(3) ، (4) «مؤتمر النجف» : السويدي: ص 69.
(4)
(5) «مؤتمر النجف» : ص 70.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 159)
الشبه ومظنتها..) (1) ، وكان يرتب الخطط ويضع "التدابير". وقبل انعقاد هذا الاجتماع وبعده كان للسويدي جلسة مباحثة مع كبير مجتهدي الشيعة "الملاباشي" استطاع السويدي أن يقيم عليه الحجة، وذلك بإثارته لثلاث مسائل لا تملك الشيعة عليها جواباً مقنعاً: وسنوردها "بنص السويدي":
الأولى والثانية: (وهذه جلسة ما قبل المؤتمر) قول السويدي لكبير شيوخ الشيعة: (أريد أن أسألك عن مسألتين لا تستطيع أهل الشيعة الجواب عنهما.
فقال: وما هما؟
قلت: الأولى: كيف حكم الصحابة عند الشيعة؟
فقال: ارتدوا إلا خمسة: علياً، والمقداد، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، حيث لم يبايعوا علياً على الخلافة.
قلت: إن كان الأمر كذلك فكيف زوّج علي بنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب؟
فقال: إنه مكره (2) .
قلت: والله إنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب، فضلاً عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها--------------------------------------------
(1) المصدر السابق: ص 71.
(2) وهذا ما جاء في كتبهم الحديثية المعتبرة وعقدوا له باباً بعنوان (باب مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ، ومما جاء فيه … عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) . انظر: «الوسائل» : (7/433) ، و «فروع الكافي» : (2/10) ، وكيف يتفق هذا «التفسير» مع أحاديثهم الكثيرة في وصف شجاعة علي رضي الله عنه وبطولته وأن الإسلام لم يقم إلا بسيفه … ؟!!!.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 160)
أرومة.. وأعلاها نسباً وأعظمها مروءة وحمية..، وإن أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، ولا تعز نفسه على حرمه وأهله. فكيف تثبتون لعلي - وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب - مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب؟ بل كم رأينا من قاتل دون عياله فقتل (1) .
قال: يحتمل أن تكون زفت لعمر جنية تصورت بصورة أم كلثوم (2) ؟
قلت: هذا أشنع من الأول فكيف يعقل مثل هذا؟! ولو فتحنا هذا الباب لانسدت جميع أبواب الشريعة، حتى لو أن الرجل جاء إلى زوجته لاحتمل أن تقول: أنت جني تصورت بصورة زوجي فتمنعه من الإتيان إليها، فإن أتى بشاهدين عدلين على أنه فلان، لاحتمل أن يقال فيهما أنهما جنيان تصورا بصورة هذين العدلين وهلمّ جرا..
ويحتمل أن يقتل الإنسان أحداً أو يدعي عليه بحق، فله أن يقول: ليس المطالب أنا في هذه الحادثة، بل يحتمل أن يكون جنياً تصور بصورتي، ويحتمل أن يكون جعفر الصادق الذي تزعمون أن عبادتكم موافقة لمذهبه جنياً تصور بصورته، وألقي إليكم هذه الأحكام الثابتة.--------------------------------------------
(1) والأئمة في اعتقاد الشيعة لا يموتون إلا باختيار منهم فهم آمنون. وقد عقد الكليني في «أصول الكافي» باباً في هذا هو (باب أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وأورد فيه ثمانية أحاديث من أحاديثهم. «الكافي» : (1/258) .
(2) في كتاب «الهفت الشريف» ـ وهو من كتب الباطنية مثل هذا التفسير الخرافي ـ في الباب الثالث والعشرين (في معرفة تزويج أم كلثوم في الباطن) : ص 84 وما بعدها. وكذلك يوجد هذا التفسير الخرافي عند الإمامية الاثني عشرية. انظر: «الأنوار النعمانية» : (1/83- 84) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 161)
المسألة الثانية: ثم قلت له: ما حكم أفعال الخليفة الجائر؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟
فقال: لا تصح ولا تنفذ.
فقلت: أُنشدك الله من أي عشيرة أم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟
فقال: من بني حنيفة.
فقلت: من سبي بني حنيفة؟
قال: لا أدري (وهو كاذب) .
قال بعض الحاضرين من علمائهم: سباهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -.
فقلت: كيف ساغ لعلي أن يأخذ جارية من السبي، ويتولدها، والإمام - على زعمكم - لا تنفذ أحكامه لجوره، والاحتياط في الفروج أمر مقرر!
فقال: لعله استوهبها من أهلها، يعني زوجوه بها.
قلت: يحتاج هذا إلى دليل. فانقطع … والحمد لله (1) .
المسألة الثالثة: (وجرى البحث فيها بعد نهاية المؤتمر) .
يقول السويدي: واجتمعت مع الملاباشي عصر يوم الجمعة (2) وتذاكرنا في خصوص مذهب الجعفرية (مذهب جعفر الصادق) .
فقلت: إن المذهب الذي تتعبدون عليه باطل، لا يرجع إلى اجتهاد مجتهد.--------------------------------------------
(1) السويدي: (ص 86- 88) .
(2) الموافق 26 شوال من سنة 1156هـ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 162)
فقال: هذا هو اجتهاد (1) جعفر الصادق.
فقلت: ليس لجعفر الصادق فيه شيء، وأنتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق.
فإن قلتم: إن في مذهب جعفر الصادق تقية، فلا أنتم ولا غيركم يعرف مذهبه لاحتمال كل مسألة أن تكون تقية، فإنه بلغني عنكم أنه له في البئر إذا وقعت فيها نجاسة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه سئل عنها فقال: هي بحر لا ينجسه شيء. ثانيها: أنها تنزح كلها. ثالثها: ينزح منها سبعة دلاء أو ستة.
فقلت لبعض علمائكم: كيف تصنعون بهذه الأقوال الثلاثة؟ فقال: مذهبنا أن الإنسان إذا صارت له أهلية الاجتهاد يجتهد في أقوال جعفر الصادق فيصحح واحداً منها.
فقلت: وما يقول في الباقي؟
قال: يقول إنها تقية.
فقلت: إذا اجتهد واحد فصحح غير هذا القول فما يقول في القول الذي صححه المجتهد الأول؟
فقال: يقول إنها تقية.
فقلت: إذن ضاع مذهب جعفر الصادق؛ إذ كل مسألة تنسب له يحتمل أن تكون تقية، إذ لا علامة تميز بين ما هو للتقية وبين غيره. فانقطع ذلك العالم.. فما جوابك أنت؟ فانقطع هو أيضاً (2) .--------------------------------------------
(1) هذا التعبير لا يتفق وطبيعة اعتقاد الشيعة في كلام جعفر، ذلك أن جعفر وسائر الأئمة عندهم هم مشروعون لا مجتهدون، وقولهم كقول الرسول صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم.
(2) ولهذا قرر شيخهم صاحب الحدائق بأنهم - بسبب التقية - لا يعلمون من أحكام دينهم إلا القليل، حيث قال: «فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، حتى أنه تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار» [الحدائق/ يوسف البواني: 1/5] .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 163)