فَمِنَ الأول فيما قيل، قَولُهُ تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3]، أي بالهوى، ومن الثاني: قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]، وتسمى هذه باءَ المجاوزة.
ثانيها: أن تكون زائدة، أي أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في بَرْدِ النهار، ذكره القاضي عياض، وغيره، وفيه نظر؛ لأن مَنْ جَعَلَ "عَن" زائدة قَيَّدَ ذلك بأن تزاد للتعويض من أخْرَى محذوفة، ومثلوه بقوله الشاعر:
أتَجْزَعُ إِنْ نَفْسٌ أتاَهَا حِمَامُهَا … فَهَلاَّ الَّتيِ عَنْ بَيْنِ جَنْبَيْكَ تَدْفَعُ
قال أبو الفتح: أراد تدفع عن التي بين جنبيك، فحذفت "عن" من أول الموصول، وزيدت لعده.
ثالثها: تضمين "أبردوا" معنى أخروا، وحذف مفعوله، تقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: معنى قوله "أبردوا" أخروا إلى زمان البرد، ولا ينتظم ذلك مع قوله: "عن"؛ فإن صورته أخروا عن الصلاة إلا بإضمارٍ، وتقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة، وهو قريب من قول الخطابي: معنى قوله: "أبردوا عن الصلاة": تأخروا عنها مُبردِين.
قلت: أي داخلين في وقت البرد. انتهى. وهو مثل كلام ابن
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 518)
العربي إلا أنه ضمن "أبردوا" معنى فعلٍ قاصرٍ، لا يحتاج إلى تقدير مفعول، وهو "تأخروا". اهـ. "طرح" جـ 2 ص 156 - 157.
ثم إن المراد بالصلاة هنا: الظهر، لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فَيْحِ جَهَنَّم". رواه البخاري. وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومها بناء على أن المفرد المُعَرَّفَ يعم، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء؛ حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل أحد به في المغرب، ولا في الصبح لضيق وقتهما. أفاده في "الفتح" جـ 2 ص 22.
وسيأتى مزيد بسط للمسألة في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(فإِن شدة الحر) الفاء فيه للتعليل، أراد به أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر.
اختلف في حكمة هذا التأخير؛ فقيل: دفع المشقة، لكون شدة الجر مما يذهب الخشوع. قال الحافظ رحمه الله: وهذا أظهر، وقيل: لأنه وقت تُسْجَرُ فيه جهنم، ويؤيده حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم، حيث قال له: "أقْصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم". وقد استُشْكلَ هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مَظِنَّةٌ لطرد العذاب، فكيف أَمر بتركها؟
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 519)
وأجاب أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه.
واستنبط له الزين ابن المُنَيِّر مَعْنًى يناسبه، فقال: وقت ظهور أثر الغضب، لا يَنْجَعُ فيه الطلبَ، إلا ممن أذنَ له فيه. والصلاة لا تنفك عن كونها طلبا، ودعاء، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستَدَلَّ بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يَعْتَذِرْ، بل طلب لكونه أذِنَ له في ذلك.
ويمكن أن يقال: سَجْر جَهَنَّم سبب فَيْحِها، وفَيْحُهَا سبب وجود الحر، وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يُصَلَّى فيها، لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكمة الإبراد المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها، لكونه وقت ظهور أثر الغضب. والله أعلم. قاله في "الفتح" جـ2 ص 22.
(من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها، وتنفسها، ومنه: مكان أفيح: أي مُتَّسِعٌ. قاله في "الفتح".
وقال العراقي رحمه الله: فَيْحُ جهنم وفَوْحُها، بالياء والواو، مع فتح الأول فيهما، وبالحاء المهملة: سُطُوع حرها، وانتشاره، يقال: فاَحَتِ القِدْرُ، تَفِيحُ، وتَفُوح: إذا غلت.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 520)
اهـ "طرح". جـ 2 ص 157.
وجهنم: اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها، قال الأزهري: في جهنم قولان: قال يونس بن حبيب، وأكثر النحويين: جهنمُ اسم النار التي يُعذِّب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية، لا تُجرَى للتعريف والعجمة. وقال آخرون: جهنم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قَعْرها، وإنما لم تُجْرَ لثقل التعريف، وثقل التأنيث، وقيل: هو تعريب كِهِنَّام بالعبرانية، وقال ابنُ خَالَوَيْه: بئر جِهنَّامٌ، للبعيدة القعر، ومنه سميت جَهَنَّمُ. أفاده في "اللسان" جـ 1 ص 715. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
اختلف العلماء في معنى قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" هل هو حقيقة، أو مجاز؟ فحمله الجمهور على الحقيقة، وقالوا: إن وَهَجَ الحرمن فيح جهنم، ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "اشتَكَتِ النارُ إلى ربها، فقالت: يا رب أكَلَ بعضي بعضًا، فَأذنَ لها بِنَفَسَين: نَفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهو أشَدُّ ما تجدَون من الحر، وأشد ما تجدون من الزَّمْهَرِيرِ".
وقيل: إنه كلام خَرَجَ مَخْرجَ التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحر، فاجتنبوا ضَرَرَهُ.
قال القاضي عياض رحمه الله: وكلا الوجهين ظاهر، وحَمْلُهُ على
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 521)
الحقيقة أولى. وقال ابن عبد البر رحمه الله: القول الأول يعضده عموم الخطاب، وظاهرُ الكتاب، وهو أولى بالصواب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله عياض وابن عبد البر، لا ينبغي العدول عنه، إذ لا داعي إلى ذلك، فإنه إذا أمكن حمل النص على ظاهره لا يجوز العدول عنه إلا لدليل. فتبصر.
وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتد به، وخالفت فى ذلك المعتزلة، فقالوا إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال العراقي رحمه الله: والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك. انتهى. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (500)، وفي "الكبرى" (1489) بسند الباب، وفي "الكبرى" أيضًا (1487) عن أحمد بن محمد بن المغيرة الحِمْصي، عن عثمان بن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه (1488) عن قتيبة، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عنه. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 522)
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما من طريق المصنف، فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، ومحمد بن رمح -كلاهما عن الليث، عن الزهري له.
وأخرجه أبو داود فيه عن يزيد بن خالد بن مَوْهَب -وقتيبةَ- كلاهما عن الليث به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث به.
وأخرجه ابن ماجه فيه، عن محمد بن رُمْح، عن الليث به.
وأما من غير طريق المصنف، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال: قال صالح بن كيسان: حدثنا الأعرج وغيره، عن أبي هريرة، ونافعٌ عن ابن عمر، بهذا. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال في التلخيص. حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم" متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأبي ذَرّ، وأخرجه البخاريُّ من حديث ابن عمر، ولفظ ابن ماجه فيه: "أبردوا بالظهر".
وفي الباب عن أبي موسى، وعائشة، والمغيرة، وأبي سعيد،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 523)
وعَمْرُو بن عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة، وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لم يسم، ورواه مالك من رواية عطاء بن يسار مرسلًا، وُرِويَ عن عمر موقوفًا: فحديث أبي موسى رواه النسائي(1) بلفظ: "أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدونه في الحر من فيح جهنم". وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: "أبردوا بالظهر في الحر"، وحديث المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن
شريك، عن طارق، عن قيس، عنه. وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبراد.
وسئل عنه البخاريُّ، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجَّحَ صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح، وأعله ابن معين بما رَوىَ أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله أعلم.
وحديث أبي سعيد رواه البخاري بلفظ "أبردوا بالظهر".
وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي شيبة والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه،--------------------------------------------
(1) حديث يأتي للمصنف برقم (501).
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 524)
بلفظ "أبردوا بصلاة الظهر" الحديث. وحديث أنس(1) وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر … " الحديث. وفيه عُمَر بن صُهْبَان، وهو ضعيف.
وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبراني. وحديث عبد الرحمن بن علقمة رواه أبو نعيم. وحديث الصحابي المبهم رواه الطبراني. وحديث عمر تقدم مع المغيرة اهـ. "التلخيص" جـ 1 ص 181، 182.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف أهل العلم فيه، في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح جهنم.
ومنها: كون النار، وكذا الجنةُ مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مر آنفًا.--------------------------------------------
(1) هكذا بياض في الأصل، ولم يذكر من أخرج حديث أنس، والله أعلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 525)
ومنها: بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلَت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
المسألة الخامسة: اختلف العلماء القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟
فقال الجمهور: إنه للاستحباب، وحكى القاضي عياض وغيره: أن بعضهم ذهب إلى الوجوب، وقال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب. وقال البدر العيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة عن الوجوب، وظاهِرُ الكلامِ يقتضيه؟ قلت: لَمَّا كانت العلة فيه دفعَ المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه، ويعود الأمر على موضوعه بالنقض. اهـ "عمدة" جـ 5 ص 20 - 21.
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم رحمه الله: وإنما لم نَحْمِلِ الأمرَ على الوجوب، لحديث خَبَّابٍ رضي الله عنه، قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء، فلم يُشْكِنَا"، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نَعم. اهـ "المحلى" بتصرف جـ 3 ص 184 - 185. وهو الحديث المتقدم للمصنف برقم (497) وفيما قاله ابن حزم نظر سيأتي، إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 526)
المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في استحباب الإبراد في شدة الحر:
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: في هذا الحديث استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسر وَهَجُ الحَرِّ، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن أكثر المالكية على اختصاص الإبراد
بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في حقه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهري؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة.
وحَكَى ابنُ القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعًا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد، على ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله. وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال الفقهاء المالكيون من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم. انتهى.
وقال الشافعي: إنما يستحب الإبراد في شدة الحر بشروط:
الأول: أن يكون في بلد حار. وقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني وغيره: يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضا إذا اشتد الحر.
الثاني: أن تُصَلَّى في جماعة، فلو صَلَّى منفردًا، فتقديمُ الصلاة
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 527)
له أفضلُ.
الثالث: أن يَقْصدَ الناسُ الجماعةَ من بُعُد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صَلَّوا في أولَ الوقت.
الرابع: أن لا يجدو كِنًّا يمشون تحته، يَقيِهِمُ الحر، فإن اخْتَلّ شرط من الشروط، فالتقديم أفضل.
وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة في المغني: ظاهر كلام أحمد استحباب الإبراد بها على كل حال، قال الأثرم: وهذا على مذهب أبي عبد الله سواء يُستَحَبّ تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر. وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لظاهر قوله: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"، وهذا عام.
وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط:
شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجدٍ بفِنَاءِ بيته فالأفضل تعجيلها. وقال القاضي في الجامع: لا فرق بين البلدان الحارَّة، وغيرِها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذُ بظاهر الخبر أولى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 528)
وذهبت طائفة إلى عدم استحباب الإبراد مطلقا، وحكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود، وجابر رضي الله عنهم، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر، وعليٍّ، وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد، والمشهورُ عنه موافقة الجمهور.
احتج الجمهور القائلون باستحباب الإبراد في شدة الحر مطلقا بحديث الباب، وغيره من الأحاديث، فإنه ليس فيها سوى ذلك.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: واستنبط الشافعي رحمه الله هذه الشروط التي اعتبرها من الحديث، وجعله تخصيصا للنص بالمعنى، فحُكِيَ عنه أنه قال: إن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإبراد كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان يُنتَابُ من البعد، فَيَتَأذَّون بشدة الحر، فأمرهم بالإبراد، لِمَا في الوقت من السَّعَة. حكاه ابن عبد البر.
واستدل الترمذي في جامعه بحديث أبي ذر رضي الله عنه الثابتِ في الصحيحين: "أذَّنَ مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرد، أبرد"، أو قال: "انتظر، انتظر"، وقال: "شدةُ الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة"، حتى رأينا فيء التُّلُول". وفي رواية للبخاري أن ذلك كان في سفر، على خلاف ما ذهب إليه الشافعي، وقال: لو كان على ما ذهب إليه لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن يَنْتَابُوا من
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 529)
البُعْد. انتهى.
وأجاب الشافعية عما قاله الترمذي بأن اجتماعهم في السفر قد يكون أكثر مشقة منه في الحضر، فإنه يكون كل واحد منهم في خبائه، أو مستقرًا في ظل شجرة، أو صخرة، ويؤذيه حر الرمضاء إذا خرج من موضعه، وليس هناك ظلّ يمشون فيه، وأيضًا فليس هناك خِبَاءٌ كبير يجمعهم، فيحتاجون إلى أن يصلوا في الشمس، والظاهر أيضًا أن أخْبِيَتَهُم كانت قصيرة، لا يتمكنون من القيام فيها.
وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم "كان يأمر مناديه، في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر أن يقول: ألا صَلُّوا في الرحال"، فلما كان وجود البرد الشديد، أو المطر في السفر مرخصا في ترك الجماعة، كذلك وجود الحر الشديد في السفر مقتض للإبراد بالظهر، وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر"، وبخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول، وهو علي العموم، لا سبيل يستثنى من ذلك البعض. انتهى.
قال العراقي: وقد عرفت أن التخصيص إنما هو بالمعنى، والصحيح في الأصول أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه.
لكن قد يقال: لا يتعين أن تكون العلة ما أشار إليه الشافعي من تأذيهم بالحر في طريقهم، فقد تكون العلة ما يجدونه من حر الرمضاء في جباههم في حالة السجود، وقد ثبت في الصحيح عن أنس رضي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 530)
الله عنه، قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر"، ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ "سجدنا" بدل "جلسنا".
وفي "سنن أبي داود" وغيره "كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآخذ قبضة من الحصى، لتَبْرُدَ في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليه، لشدة الحر".
وفي حديث أنس رضي الله عنه في الصحيح: "فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه"، فهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، ولم نجد عنهم أنهم شَكَوْا مشقة المسافة، ولا بُعْد الطريق.
ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حر جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله: "فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم"، وكونها ساعة يفوح فيها لَهَب جهنم وحرها، يقتضي الكف عن الصلاة، كما في حديث عمرو بن عَبَسَةَ "فإذا اعتدل النهار، فَأقْصِرْ" يعني عن الصلاة، "فإنها ساعة تُسْجَرُ فيها جهنم".
قال الجامع عفا الله عنه: هذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّلُ به الأمر "بالإبراد"، لكون الحديث نصًا فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعةُ، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الراجح. والله أعلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 531)
واحتج القائلون بعدم استحباب الإبراد مطلقا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبحديث خباب رضي الله عنه: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء، فلم يُشِكْنا" الذي تقدم في (497) وأجابوا عن حديث الباب، وغيره من الأحاديث الداله على الإبراد بأن معناها: صَلُّوها في أول وقتها، أخْذًا من بَرْدِ النَّهَار، وهو أوله.
ورد عليهم بأن هذا تأويل بعيد، يُبطِلُهُ قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم"، لأن أول وقت الظهر أشد حَرًّا من آخره، وحديث أبي ذر المتقدم صريح في أن المراد بالإبراد التأخير إلى وقت البرد. وقال الخطابي رحمه الله: ومن تأول الحديث على برد النهار، فقد خرج من جملة قول الأئمة.
وأجيب عما تمسكوا به، بأن أحاديث أول الوقت عامة، أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقة، فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر. قاله في "الفتح". جـ 2 ص22.
وأجيب عن حديث خباب رضي الله عنه بأوجه:
أحدها: أنه إنما لم يُجِبْهُمْ لمَّا سألوا، لأنهم أرادوا أن يؤخروا الصلاة بعد الوقت الذي حده لهم، وأمرهم بالإبراد إليه، ويزيدوا على الوقت المرخص لهم فيه، ومن المعلوم أن حر الرمضاء الذي يسجد
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 532)
عليه، لا يزول إلا بعد خروج الوقت كله. ذكر المازري هذا الجواب، وقال: إنه الأشبه، يعني أشبه الأجوبة.
ثانيها: أن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الدالة على التقديم، منسوخة بأحاديث الإبراد، لأنها رويت من حديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، ونحوهما ممن تأخر إسلامه، بخلاف أحاديث التعجيل، كحديث خباب، وحديث عبد الله بن مسعود.
ويدل ما رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: "أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، ورواه الطحاوي بلفظ: "ثم قال: أبردوا" وأعله أبو حاتم(1) بأنه رُويَ عن قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب من قوله.
وذكر الخَلاَّل عن الميموني: أنهم ذاكروا أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيدها جياد، ثم قال: خباب يقول: "شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يُشْكنَا"، والمغيرة -كما ترى- رَوىَ القصتين جميعًا، قال: وفي رواية غير الميموني: وكان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإبراد.--------------------------------------------
(1) تقدم في كلام الحافظ أن أبا حاتم صححه، وإنما أعله ابن معين. فلينظر.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 533)
وقال الأثرم بعد ذكر أحاديث التعجيل: والإبراد: فأما التي ذكر فيها التعجيل في غير الحر فإن الأمر عليها، وأما حديث خباب، وجابر، وما كان فيها من شدة الحر، فإن ذلك عندنا قبل أن يأمر بالإبراد. وقد جاء بيان ذلك في حديثين: أحدهما حديث بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة: قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، فقال لنا: "أبردوا" فتبين لنا أن الإبراد كان بعد التهجير، والحديث الآخر أبْيَنُ من هذا: خالد بن(1) دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنسًا، يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان البرد بَكَّر بَالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة".
ثالثها: أن الإبراد رخصة، وتقديمه صلى الله عليه وسلم كان أخْذًا بالأشق. قال العراقي: وبهذا قال بعض أصحابنا، ونص عليه الشافعي في البويطي، وصححه أبو علي السنجي، لكن الصحيح من مذهبنا أن الإبراد هو الأفضل، فلا يمشي عليه هذا الجواب.
رابعها: أن معنى قوله: "فلم يُشِكنا" لم يُحْوِجْنا إلى شكوى، بل رخص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج المالكي عن ثعلب، ويرده أن في بعض طرقه "فما أشكانا"، وقال: "إذا زالت الشمس فَصَلُّوا"، رَوَى هذه الزيادة أبو بكر بن المنذر، كما ذكره ابن القطان.--------------------------------------------
(1) مبتدأ خبره جملة "قال: سمعت أنسًا" إلخ.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 534)
خامسها: أن الإبراد أفضل، وحديث خباب فيه بيان جواز التعجيل، دل عليه كلام ابن حزم، فإنه ذكر استحباب الإبراد، ثم قال: وإنما لم نحمل هذا الأمر على الوجوب، لحديث خباب، قال العراقي: لكن في هذا نظر، لأن ظاهر حديث خباب المنع من التأخير، أو أنه مرجوح بالنسبة إلى التقديم. والله أعلم. اهـ "طرح التثريب" جـ 2 ص 151، 155 ببعض تصرف. وبعض زيادة من "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأجوبة عندي جواب من قال بنسخ حديث خباب بحديث المغيرة رضي الله عنه الذي استدل به الطحاوي عليه، قال: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: "أبردوا بالصلاة"، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قاله الحافظ في "الفتح" جـ 2 ص 21.
وقال في "التلخيص": وسئل البخاري عنه، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح. وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعًا، لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وَقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبتُ من شريك. والله أعلم. اهـ جـ 1 ص 181.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 535)
قال الجامع: فتبين بهذا كله أن الأكثرين على تصحيحه، ويؤيد ذلك ما تقدم؛ حديث أنس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة".
والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب منسوخًا، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحر مطلقًا، سواء كان جماعة، أو منفردًا، لقوة دليله. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذكر نحو ما تقدم: ولو نسلم جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح، لأنها في الصحيحين، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرق. اهـ "نيل الأوطار" جـ 2 ص 32 - 33.
المسألة السابعة:
قيل: لفظ الصلاة عام بناء على أن المفرد الْمُعَرَّف بالألف واللام للعموم، فيتناول سائر الصلوات، وذلك يقتضي تأخير كل منها في شدة الحر، وبه قال الجمهور في الظهر، كما تقدم، وقال به أشهب وحده في صلاة العصر؛ قال: تؤخر ربع القامة، وقال به أحمد بن حنبل في رواية عنه في صلاة العشاء، فَرَأى تأخيرها في الصيف، وتعجيلها في الشتاء، وعكس ابن حبيب من المالكية، فَرَأى تأخيرها في الشتاء لطول الليل، وتعجيلها في الصيف، لقصره.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 536)
قال العراقي: وهو أظهر في المعنى، ولا نعلم أحدا قال بالإبراد في المغرب، وكأن ذلك لضيق وقتها، ولا في الصبح، وكأن ذلك لأن وقتها أبرد الأوقات مطلقًا، فلا معنى للإبراد بها.
وجواب الجمهور عن ترك القول بالإبراد في العصر والعشاء: أن المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر، كما ورد بيانه في بعض الطرق الصحيحة المتقدمة؛ ففي رواية البخاري من حديث أبي سعيد، فقال: "أبردوا بالظهر"، وهي رواية المصنف من حديث أبي موسى التالية، فتكون الألف واللام في الصلاة في الرواية المطلقة للعهد.
وأيضًا فإن أول وقت العصر، وأول وقت العشاء لا يكون في الغالب أشد حرًا من آخر وقت الظهر، فإذا فعلت الظهر في آخر وقتها، ففعل العصر في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، وهما أقل حرًا أولى بذلك.
وأيضًا فإنه عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه في خبر الإبراد، لا بالعصر، ولا بالعشاء، بل كان يأتي بكل منهما في أول وقتها صيفًا وشتاء، وأما تأخيره العشاء دي بعض الأوقات، فهو إما لاجتماع الناس، كما ورد بيانه، أولما في تأخيرها من الفضل، وليس ذلك لأجل الإبراد، ولا فرق فيه بين الصيف والشتاء. اهـ "طرح" جـ 2 ص 155. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 537)