الظل من الطلوع إلى الزوال، والفيء: من الزوال إلى الغروب، وقال ثعلب: الظلُّ للشجرة وغيرِها بالغداة، والفيءُ بالعشي. وقال رؤبة بن العَجَّاجِ: كُلُّ ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو ظل، وفَيْءٌ، وما لم يكن عليه الشمس، فهو ظل، ومن هنا قيل: الشمس تنسخ الظل، والفيء ينسخ الشمس. اهـ ما نقله في "المصباح".
(ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم) من باب عطف المسبب على السبب، إذ حل فطر الصائم يتسبب عن غروب الشمس (ثم صلى العشاء حين ذهب شَفَقُ الليل) قال في المصباح: الشفق: الحُمْرَة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفق، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشفق، وكان أحمر، وقال ابن قتيبة: الشفق: الأحمر من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل، وقال الزجاج: الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط
الشمس، وهو المشهور في كتب اللغة، وقال المُطرِّزِيُّ: الشفق: الحمرة عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وعن أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قول متأخر: إنه الحمرة. اهـ ما في "المصباح". وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في الشفق مستوفًى في بابه إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 558)
(ثم جاءه) أي جاء جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم (الغَدَ) بفتح الغين: اليوم الذي يأتي بعد يومك على إثره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد الْمُتَرَقَّب، وأصله: غَدْوٌ، مثل فلس، لكن حذفت اللام، وجعلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر (من الرجز):
لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دَلْوًا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غَدْوًا
قاله في المصباح. وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "جاء".
(فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا) أي أضاء، يقال: أسفر الصبح، إسفارًا: أضَاءَ، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلاها في الإسفار. قاله في المصباح.
(ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله) استدل به مَنْ قال: بأن وقت الظهر لا يخرج بكون الظل مثله، بل بمقدار أربع ركعات مشتركًا في ذلك مع العصر، وبه قال مالك وطائفة، وذهب الجمهور
إلى أنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، بل إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله دخل وقت العصر.
وقال السندي رحمه الله تعالى عند قوله: "ثم صلى به الظهر" ما نصه: أي فرغ منها، وأما في العصر الأول، فالمراد بقوله: "صلى": شَرَعَ فيها، وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين، والفراغ في الثانية منهما، ليتعين بهما الوقت،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 559)
ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى الفراغ منها في المرة الثانية، وهذا معنى قول جبريل: "الصلاة ما بين صلاتك أمس، وصلاتك اليوم"، أي وقت الصلاة من وقت الشروع في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية، وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صُلِّيَ في اليومين في وقت واحد، وسقط ما يُتَوَهَّمُ أن لفظ الحديث يُعْطِي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت العصر في اليوم الأول، فيلزم إما التداخل في الأوقات، وهو مردود عند
الجمهور، ومخالف لحديث "لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى"، أو النسخ، وهو يُفَوِّت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أول المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تحريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ تصريح في رد القول بالنسخ.
ثم قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ يقتضي بحسب الظاهر أن لا يجوز العصر بعد المثلين، لكنه محمول على بيان الوقت المختار، ففيما يدل الدليل على وجود وَقْتٍ سوى الوقت المختار نقول به، كالعصر، وفيما لم يقم دليل على ذلك، بل قام على خلافه، كالظهر، حيث اتصل العصر بمضي وقته المختار نقول فيه بأن وقته كله مختار، وليس له وقتٌ سِوىَ ذلك. والله تعالى أعلم. اهـ. كلام السندي.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 560)
وسيأتي تحقيق الخلاف في خروج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله وعدمه مُسْتَوفىً في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
(ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه) أي بعد فيء الزوال (ثم صلى المغرب بوقت واحد) الباء بمعنى "في" أي في وقت واحد، وهو ما صَلَّى فيه المغرب بالأمس، كما بينه بقوله (حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعةٌ من الليل) أي وقت من الليل، وقد بُيِّنَ ذلك الوقتُ في الروايات الأخرى، كما في رواية جابر الآتية أنه ثلث الليل.
(ثم قال) أي جبريل (الصلاة) أي وقتها، والمراد جنس الصلاة، أي وأوقاتُ الصلوات التي فرض الله أدَاءَهَا في وقت مُوَسَّع رحمةً بعباده، وهو مبتدأ خبره قوله (ما بين صلاتك أمس) "ما" موصولة، و "بين" منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف صلة لما، و"أمس" من الظروف المبنية على الكسر، عند جمهور العرب، وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر (من الرجز):
لَقَدْ رَأيْتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا … عَجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا
وهو اسم عَلَم على اليوم الذي قبل يومك، وقد يُستَعْمَلُ فيما قبله مجازًا. أفاده في "المصباح".
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 561)
(وصلاتك اليوم) يعني أن الوقت المُحَدَّد لأداء الصلوات المفروضات هو الوقت الذي بين صلاتك في اليوم الماضي، وصلاتك في اليوم الحاضر.
فإن قيل: هذا القول من جبريل عليه السلام يقتضي أن لا يكون الوقت الذي صَلَّى فيه في اليومين وَقْتًا لها، لأنه بَيَّنَ أن وقتها ما بين ذلك، أجيب بأنه لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وُجدَ البيانُ بالفعل، وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر، فبَيَّنَ بالقول أن هذا بيان للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس، ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما. أفاده في "المنهل" جـ 3 ص 289.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي دعواه كون الوسط هو المستحبَّ نظر لا يخفى، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، إذ منها ما يستحب فيه التقديم في أول الوقت، وهي الصبح، والظهر في البرد، والعصر، والمغرب، ومنها ما يستحب فيه التاخير، وهي الظهر في شدة الحر، والعشاء. فتبصر. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في رواية أبي داود، والترمذي في رواية ابن عباس رضي الله عنهما لحديث جبريل عليه السلام "ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 562)
وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين".
فاستشكل قوله: "هذا وقت الأنبياء من قبلك"، إذ ظاهره يوهم أن هذه الصلاة في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن كان قبله من الأنبياء، وليس كذلك، بل المراد أن هذا الوقت المُوَسَّعَ المحدود بالطرفين: الأولِ والآخرِ كان مثله وقتًا للأنبياء قبلك، فصلاتهم كانت واسعة الوقت، وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها. قاله ابن العربي في عارضته جـ 1 ص 257، 258. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا إسناده حسن، وصححه ابن السكن، والحاكم، وحسنه الترمذي في العلل. انظر "التلخيص" جـ 1 ص 173.
قال الجامع: لكن في متنه نكارة، حيث خالف الأحاديث المشهورة التي فيها البداءة بالظهر، إلا أن يحمل على تعدد الواقعة، ففي بعضها بدأ بالفجر، وفي بعضها بدأ بالظهر، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. والله أعلم
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 563)
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (502)، وفي "الكبرى" في "الصلاة" (1493)، بسند الباب.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما قال الحافظ المزي في تحفته.
وأخرجه الطحاوي، والسَّرَّاج، والدارقطني، والحاكم، وعنه البيهقي. انظر "الإرواء" جـ 1 ص 269. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان آخر وقت الظهر، وذلك أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظله مثله، وَبيَّنَ في آخره أن وقت الصلاة بين الوقتين، فلا يجوز تأخيره عن المِثْل، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف في ذلك.
ومنها: الدلالة على عِظَمِ أمر الصلاة، ومزيد قدرها، حيث إن الله تعالى أرسل جبريل لبيان وقتها، وكيفيتها بالفعل، ولم يكتف بالقول كسائر الأحكام.
ومنها: بيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس مُشَرِّعًا بنفسه، بل بأمر من الله تعالى.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 564)
ومنها: أن العبادة مقصورة على الوارد عن الله تعالى بالتحديد والكيفية.
ومنها: بيان فضل الله تعالى على عباده حيث وَسَّعَ عليهم أوقات الصلاة، ولم يضيقها، والله ذو الفضل العظيم.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في آخر وقت صلاة الظهر: حَقَّقَ الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس، المجموعِ شرحِ المُهَذَّب هذه المسألة، تحقيقًا ظريفًا وفصلها بأدلتها تفصيلًا منيفًا، أحببت إيراد خلاصته هنا لحسنه، قال رحمه الله تعالى:
أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق - ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة عند النسائي، وغيره:
منها: حديث أبي برزة رضي الله عنه المتقدم، (49)، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب، وحديث جابر الآتي، (503)، وحديثه، (512)، وحديث بريدة الآتي، (518)، وحديث أبي موسى الآتي، (522)، وغير ذلك مما أورده النسائي في الأبواب الآتية، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان الفيء مثل الشراك … " الحديث، وكلها أحاديث صحيحة.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 565)
وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غيرَ ظل الزوال الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلًا به، ولا اشتراك بينهما، قال: هذا مذهبنا يعني الشافعية، وبه قال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال عطاء، وطاوس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.
وقال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَنِيُّ، وابن جرير: إذا صار ظله مثله فَقَدْرُ أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر.
وقال مالك: إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بَيِّنَةً خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرًا كان أول وقت العصر.
قال أبو الطيب: قال ابن المنذر: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة.
واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور، قالوا: "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 566)
الأول"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا، قال: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم "من غير خوف، ولا مطر"، فدل على اشتراكهما، قالوا: ولأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر.
واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان الأول، ثم إذا صليتم الظهر، فإنه وقت إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفرّ
الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل" رواه مسلم من طرق كثيرة، وفي بعضها" وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر".
واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى رضي الله عنه الآتي (522)، وهو عند مسلم أيضًا، قال فيه، في صلاة الظهر في اليوم الثاني: "ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس" ثم قال في آخره "الوقت ما بين هذين"، وهذا نص في أن وقت الظهر لا يمتد وراء ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك.
وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 567)
الأخرى" رواه مسلم في جملة حديث طويل.
وأجابوا عن قوله صلى الله عليه وسلم: "صلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله" وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله" بأن معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حُمِلَ على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر، ولَفَاتَ بيانه، وقد قال في آخر الحديث: "الوقت بين هذين". قال الشيخ أبو حامد: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر، فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته، ونظير ما تأولنا عليه لفظَ الحديث قولُ الله تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [البقرة: 231]، وقال تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232] المراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد: إذا انتهى إليه، وإن لم يدخله، وبلغه: إذا دخله.
وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين:
أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع،
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 568)
وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعمرو بن دينار، كما في صحيح مسلم وغيره.
الثاني: أنه جمع بعذر: إما بمطرٍ، وإما بمرض، عند من يقول به.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذين التأويلين نظر لا يخفى، وسنحققه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (74/ 600) إن شاء الله تعالى.
قال النووي رحمه الله: وأما قولهم زيد في الصلاة على بيان جبريل، فتلك الزيادات ثمتت بنصوص، ولا نص هنا في الزيادة، ولا مدخلَ للقياس.
واحتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فَأعْطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعْطَيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا، قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" رواه البخاري، ومسلم.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 569)
قالوا. فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حِينَ يَصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليسَ بأَقل من وقت الظهر، بل هو مثله. واحتجوا بأقيسة، ومناسبات لا أصل لها، ولا مدخل لها في الأوقات.
قال النووي رحمه الله: واحتج أصحابنا -أي وهو مذهب الجمهور- عليهم بحديث ابن عباس رضي الله عنهما يعني حديث جبريل- فقال إمام الحرمين: عمدتنا حديث جبريل، ولا حجة للمخالف إلا حديث ساقه صلى الله عليه وسلم مَسَاقَ ضَرْبِ الأمثال، والأمثالُ مظنة التوسعات والمجاز، ثم التأويلُ مُتطرِّق إلى حديثهم، ولا يتطرق إلى ما اعتمدناه تأويل، ولا مطمع في القياس من الجانبين.
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة:
أحدها: هذا الذي ذكره إمام الحرمين.
الثاني: أن المراد بقولهم: أكثر عملًا: أن مجموع عمل الفريقين أكثر.
الثالث: أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان، والإقامة، والطهارة، وصلاة السنة، أقل مما بين العصر ونصف النهار.
الرابع: قال الإصطخري: كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان؛ فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله، أو أطول منه. انتهى خلاصة ما كتبه النووي رحمه الله في "المجموع"
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 570)
ببعض تصرف جـ 3 ص 21، 22.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما تقدم من الأدلة الكثيرة ترجيح مذهب الجمهور؛ وهو أن آخر وقت الظهر صيرورة ظل كل شيء مثله. وأنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
503 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَذْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ".
رجال الإسناد: ستة
1 - (أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرَمِيُّ) هو عبد الله بن محمد بن إسحاق، الجَزَري الأذْرَمِيُّ(1) المَوْصِليُّ، ثقة، من [10]، أخرج له أبو داود والنسائي.--------------------------------------------
(1) الأذرمي: بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الراء: نسبة إلى قرية عند نَصِيبِين من الجَزِيرَةِ. قاله في اللباب جـ 1 ص 38.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 571)
وثقه أبو حاتم، والنسائي، وقال الخطيب: كان الواثق أحضر شيخًا من أهل أذَنَةَ للمحنة وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته، واستعلى عليه الشيخ بحجته، فأطلقه الواثق، ورده إلى وطنه، ويقال: إنه الأذرمي.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: لا بأس به.
2 - (عَبِيدَةُ بنُ حُمَيد) الأول مكبر، والثاني مصغر، الكوفي أبو عبد الرحمن الحَذَّاء، صدوق نحوي، ربما أخطأ، توفي سنة 190، وقد جاوز 80، من [8]، أخرج له البخاري والأربعة، تقدم في 13/ 13.
3 - (أبو مالك الأشجعي؛ سعْد بنُ طارق) الكوفي، ثقة، توفي في حدود سنة 140، من [4]، تقدم في 110/ 149.
4 - (كثير بن مُدْرِك) الأشجعي، أبو مُدْرِك الكوفي، ثقة، من [6]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، ذكره ابن حبان في الثقات، له في مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية، وقال العجلي: كوفي ثقة.
5 - (الأسود بن يزيد) بن قَيْس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، توفي سنة 74 أو 75، من [2]، أخرج له الجماعة، تقدم في 29/ 33.
6 - (عبد الله بن مسعود) أبو عبد الرحمن الْهُذَلي الصحابي
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 572)
الجليل رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم كوفيون إلا شيخه، فأذْرَميٌّ كما تقدم، نسبة إلى أذرمة، قرية بالجزيرة
ومنها: أن فيه رواية كبير عن صغير، فسعد بن طارق تابعي رَوَى عن أبيه، وأنس وعبد الله بن أبي أوفى، وكثير بن مدرك، لم يدرك صحابيًا بل روى عن علقمة، والأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد، فهو من تابعي التابعين.
منها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة، من صيغ الأداء.
وقوله: عبدُ الله بن محمد بالرفع بدل، أو عطف بيان لقوله: أبو عبد الرحمن، وقوله: سعدِ بنِ طارق بالجر عطف بيان لأبي مالك. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه، أنه (قال: كان قدرُ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) قدر: اسم "كان"، مضاف إلى "صلاة"، ويقدر بينهما مضاف، أي قدر تأخير صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (الظهر) بالنصب مفعول "صلاة"، لأنه اسم مصدر لصَلَّى، يعمل عمل فعله، كما قال ابن مالك.
................. … وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 573)
ويحتمل أن يكون مفعولًا لفعل محذوف، أي أعني الظهرَ، ويحتمل الجر بدلًا من "صلاة" (في الصيف) متعلق بصلاة، والصيف، بفتح فسكون، الْقَيْظَ، أو بعد الرِّبيع، جمعه أصْيَاف. قاله في "ق"، والقيظ: شِدَّةُ الحرّ.
وقال الفَيُّومي رحمه الله: السنة أربعة أزْمِنَة، وهي الفصول أيضًا، فالأول الربيع، وهو عند الناس الخَريف، سمته العرب رَبِيعًا، لأن أول المطر يكون فيه، وبه ينبت الربيع، وسماه الناس خريفًا، لأن الثمار تُخْتَرَفُ فيه، أي تقطع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان. والثاني: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجَدْي. والثالث: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع. والرابع: القيظ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السرطان. اهـ المصباح في مادة "زمن". ومنهم من يقسم السنة قسمين: الصيف، والشتاء، فيجعل الصيف ستة أشهر، والشتاء ستة أشهر. قاله في "المغني"(1).
قال الجامع: الظاهر أن هذا هو المراد في هذا الحديث، والله أعلم.
وقوله (ثلاثة أقدام إِلى خمسة أقدام) خبر "كان"، أي كان--------------------------------------------
(1) هو المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء، للعلامة عماد الدين بن باطيش المتوفى سنة 655 هـ.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 574)
تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر في الصيف منتهيًا بصيرورة ظل كل إنسان ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام (وفي الشتاء) قيل: جمع شَتْوةٍ، مثل كَلْبَةٍ، وَكلَاب، نقله ابن فارس عن الخليل، ونقله بعضهم عن الفراء وغيره، ويقَالْ: إنه مفرد عَلَمٌ على الفصل، ولهذا جمع على أشْتِيَةٍ. قاله في المصباح.
(خمسةَ أقدام إِلى سبعة أقدام) أي كان ابتداء صلاته صلى الله عليه وسلم الظهر في الشتاء إذا صار ظل كل إنسان خمسة أقدام إلى سبعة على حسب قِصَرِ ظل الفيء، وطوله.
قال الدهلوي رحمه الله: الظل الأصلي في المدينة يكون في ابتداء الشتاء خمسة أقدام، وفي شدة الشتاء يكون سبعة أقدام، وفي ابتداء الصيف يكون ثلاثة أقدام، فتكون الصلاة في هذه الأيام على هذا الظل في أول الوقت، ويكون الظل الأصلي في شدة الحر نصف القدم، فصلاته صلى الله عليه وسلم على خمسة أقدام في الصيف كانت للإبراد اهـ. منقولًا من "المنهل" جـ 3 ص 311.
وقال السندي: قوله: "كان قدر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم … " إلخ: أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي يصير ظل كل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فيعتبر قدم كل إنسان ثلاثة بالنظر إلى ظله، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 575)
قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف. انتهى.
وقال الخطابي رحمه الله: وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى، وإلى مُحاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض، ومن محاذاة الرأس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان.
وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة، وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.
وأما الظل في الشتاء، فإنهم يذكرون أنه في تشريق الأول خمسة أقدام وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام، أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم، دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. والله أعلم. اهـ "معالم السنن" جـ 1 ص 237، 238
قال في عون المعبود: قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال ولي الدين: هذه الأقدام هي قدم كل إنسان بقدر قامته.
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 576)
قلت: ضابط ما يعرف به زوال كل بلد أن يُدَقَّ وَتَدُ في حائط، أو خشبة موازيًا للقطب يمانيًا، أو شماليًا، فينظر لظله، فمهما ساواه، فذلك وسط النهار، فإذا مال للمشرق ميلًا تامًّا، فذلك الزوال، وأولُ وقت الظهر، فكل الأقدام إذًا بكل شهر، واحفظها لكل شهر بكل فصل وكل بلد، فلم أر ضابطًا أفضل من هذا.
وقال علي القاري في المرقاة: قال السبكي: اضطربوا في معنى الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي -يعني هذا الحديث- والذي عندي في معناه أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء أوَّلَهُ، ومنه يؤخذ حد الإبراد. انتهى.
والأظهر أنه لا حَدَّ للإبراد، وإنما يختلف باختلاف البلاد، ولعله أراد أن لا يَتَعَدَّى في الإبراد عن نصف الوقت. والله أعلم. انتهى. اهـ "عون" جـ 2 ص 73، 74.
تنبيه:
قوله: "وفي الشتاء": جار ومجرور معطوف على قوله: "في الصيف" الذي هو معمول "صلاة"، وقوله: "خمسة أقدام" بالنصب عطف على "ثلاثة أقدام" الذي هو خبر "كان"، ففيه عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف:
قال العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في "معني اللبيب": أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد، نحو:
(খণ্ড: 6) (পৃষ্ঠা: 577)