وأورع، وأقوم بالحق من مالك عند السلاطين، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يَهَبْهُ(1) أن قال له الحق، قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر؛ قيل له: ما تقول في حديثه؟ قال: كان ثقة، صدوقًا، رجلًا صالحًا، ورعًا.
وقال المفضل الغلابي، عن ابن معين: ابن أبي ذئب أثبت من ابن عجلان في سعيد المقبري. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن أبي ذئب ما حاله في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة. وقال جعفر بن أبي عثمان، عن ابن معين: لم يسمع ابن أبي ذئب من الزهري -يعني أنه عرض- وقال علي، عن يحيى بن سعيد: كان عسرًا.
وقال الواقدي وغيره: ولد سنة 80 عام الجُحافِ(2) وقال إبراهيم ابن المنذر، عن ابن أبي فديك: مات سنة 158، وقال أبو نعيم وغيره: مات سنة 159.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: دخل ابنُ أبي ذئب على عبد الصمد بن علي فكلمه في شيء، فقال له: إني لأحسبك مرائيًا، قال: فأخذ عودًا من الأرض، وقال: مَن أرَائي، فوالله للناس عندي--------------------------------------------
(1) وفي "تهذيب الكمال" "فلم يَهُلْهُ".
(2) سمي عام الجُحاف، لأن مكة شهدت فيه سيلًا عظيمًا، جَحَف كُلَّ شَيء مر به. اهـ. من هامش تهذيب الكمال جـ 25 ص 642.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 172)
أهون من هذا. قال: وكان ابن أبي ذئب يفتي بالمدينة، وكان عالمًا ثقة فقيهًا ورعًا عابدًا فاضلًا، وكان يرمى بالقدر. وقال ابن حبان في الثقات: كان من فقهاء أهل المدينة، وعُبَّادِهمْ، وكان من أقول أهل زمانه للحق، وَعَظَ المهديَّ، فقال له: أما إنك أصدق القوم، وكان مع هذا يَرَى القدرَ، وكان مالك يهجره من أجله.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي سمع ابنُ أبي ذئب من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه، قلت: إنهم يقولون لم يسمع منه، قال: قد سمع من الزهري. وقال عمرو بن علي الفلاس: ابن أبي ذئب في الزهري أحب إلى من كل شامي. وقال النسائي في الكنى: أنا معاوية، سمعت يحيى بن معين، يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى حديث ابن أبي ذئب، وابن جريج عن الزهري ولا يقبله.
وقال الخليلي: ثقة أثنى عليه مالك، فقيه، من أئمة أهل المدينة حديثه مخرج في الصحيح إذا روى عن الثقات، فشيوخه شيوخ
مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء، وقد بَيَّنَ ابنُ أخي الزهري كيفية أخذ ابن أبي ذئب عن عمه، قال: إنه سأل عن شيء، فأجابه، فرد عليه، فتقاولا، فحلف الزهري أن لا يحدثه، ثم نَدِمَ ابنُ أبي ذئب، فسأل الزهري أن يكتب له أحاديث من حديثه، فكتب له، فكان يحدث بها. أخرج له الجماعة.
4 - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر القرشي المدني، من
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 173)
[4]، تقدم في 1/ 1.
5 - (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني الفقيه، ثقة، ثبت، من [3]، تقدم في 490.
6 - (عبد الله بن عمر) تقدم في السند السابق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بينهما) أي بين المغرب والعشاء (بالمزدلفة، صلى) وقوله صلى: جملة مُبَيِّنَة معنى قوله "جمع" (كل واحدةٍ منهما) بنصب "كل" مفعولا لصلى (بإِقامةٍ) أي مع الأذان للأولى منهما، لأن أكثر الروايات صرحت بذلك.
وقال السندي: ظاهره تعدد الإقامة، وما سبق يدل على حِدَتِهَا، فلا يخلو الحديث عن نوع اضطراب. انتهى.
قال الجامع: لا اضطراب فيه، بل هذه الرواية تُبَيِّن أنه أراد بقوله "بإقامة واحدة" في الرواية السابقة الإقامة لكل واحدة منهما. فتنبه.
(ولم يتطوع) أي لم يصل النافلة (قبل واحدة منهما، ولا بعد) بالبناء على الضم، لقطعه عن الإضافة ونية معناها، أي بعد واحدة منهما. ولفظه في الكبرى "ولم يتطوع قبل واحدة منهما، ولا بعدها".
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 174)
وفيه أن السنة أن لا يتطوع قبل الصلاتين ولا بعدهما في الجمع في المزدلفة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما من طريق ابن أبي ذئب أخرجه البخاري.
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (660)، وفي "الكبرى" (1624) عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عنه، وفي الحج (3028) عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب به. والله تعالى أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الحج" عن آدم ابن أبي إياس، وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن شَبَابَةَ بن سَوَّار، وعن مَخْلَد بنِ خالد، عن عثمان بن عُمَرَ، أربعتهم عن ابن أبي ذئب به. والله أعلم.
الرابعة: أنه اختَلَفَ أهلُ العلم في الأذان والإقامة للمغرب والعشاء في مزدلفة، لاختلاف الآثار في ذلك، إذ بعضها يدل على
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 175)
الأذان والإقامة للأولى، والإقامة فقط للثانية، كما في حديث جابر رضي الله عنه السابق (656) وبعضها يدل على الإقامة لكل منهما، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا، وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما كما في الصحيحين وغيرهما، وبعضها يدل على الاكتفاء بإقامة واحدة لهما، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق (658، 659). وبعضها يدل على الأذان والإقامة لكل واحدة منهما، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنهما موقوفًا عليه، وعليه بَوَّبَ البخاري رحمه الله في الحج، فقال: باب من أذن، وأقام لكل واحدة منهما "قال: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا
أبو إسحاق، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: "حج عبد الله رضي الله عنه، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر رجلًا فأذن، وأقام … الحديث.
قال في "الفتح": وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو ثبت عنه لقلت به. ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر، محمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت، فهكذا نصنع.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 176)
قال ابن حزم: وقد رُوِيَ عن عمر من فعله.
قال الحافظ أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأذَّنَ لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم يتأت له في حق ابن مسعود، لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاري.
ورَوَى ابنُ عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، ويترك ما رَوَى عن أهل المدينة، وهو مرفوع. قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحدًا.
قال الحافظ رحمه الله: الجواب عن ذلك أن مالكًا اعتمد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في الموطأ، واختار الطحاوي ما جاء عن جابر -يعني في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون، وابن حزم، وقواه الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 177)
وقال الشافعي في الجديد، والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة رضي الله عنه، حيث قال: "فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يحلوا حتى أقام العشاء"، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. انتهى فتح الباري جـ 3 ص 613 - 614.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط، لحديث جابر
رضي الله تعالى عنه، وهو مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف، كحديث عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، أو قابل
للتأويل، كحديث أسامة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فيؤول بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط.
وإنما أولنا بذلك، لأنه لا يمكن أن يحمل على تعدد الواقعة، إذ حجته صلى الله عليه وسلم واحدة، فتعين الجمع بين الروايات، وحديث جابر صريح مُفسَّر، فوجب حمل غيره عليه. وسيأتي زيادة تحقيق في المسألة في الحج إن شاء الله تعالى، والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 178)
21 - الأذَانُ لِلْفَائِتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان لأجل قضَاء الفائت من الصلوات، والمراد جنس الفائت، فيشمل الواحد وما زاد عليه.
وعبارة الكبرى "للفوائت في الصلوات" بصيغة الجمع، وهي أوضح. والمراد الأذان مع الإقامة لكل واحدة من الصلوات الفائتة.
تنبيه:
حديث أبي سعيد هذا النسخُ فيه مختلفة، ففي أكثر نسخ "المجتبى" ذكر الإقامة للظهر والعصر، والأذان للمغرب، وفي بعضها ذكر الأذان للظهر، كما أشار إليه في هامش الهندية جـ 1 ص 107، وفي بعضها ذكر الأذان للعصر بدلًا من الإقامة، كما عزاه لإحدى نسخ النظامية في هامش تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي، ص 345 والذي في الكبرى فأذن للظهر، فصلاها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها في وقتها "بإسقاط العصر".
والظاهر أن الرواية الصحيحة عند المصنف إثبات الأذان في الكل، ولذلك استدل به على مشروعية الأذان لكل فائتة من الفوائت، ولا سيما ترجمة نسخة الكبرى، فإنها واضحة في هذا، حيث قال فيها "الأذان للفوائت من الصلوات"، ثم أورد الحديث بذكر الأذان
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 179)
للظهر والمغرب.
والحديث أخرجه أحمد جـ 3 ص 25 من الوجه الذي أخرجه المصنف، وفي ص 49 عن عبد الملك بن عمرو وحجاج كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وفي ص 67، عن يزيد وحجاج، كلاهما عن ابن أبي ذئب به، وكلها بلفظ "أقام" وليس فيها "أذن"، وزاد في ص 67، "ثم أقام العشاء فصلاها كذلك" … وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم 2231، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ "فأقام لكل صلاة إقامة" … وأخرجه البيهقي جـ 1 ص 402، من طريق بشر بن عمر الزهراني، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ "فأقام" وزاد العشاء أيضًا.
قال الجامع: الذي يظهر لي أن المحفوظ من حديث أبي سعيد لفظ الإقامة لا الأذان، فإن كان محفوظًا بلفظ الأذان، كما هو ظاهر عمل المصنف، فالاستدلال به واضح، وإلا فليس في الحديث دليل على ما ترجم له. فتنبه. والله أعلم.
661 - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَغَلَنَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْقِتَالِ مَا نَزَلَ،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 180)
فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25] فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلَالاً، فَأَقَامَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ أَذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لِوَقْتِهَا.
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (عمرو بن علي) الفلاس السابق في الباب الماضي.
2 - (يحيى) بن سعيد القطان السابق فيه أيضًا.
3 - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني السابق فيه أيضًا.
4 - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، من [3]، تغير قبل موته بأربع سنين، توفي في حدود سنة 120، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، تقدم في 95/ 117.
5 - (عبد الرحمن بن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري، ثقة، توفي سنة 112 وله 77 سنة، من [3]، تقدم في
326.
6 - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري الصحابي ابن
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 181)
الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم في 262. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرجوا لهم، إلا عبد الرحمن ابن أبي سعيد فعلق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.
ومنها: أن فيه رواية الأقران، فسعيد وعبد الرحمن من طبقة واحدة، ورواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (1170) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه) سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنهما أنه (قال: شغلنا المشركون) شغل
من باب نفع، ولا يقال: أشغله بالألف، إلا على لغة قليلة أو رديئة، والمشركون مرفوع على الفاعلية (يوم الخندق) أي يوم اشتغالهم بحفر الخندق، لأجل تحزب الأعداء عليهم.
وغزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب، كانت في شوال، أو في ذي القعدة، سنة خمس من الهجرة، وسببها أنه لما جلا بنو النضير
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 182)
خرج نفر من وجوههم إلى مكة، منهم سلام بن مِشْكَم وابن أبي الحُقيقِ وابن أخطب وغيرهم من اليهود، فأتوا قريشًا ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهم على قتاله، وقالوا: نكون معكم عليه حتى نستأصله، ونَشَّطُوا قريشًا بزعمهم أن دينهم خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم؛ لما أقسم عليهم أبو سفيان، أيُّ الدين خير؟ فاجتمعوا ثم جاءوا غطفان فكلموهم ووعدوهم بنصف تمر خيبر كل عام، فخرجت قريش في أربعة آلاف وعقدت اللواء بدار الندوة وحمله عثمان بن طلحة ومعه ثلثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير يقودهم أبو سفيان، ووافقهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، وهو أبو أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد، وغطفان في فزارة، فأوعبت وهم ألف، يقودهم عيينة بن حِصنْ، وأشجع، وهم أربعمائة، يقودهم مسعود بن رُخَيْلَة، وبنو مرة وهم أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف، وخرج معهم غيرهم، فكانوا عشرة آلاف، وهم ثلاث عساكر، وعِنَاجُ الأمرِ- أي مِلاكُهُ لأبي سفيان، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب المسلمين وشاوروهم، فأشار سلمان بالخندق، ولم يكن شأن العرب، بل من مكائد الفرس، فعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سَفْحِ سَلْعٍ، وكانوا ثلاثة آلاف، ثم خندق على المدينة وعمل فيه بيده بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعًا وعشرين. فهزم الله الأحزاب وحده، ونصر
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 183)
عبده، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بالخندق أربعة أو خمسة عشر يومًا، ورجع إلى المدينة لسبع بقين من ذي القعدة. انظر تفاصيل القصة في سيرة ابن هشام جـ 3 ص 165 - 183. وشرح ألفية السيرة العراقية ص 181 - 186.
(عن) أداء (صلاة الظهر) أي والعصر، ففيه حذف الواو مع ما عطفت، بدليل ما بعده (حتى غربت الشمس) وفي رواية لأحمد "حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل" (وذلك) أي الشغل المذكور (قبل أن ينزل) بالبناء للفاعل (في القتال) أي في شأن القتال (ما نزل) "ما" اسم موصول في محل الرفع فاعل ينزل، أي من صلاة الخوف. ففي رواية أحمد جـ 3 ص 49 "وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف، {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] ".
يعني أن فوت الصلوات إنما كان لعدم مشروعية صلاة الخوف، وفيه أنه بعد نزول آية الخوف لا يجوز تأخيرها، لإمكان أدائها بالكيفية المشروعة (فأنزل الله عز وجل {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25]) بما أرسله من الريح والجنود، كما قال الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} الآية [الأحزاب: 9].
(فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا) أي بعد غروب الشمس، وذهاب وقت المغرب (فأقام لصلاة الظهر) وأشار في هامش الهندية أن في
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 184)
بعض النسخ "فأذن" ومثله في "الكبرى" ومنه يؤخذ حكم الباب، إذ يدل على أنه أذن، وأقام لكل واحدة من الفوائت (فصلاها كما كان يصليها لوقتها) باللام، وهي بمعنى "في"، وفي بعض النسخ "في وقتها" بفي. ولأحمد "فصلاها وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها".
يعني أنه صلى الظهر بالصفة التي كان يصليها في وقتها المعتاد، من الإتيان بواجباتها ومستحباتها وأدائها جماعة والإسرار بقرائتها، ومن كونه لم يزد عليها شيئًا من سجدتي السهو.
(ثم أقام للعصر) أي بعد الأذان، وفي بعض النسخ "ثم أذن العصر" بدلًا من "أقام للعصر" (فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها) وهذا يدل على أنه قضى الصلوات في وقت العشاء، فيكون معنى قوله: "حتى غربت الشمس" أي حتى جاء الليل، وذلك بعد دخول وقت العشاء، بدليل ما هنا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته جـ 3 ص 387،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 185)
أخرجه هنا (661) وفي الكبرى (1625) بهذا السند.
وأخرجه أحمد جـ 3 ص 25، 49، 67، وأبو داود الطيالسي برقم (2231) والبيهقي جـ 1 ص 402، 403 وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، كما ذكره الحافظ في التلخيص جـ 1 ص 194، 195.
الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الأذان والإقامة لكل واحدة من الفوائت إن كان الأذان محفوظًا.
ومنها: مشروعية الترتيب في قضاء ما فات من الصلوات، لأنه صلى الله عليه وسلم رتبها كما وجبت، وقد تقدم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، وترجيح القول بوجوب الترتيب بدليله في كتاب الصلاة، في الباب (55)، فارجع إليه تستفد.
ومنها: أن صفة قضاء الصلاة الفائتة لا يختلف عن الصلاة المؤداة في الوقت، فتصلى كما كانت تصلى في وقتها.
الثالثة: في مذاهب العلماء في الأذان والإقامة للصلاة الفائتة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى، في كتابه الأوسط جـ 3 ص 31:
" ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها"
ثم أخرج بسنده عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي الله
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 186)
عنه، قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، أو قال في سرية، فلما كان آخر السحر عرَّسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يَثِبُ فَزِعًا دَهِشًا، فلما استيقظنا أمرنا، فارتحلنا، ثم سِرْنَا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا، فقضَى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالًا، فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أمره، فأقام، فصلى الغداة.
قال الجامع: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه مطولًا جـ 5 ص 192 بشرح النووي.
قال أبو بكر: فقد سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للصلاة الفائتة إذا نام عنها المرء أن يُؤَذَّنَ لهَا ويقام، وقد روي في أذان من قد فاتته الصلاة بعذر خبران، ثم أخرج بسنده حديث أبي عبيدة، عن أبيه الآتي في الباب التالي، وفيه "فأمر بلالًا، فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر … الحديث.
ثم قال: وممن مال إلى القول بهذا الحديث: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وقال أصحاب الرأي في رجل نسي صلاة فأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة.
ثم أخرج بسنده حديث أبي سعيد الخدري المذكور في الباب.
ثم قال: وممن قال بهذا الحديث مالك، والأوزاعي، وإسحاق، وقال الشافعي: إذا جمع بين الصلاتين، وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 187)
وقتها كما وصفت.
قال ابن المنذر رحمه الله: هذا -يعني ما قاله الشافعي- منه غلط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سن للجامع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما جمع بينهما، أم في وقت الآخرة أن يؤذن للأولى من الصلاة ويقيم فيصليها، ثم يقيم للآخرة فيصليها، كذلك فعل بعرفة في حجته حين جمع بين الظهر والعصر، وبمزدلفة لمَّا جمع بين المغرب والعشاء، ثابت ذلك منه، وقد ذكرت إسناده في غير هذا الموضع، فأما حديث أبي عبيدة عن أبيه فغير ثابت؛ لأنه لم يلقه ولم يسمع منه، وقد ثبت حديث عمران بن حصين.
فالسنة لمن فاتته صلوات أن يؤذن للصلاة الأولى منهن، ويقيم، فيصليها، ثم يقيم لما بعدها من الصلوات، لكل صلاة إقامة، والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها، إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الإخبار، فكذلك يجب قبول الزيادة منه. والله أعلم. انتهى. الأوسط جـ 3 ص 31 - 34.
قال الجامع عفا الله عنه: ما نقله ابن المنذر عن الشافعي هو مذهبه الجديد، والقديم أنه يؤذن للفائتة، وهو المختار عند كثير من أصحابه. قاله في "الفتح" جـ 2 ص 81.
والحاصل أن ما رجحه الإمام ابن المنذر رحمه الله هو الراجح
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 188)
عندي، لقوة دليله، وخلافه ليس له حجة يعتمد عليها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 189)
22 - الاجْتِزَاءُ لِذَلِكَ كُلِّهِ بِأذَانٍ وَاحِد والإقَامَةِ لِكُلِّ وَاحِدة مِنْهُمَا
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الاكتفاء لجميع ما فات بأذان واحد في أول مرة، ثم الإقامة لكل واحدة من تلك الفوائت.
وقوله: لكل واحدة منهما، هكذا نسخ "المجتبى" "منهما" بضمير المثنى، والذي في الكبرى "منها" بضمير المؤنثة الغائبة، وهو الظاهر.
واستدلاله بالحديث على ما ترجم له واضح.
662 - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِلَالاً، فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
1 - (هناد) بن السري بن مصعب التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة من [10]، توفي سنة 243، وله 91 سنة، تقدم في 23/ 25،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 190)
أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم والأربعة.
2 - (هُشَيْمُ) بْنُ بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة 183، من [7]، وأخرج له الجماعة، تقدم في 88/ 109.
3 - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ الأسدي مولاهم المكي، صدوق، يدلس، توفي سنة 126، من [4]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 31/ 35.
4 - (نافع بن جُبيْر) بن مطعم النوفلي، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدني، ثقة، فاضل، توفي سنة 99، من [3]، أخرج له
الجماعة، تقدم في 96/ 124.
5 - (أبو عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر الكوفي، ثقة، توفي بعد سنة 80، من كبار [3]، أخرج له الأربعة، تقدم في (622).
6 - (عبد الله) بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في 35/ 39. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله ثقات.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 191)