وفي الطرح: وكلاهما صحيح، يقال: نودي للصلاة، وبالصلاة، وإلى الصلاة، قال الله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]، وقال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 58]. انتهى.
(أدبر الشيطان) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَرَ، وأدبر: إِذَا وَلَّى، والألف واللام في الشيطان للعهد، والمراد الشيطان المعهود.
قاله العيني. جـ 5 ص 111. وقال في الفتح: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة. انتهى. جـ 2 ص 152.
(وله ضراط) جملة في محل نصب على الحال من الشيطان.
والضراط -بالضم- اسم من ضَرِطَ، يضْرَطَ، من باب تعب، ضَرِطًا، مثل كَتِفَ، فهو ضَرِطٌ، وضَرَطَ، ضَرْطًا، من باب ضرب لغة، قاله في المصباح، وهو ريح له صوت، يخرج من دبر الإنسان، وغيره. قاله في المنهل جـ 4 ص 175.
ثم إن خروج الضراط من الشيطان حقيقة، كما قاله القاضي عياض رحمه الله، لأنه جسم يأكل ويشرب، كما جاء ذلك في الأخبار الصحيحة.
وقال العيني: هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم، واعتراه خطب جسيم، حتى لم يزل
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 232)
يحصل له الضراط من شدة ما هو فيه، لأن الواقع في شدة عظيمة؛ من خوف، وغيره تسترخي مفاصله، ولا يقدر على أن يملك نفسه، فينفتح منه مخرج البول والغائط.
ولما كان الشيطان لعنه الله يعتريه شدة عظيمة، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة، فيهرب حتى لا يسمع الأذان؛ شبه حاله بحال ذلك الرجل، وأثبت له على وجه الادِّعَاء الضراط الذي ينشأ من كمال الخوف الشديد، وفي الحقيقة ما ثَمَّ ضراط، ولكن يجوز أن يكون له ريح، لأنه روح، ولكن لم تعرف كيفيته. وقال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان بالصوت الذي يملؤ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له. انتهى عمدة القاري جـ 5 ص 111.
قال الجامع: ما قاله العيني من نفي الضراط، وأن الكلام خرج مخرج التمثيل فقط، غير صحيح، بل الصواب أن الضراط ثابت كما أثبته هذا الحديث الصحيح، وأيُّ مانع يمنع منه، حتى يصرف النص الصريح عن ظاهره. فتبصر، والله الهادي إلى الصواب.
(حتى لا يسمع التأذين) علة للضراط، أي إنما يفعل ذلك ليشغل نفسه عن سماع الأذان، لئلا يشهد للمؤذن يوم القيامة، لما تقدم برقم (644) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة".
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 233)
وهو داخل فيه، وقيل: حتى غاية لإدباره. قاله العيني.
قال الجامع: الأول أقرب إلى المعنى، إذ الظاهر في سبب هروبه عن الأذان، مع أنه لا يهرب عن القرآن، وهو أفضل من الأذان: هو الابتعاد عن إلزامه الشهادة للمؤذن، كما دل عليه حديث أبي سعيد، فيكون خروج الضراط منه حين هروبه من أجل خوفه وصولَ صوت المؤذن خلالَ هروبه، فظهر كون قوله: "حتى لا يسمع" علة للضراط. والله أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: حتى لا يسمع التأذين، ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافًا، كما يفعله السفهاء. ويحتمل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها. ويحتمل أن يتعمد ذلك، ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.
واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر، فقال: "حتى يكون مكانَ الرَّوْحَاء"، وحَكَى الأعمشُ عن أبي سفيان، راويه عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلًا. هذه رواية قتيبة، عن جرير، عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق، عن جرير، ولم يسق لفظه، ولفظ
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 234)
إسحاق في مسنده "حتى يكون بالروحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة"، فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية فتيبة. انتهى. فتح جـ 2 ص 102.
(حتى إِذا قضي النداء) "قضي" -بالبناء للمفعول- والنداء بالرفع نائب فاعله، ويروى بالبناء للفاعل، والفاعل على هذا ضمير يعود إلى المنادي المدلول عليه "بنودي"، والنداء منصوب على المفعولية.
والقضاء يأتي لمعان كثيرة، وهو هنا بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، أي فرغت منها، أو بمعنى الانتهاء. أفاده العيني.
والنداء بكسرالنون، وضمها لغتان، الأولى أشهر وأفصح: هو الأذان. انتهى طرح جـ 2 ص 197.
وقال في الفتح: واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل، خلافًا لمن شرط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت. انتهى.
(حتى إِذا ثُوِّبَ بالصلاة) بضم المثلثة، وتشديد الواو المكسورة: أي أقيم للصلاة، والتثويب هنا بمعنى الإقامة.
ومعنى التثويب في الأصل: الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وأصله أن يُلَوِّحَ الرجُلُ لصاحبه بثوبه، فيُدِيرَهُ عند أمر يُرْهِقُه من خوف، أو عدو، ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به، وإنما سميت
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 235)
الإقامة تثويبًا، لأنه عود إلى النداء، من ثاب إلى كذا: إذا عاد إليه. أفاده في عمدة القاري جـ 5 ص 112.
وقال في الطرح: ولا يمكن أن يكون المراد بالتثويب هنا قول المؤذن: الصلاة خير من النوم مرتين، وإن كان يسمى تثويبًا، لأمرين:
أحدهما: أن هذا خاص بأذان الصبح، والحديث عام في كل أذان.
والثاني: أن الحديث دل على أن هذا التثويب يتخلل بينه وبين الأذان فصل، يحضر فيه الشيطان، والتثويب الذي في الصبح لا فصل بينه وبين الأذان، بل هو في أثنائه.
وأصل التثويب: أي يجيء الرجل مُستَصْرِخًا، فيلوح بثوبه، لِيُرَى، ويَشْتَهِرَ، فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مُثَوِّبٌ.
وقيل: إنما سمي تثويبًا، من ثاب يثوب: إذا رجع، فالمؤذن رجع بالإقامة إلى الدعاء للصلاة. قال عبد المطلب [من الوافر]:
فَحَنَّتْ نَاقَتِي، فَعَلِمْتُ أنِّي … غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي
وقال غيره [من الخفيف]:
لَوْ رأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ … مَا شَفَعْنَا الأذَانَ بِالتَّثْوِيبِ
قال ابن عبد البر رحمه الله: يقال: ثوب الداعي: إذا كرر دعاءه
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 236)
إلى الحرب.
قال حسان رضي الله عنه[من البسيط]:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُم … لا يَنْكُلُونَ إِذاَ مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي
وقال آخر [من الوافر]:
لَخَيْرٌ نَحنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ … إِذا الدَّاعِي المثَوِّبُ قَالَ: يَالَا
انتهى. طرح التثريب في شرح التقريب جـ 2 ص 197 - 198.
وقال في الفتح: قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه، والخطابي، والبيهقي، وغيرهم.
قال القرطبي: ثُوِّبَ بالصلاة: إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من ردد صوتًا، فهو مثَوِّبٌ، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة "فإذا سمع الإقامة ذهب".
وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة "حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة"، وحكى ذلك ابن المنذر، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزعم أنه تفرد به، لكن في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدل على أن له سلفًا في الجملة ويحتمل أن يكون الذي تفرد به القول الخاص.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 237)
وقال الخطابي: لا يعرف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان "الصلاة خير من النوم" لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة. والله أعلم. انتهى. فتح جـ 2 ص 102.
(حتى إِذا قضي التثويب أقبل) زاد مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة: "فوسوس". (حتى يخطر) -بضم الطاء وكسرها- لغتان، حكاهما القاضي عياض في المشارق، قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم، قال: والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، وهو من قولهم: خَطَرَ الفحلُ بذنبه: إذا حركه، يضرب به فخذيه، وأما بالضم، فمن السلوك، والمرور، أي يدنو منه، فيمر بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه. وبهذا فسره الشارحون للموطأ، فقال الباجي: معناه أنه يحول بين المرء، وبين ما يريد من نفسه، من إقباله على صلاته، وإخلاصه، وبالأول فسره الخليل. انتهى. طرح جـ 2 ص 198.
وقال في الفتح: وضعف الحجري في نوادره الضم مطلقًا، وقال: هو يخطر بالكسر في كل شيء. انتهى. جـ 2 ص 102.
(بين المرء ونفسه) أي قلبه، يعني أنه يحول بين المرء، وبين ما يريده من إقباله على صلاته، وإخلاصه فيها.
قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله: وبهذا التفسير -يعني تفسير النفس بالقلب- يحصل الجواب عما قيل: كيف يتصور خطوره
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 238)
بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد، وقد يجاب بأن يكون تمثيلًا لغاية قربه منه. انتهى. "عمدة القاري" جـ 5 ص 112.
فائدة:
المرء: الإنسان، وفيه سبع لغات: فتح الميم، وضمها، وكسرها، وتغيرها باعتبار إعراب اللفظة، فإن كانت مرفوعة، فالميم مضمومة، وإن كانت منصوبة، فالميم مفتوحة، وإن كانت مجرورة، فالميم مكسورة، والخامسة، والسادسة، والسابعة: امرؤ، بزيادة همزة الوصل، مع ضم الراء في سائر الأحوال، ومع فتحها في سائر الأحوال، ومع تغيرها باعتبار حركات الإعراب. حكاهن في الصحاح، إلا اللغة الثالثة، والرابعة، فحكاهما في المحكم، وأنشد قول أبي خِرَاش [من الطويل]:
جَمَعْتَ أُمُورًا يُنْفِذُ المِرْأَ بَعْضُها … مِنَ الحِلْمِ وَالمعْرُوفِ وَالحَسَبِ الضَّخْمِ
وقال: هكذا رواه السكري، بكسر الميم، وزعم أن ذلك لغة هذيل. انتهى. ويُثَنَّى، فيقال: المرءان، ولا جمع له من لفظه، كما ذكره صاحبا الصحاح والمحكم، وقال في المشارق: والجمع مرءون، ومنه في الحديث: "أيها المرءون"، وذكر صاحب النهاية تبعًا للهروي حديث الحسن "أحسنوا ملأكم أيها المرءون"، وقال: هو جمع المرء، قال: ومنه قول رؤبة لطائفة رآهم: أين يريد المرءون. وقال في الصحاح: وبعضهم يقول: هذه مَرْأة صالحة، ومَرَةٌ أيضًا، بترك
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 239)
الهمز، وتحريك الراء بحركتها، وهذه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال. انتهى. طرح جـ 2 ص 198 - 199. وقد أشبع الكلام في هذا صاحب اللسان، فراجعه جـ 5 ص 4166.
(يقول: اذكر كذا، اذكر كذا) هكذا مكررًا بدون عطف في أكثر النسخ، ووقع في بعضها "اذكر كذا" بدون تكرار، والأُولى رواية البخاري، وأبي داود، ولمسلم "واذكر كذا" بالعطف، وهي أيضًا للبخاري في رواية كريمة، وزاد مسلم من رواية عبد ربه، عن الأعرج "فَهَنَّاه، ومَنَّاهُ، وذكَّرَهُ من حاجته ما لم يَذْكُرْ".
(لما لم يكن يَذْكرُ) ولمسلم "لما لم يكن يذكر من قبل"، أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة.
قال في الفتح: ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالًا، ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي، ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال.
قال الجامع: في هذا الاستنباط، والحكاية المذكورة عندي نظر، سيأتي في المسائل إن شاء الله تعالى.
قيل: خصه بما يعلم، دون ما لا يعلم، لأنه يميل لما يعلم أكثر، لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه أعم من ذلك، فيُذَكِّرُه بما سبق له به علم، ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين كالعلم،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 240)
لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان. انتهى.
قال الجامع: وفي جعله التفكر في معاني الآيات التي يقرؤها ونحو ذلك من هذا القسم الذي هو من وسوسة الشيطان نظر، إذ هو
من مقاصد الصلاة؛ لأن ذلك يحمله على الخشوع والإخلاص. فتنبه. والله أعلم.
(حتى يظل المرء إِن يدري كم صلى) غاية لوسوسة الشيطان، أي أنه يوسوس للرجل حتى يصير لا يدري كم صلى من الركعات، أثلاثًا، أم أربعًا.
و"يظل" بالظاء المشالة المفتوحة- ومعنى "يظل" في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58] وقيل: معناه يبقى ويدوم.
وأشار بعضهم إلى أنه وقع في إحدى نسخ النظامية، وهي رواية الأصيلي في صحيح البخاري "حتى يضل" بكسر -الضاد المعجمة- من باب ضرب، من الضلال، أي ينسى، ومنه قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} [البقرة: 282] أو بفتحها من باب تعب، أي يخطئ، ومنه قوله تعالى: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52]، والمشهور الأول. أفاده في "الفتح".
وقال في "الطرح": المشهور في الرواية "حتى يظل الرجل إن يَدْرِي كم صلى" -بفتح الظاء من يظل"، وكسر "إن"، فيظل إحدى
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 241)
نواسخ الابتداء، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، ومعناها في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، وهي هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} [النحل: 58]، وقيل: بمعنى يبقى، ويدوم، وإن نافية، ويدل على ذلك قوله في رواية البخاري "لا يدري" وفي رواية مسلم "ما يدري" والثلاثة حروف نفي.
وقال ابن عبد البر: الرواية في "أن" ها هنا عند أكثرهم بالفتح، فيكون حينئذ لا يدري، وكذلك رواه جماعة عن مالك حتى يظل لا
يدري كم صلى"، ومن رواها بكسر الهمزة، فمعناه: ما يدري كم صلى، وإن بمعنى "ما" كثير. انتهى.
واعترضه بعضهم، فقال: وهذا غير صحيح، لأن "أن" لا تكون نفيًا، ولا أعلم أحدًا من النحويين حكى ذلك، والوجه في هذه الرواية "أنْ يدري" بفتح الياء من "يدري"، وتكون "أن" هي الناصبة للفعل، ويكون "يضل" بضاد غير مشالة، من الضلال الذي هو الحيرة، كما يقال: ضل عن الطريق، فكأنه قال: يَحَارُ الرجلُ، ويَذْهَلُ عن أن يدري كم صلى، فتكون أن في موضع نصب بسقوط حرف الجر، ويجوز أن يكون من الضلال الذي يراد به الخطأ، فتكون الضاد مكسورة، كقوله: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] وتكون أن في موضع نصب على المفعولية "لضَلَّ"، لأن ضل التي بمعنى أخطأ لا يحتاج تعديها إلى حرف الجر، قال طرفة [من الطويل]:
وَكَيْفَ يَضِلُّ القَصْدَ وَالحَقُّ وَاضِحٌ … وَلِلْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلٌ
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 242)
قال: ولو روي "حتى يُضِلَّ الرجلَ أنْ يَدري كم صلى" لكان وجهًا صحيحًا، يريد به حتى يُضِلَّ الشيطانُ الرجلَ عن دراية كم صلى، ولا أعلم أحدًا رواه كذا، لكنه لو روي لكان وجهًا صحيحًا في المعنى، غير خارج عن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.
قال الحافظ العراقي رحمه الله: وما أدري ما وجه تفرقة ابن عبد البر بين "ما" و"لا"، فجعل رواية الفتح بمعنى "لا"، ورواية الكسر بمعنى "ما"، مع أن "لا"، و"ما" بمعنى واحد. ثم إنه -أعني ابن عبد البر- لا يعرف قوله "يظل" إلا بالظاء المشالة، ولا يتجه مع ذلك في "أن" إلا الكسر، ولا يتجه فيها الفتح، إلا مع الضاد الساقطة كما حكيناه عن بعضهم وهي رواية، قال القاضي عياض: حكى الداودي أنه روي "يضل" بالضاد، بمعنى ينسى، ويذهب وهمه، قال الله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: 282]، وما حكيته عن ابن عبد البر من ضبطه "أنْ" هنا بالفتح وافقه عليه الأصيلي، فضبطه بالفتح في صحيح البخاري، وما حكيته عن المعترض عليه، ذكره أيضًا القاضي عياض، فقال: ولا يصح تأويل النفي، وتقدير "لا" مع الفتح، وإنما يكون بمعنى "ما"، والنفي مع الكسر، قال: وفتحها لا يصح، إلا على رواية من روى "يضل" بالضاد، فتكون "أن" مع الفعل بعدها بتأويل المصدر مفعول "ضل" أي يجهل درايته، وينسى عدد ركعاته. انتهى.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 243)
وما ذكره ابن عبد البر من أن أكثرهم على الفتح معارض بنقل القاضي عياض أن أكثرهم على الكسر، وهو المشهور المعروف.
قال الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله: وما حكاه والدي رحمه الله عن ابن عبد البر أنه قال: الوجه "حتى يضل" الرجل أن يدري بفتح "أن" الناصبة، وبالضاد المكسورة، لم أره في كلامه، إنما تعرض لفتح الهمزة في أن، ولم يذكر كون الضاد ساقطة، هذا هو الذي وقفت عليه في الاستذكار، والتمهيد، فإما أن يكون الشيخ وقف على هذا الكلام في موضع آخر، وإما أن يكون خرَّج على ما ذكره ابن عبد البر في فتح الهمزة أن يكون "يضل" بالضاد الساقطة، وألزمه ذلك، إذ لا يمكن مع فتح الهمزة أن يكون يظل بالظاء المشالة. انتهى. طرح جـ 2 ص 199 - 201. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا من رواية الأعرج عنه متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا (670)، وفي "الكبرى" (1634) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. والله تعالى أعلم.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 244)
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرج معه البخاري ومسلم وأبو داود.
فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به.
وأخرجه مسلم فيه عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو فضل التأذين، وعظم قدره، حيث إن الشيطان يهرب منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصلاة التي هي أفضل الأحوال، بدليل قوله: "فإذا قضي التثويب أقبل"، ويكفي هذا في فضل الأذان. قاله العراقي.
ومنها: أن الشيطان يتأذى منه، فلا يستطيع سماعه.
ومنها: أن الشيطان له تسلط على الإنسان بالوسوسة حتى في حال الصلاة، وأنه شديد الحرص على الإضرار به، فيجب الحذر منه.
ومنها: أن للشيطان ضراطًا على حقيقته، كما تقدم تحقيقه، ولا حاجة إلى ما تكلف له بعضهم بتأويله.
ومنها: أن الإقامة يقال لها: التثويب، وهي مشروعة، وما
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 245)
تقدم في كون التثويب بدعة كما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما هو ما كان بين الأذان والإقامة من قوله: حي علي الصلاة، حي على الفلاح، ونحو ذلك.
ومنها: أن التفكر في الصلاة، والسهو لا يبطلها، وهو إجماع.
المسألة الخامسة: أنه يدل هذا الحديث على أنه كان في زمنه صلى الله عليه وسلم يفصل بين الأذان والإقامة بزمن، وذلك دليل على أنه لا يشترط في تحصيل فضيلة إيقاع الصلاة في أول وقتها انطباق أولها على أول الوقت، إذ لو كان كذلك لما واظبوا على ترك هذه الفضيلة، وهذا هو الصحيح المعروف، وقيل: لا يحصل ذلك إلا بأن ينطبق أول التكبيرة على أول الوقت، وهو شاذ، وهذا الحديث يدل على خلافه، قاله في طرح جـ 2 ص 204. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: أنه يستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان، فإنه ذكر فيه أنه إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان، فدل على أنه كلما زاد في رفع صوته زاد الشيطان في الإبعاد، ولا شك في استحباب فعل الأمور التي تبعد الشيطان، وتطرده، وقد دل هذا الحديث على أن زيادة الرفع زيادة له في الإبعاد، إلا أنه يحتمل أن يقال: قوله: "حتى لا يسمع التأذين" ليس غاية للإبعاد في الإدبار، بل غاية للزيادة في الضراط.
والمراد أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 246)
المؤذن، لكن يدل على زيادته في الإبعاد ما رواه مسلم في صحيحه من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء" قال سليمان -يعني الأعمش- فسألته عن الروحاء؟ فقال: هي من المدينة ستة وثلاثون ميلًا. انتهى طرح.
قال الجامع: قد تقدم أن الأقرب كون الضراط علة لعدم سماعه الأذان، على أنه لا مانع من اجتماع الأمرين في حصول الضراط. فتنبه. والله أعلم.
المسألة السابعة: أنه اختلف العلماء في الحكمة في إدبار الشيطان وهروبه عند سماع الأذان والإقامة، دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقال المهلب: إنما يهرب -والله أعلم- من اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد، وإقامة الشريعة، كما يفعل يوم عرفة، لما يرى من اتفاق الكل على شهادة التوحيد لله تعالى، وتنزل الرحمة، فييأس أن يردهم عما أعلنوا به من ذلك، ويوقن بالخيبة بما تفضل الله تعالى عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية الله، ومضادته أمره، فلا يملك الحدث، لما حصل له من الخوف. انتهى. وذكر القاضي عياض نحوه.
وقيل: إنما أدبر عند الأذان لئلا يسمعه، فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 247)
ولا إنس، ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة. وهذا قد حكاه النووي عن العلماء، وهو مبني على أن الكافر يدخل في هذه الشهادة، وهو الصحيح.
وحكى القاضي عياض قولًا أن الكافر لا يدخل في هذه الشهادة، لأنه لا شهادة له، وقال: لا يقبل هذا من قائله، لما جاء في الآثار من خلافه.
وقال ابن عبد البر: إنما يفعل ذلك لما يلحقه من الذعر، والخزي عند الله، وذكرُ الله تعالى في الأذان تفزغ منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر، لما فيه من الجهر بالذكر، وتعظيم الله تعالى فيه، وإقامة دينه، فيدبر الشيطان، لشدة ذلك على قلبه. انتهى.
وقال بعضهم: سبب إدباره عظم أمر الأذان، لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعار الإسلام، وإعلانه.
وقيل: ليأسه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد.
وقيل: لأنه دعاء إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لمَّا أُمِرَ به. قال ابن بطال: وليس بشيء، لأنه عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنه إذا قضي التثويب أقبل يذكره ما لم يذكر، يخلط عليه صلاته، وكان فراره من الصلاة التي فيها السجود أولى لو كان كما زعموا. انتهى.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 248)
قال القاضي عياض: ولا يلزم هذا الاعتراض إذ لعل نفاره إنما كان من سماع الأمر والدعاء بذلك، لا من رؤيته ليغالط نفسه أنه لم يسمع دعاء، ولا خالف أمرًا.
قال العراقي: أحسن ما ذكره القاضي عياض في جواب اعتراض ابن بطال أن نفرته عند الأذان إنما هو تصميم على مخالفة أمر الله، واستمرار على معصيته، وعدم الانقياد إليه، والاستخفاف بأوامره، فإذا دعى داعي الله فر منه، وأعرض عنه، واستخف به، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين غير مشارك لهم في الصلاة، بل ساعيًا في إبطالها عليهم، وهذا أبلغ في المعصية والاستخفاف مما لو غاب عن الصلاة بالكلية، فصار حضوره عند الصلاة من جنس نفرته عند الأذان، ومن مهيع واحد، ومقصوده بالأمرين الاستخفاف بأوامر الله تعالى، وعدم الانقياد إليها، كما ذكرته. والله أعلم. انتهى طرح جـ 2 ص 201 - 202.
وفي "الفتح": وقيل: إنما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق وإقامة الشريعة.
واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي.
وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير، والتلاوة مثلًا، ولهذا قال لعبد الله بن زيد "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك" أي أقعد
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 249)
في المدّ والإطالة والإسماع، ليعم الصوت، ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضليتها، فيفر حينئذ، وقد ييأس عن أن يردهم عما أعلنوا به، ثم يرجع لما طبع عليه من الأذى والوسوسة.
وقال ابن الجوزي: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء، ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة، وقد ترجم عليه أبو عوانة "الدليلُ على أن المؤذن في أذانه، وإقامته منفي عنه الوسوسة، والرياء، لتباعد الشيطان منه".
وقيل: لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ، هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها، ولا ينقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الخبيث من المفرط، فلو قدر أن المصلي وَفَى بجميع ما أمر به فيها لم يقربه، إذا كان وحده، وهو نادر، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر. أشار إليه ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى. انتهى. فتح جـ 2 ص 103 - 104. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: أنه قد يستدل بهذا الحديث على أن الأذان أفضل من الإمامة، قال العراقي: وهو الذي صححه النووي، خلافًا للرافعي، فإنه صحح أفضلية الإمامة، وعن أحمد روايتان، قال:
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 250)
وفي المسألة لأصحابنا -يعني الشافعية- وجه ثالث، وهو أنه إن قام بحقوق الإمامة كانت أفضل من الأذان، وإلا فهو أفضل، قال به أصحابنا، أبو علي الطبري، والقاضيان، ابن كج، والحسين، والمسعودي، ويوافقه قول الشافعي رحمه الله: أحب الأذان، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للمؤذنين"، وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أم انبغى أن يتقي، ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره. انتهى.
وحكى النووي أول هذا النص مستدلًا به على ترجيح الأذان مطلقًا، وأغفل بقيته، وقد عرفت أنه دال على هذا التفصيل الذي ذكرته. والله أعلم. انتهى. "طرح" جـ 2 ص 203. والله تعالي أعلم.
المسألة التاسعة: نقل ابن بطال عن المهلب رحمهما الله تعالى: أن فيه من الفقه أن من نسي شيئًا، وأراد أن يتذكره، فليصل، ويجهد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا، فإن الشيطان لابد أن يحاول تَسْهِيَتَهُ، وإذكاره أمور الدنيا، ليصده عن إخلاص نيته في الصلاة.
وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن رجلًا دفن مالًا، ثم غاب عنه سنين كثيرة، ثم قدم، فطلبه، فلم يهتد لمكانه، فقصد أبا حنيفة، فأعلمه بما دار له، فقال له: صل في جوف الليل، وأخلص نيتك لله تعالى، ولا تجر على قلبك شيئًا من أمور الدنيا، ثم عرفني بأمرك، ففعل ذلك، فذكر في الصلاة مكان المال، فلما أصبح أتى أبا حنيفة، فأعلمه بذلك، فقال بعض جلسائه من أين دللته على هذا يرحمك الله،
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 251)